صحف تتمسك بفرض رسوم على مواقعها رغم مقاومة القراء

الشروط والنماذج اختلفت لكن الغاية إنقاذها من الإفلاس والاندثار

يرى البعض أن طلب الاشتراك هو أمر مبرر في حالات خاصة تكون فيها المطبوعة مؤثرة في مجالها
يرى البعض أن طلب الاشتراك هو أمر مبرر في حالات خاصة تكون فيها المطبوعة مؤثرة في مجالها
TT

صحف تتمسك بفرض رسوم على مواقعها رغم مقاومة القراء

يرى البعض أن طلب الاشتراك هو أمر مبرر في حالات خاصة تكون فيها المطبوعة مؤثرة في مجالها
يرى البعض أن طلب الاشتراك هو أمر مبرر في حالات خاصة تكون فيها المطبوعة مؤثرة في مجالها

أقبلت الكثير من المطبوعات الورقية الغربية في السنوات الأخيرة على أسلوب جديد لتدبير دخل بديل تعوض به تراجع عوائدها من مبيعات النسخ الورقية ومن الدخل الإعلاني، وهو فرض رسوم اشتراك على قراء مواقعها الإلكترونية. هذا التطور الذي تطبقه الكثير من المطبوعات الشهيرة، وتتنوع في تناولها لكيفية حصر النشر على المشتركين وحدهم، لا يحظى بقبول واسع بين خبراء الإعلام وبين القراء على حد سواء.
على الصعيد العربي، تعتبر «الشرق الأوسط» هي أول صحيفة عربية تنشر محتواها الورقي على الإنترنت، وذلك منذ عام 1995، وهي ما زالت تنشر المحتوى الكامل على موقعها المتاح للقراء كاملاً، ولا يحتاج إلى كلمة سر للدخول ولا إلى اشتراك سنوي.
يتيح الموقع للصحيفة قاعدة هائلة من القراء من جميع أنحاء العالم، كما يفتح باب التفاعل بين الكتاب وقرائهم.
ولا توجد أمثلة بارزة لطلب اشتراكات لتصفح الإعلام العربي على الإنترنت؛ ولهذا أسباب عدة، منها تواضع استخدام الإنترنت عربياً مقارنة بنسبة انتشارها في الغرب وضعف البنية التحتية لشبكات الاتصال ووجود البدائل الكثيرة المجانية لمتصفح الإنترنت باللغة العربية.
من ناحية أخرى، ما زالت الصحافة الإلكترونية العربية تعاني من بعض العقبات منها ضعف العائد المالي، حيث لا يشعر المعلنون بالثقة بعد في هذا النوع من الإعلام، إلى جانب غياب التخطيط وعدم وضوح الرؤية وندرة الكفاءات في عالم النشر الإلكتروني، بالإضافة إلى غياب الأنظمة والقوانين التي تنظم عمل الإعلام الإلكتروني.

الإطلاع مقابل الاشتراك
في الغرب، هناك أساليب عدة متبعة في تدبير وسائل الإعلام للعائد المالي من التواجد على الإنترنت، منها ما بدأته صحيفة «وول ستريت جورنال» الأميركية فيما يسمى «Hard Paywall» بحظر النشر تماماً إلا للمشتركين فقط في الموقع الإلكتروني للصحيفة. واعتمدت الصحيفة على تراثها وتخصصها وقاعدة قرائها الضخمة لفرض مثل هذا الحظر، ونجحت في الاحتفاظ بأكثر من مليون قارئ مشترك في موقعها الإلكتروني.
وفي عام 2010 توجهت صحيفة «التايمز» البريطانية إلى تقليد «وول ستريت جورنال» بفرضها هي الأخرى أسلوب الاطلاع على محتواها الإلكتروني مقابل الاشتراك، وهو القرار الذي قوبل بالكثير من النقد لأسباب عدة، منها أن «التايمز» صحيفة أخبار عامة وليست متخصصة (في الاقتصاد) مثل «وول ستريت جورنال». كما أن «التايمز» لها بدائل مجانية بالجملة على الإنترنت، ممثلة في الصحف البريطانية الأخرى التي ما زالت تعرض محتواها مجاناً، وأهمها «الدايلي ميل».
ولجأت «الغارديان» إلى أسلوب آخر وهو إتاحة المحتوى مجاناً مع طلب التبرع من القراء لمساندة الصحيفة في تغطية تكاليفها.
وهناك أيضاً الحجب الناعم «Soft Paywall»، الذي يتيح للقراء الاطلاع على بعض المقالات قبل طلب الاشتراك منهم. ويحافظ هذا الأسلوب على حجم الإقبال على الموقع الإلكتروني الذي يعتبر حيوياً في الحصول على الإعلانات. وهو يتيح للقراء فرصة التعرف على المحتوى قبل قرار دفع مقابل للاشتراك فيه.
نوع آخر من حجب المحتوى يتيح للقراء الاطلاع على بعض المقالات ويحجب مقالات وتعليقات نوعية يعتبرها حصرية على المشتركين. وتعتمد صحيفة «تلغراف» البريطانية هذا الأسلوب، وتطلق على المقالات المحجوبة اسم «بريميوم».
الكثير من النقاد يعترضون على حجب المحتوى بالكامل؛ لأنه يصيب القراء بالإحباط من ناحية، ويضعف من تأثير الوسيلة الإعلامية من ناحية أخرى. ويرى هؤلاء أن أسلوب طلب الاشتراك مقابل الاطلاع لا يصلح أثناء الأزمات أو الانتخابات أو في حالات الحصول على أخبار حصرية تريد الصحيفة نشرها على نطاق واسع لتعزيز سمعتها. ويرى هؤلاء أن الدفع مقابل الاطلاع على الإنترنت هو وسيلة فاشلة ومضادة لفكرة حرية الاطلاع على الإنترنت.

محتوى مؤثر
البعض الآخر يرى أن طلب الاشتراك هو أمر مبرر في حالات خاصة تكون فيها المطبوعة مؤثرة في مجالها، ولها جمهور ملتزم وعالي الولاء، ولا يريد بدائل أخرى. وأبرز نموذج لطلب الاشتراك مقابل الاطلاع على المحتوى في إطار جديد يتيح الاطلاع على بعض المحتوى مجاناً ما أقبلت عليه دار النشر «كوندي ناست» التي تشرف على الكثير من المطبوعات. فقد قررت مؤسسة «كوندي ناست» أن تحجب أخبار وتحقيقات مجلة «فانيتي فير» على موقعها الإلكتروني، وأن تقصرها على المشتركين الذين يدفعون رسوماً سنوية. وكان التوجه الصريح للمؤسسة هو تدبير الدخل من مواقعها الإلكترونية لتعويض تراجع إيرادات مطبوعاتها الورقية.
وأصبح على القراء دفع رسوم مقابل قراءة محتوى موقع المجلة الإلكتروني الذي يتابع أخبار النجوم وعالم الفنون، وذلك بعد الاطلاع مجاناً على أربع مقالات شهرياً يتم بعده حجب المحتوى.
ووجهت «فانيتي فير» رسالة إلى قرائها من رئيسة التحرير راديكا جونز، قالت فيها إن هذا التحول تم التخطيط له لفترة طويلة، ويهدف إلى رغبة المطبوعة بناء جمهور ملتزم على القاعدة الرقمية للمجلة. ووعدت بتقديم محتوى محترف وأخبار جديدة ذات عمق. وأضافت جونز «إن الإعلام الجيد لم يعد ترفاً، وإنما ضرورة وأن التزام القراء بمطبوعتهم سوف يتيح لها فرصة الاستثمار في البحث عن الأخبار والكتابة والتصوير والفيديو والتوسع إلى مجالات جديدة لخدمة القراء».
وتبلغ قيمة الاشتراك الذي تطلبه «فانيتي فير» 19.99 دولار سنوياً، وهو يشمل الحصول على النسخة الورقية الشهرية والاطلاع على كل المحتوى الإلكتروني، بالإضافة إلى رسالة إخبارية شهرية والاطلاع على محتويات الأرشيف كافة. وتقدم المجلة أول ثلاثة أشهر من الاشتراك مجاناً.
ويبلغ توزيع «فانيتي فير» شهريا نحو 72 ألف نسخة ويتابعها على الموقع الإلكتروني أكثر من مليون متصفح. وتملك مؤسسة «كوندي ناست» مطبوعات شهيرة أخرى مثل «جي كيو» و«وايرد» و«فوغ» و«تاتلر». وللمؤسسة تجارب ناجحة في اشتراط الدفع مقابل الاطلاع على المحتوى في مطبوعات أخرى مثل «وايرد» و«نيويوركر»، وتتوجه المؤسسة إلى فرض الاشتراك الرقمي على مطبوعات أخرى ضمن محاولاتها تعويض نقص الدخل من المطبوعات الورقية.
وتعتمد المؤسسة في فلسفة المشاهدة مقابل الاشتراك على تقدير جمهور القراء للنوعية المتفوقة للموضوعات والأخبار التي يحصلون عليها وانفراد المطبوعة بتقديم الجديد والحصري شهرياً لقرائها.

تخفيض أسعار الورق
وتتوجه بعض المطبوعات إلى تقديم النسخ الورقية بثمن مخفض للمشتركين في المواقع الإلكترونية وسيلةً لتدبير الدخل من ناحية، ورفع التوزيع من ناحية أخرى. وتلجأ صحف مثل «نيويورك تايمز» و«بوسطن غلوب» إلى مثل هذا الأسلوب مع إتاحة فرصة الاطلاع على عدد معين من المقالات المنشورة على الموقع الإلكتروني قبل طلب الاشتراك من القراء. وتتبع صحيفة «فاينانشيال تايمز» البريطانية هذا الأسلوب أيضاً بمنح القراء فرصة قراءة عشر مقالات إلكترونية مجاناً قبل طلب الاشتراك.
وبدأت «نيويورك تايمز» بمنح القراء 20 مقالة مجاناً تم تخفيضها في عام 2012 إلى عشر مقالات فقط، واستطاعت الاحتفاظ بنحو 224 ألف قارئ في أول ثلاثة أشهر بعد تطبيق الاشتراك النقدي، وحققت الصحيفة الأرباح في أول سنة بعد تطبيق الاشتراك الإلكتروني، ثم أعلنت بعد ذلك عن نجاح التجربة.
لكن تحقيق الأرباح في المدى القصير قد يكون هدفاً خادعاً؛ نظراً لفقدان عدد كبير من القراء وتراجع شعبية وتأثير المطبوعات المعنية. كما أن هناك أيضاً الجانب المعنوي الأخلاقي الذي يلزم المطبوعات بإتاحة المعلومات لكل القراء على المواقع الإلكترونية طالما استطاع القراء إليها سبيلاً، حيث يتحمل القراء تكاليف الأجهزة والشبكات الإلكترونية والاشتراك في الإنترنت.
أما مشجعو الاشتراك المالي في الحصول على الأخبار من مواقع المطبوعات، فيرون أنها الوسيلة الوحيدة لبقاء المطبوعات الصغيرة والمحلية على قيد الحياة تجارياً، حيث تنحصر الإعلانات في أقوى المطبوعات دون غيرها. كما يرى هؤلاء أن القراء لا يمانعون في دفع اشتراكات زهيدة مقابل الحصول على أخبار وتحقيقات وصحافة رأي ذات نوعية متفوقة.

رأي القراء
هناك الكثير من الدراسات التي توجهت لقياس رأي القراء في قضية الدفع مقابل قراءة المحتوى على الإنترنت، منها دراسة كندية شملت 1700 قارئ، وجدت أن نسبة 92 في المائة من القراء ترفض دفع الاشتراكات وتفضل التحول إلى مصادر معلومات مجانية بديلة. وزادت هذه النسبة عن معدل الأميركيين الذين يرفضون الاشتراك وكانت نسبتهم 82 في المائة. وكانت النصيحة التي قدمها مؤلفو الدراسة للناشرين هي، أن من الأفضل البحث عن وسائل أخرى، غير فرض الاشتراك على قراء المواقع الإلكترونية، من أجل إيجاد حلول لزيادة الدخل.


مقالات ذات صلة

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

يوميات الشرق جانب من توقيع العقد المشترك برعاية المستشار تركي آل الشيخ في القاهرة الخميس (هيئة الترفيه)

«الترفيه» السعودية و«إم بي سي مصر» لإنتاج محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور

أبرمت هيئة الترفيه السعودية عقد إنتاج مشترك مع قناة «إم بي سي مصر»، في خطوة تعزز مسارات التعاون الهادف إلى تقديم محتوى نوعي يواكب تطلعات الجمهور المصري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق مصر تودع الإذاعي الكبير فهمي عمر (الهيئة الوطنية للإعلام بمصر)

مصر تودع «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر

فقد الإعلام المصري قامة إذاعية كبيرة برحيل «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر الذي وافته المنية الأربعاء عن  98 عاماً والذي يُعد أحد الأصوات الذهبية.

انتصار دردير (القاهرة)
العالم سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الاتفاق على تعزيز التعاون الإعلامي والثقافي والفني بين السعودية ومصر (فيسبوك المستشار تركي آل الشيخ)

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

تسعى السعودية ومصر لتعزيز التعاون بينهما في مجالات الإعلام والثقافة والفنون وفق ما تناوله لقاء جمع ضياء رشوان والمستشار تركي آل الشيخ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
إعلام زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي.

إيمان مبروك (القاهرة)

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.