لا صفقات في قمة هلسنكي والكرملين يأمل بـ«خريطة طريق» للتطبيع

قصر الرئاسة في هلسنكي حيث ستعقد قمة ترمب - بوتين غداً الاثنين (أ.ف.ب)
قصر الرئاسة في هلسنكي حيث ستعقد قمة ترمب - بوتين غداً الاثنين (أ.ف.ب)
TT

لا صفقات في قمة هلسنكي والكرملين يأمل بـ«خريطة طريق» للتطبيع

قصر الرئاسة في هلسنكي حيث ستعقد قمة ترمب - بوتين غداً الاثنين (أ.ف.ب)
قصر الرئاسة في هلسنكي حيث ستعقد قمة ترمب - بوتين غداً الاثنين (أ.ف.ب)

لم يتوقف الكرملين، منذ تحديد موعد قمة الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب في هلسنكي، عن دحض أنباء عن صفقات واتفاقات يستعد الجانبان لإقرارها، مثل الاتفاق على إخراج إيران من سوريا في مقابل رفع العقوبات الغربية عن روسيا، أو الاتفاق على صفقة في مجال خفض التسلح توفر للبلدين مليارات الدولارات، أو الوصول إلى تفاهمات حول حدود تحركات حلف الأطلسي قرب الحدود الروسية في مقابل تراجع موسكو عن نشر أنظمة صاروخية متطورة موجهة إلى أوروبا.
وبدا أن الإعلان عن أول قمة رسمية تجمع الرئيسين، بعد طول انتظار، فتح شهية التوقعات وحرك بورصة المراهنات على اختراقات واسعة محتملة، لكن الحذر الذي أبداه الكرملين وهو يراقب التطورات التي سبقت القمة، وبينها نتائج قمة حلف الأطلسي التي خرج منها ترمب «منتصراً» على حلفائه، ومعززاً لنهجه في أوروبا، بالإضافة إلى تحليل «بالونات الاختبار» التي أطلقت في واشنطن، تارة بإثارة شيء من الغموض في ملف ضم القرم، وأخرى بالحديث عن استعادة روسيا موقعها في مجموعة «الثماني الكبار»، والإشارات المتلاحقة إلى شروط ترمب لرفع العقوبات الأميركية المفروضة على روسيا، كلها عناصر ساهمت في خفض سقف التوقعات والمراوحة عند ترجيح أن تكون القمة مدخلاً مناسباً لـ«تبادل الآراء وتوضيح المواقف حيال الملفات المعقدة الكثيرة»، وفق تصريح الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف الذي أوضح أن الحديث عن «مساومات محتملة» لا يبدو واقعياً و«علينا أن نطلق الحوار ونسعى إلى فهم أكبر لمواقف كل طرف من أجل إثبات أو تبديد مخاوفنا بشأن عدد من القضايا».
ويعكس الربط الروسي بين «الحال المحزنة للعلاقات» التي «تدهورت إلى أسوأ درجة في التاريخ» والسعي إلى إبراز «الإرادة السياسية المطلوبة للتطبيع» السقف الذي وضعه الكرملين لإدارة الحوار بين الرئيسين في قمة تنتظر منها موسكو أن تشكّل منعطفاً حاسما، يعيد الوزن لتعهدات الرئيس الأميركي خلال حملته الانتخابية بتحسين العلاقات مع موسكو والتعاون معها لتسوية المشكلات الدولية المعقدة.
الأكيد أن القمة تعقد من دون جدول أعمال محدد سلفاً، وصدرت إشارات عدة عن الكرملين إلى أن الرئيسين سيحددان بنفسيهما خلال اللقاء المحاور التي سيتم التركيز عليها والتوسع فيها.
ويترك هذا المدخل هامش المناورة واسعاً أمام بوتين، كما أنه يبدو مريحاً لترمب. إذ يجنّب الطرفين التوسع في مناقشة ملفات «غير مريحة» لعملية إعادة تشغيل العلاقات مثل موضوع «التدخل الروسي» في الانتخابات الأميركية. ولا يعني ذلك أن الملف سيغيب عن الحوار، لكنه لن يشكل محوراً رئيسياً للبحث بحسب تقديرات مصادر مقربة من الكرملين، لأنه مرتبط «بحملات داخلية في الولايات المتحدة تسعى إلى تقويض سلطات ترمب وعرقلة تحركاته، أكثر من أن يكون أزمة بينية في العلاقات مبنية على أسس يمكن مناقشتها وتسويتها»، وفق تأكيد مصدر تحدثت إليه «الشرق الأوسط».
كما أن هذا المدخل يوفر أرضية أوسع للبحث في القضايا التي يمكن التقارب فيها، وتأجيل الملفات الأكثر تعقيداً والمرتبطة بلاعبين دوليين آخرين مثل موضوع ضم القرم. إذ ترفض موسكو سلفاً وضع أي شروط للتعامل مع هذا الملف، وتعتبره «خطا أحمر». ويسيطر اقتناع لدى الروس بأن ترمب لن يكون قادراً على القيام بخطوات أحادية تتعارض مع السياسات الأوروبية وتؤلب عليه المعارضة الداخلية كثيراً. لذلك فإن ملف أوكرانيا الذي سيكون موضوعاً بالتأكيد على الطاولة سيبحث بالدرجة الأولى وفقاً لتقديرات روسية تثبيت وقف النار في الشرق وإعادة الحياة إلى مسار اتفاقات مينسك مع مسعى لفتح حوار أكثر جدية حول آليات التسوية السياسية مع تحييد موضوع القرم مؤقتاً. وهذا أمر مريح للكرملين ويجنّب البيت الأبيض الحرج، لأن الفهم الروسي يقوم على أن عدم قيام ترمب بتقديم تنازلات مباشرة للروس يساعده أكثر على المستوى الداخلي في إطلاق عملية التطبيع وإعادة تشغيل العلاقات.

- ملف الأمن الاستراتيجي
في المقابل، تنتظر موسكو أن يتم التوقف بشكل مفصّل أمام قضايا الأمن الاستراتيجي وملف التسلح مع كل ما يرتبط به من تحركات عسكرية لروسيا وللأطلسي. وثمة من يرى في موسكو أن إحدى أبرز النتائج المحتملة للقمة إعادة الحوار الثنائي حول هذا الموضوع بكل تشعباته، مع وجود إشارات إيجابية، من وجهة النظر الروسية، تستند إلى حرص ترمب على القيام بخطوات لتقليص النفقات الزائدة على سباق التسلح، وهذا التوجه برغم أنه مريح بالنسبة إلى موسكو لكنه يواجه بتعقيدات واسعة في أوروبا، وهو أمر برز خلال القمة الأطلسية الأخيرة، والتأكيد على مسائل تعزيز أمن البلدان الأوروبية عبر نشر مزيد من القدرات للحلف الغربي في البلدان المحاذية للحدود مع روسيا.
هنا لن يكون كافياً الطلب من روسيا أن تتوقف عن نشر أنظمة صاروخية في إقليم كاليننغراد في مقابل وقف خطط تعزيز وجود قوات الحلف على حدودها. وبرغم أن الكرملين يأمل في توسيع الهوة بين واشنطن وحلفائها في أوروبا حول مسائل الأمن والتسلح، لكن نتائج قمة الأطلسي لا توحي بأن هذه المهمة ستكون سهلة أمام بوتين.
ويرى خبراء عسكريون روس أن العمود الفقري الأساسي للتعامل مع هذا الملف يقوم على إعادة الحياة للحوار حول استئناف العمل بالمعاهدات الموقعة بين روسيا والولايات المتحدة، وعلى رأسها المعاهدة الخاصة بنشر أنظمة الدفاع الجوي الموقعة عام 1972 بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة والتي انسحبت منها واشنطن في 2001. ما جعلها معطلة منذ العام التالي وحتى الآن، وهو أمر سمح لواشنطن بتطوير وإطلاق مشروعها الضخم لإنشاء مظلات الدفاع الصاروخي في أوروبا. وما زالت واشنطن منذ ذلك الحين تؤكد لروسيا أن هدف المظلة الحماية من صواريخ كوريا الشمالية وإيران، بينما ترى فيها موسكو تعزيزاً للطوق العسكري من حولها.
ويرى الكرملين أن استئناف الحوار حول آليات للعودة إلى تنفيذ الاتفاقات السابقة سيشكل نقطة انطلاق أساسية للتطبيع، لأن هذا المدخل يفتح على مناقشة رزمة من الملفات الخلافية الحساسة بينها الحشود على الحدود مع أوروبا ومسائل سباق التسلح. لكن النخب الروسية تدرك تماماً أن الوضع الحالي أكثر تعقيداً بكثير تجاه هذه المسائل من الوضع قبل عقدين، وثمة عناصر جديدة دخلت على الخط بينها الشعور الغربي بأن روسيا باتت تشكل تهديداً جدياً للأمن الأوروبي خصوصاً بعد حربي جورجيا وأوكرانيا، بينما تشكو موسكو من نهج واضح يقوم على محاولات تقليص نفوذها في الفضاء السوفياتي السابق وتطويقها بحزام عسكري وسياسي معاد في أوروبا الشرقية. وجاء تأكيد حلف الأطلسي على نيته ضم أوكرانيا وجورجيا في المستقبل ليوجّه رسالة إلى الكرملين في هذا الشأن سبقت القمة مباشرة.
ويفتح هذا الباب لمناقشة العلاقة المتدهورة بين روسيا وحلف الأطلسي، الذي برغم أنه لم يقطع كل خيوط الاتصال مع موسكو وحافظ على مجلس «روسيا - ناتو» عبر جلسات تعقد على مستوى المندوبين الدائمين، لكن النقاشات المهمة غابت بسبب تعطيل اللقاءات على المستوى الوزاري منذ العام 2013. وتنتظر موسكو أن يلعب ترمب دوراً في هذا الشأن. وبرغم عدم توقع تطبيع قريب للعلاقات، وفق خبراء في مجلس السياسات والدفاع تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، لكن «إطلاق الحوار حول الملفات الخلافية يخفف من اندفاع الطرفين نحو تأجيج الموقف أكثر في المناطق الحدودية». ويواجه هذا بمخاوف جدية في الأطلسي وفي أوروبا، برزت من خلال دعوة رئيس الاتحاد الأوروبي دونالد توسك الدول إلى الاستعداد للفترة الصعبة بسبب «تقويض ترمب الوحدة الأوروبية الأطلسية». وعبّر عن ذلك أيضاً منسق الحكومة الألمانية لشؤون التعاون عبر الأطلسي بيتر باير بقوله «نحن في الحلف نشعر بقلق متزايد حيال اتفاقات يمكن أن يتوصل إليها ترمب وبوتين في لقائهما».
والجانب الثاني الذي قد يكون أكثر تعقيداً في هذه المسألة يتعلق بالعلاقة الروسية مع الاتحاد الأوروبي الذي كان قبل الأزمة مع موسكو الشريك التجاري والاقتصادي الأهم لروسيا. وثمة قلق حيال سياسات ترمب برز لدى الطرفين كل منهما بحسب أجندته وأولوياته، وفي مقابل المخاوف الأوروبية من «تنازلات» قد يقدمها ترمب في المسائل الدفاعية تؤثر على أمن بعض البلدان الأوروبية، ثمة قلق روسي من منحى تعليقات ترمب حول مسائل استراتيجية في العلاقة الروسية – الأوروبية مثل موضوع إمدادات الطاقة. وشدد الكرملين، أخيراً، على أن التهديدات الأميركية للشركات الأوروبية وروسيا وألمانيا، المتعلقة بمشروع «السيل الشمالي 2» لتوريد الغاز الروسي إلى ألمانيا: «تثير قلقاً جدياً». وترى موسكو أن ترمب سعى إلى دق إسفين بين الأوروبيين المنقسمين حول ملف إمدادات الطاقة، وفي مقابل حرص ألمانيا وعدد من البلدان المستوردة للغاز الطبيعي الروسي على عدم قطع شعرة معاوية في العلاقة مع موسكو، تعتبر بولندا التي باتت تشكل رأس الحربة في المواجهة الأطلسية والأوروبية مع روسيا أن أوروبا ليست بحاجة إلى «السيل الشمالي 2». وقال وزير خارجيتها ياتسك تشابوتوفيتش: «هذا نموذج عن دول أوروبية تقدم الأموال لروسيا، وهي أموال يمكن استخدامها ضد أمن بولندا».

- خريطة طريق للحوار
ورداً على سؤال عن توقعاته للقمة المرتقبة، قال وزير الخارجية سيرغي لافروف إن الجانب الروسي سيعتبر اللقاء بين الرئيسين ناجحاً إذا أسفر عن بدء حوار طبيعي بين الجانبين، علما بأن كل قنوات التواصل بينهما تم تجميدها، بما في ذلك القنوات الخاصة بمكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات والطاقة والأمن الإلكتروني، والوضع في أفغانستان والنزاعات الإقليمية، ولم يبق من كل ذلك سوى لقاءات غير منتظمة بين دبلوماسيين وعسكريين، وخاصة في ضوء التطورات في سوريا، إضافة إلى لقاءات محدودة حول أوكرانيا.
ويبدو تقويم لافروف للموقف «واقعياً»، بحسب تعبيره، وهو قال في مقابلة مع قناة تلفزيونية أميركية إنه لا يتقاضى راتبه كي يتحدث بمشاعر التفاؤل أو التشاؤم بل للقيام بتقويم واقعي.
ويرى الكرملين أن «الاختراق» الحقيقي المطلوب من القمة هو وضع خريطة طريق واضحة لاستئناف الحوار على كل المستويات، مثل اللجان المشتركة والمجالس البرلمانية والاقتصادية المختلفة ومجموعات العمل الدبلوماسية وغيرها من الآليات المعطلة. ويواجه هذا المسعى تعقيدات داخلية واسعة في واشنطن، لكن موسكو مقتنعة بأن ترمب - برغم مشكلاته داخلياً - قادر على إعطاء إشارة الانطلاق لاستئناف الحوار تدريجياً.
ويحتاج هذا المسار، وفق خبراء روس، إلى الخروج بنتائج واضحة في ملف واحد على الأقل، وهنا ليس المهم أن ترقى النتائج إلى درجة الاتفاق الكامل لأن هذا الأمر يبدو مستبعداً، بل «على الأقل أن يبرز تفاهم على آلية عمل محددة وواضحة لتسوية هذا الملف أو ذاك». وفي هذا المجال برزت توقعات مختلفة تقوم على أن بوسع الرئيسين إطلاق آلية عمل مشتركة في الملفات الأقل خلافاً وتعقيداً، أو القيام بخطوة صغيرة لكنها ذات رمزية مهمة مثل تشكيل لجنة عمل مشتركة لتعزيز الأمن السيبراني.

- سوريا... الطريق إلى التطبيع؟
ويرى محللون روس أن الأزمة السورية تشكّل واحداً من الملفات الأقل تعقيداً والتي يمكن بشكل أسرع من غيرها التوصل إلى تفاهمات بشأنها، قد لا ترقى إلى مستوى تحقيق اختراق كامل، لكنها تضع أساساً للإعلان عن قدرة البلدين على إحراز تقدم ملموس في الملفات المعقدة. وتدور تكهنات في أوساط السياسة والتحليل الروسية حول احتمال أن يكون التفاهم على آليات لـ«تسليم» واشنطن الشمال الشرقي من سوريا، إحدى نتائج قمة هلسنكي، في إشارة إلى أن هذا ينسجم مع الخط العام الذي أعلنه ترمب مراراً حول نية الانسحاب من سوريا، بشرط أن تتحمل روسيا بعض الالتزامات. وتبدو التفاهمات التي سعت روسيا إلى عقدها حول الجنوب السوري، مع أطراف إقليمية بينها إسرائيل استباقاً لموعد القمة، أساساً لمناقشة آليات مشتركة لوضع ملامح أولية للتسوية النهائية في سوريا. وثمة من يقول في العاصمة الروسية إن موسكو ودمشق وطهران ترغب في تسليم ترمب شمال شرقي البلاد لنظام الرئيس السوري، وفي المقابل قد توفر موسكو حماية حدود إسرائيل والأردن في الجنوب الغربي كحافز للولايات المتحدة كي تتخلى عن الشمال الشرقي. ويشدد خبراء روس على أن الخيار الذي يتولى فيه الجانب الروسي المسؤولية عن أمن إسرائيل والأردن يثير مسألة ثمن هذه «المسؤولية» من ناحية، كما أن موسكو لا تملك قدرة كافية للتأثير على القوات الإيرانية من ناحية أخرى.
وكان الكرملين دحض أنباء حول التحضير لاتفاق بين الرئيسين والأميركي حول خروج القوات الإيرانية من سوريا. لكنه لفت، في الوقت ذاته، إلى أن موسكو مستعدة لـ«بحث تفصيلي لكل جوانب الوضع في سوريا» تاركاً الباب مواربا للتوصل إلى تفاهمات معيّنة وليس إلى صفقات وفقاً لترويج بعض وسائل الإعلام.
ومع مراوحة «العقدة الإيرانية» التي تشكل العنصر الأصعب في التوافق على سوريا، يرى خبراء روس أن لدى الطرفين القدرة على التقدم في هذا الملف عبر مقاربة جديدة تقوم على الإفادة من مقترحات أوروبية سابقة بإنشاء آلية مشتركة لوضع الحل النهائي على سكة التنفيذ، بالإفادة من عنصر الرغبة الأميركية في مغادرة سوريا والشعور الروسي بأن واشنطن «ليست مهتمة كثيراً» بإدارة العملية ومستعدة لتركها للروس مع مراعاة مصالح الأطراف الإقليمية والدولية المهتمة.
وكان سفير روسيا في واشنطن، أناتولي أنطونوف، قال إن لدى بلاده وأميركا فرصة للتوصل إلى حل وسط للأزمة في سوريا من دون أن يشير إلى طبيعة الحل الوسط المقبول روسيا، وهو المطلع على كواليس المطبخ السياسي وسبق إن كان نائباً لوزير الدفاع قبل أن ينتقل إلى الخارجية.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...