رجاء النقاش يعود إلى الذاكرة

كتاب يرصد جهوده في «نقد الشعر» مع ذكرى رحيله

رجاء النقاش يعود إلى الذاكرة
TT

رجاء النقاش يعود إلى الذاكرة

رجاء النقاش يعود إلى الذاكرة

وهو يتتبع المسيرة الرائعة لشاعر تشيلي العظيم بابلو نيرودا في كتابه «شعراء عالميون»، يخلص الناقد المصري الراحل رجاء النقاش من قراءة تعريفات نيرودا عن الشعر إلى أن «الشعر سيف ومنديل»، وذلك «حتى يمكن لهذا الشعر أن يجفِّف العَرَق بعد الجهد والآلام الكثيرة، وأن يكون سلاحاً في معركة الخبز». هذا الانحياز الإنساني الوظيفي لدور الشعر والشاعر في خدمة البشر والقضايا العادلة، لم يألُ النقاش جهداً في التأكيد عليه في كل كتاباته عن الشعر، فلديه «الشعر ضرورة للناس جميعاً».
ولترسيخ هذا الدور الكبير للشعر سيفاً ومنديلاً، قدَّم النقاش (1934 - 2008)، الذي مرَّت في شهر فبراير (شباط) الماضي ذكرى وفاته العاشرة، إسهامات كبيرة محبة خادمة وفاهمة وواعية بضرورة الشعر وحاجتنا البشرية إليه، جاسراً في كل كتاباته وطروحاته النقدية الصحافية ذات اللغة المبسطة والمشوقة والقريبة والعميقة في الآن نفسه، ما يتخيله البعض فجوة بين الشاعر والمتلقي، مقدِّماً بذلك خدمات جليلة سواء للقارئ العربي أو للشعراء أنفسهم، لا سيما أنه كان كشافاً لعدد كبير من الشعراء (على رأسهم الشاعر محمود درويش «شاعر الأرض المحتلة» ونظراؤه)، إلى جانب حماسه المعروف عنه لشعراء الستينات منذ بزوغ أزهارهم الأولى.
وبالتزامن مع الذكرى العاشرة لرحيله، صدر عن الهيئة العامة للكتاب في مصر، كتاب «نقد الشعر عند رجاء النقاش» لمؤلفه الأستاذ الأكاديمي رجب أبو العلا، متخذاً من الأطروحات والمواقف والقضايا التي ناقشها رجاء النقاش في كتاباته عن الشعر والشعراء مجالاً لتقديم رؤية شاملة عن النقاش ناقداً للشعر.
كان الشعر هو الميدان المحبَّب للناقد الراحل، تمتع برصيد كبير بين مؤلفاته، على رأسها كتابه «ثلاثون عاماً مع الشعر والشعراء» و«شعراء عالميون... دراسات حول نيرودا وكفافي وطاغور ورسول حمزتوف» و«محمود درويش شاعر الأرض المحتلة» و«أبو القاسم الشابي شاعر الحب والرومانسية» وغيرها من المؤلفات والأسفار التي جمع فيها مقالاته الصحافية التي نشرها طوال مسيرته في العشرات من المجلات والصحف المصرية والعربية.
ولعل أبرز ما يتسم به نقد رجاء النقاش جَمْع صاحبه بين صفتي الناقد والصحافي، وحضوره الكبير في ريادة الصحافة الثقافية العربية، وهو ما طبع كتاباته عموماً، وبالأخص عن الشعر، بطابع شعبوي، فهو يكتب في الأغلب للصحافة السيارة، وبالتالي للقارئ غير المختص، ولذا ينحاز للغة المبسطة البعيدة عن التعقيد النقدي والأكاديمي، وهو ما يتتبعه مؤلف كتاب «نقد الشعر عند رجاء النقاش»، مبرزاً اختلاف الناقد الراحل مع الطرح القائل إن «النقد الحق هو ذلك النقد الذي يدور في رحاب الجامعة»، ومنحازاً إلى «أن الذوق والإبداع ليس حكراً على أحد»، ومحاولاً «كسر حاجز الجمود وفك الأغلال التي فرضت سيطرتها على النقد الأدبي... فأصابته بالعقم والشلل التام، وجعلته عاجزاً عن النهوض والحركة»، كما يشير مؤلف الكتاب.
رجاء النقاش ذاته كان مصرّاً على التأكيد على اختلاف ما يقدمه عن النقد الأكاديمي، بل إنه ينصح في مقدمة كتابه «شعراء عالميون» مَن أراد منه تقديم «دراسة منظمة أكاديمية دقيقة» بالبحث عن كتاب غير هذا الكتاب، مؤكداً أن عمله هو «رحلة حرة ونوع مع الحياة مع الشعراء الأربعة (نيرودا وحمزاتوف وطاغور وكفافي) دون التقيد بمنهج أكاديمي صارم»، فرحلته «نوع من الحياة في حدائق هؤلاء الشعراء يتنقل فيها بحرية كاملة... أصحبهم صحبة الصديق أو التابع المحب العاشق»، وهو ما يخلق حالة البراح التي يتعامل فيها المثقف الراحل مع الشعر.
يخصص الدكتور رجب أبو العلا الفصل الأول من كتابه عن مفهوم الشعر عند رجاء النقاش، كما يعدد الأدوار التي يوجِب النقاش على الشاعر الالتزام بها، على رأسها «التعبير عن المجتمع»، بل إنه يصل إلى أن للشعر لديه «وظيفةً أسريةً»، مستنداً لمقالة له بعنوان «قصيدة تمنع الطلاق»، حيث لجأت الشاعرة منيرة توفيق لكتابة قصيدة لاستعادة زوجها من الطلاق المحتوم.
ويبرز الكتاب الجديد بعض القضايا التي أثارها النقاش، على رأسها رأيه في «قصيدة المدح العربية»، وتبنيه رأياً مختلفاً في مدائح المتنبي، وتبريره للشاعر العربي مدحه سيف الدولة ثم هجره له، ثم مدحه حاكم مصر كافور الإخشيدي، ثم سبه وذمه، دافعاً بأن المتنبي كان يجمع بين صفتي الشاعر والسياسي في الوقت ذاته، فهو يحمل إلى جانب طموح الشعر «طموح رجل سياسي له مبدؤه ورغبته في حماية الأرض العربية».
في المقابل، لا يضيء الكتاب النقدي الجديد حول عدد من القضايا الأخرى والمعارك الشهيرة التي خاضها رجاء النقاش، أهمهما معركته ضد أدونيس، حيث شنّ ضده هجوماً عنيفاً، وكال له الاتهامات، وهو ما قابله الشاعر السوري بحملة من الشتائم ضد النقاش في حوار للأخير في مجلة «الشعر»، أجراه معه الشاعر المصري أحمد الشهاوي.
وأشعل النقاش فتيل المعركة الأدونيسية بمقال له بعنوان «أيها الشاعر الكبير... إني أرفضك»، مكيلاً الاهتمامات لأدونيس لرفضه دعوة من وزارة الثقافة المصرية بحجة الموقف السياسي المصري من إسرائيل، ثم عودته لزيارة القاهرة، ليحل ضيفاً على محافلها، وهو ما رأى الناقد فيه تناقضاً دعاه للرد على هذا الموقف بمقال عنيف، وصم في آخره أدونيس بأنه «كاره للعرب ووحدتهم ورافض للتراث الإسلامي وليس لديه ذرة من التعاطف مع مصر ودورها الرائد في الثقافة العربية والإسلامية».
هذه المواجهة النقاشية - الأدونيسية استرعت اهتمام كثير من المتداخلين العرب، بعضها كان دفاعاً عن أدونيس، من بينها مداخلة من الدكتور جابر عصفور، ومداخلة من «صديق يمني»، كما يصفه النقاش، رأى في هجوم الناقد على الشاعر نكوصاً عن دوره التجديدي.
ولم تكن المواجهة الأدونيسية الوحيدة التي خاضها النقاش، ولكن كتابه «ثلاثون عاماً مع الشعر والشعراء» مليء بمثلها، منها هجومه الضاري على «موجة الحداثة» ممثلة في مجلة «شعر» اللبنانية، وخصوصاً أنسي الحاج وأدونيس، وذلك في مقال له بعنوان «ظاهرة العبث في الشعر العربي المعاصر»، واصفاً أنسي الحاج بأنه «شاعر ضعيف الموهبة».
كما يتصدى النقاش لمواجهة أخرى وهي اتهام أمل دنقل بسرقة محمد الماغوط، وذلك في مقاله «أمل دنقل والماغوط سرقة أم تأثر؟!»، عارضاً رسالة من الأديب اليمني عبد الرحمن الوزير يتهم فيها أمل بالسطو بشكل يكاد يكون حرفياً على بعض أسطر شعرية للماغوط، واستلهامه كثيراً من روح القصائد، ضارباً بعض الأمثلة، منها قول الماغوط: «من هذا الشبح الراقد على الأرض. والنمل يتجاذب مسبحته ومنديله وخصلات شعره». وقول أمل دنقل: «من ذلك الهائم في البرية ينام تحت الشجر الملتف والقناطر الخيرية» وغيرها من المقاطع. ويتصدى النقاش لهذه القضية بالتأكيد على أن ما بين أمل والماغوط هو تأثُّر من الأول بالثاني، يدعمه ما بين الشاعرين من تشابه في الطبيعة الفنية والطبيعة الشخصية، وهو تأثر مشروع وليس له علاقة بالسرقات الأدبية.
وفى فصل بعنوان «بين عبد الناصر ونزار قباني»، يروي النقاش وقائع منع الشاعر نزار قباني من دخول مصر، جراء قصيدته «هوامش على دفتر النكسة» التي تمت مصادرتها، وشنّت أوساط قريبة من السلطة حملة عنيفة على الشاعر، كان في مقدمتها الشاعر صالح جودت، أدت لمنع إذاعة أغاني نزار قباني، ومنع اسمه من أجهزة الإعلام.
ويروي النقاش تفاصيل لقاء له مع نزار في بيروت تحدث خلالها الأخير عن ألمه وضيقه مما يحدث له في مصر جراء قصيدته، وهنا طرأت على رأس النقاش فكرة أن يكتب نزار رسالة شخصية لجمال عبد الناصر يحملها هو ويوصلها إلى دوائر السلطة، وهو ما تم بالفعل، ويرد عبد الناصر بخط يده على رسالة نزار بـ«يُلغى قرار المصادرة بالنسبة للقصيدة. ويُرفع أي حظر على اسم نزار أو أي قرار يمنعه من دخول مصر».
وفى مقالة بعنوان «لماذا يتراجع المجددون؟!» يناقش رجاء النقاش ظاهرة من أغرب الظواهر، ممثَّلَة في الشاعرة نازك الملائكة التي كانت من أقوى أصوات التجديد في الأدب العربي، وكانت صاحبة أول صيحة مؤثرة في الدعوة لحركة الشعر الحر، إلا أنها بعد ما يقرب من 20 عاماً على دعوتها التجديدية عادت وتراجعت عنها تراجعاً كاملاً، ووصل بها الأمر للقول إن «تيار الشعر الحر سيتوقف في يوم غير بعيد... وسيرجع الشعراء إلى الأوزان الشطرية بعد أن خاضوا في الخروج عنها والاستهانة بها...».، ويرجع النقاش ظاهرة التراجع هذه لأسباب من بينها تقدم العمر بهؤلاء المفكرين، ممثلاً بمواقف لطه حسين من الشعر الجاهلي والشيخ علي عبد الرازق ومحمد حسين هيكل والعقاد الذي بدأ حياته أيضاً داعياً للتجديد قبل أن يعود ليقف في وجه حركة التجديد، وبالأخص ضد قصيدة الشعر الحر.
ويأخذ صاحب كتاب «نقد الشعر عند رجاء النقاش» على الناقد المصري عدداً من الملحوظات، منها «اعتماده على الذاكرة، وهو ما يوقعه في بعض الأخطاء» و«انعزاله في الفترة الأخيرة من حياته عن متابعة الجديد في الحركة الشعرية»، ولكن الدكتور رجب أبو العلا يتغافل عن أحكام نقدية عامة يسقط فيها النقاش، وآراء غير محسوبة، من بينها وصمه الشاعر اللبناني أنسي الحاج صاحب التجربة المهمة بـ«ضعف الموهبة»، وذلك في الحين الذي نجده ينحاز لشعراء آخرين في المشهد الشعري العربي.



توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)
توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)
TT

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)
توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس»، الذي حصد المركز الثاني في تصويت الجمهور لأفضل «فيلم وثائقي» بمهرجان «برلين السينمائي الدولي»، بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي، بل رحلة شخصية بدأت منذ اللحظة التي خرج فيها من السجن؛ تلك اللحظة التي ظنّ فيها أن الحكاية انتهت، ليكتشف أن الحكاية الحقيقية لم تبدأ بعد، ففكرة الفيلم، كما يقول لـ«الشرق الأوسط»، وُلدت من شعور داخلي ملحّ بالرغبة في البوح وتحويل التجربة من جرح صامت إلى شهادة حيّة.

منذ خروجه، كان يفكر في طريقة يروي بها ما يحدث داخل السجون السورية، لكنه لم يشأ أن يكون فيلمه مجرد استعراض للعذابات؛ فالألم حاضر، وثقيل، ولا يحتاج إلى مزيد من الإثبات، ما كان يشغله أكثر تلك المساحات الخفية التي لا يراها أحد: لحظات التضامن، ونوبات الضحك الخاطفة، والحكايات التي كان المعتقلون يخترعونها كي ينجوا بأرواحهم... كان يريد أن يتحدث عن المقاومة بمعناها الإنساني؛ عن الحب في قلب القسوة، عن الأمان الذي يُصنع من لا شيء.

الفيلم عُرض لأول مرة في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

بدأ المخرج السوري المقيم في بلجيكا منذ سنوات العمل فعلياً على فيلمه الحاصل على تمويل من «البحر الأحمر» عام 2022، عبر خطة تستهدف أن يُصوَّر الفيلم في استوديو ببلجيكا، عبر بناء ديكورات تحاكي الزنازين والممرات، لكن التحضيرات انقلبت رأساً على عقب مع سقوط النظام السوري، فوجد صابوني نفسه أمام خيار لم يكن في الحسبان؛ العودة إلى المكان الحقيقي.

لم يكن القرار سهلاً كما يصفه، لكنه شعر بأن اللحظة تاريخية، وأن التصوير داخل سجن «صيدنايا» نفسه سيمنح الفيلم صدقاً لا يمكن اصطناعه، وفي البداية كان قد اختار شخصيات تعيش في أوروبا، وبدأ العمل معها بالفعل، غير أن ظروف اللجوء حالت دون عودتهم إلى سوريا بعد سقوط نظام الأسد.

اضطر توفيق صابوني إلى البحث من جديد، أجرى لقاءات مطولة مع نحو 25 معتقلاً سابقاً، يستمع إلى حكاياتهم، لا ليبحث عن الأشد مأساوية، بل عن الأكبر قدرة على الحكي... لم يكن يريد نسخاً متشابهة من الألم، بل شخصيات متباينة في طباعها وحضورها؛ مَن يتكلم بهدوء، مَن ينفعل... مَن يتردد قبل أن يفتح ذاكرته، في النهاية استقر على 4، شكّلوا العمود الفقري للفيلم، لكل منهم طريقته في استعادة الماضي.

العودة إلى السجن كانت أصعب اختبار، يصف صابوني اللحظة الأولى لدخوله المكان بصفته شخصاً حراً بأنها مواجهة مباشرة مع ذاته؛ الجدران نفسها، الرائحة نفسها، الممرات الضيقة التي حفظ تفاصيلها عن ظهر قلب... في البداية طغى الشعور بالرهبة، ثم بدأ يتحول تدريجاً إلى إحساس مختلف أقرب إلى الانتصار الشخصي.

وثق الفيلم جانباً من معاناة السجناء (إدارة المهرجان)

لم يكن، كما يؤكد، انتصاراً على نظام أو على سلطة، بل على المكان ذاته، على الذكرى التي حاولت أن تكسره... أن يعود إليه واقفاً، بكاميرا، وبفريق عمل، كان الأمر بالنسبة إليه استعادة لكرامته المسلوبة، فخلال التصوير، لم تكن الصعوبة في إعادة تمثيل التفاصيل القاسية بقدر ما كانت في حماية الحالة النفسية للمشاركين.

الحديث عمّن رحلوا؛ عن الذين ماتوا تحت التعذيب أو اختفوا، كان يفتح أبواباً مؤلمة، فكان عليه أن يوازن بين حاجته إلى الصدق، وواجبه في عدم الدفع بهم إلى إعادة عيش الصدمة كاملة؛ لذا تحوّل موقع التصوير إلى مساحة إنصات طويلة، وإلى عملية شفاء جماعية أكثر من أنه عمل فني، كما يصفه.

أما مسألة التمويل، فكانت رحلة أخرى من الصبر. يؤكد توفيق صابوني أن جمع الميزانية استغرق أكثر من عامين، ففي كل مرحلة تمويل كان عليه أن يعيد كتابة المعالجة، وأن يشرح رؤيته من جديد، ولم يكن من السهل إقناع جهات الإنتاج بفيلم يدور في سجن، ويعتمد على الذاكرة وإعادة التمثيل، لكن إصراره على أن الحكاية تستحق أن تُروى هو ما أبقى المشروع حياً حتى نهاية 2024، حين اكتمل التمويل وبدأ التصوير فعلياً، ليخرج الفيلم بإنتاج بلجيكي - فرنسي - سعودي.

الملصق الترويجي للفيلم (إدارة مهرجان برلين)

خلال العمل تراكمت المواد المصورة حتى تجاوزت 100 ساعة، كان بإمكانه أن يصنع أجزاء عدة، أو سلسلة كاملة، فالمادة غنية والقصص كثيرة، لكنه، كما يؤكد، اختار أن يكون الفيلم شهادة واحدة، مكثفة، أشبه بوثيقة لا تتكرر، فبالنسبة إليه، هذه الحكاية تُروى مرة واحدة، بهذا الشكل، وبهذا الصدق.

الفيلم صادم دون شك، وفق مخرجه الذي يشير إلى أنه لم يرد أن يكون صدمة متواصلة، ففي غرفة المونتاج، سعى إلى إيجاد توازن دقيق بين مشاهد العنف وقصص الأمل، وكان يدرك أن المشاهد لا يستطيع تحمّل 90 دقيقة من الألم الخالص، لذلك؛ أفسح المجال للحظات الضوء... حكايات عن الخيال الذي كان يحميهم؛ عن الأغاني التي كانوا يهمسون بها، وعن الأحلام الصغيرة التي أبقتهم أحياء... هذا التوازن، كما يراه، هو ما منح الفيلم قدرته على الاستمرار في ذهن المتفرج.


«معركة خاسرة»... اقتحامات قردة البابون تفاقم الصراع بين السكان والحياة البرية في كيب تاون

لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات
لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات
TT

«معركة خاسرة»... اقتحامات قردة البابون تفاقم الصراع بين السكان والحياة البرية في كيب تاون

لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات
لقطة من فيديو تُظهر قرداً وهو يبحث عن الطعام داخل برميل نفايات

على تخوم حي «دا غاما بارك»، حيث تلتقي ضواحي كيب تاون بسفح جبلها المهيب، كانت قردة البابون تتحرك بخفة وجرأة؛ تقفز من الأسفلت إلى جدران الحدائق، ثم تعلو أسطح المنازل قبل أن تنسحب بخفة العارف بمسالك المكان. وفي الطريق الضيق، كان أبناء عائلات البحرية الجنوب أفريقية، المقيمون في منازل متواضعة، يلعبون بين ضحكات متقطعة ونظرات حذرة؛ فمنهم من يبتسم للمشهد كأنه عرض عابر، ومنهم من يلتفت بقلق مكتوم، بينما يواصل معظمهم اللعب غير عابئين، وكأن الألفة مع الخطر أصبحت جزءاً من الحياة اليومية.

وعلى بُعد أميال، حيث تمتد الرؤية نحو قمة شامخة وخليج فسيح، كانت نيكولا دي شود تستعرض صوراً لمطبخها بعدما بعثرت القردة محتوياته إثر اقتحام مفاجئ. وفي حادثة أخرى، ألقى أحد القردة بكلبها عبر الشرفة. ثم جاء يناير (كانون الثاني)، فاندفع ذكر من البابون إلى داخل منزلها بجرأة صادمة، رافضاً المغادرة لمدة عشر دقائق بدت كأنها دهر طويل.

تقول دي شود (61 عاماً)، وهي صانعة أفلام وثائقية انتقلت قبل 5 سنوات من جوهانسبرغ إلى «سايمونز تاون»: «لقد أصبح الأمر بالغ الصعوبة، ومؤلماً نفسياً بالفعل».

لكن قردة البابون في كيب تاون، وفق صحيفة «الغارديان» البريطانية، لم تشعل نزاعاً مع البشر فحسب، بل عمّقت الخلاف بينهم أيضاً، مع تصاعد الجدل حول إمكانية التعايش بين الطرفين أو ضرورة إبعاد القردة عن المناطق السكنية بالكامل.

وخلال احتجاج عام 2024 ضد دخول القردة إلى مجتمع «كوميتجي»، انتهت مواجهة بين مؤيدين ومعارضين لوجودها باستخدام رذاذ الفلفل ضد أحد الأشخاص وأحد القردة.

ووصفت «خطة العمل لإدارة بابون الكيب لعام 2025» الوضع بأنه «مشكلة معقدة مستعصية»، مشيرة إلى أنه «لا يوجد حل واحد يمكن أن يرضي جميع الأطراف أو ينهي النزاع بصورة نهائية».

تغطي جبال المدينة مساحة تمتد إلى نحو 25 ألف هكتار ضمن متنزه جبل الطاولة الوطني، إلا أن المتنزه مجزأ. وتميل قردة «الشاكما» إلى البحث عن الغذاء في الأراضي المنخفضة، وهي مساحات اقتطعت المدينة جزءاً كبيراً منها مع نمو عدد السكان بنسبة 65 في المائة، ليبلغ 4.8 مليون نسمة بين عامي 2001 و2022.

قرد البابون يقفز بخفة من الأسفلت إلى جدران الحدائق (لقطة من فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي)

وحسب بيانات الخطة، ارتفع عدد القردة، التي لا تواجه مفترسات طبيعية في شبه جزيرة الكيب، بوتيرة مماثلة؛ من نحو 360 قرداً في عشرة قطعان مطلع القرن، إلى أكثر من 600 في 17 قطيعاً عام 2024.

ومع اعتياد كثير من القطعان على البحث عن طعام بشري عالي السعرات، ازداد عدد القردة التي تُقتل بالرصاص، أو تدهسها السيارات، أو تنهشها الكلاب، أو تتعرض للصعق الكهربائي. ففي عام 2013، سُجلت وفاة 4 قردة لأسباب مرتبطة بالبشر، وفق الإحصاء الرسمي السنوي، في حين بلغ العدد 33 في عام 2024.

ويرى نشطاء حقوق الحيوان أن على السكان تحمّل مسؤولية التعايش، عبر إحكام إغلاق حاويات القمامة، وتأمين الأبواب والنوافذ، وتدريب الكلاب على عدم مهاجمة القردة.

وتطالب ليندا سيلك، وهي معالجة وناشطة تعمل على توعية الناس بكيفية العيش إلى جانب الطبيعة، بمزيد من المساءلة، قائلة: «لم تُسجَّل أي إدانة ناجحة بحق شخص أطلق النار على قرد بابون».

في المقابل، يرى توم كوهين، وهو صحافي أميركي تقاعد في كيب تاون عام 2019، أن التعايش الحضري السلمي أمر مستحيل. ووصف القطيعين اللذين يترددان على «سايمونز تاون» بأنهما «اعتادا كلياً على الغذاء البشري والمستوطنات من أجل البقاء»، مضيفاً: «لم يعودا قردة برية».

ورغم جهوده لتحصين منزله، تمكنت قردة في فبراير (شباط) 2025 من تحطيم نافذة الحمام والدخول، فكسرت جهاز الميكروويف وتركت فضلاتها خلفها. ويقول: «رائحة القردة تبقى عالقة، أؤكد لك ذلك».

وكانت مستويات الحكومة الثلاثة قد وافقت على إقامة أسوار لإبعاد القردة عن بعض المناطق، وتطبيق لائحة جديدة تعتمد سياسة «صفر تسامح» تجاه إيذاء الرئيسيات.

وفي «سايمونز تاون»، عُدَّ بناء سياج أمراً غير عملي بسبب طبيعة التضاريس، لذلك اقترحت السلطات نقل القطيعين إلى محمية في وقت لاحق من هذا العام، مع إبقاء القتل الرحيم، الذي يرفضه نشطاء حقوق الحيوان، خياراً أخيراً.

غير أن الخطة برمتها تواجه الآن طعناً قانونياً؛ إذ يعترض كثير من النشطاء على فكرة المحمية، ويفضل بعضهم الاستمرار بالاعتماد على الحراس الذين يطلقون كرات الطلاء قرب القردة لإخافتها وإبعادها عن المنازل، وهي مهمة تولتها منذ مارس (آذار) 2025 منظمة «شراكة بابون الكيب» غير الربحية.

وتقول ساندي ماكدونالد (54 عاماً)، التي تقود منظمة «حفظ مدني لشبه جزيرة الكيب» مع ليندا سيلك: «ما يقلقنا أن قرار نقلها إلى محمية، بل وحتى إعدامها، اتُّخذ قبل استقرار الإدارة الجديدة لحراس البابون». وتضيف أن دخول القردة إلى معظم تلك المناطق «تراجع بشكل ملحوظ».

أما نيرين دورمان (47 عاماً)، المقيمة في «ويلكوم غلين»، فترفض فكرة المحمية بشدة، قائلة: «الأجدى أن تُعدم بدلاً من حبسها في أسر دائم».

غير أن جوسلين مورميل، العالمة في «شراكة بابون الكيب» التي درست قردة جنوب أفريقيا لمدة 15 عاماً، ترى أن الحراس وحدهم لا يمكنهم حل المشكلة في «سايمونز تاون». وتقول: «إنها معركة خاسرة نخوضها يومياً لإرضاء القردة والناس هناك».

وخلال أطروحة الدكتوراه، درست مورميل قرية «روي - إلس»، الواقعة على بُعد نحو 32 كيلومتراً جنوب كيب تاون، حيث اختار السكان نهج التعايش. لكنها وجدت أن معدلات نفوق القردة بقيت أعلى من نظيرتها في البرية، مع مقتل 11 صغيراً دهساً خلال 4 سنوات. وتقول: «لا يمكنني أبداً الترويج لفكرة تقاسم المساحة».

من جهته، حمّل جاستن أورايين، أستاذ في جامعة كيب تاون، نشطاء الرفق بالحيوان جانباً من مسؤولية النزاع بين الإنسان والحياة البرية، مشيراً إلى طعون قانونية أسهمت، حسب رأيه، في عرقلة قرارات إدارية مهمة تتعلق بإدارة القردة، ما أدى في نهاية المطاف إلى تشكّل أحد القطيعين في «سايمونز تاون».

وقال: «لا توجد مساءلة لأولئك الذين ينتقدون أساليب إدارة البابون من دون تقديم بديل عملي قابل للتنفيذ».


كيف تحافظ على اليقظة والنشاط في رمضان؟

الإفطار على التمر يُعد تقليداً شائعاً ومفيداً (جامعة بيرمنغهام)
الإفطار على التمر يُعد تقليداً شائعاً ومفيداً (جامعة بيرمنغهام)
TT

كيف تحافظ على اليقظة والنشاط في رمضان؟

الإفطار على التمر يُعد تقليداً شائعاً ومفيداً (جامعة بيرمنغهام)
الإفطار على التمر يُعد تقليداً شائعاً ومفيداً (جامعة بيرمنغهام)

مع حلول شهر رمضان، يواجه كثير من الصائمين تحدياً في الحفاظ على اليقظة الذهنية والتركيز طوال ساعات النهار الطويلة، خصوصاً مع الامتناع عن الطعام والشراب لساعات. ويؤكد خبراء التغذية والصحة أن الصيام لا يعني بالضرورة تراجع الأداء الذهني، بل يمكن الحفاظ على صفاء الذهن باتباع عادات غذائية سليمة ونمط حياة متوازن، حسب مجلة «Vogue» الأميركية.

ويعتمد الصائمون خلال رمضان على وجبتين أساسيتين: السحور، وهي وجبة ما قبل الفجر التي تهيئ الجسم ليوم الصيام، والإفطار، وهي الوجبة المسائية التي تُتناول بعد غروب الشمس لكسر الصيام. وغالباً ما تُتناول هاتان الوجبتان في أجواء عائلية واجتماعية.

وتقول الدكتورة فرزانه ناصر، اختصاصية التغذية المعتمدة في الولايات المتحدة: «تعامل مع السحور والإفطار كتغذية موجهة، وليس مجرد أوقات للأكل؛ فعندما تصوم، فإن ما تتناوله خلال هذه الفترة القصيرة يؤثر بشكل مباشر على طاقتك وهضمك ومزاجك وتركيزك الروحي طوال اليوم». وأضافت: «رمضان وقت مثالي للانضباط والتأمل، وعندما تدعم جسمك بشكل صحيح، يمكنك الاستفادة الكاملة من التجربة».

السحور المتوازن

تشير فرزانه ناصر إلى أن السحور يشكل حجر الأساس ليوم الصيام، وتنصح بالتركيز على 3 عناصر رئيسية هي الألياف، والبروتين، والدهون الصحية، مع إضافة عنصر رابع اختياري وهو الأطعمة المخمرة مثل الزبادي.

وتوضح أن البروتين ضروري للحفاظ على الكتلة العضلية ويمنح شعوراً بالشبع لفترة أطول، ومن أبرز مصادره: البيض، والزبادي اليوناني، والجبن القريش، والعدس، والحمص، والتوفو، والحليب. أما الألياف فتبطئ عملية الهضم وتوفر طاقة مستمرة، ويمكن الحصول عليها من الشوفان، وبذور الشيا والكتان، والمكسرات، والخضراوات، والبقوليات، والفواكه مثل التوت.

كما أن الدهون الصحية مثل زيت الزيتون، والأفوكادو، والمكسرات تدعم وظائف الدماغ وتزيد الشعور بالامتلاء، بينما تسهم الأطعمة المخمرة في تحسين الهضم وتعزيز المناعة. وتوصي فرزانه ناصر بتجنب الأطعمة المكررة أو عالية السكر والملح، مثل الخبز الأبيض والمعجنات والحبوب المحلاة؛ لأنها تسبب تقلبات سكر الدم ما يؤدي إلى الجوع المبكر والإرهاق.

الإفطار التدريجي

يُعد الإفطار على التمر تقليداً شائعاً ومفيداً صحياً؛ إذ يوفر سكريات طبيعية تمنح طاقة فورية مع الألياف. وتنصح ناصر ببدء الإفطار بالتمر مع ماء دافئ أو حساء خفيف أو شاي عشبي، لإعادة الترطيب وتنشيط الجهاز الهضمي تدريجياً.

بعد ذلك، يُفضل أن تحتوي وجبة الإفطار على بروتين صحي مثل السمك أو الدجاج أو البقوليات، إلى جانب الخضروات والدهون المفيدة لضمان توازن العناصر الغذائية. كما تشير فرزانه ناصر إلى أن الكبد يعمل بجهد خلال الصيام؛ لذا قد تساعد الأطعمة المرة مثل الجرجير والأعشاب الورقية في دعمه.

ولترطيب الجسم جيداً، تنصح سايما حسين، مدربة اللياقة والصحة النفسية بالولايات المتحدة، بتوزيع شرب الماء بين الإفطار والسحور، بحيث يتم تناول عدة أكواب عند الإفطار، وأخرى خلال المساء، ثم كوبين تقريباً عند السحور، مع تجنب شرب كميات كبيرة دفعة واحدة.

وبجانب الماء، يمكن الاستفادة من الشوربات، والأعشاب الدافئة، والفواكه والخضراوات الغنية بالماء مثل البطيخ والخيار، في المقابل، يُفضل تجنب الأطعمة المقلية أو المالحة لأنها تزيد الشعور بالعطش، خصوصاً خلال السحور.

الحفاظ على اليقظة الذهنية

لا يؤثر الصيام الطويل على الطاقة البدنية فقط، بل قد يسبب إجهاداً ذهنياً. وتؤكد سايما حسين أهمية تناول الكربوهيدرات المعقدة مثل الحبوب الكاملة والبقوليات؛ لأنها توفر إمداداً ثابتاً من الغلوكوز للدماغ، إلى جانب أطعمة غنية بأحماض «أوميغا-3» مثل الأسماك الدهنية. وإذا شعر الصائم بالإجهاد الذهني خلال النهار، تقترح حسين القيام بنزهة قصيرة، أو تمارين تمدد خفيفة، أو أخذ قيلولة قصيرة. كما أن النوم الجيد ليلاً يبقى العامل الأهم لتجنب التعب.

كما تنصح الدكتورة فرزانه ناصر بالتركيز على الأطعمة الغنية بالمغنسيوم مثل الخضراوات الورقية، والمكسرات، والبذور، وكميات صغيرة من الشوكولاته الداكنة، لما لها من تأثير مهدئ للجهاز العصبي. كما توصي بتجنب القهوة والشاي بكثرة، وحتى كميات كبيرة من الشوكولاته الداكنة مساءً؛ لأنها قد تعيق النوم، وتقترح استخدام الشيكوريا المحمصة والمطحونة أو قهوة الهندباء كبديل خالٍ من الكافيين.