أديس أبابا تتعهد التحرك دولياً لرفع العقوبات عن أسمرة

الأمم المتحدة على خط المصالحة بين إريتريا وإثيوبيا بعد توقيع اتفاق سلام

أفورقي وآبي يوقعان في أسمرة على {إعلان السلام والصداقة} (أ.ف.ب)
أفورقي وآبي يوقعان في أسمرة على {إعلان السلام والصداقة} (أ.ف.ب)
TT

أديس أبابا تتعهد التحرك دولياً لرفع العقوبات عن أسمرة

أفورقي وآبي يوقعان في أسمرة على {إعلان السلام والصداقة} (أ.ف.ب)
أفورقي وآبي يوقعان في أسمرة على {إعلان السلام والصداقة} (أ.ف.ب)

أعلن وزير الخارجية الإثيوبي ورقنة غبيهو، أمس، أن الخطوط الجوية الإثيوبية ستستأنف رحلاتها إلى العاصمة الإريترية أسمرة الأسبوع المقبل، في تطور لافت للانتباه عقب ساعات فقط من إنهاء رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد زيارة تاريخية إلى العاصمة الإريترية دامت يومين.
وأبلغ ورقنة الصحافيين المحليين والأجانب، أن شركة الخطوط الجوية لبلاده التي تعتبر أكبر شركة طيران في أفريقيا، ستقوم بتسيير رحلات مباشرة إلى أسمرة، لكنه لم يدلي بالمزيد من التفاصيل. كما أعلن إنشاء لجنة فنية مشتركة لرصد وتنفيذ الاتفاقات التي تم التوصل إليها بين الطرفين، مشيرا إلى أن هذه اللجنة ستناقش كل القضايا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وفقا لاتفاقية الجزائر ومن بينها قضايا الحدود. وأوضح أن اللجنة ستقرر أيضا التفاصيل المتعلقة بالميناء وعقد الإيجار وتفاصيل التعريفات الخاصة بالركاب جوا وبرا، لافتا إلى أنها ستقدم توصية تتعلق بقضية أسرى الحرب والسجناء المحتجزين أثناء الحرب بين البلدين.
وبعدما تعهد بأن تتحرك إثيوبيا في كافة المحافل الدولية والإقليمية لرفع العقوبات عن إريتريا، أعلن أن عملية فتح السفارتين في البلدين بدأت اعتبارا من أمس باختيار الموقع المناسب. وجاء هذا الإعلان عقب صدور بيان مشترك في ختام زيارة آبي إلى أسمرة ومحادثاته مع الرئيس الإريتري آسياس أفورقي، حيث تعهد الطرفان بإنهاء الحرب الدبلوماسية والكلامية بينهما، والعمل على تعزيز التعاون الوثيق في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية.
ووقع أفورقي وآبي أمس على إعلان مشترك للسلام والصداقة في مقر الرئاسة الإريترية في أسمرة، قبل أن يغادر آبي عائدا إلى بلاده عقب الزيارة التي دامت يومين، وتعتبر الأولى من نوعها لرئيس حكومة إثيوبية منذ نحو عشرين عاما.
كما اتفق البلدان على استئناف روابط النقل والتجارة والاتصالات والعلاقات الدبلوماسية والأنشطة المتجددة، وتنفيذ قرار الحدود، بالإضافة إلى العمل معا لضمان السلام والتنمية والتعاون الإقليميين. وقال وزير الإعلام الإريتري إن الإعلان المشترك ينص على أن حالة الحرب القائمة بين البلدين قد انتهت.
ونقل عن الرئيس أفورقي قوله، خلال حفل العشاء الذي أقامه مساء أول من أمس، على شرف آبي والوفد المرافق له: «إن الترحيب الشعبي والرسمي برئيس الوزراء آبي يبرز مدى رغبة شعب إريتريا بالسلام»، مشيدا بما وصفه بالخيار السياسي الجريء الذي اتخذه رئيس الحكومة الإثيوبية، وأضاف أن «هذا الخيار سيعوض الوقت الضائع في العشرين سنة الماضية».
في المقابل قال آبي «يمكننا الآن أن نتخيل مستقبلاً لا نرى فيه حدوداً وطنية أو جدراناً عالية تفرقنا، سينضم سكان منطقتنا إلى هدف مشترك».
وأعلن آبي وأفورقي أن البلدين سينهيان حالة اللاسلم واللاحرب بينهما في سبيل «المحبة والسلام»، وذلك في تطور قد يغير شكل منطقة القرن الأفريقي وينهي عداوة استمرت عقودا ظل كل طرف خلالها منعزلا عن الآخر.
وغادر آبي العاصمة الإريترية أسمرة بعد صياغة تفاصيل الاتفاق الذي يشمل إعادة الاتصالات الهاتفية والروابط الجوية، والموافقة على أن تستخدم إثيوبيا الموانئ الإريترية المطلة على البحر الأحمر.
وفتح الزعيمان الاتصالات الهاتفية بين البلدين بعد قطعها لمدة 20 عاما، وقالت إثيوبيا التي لا تطل على أي منافذ بحرية إنها ستستخدم ميناء في إريتريا ليصبح منفذا بحريا لها. وطبقا لما أعلنته هيئة الإذاعة الإثيوبية، فإن إثيوبيا وإريتريا ستطوران معا موانئ إريترية على البحر الأحمر، وذلك بعد يوم من لقاء زعيمي البلدين واتفاقهما على تطبيع العلاقات وإنهاء أزمة عسكرية استمرت 20 عاما. وقالت الهيئة: «اتفق الزعيمان خلال اجتماعهما على استعادة العلاقات واستئناف الرحلات الجوية بين البلدين. كما اتفقا على المشاركة في تطوير الموانئ».
ودخلت أمس الأمم المتحدة على خط المصالحة بين إريتريا وإثيوبيا، حيث أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش أنه من المتوقع أن يجتمع مساء أمس مع آبي عقب عودته من أسمرة.
والتحول السريع من الخصومة إلى الشراكة يأتي نتيجة لمبادرة سلام غير متوقعة تقدم بها آبي، ضابط المخابرات السابق البالغ من العمر 41 عاما، والذي تولى السلطة في إثيوبيا في أبريل (نيسان). وقطعت الدولتان المتجاورتان العلاقات عندما نشبت الحرب بينهما عام 1998.
وتجسدت ملامح الانفراجة في العلاقات بين البلدين أول من أمس بوضوح، حين تعانق الزعيمان عناقا حارا ورقصا على أنغام موسيقى تقليدية خلال عشاء رسمي بدت عليه مظاهر الترف والبذخ في العاصمة الإريترية.
والاجتماع هو أول لقاء من نوعه بين زعيمي البلدين الجارين بمنطقة القرن الأفريقي منذ حربهما التي دارت رحاها في الفترة بين عامي 1998 و2000. وقتل فيها نحو 80 ألف شخص. واستقلت إريتريا عن إثيوبيا عام 1993. لكن سرعان ما أصبح البلدان خصمين لدودين.
ويدفع آبي باتجاه المزيد من الإصلاحات الجريئة لكسر عزلة إثيوبيا التي استمرت سنوات عن العالم الخارجي، حيث عفا عن منشقين ورفع حالة الطوارئ وتعهد بخصخصة جزئية لبعض الشركات الحكومية الرئيسية.
وعلى الجانب الآخر من الحدود، تعتبر إريتريا واحدة من أكثر دول العالم انعزالا وقمعا، وتستخدم منذ فترة طويلة التهديد الإثيوبي لتبرير الإنفاق العسكري الكبير والتجنيد لفترات طويلة الذي تسبب في فرار مئات الآلاف من الشبان ذهب أغلبهم إلى أوروبا.
ورفضت إثيوبيا تنفيذ قرار أصدرته العام 2002 لجنة تدعمها الأمم المتحدة حول ترسيم الحدود بين البلدين، ما أدى إلى حرب باردة استمرت لسنوات بين البلدين الجارين، قبل أن يعلن آبي الشهر الماضي أن إثيوبيا ستنسحب من بلدة بادمي وغيرها من المناطق الحدودية المتنازع عليها.
وإريتريا التي كانت منفذ إثيوبيا على البحر بمرفأيها عصب ومصوع، أعلنت استقلالها عام 1993 بعدما طردت القوات الإثيوبية من أراضيها في 1991 إثر حرب استمرت ثلاثة عقود، حيث أصبحت إثيوبيا البالغ عدد سكانها أكثر من 100 مليون نسمة، بلدا من دون منفذ بحري.
على صعيد متصل، رحب الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي في الإمارات بعودة العلاقات الدبلوماسية بين إثيوبيا وإريتريا، مشيراً إلى أن هذا الاتفاق سينعكس إيجابا على تعزيز الأمن والاستقرار في البلدين بشكل خاص وعلى القرن الأفريقي والمنطقة بشكل عام.
وأشاد الشيخ عبد الله بن زايد بهذه الخطوة التاريخية لقادة البلدين الرئيس الإريتري آسياس أفورقي ورئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد علي، التي تحمل في طياتها الازدهار والاستقرار للمنطقة والتي تمثل حكمة سياسية وشجاعة كبيرة للبلدين الجارين اللذين تربطهما الكثير من المصالح المشتركة. وقال إن الإمارات تتطلع أن يسهم هذا الاتفاق في نشر السلام والأمن بما يعود بالخير على البلدين وشعبيهما وعلى عموم المنطقة.
، مشيراً إلى أن الإمارات ومن منطلق الحرص على العلاقات الدولية السليمة والصحيحة تدعم هذا التوجه الحكيم وستعمل على تعزيزه ليكون سلاماً وازدهارا يستحقه الطرفان وتضع في اعتبارها أن الاستقرار والتعاون جزء أساسي من نهجها القائم على احترام القوانين والمواثيق الدولية لذلك تعول على هذا الاتفاق أن يكون راسخا وقوياً بما يحقق الخير والفائدة لشعبي البلدين.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.