ماتيلدا فرج الله: الصدفة قادتني إلى الإعلام.. ومارست الصحافة بأنواعها

معدة ومقدمة برنامج «هن» في تلفزيون الحرة تقول إن القنوات اليوم تبحث عن الشكل وليس المضمون

ماتيلدا فرج الله
ماتيلدا فرج الله
TT

ماتيلدا فرج الله: الصدفة قادتني إلى الإعلام.. ومارست الصحافة بأنواعها

ماتيلدا فرج الله
ماتيلدا فرج الله

إذا كانت الصدفة تقود بعض الأشخاص لاتجاهات حياتية معينة، وقد لا يجد غالبيتهم نجاحهم في هذه الاتجاهات، فإن الصدفة التي كانت على موعد مع الإعلامية اللبنانية المعروفة ماتيلدا فرج الله، معدة ومقدمة برنامج هن في تلفزيون الحرة، قد فتحت أمامها أبواب النجاح بفضل الموهبة التي تتمتع بها وشخصيتها وإصرارها على أن تحقق كل ما تطمح به من طموحات في مجال عملها.
ماتيلدا لم تكن تخطط لأن تدخل هذا العالم، عالم الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية، بل كانت ماضية بدراستها للأدب الفرنسي في الجامعة اللبنانية عندما دعيت للعمل الإعلامي، تقول «الإعلام كان صدفة في حياتي، كنت ما أزال طالبة أدرس الأدب الفرنسي في الجامعة اللبنانية عندما فاتحني مدير إذاعة لبنان الحر، وكان جارنا، حدث ذلك في مرحلة الحرب الأهلية في لبنان، وبالضبط سنة 1992، قال لي أشعر بأن شخصيتك تتناسب والعمل الإعلامي وأنك قادرة على خوض العمل الصحافي وأنا مدير إذاعة وتعالي لنجرب}.
تستطرد ماتيلدا في حديثها لـ{الشرق الأوسط} التي التقتها في بيروت، قائلة {هكذا دخلت الإذاعة كمعدة ومقدمة برامج وصرت أتدرج من قسم لآخر، وجربت العمل في التغطيات السياسية والثقافية والأخبار لكني وجدت نفسي كمحاورة في البرامج السياسية». تعود ذاكرتها إلى سنوات البداية وتتحدث «كان من أبرز ما قدمته برنامج (الإنسان في السياسة) وكانت لهذا البرنامج قصة، حيث اقترحت أن نختار شخصيات سياسية لبنانية ونحاورها عن خلفياتها الثقافية والاجتماعية إضافة إلى السياسة ليعرف المستمع الصور المتعددة لكل من يتعاطى في العمل السياسي، وهذا يعني إجراء حوارات مع وزراء ونواب وقادة سياسيين، وعندما طرحت الفكرة على مدير الإذاعة وافق وقال جربي، وكأن لسان حاله يقول من من السياسيين سيجري حوارا مع مقدمة شابة غير معروفة، وبالفعل حاولت وجربت واتصلت ولم يرد علي أحد، كنت بالنسبة لهم نكرة ولا يعرفونني ولم يكن هناك تجاوب من أي سياسي مهما كانت درجته في سلم السياسة، وبعد ثلاثة أشهر من العناء وعدم النجاح كنت على حافة الاستسلام ووصلت إلى شبه قناعة بأني غير قادرة على أن التقي بأي شخصية سياسية».
لكن شخصية طموحة مثل ماتيلدا لا تعرف اليأس والاستسلام، لم تتراجع بل مضت في مشوارها، تقول «في يوم كان هناك احتفال بحضور رئيس الحكومة وقتذاك شفيق الوزان، ولا أدري كيف تمتعت بالجرأة وتقدمت له وأنا أشعر بالقلق وقلت له إن حلمي يتوقف على موافقتك بإجراء حديث معك وأرجو أن تمنحني هذه الفرصة لأن الجميع سوف يتحدث معي إذا أنت تحدثت، وبالفعل وافق وأجريت معه الحديث، وبعد ذلك صارت كل الشخصيات السياسية توافق على الحوار في برنامجي بعد موافقة الرئيس الوزان}. وتشخص هذه الإعلامية التي عرفت بجرأتها في البرامج الإذاعية والتلفزيونية مشكلة تعامل السياسيين العرب عامة واللبنانيين خاصة مع الإعلاميين الشباب، تقول {إن الطبقة السياسية أو الثقافية في لبنان لا تتجاوب مع إعلامي صاعد أو شاب في أول الطريق، حتى وإن كانت أو كان هذا الصحافي يعمل في مؤسسة مهمة، فالسياسيون يفضلون الحديث لأسماء بارزة في الإعلام، ولذلك الشباب يواجهون حتى اليوم مثل هذه المشكلة، أنا يأتيني صحافيون من كلا الجنسين من الشباب أو الذين يتدربون وأفتح لهم المجال وأتحدث إليهم وهم يشكون من صدود السياسيين بل وحتى الإعلاميين من مقابلتهم لأغراض إنجاز مشاريع تخرجهم وعدم منحهم أي فرصة لكني أتعاطى معهم لأنني أتذكر بداياتي الصحافية وكيف منحني الرئيس الوزان فرصة الحوار معه}.
طموحات ماتيلدا قادتها إلى العمل التلفزيوني على الرغم من أنها لم تترك الإذاعة، توضح {بعد أربع سنوات من العمل الإذاعي انتقلت إلى التلفزيون مع قناة الأوربت وكانت مشفرة وعملت برامج اجتماعية وسياسية، ثم بدأت مشاويري مع القنوات اللبنانية حيث عملت ست سنوات مع (إن بي إن) ثم قناة المرأة العربية ومن ثم انتقلت لتلفزيون المستقبل حيث كنت أعد وأقدم برنامج سياسي}، وفي وضعها أمام مقارنة بين العمل الإذاعي والتلفزيوني وأيهما الأقرب إليها، تقول «أجد أن العمل الإذاعي أهم ن ذلك لأن ديكورات التلفزيون والإكسسوارات وحتى شكل المقدمة ومكياجها وأزياؤها تأخذ من جوهر ومضمون المقدمة عند المتلقي وينشغل بتفاصيل بعيدة ربما عن جوهر الفكرة المطروحة، بينما في الإذاعة هناك الصوت والمضمون والإحساس الذي يصل إلى المستمع ويشدة وإذا لا تمتلك هذه المؤهلات فسوف تخسر المتلقي، لهذا أنا قدمت على مدى 15 سنة برنامجا سياسيا (على مسؤوليتك) على الهواء صباح كل يوم سبت لإذاعة لبنان الحر، وكان عبارة عن لقاءات مع سياسيين، وتركت منذ تسعة أشهر فقط، لكني عندما عملت في قناة الحرة كان شرطهم أن أتفرغ للعمل معهم كمعدة ومقدمة برنامج (هن)».
وتصف ماتيلدا تجربتها الجديدة مع قناة الحرة، قائلة «العمل مع الحرة تجربة مختلفة حيث خرجت من الملفات الداخلية اللبنانية إلى ملفات عربية من خلال زاوية المرأة ومناقشة عناوين مهمة مثل الثورات العربية والاقتصاد والثقافة والمشكلات الاجتماعية التي تعيشها المرأة العربية}، مشيرة إلى أن «هذه التجربة أكثر صعوبة من سابقاتها حيث كانت اللقاءات مع ضيوف أعرفهم ويعرفونني، والعمل ضمن ملفات لبنانية أعرفها، أما اليوم باعتباري معدة ومقدمة التقي بضيوف مختلفين من جميع أنحاء العالم العربي وخارجه، ضيوف ألتقيهم للمرة الأولى ونناقش معهم ملفات معقدة، والبرنامج يتطلب عملا يوميا للاتصال بمندوبي البرنامج في مختلف الدول العربية لاختيار الضيوف وإيصالهم إلى بيروت حيث يقترح المندوبون المواضيع التي يمكن مناقشتها وبدورنا ندرسها لنرشح أهم هذه المواضيع ونرسلها للإدارة في واشنطن وبعد الموافقة عليها أبدأ بكتابة نصوص الحلقة، ثم عملية اختيار الضيوف المؤهلين لمناقشة هذه الملفات واستضافتهم في البرنامج هنا في بيروت}.
تستطرد قائلة «في برنامجنا (هن) نناقش ملفات اجتماعية حساسة، مثل التحرش الجنسي والاغتصاب وتعنيف المرأة وآراء رجال الدين، ومثل هذه المواضيع كان من الصعب مناقشتها أما اليوم فالكل يبدو مستعدا لأن يتحدث فيها ومناقشة الملفات التي تبدو من المحرمات في المجتمعات العربية}. توضح «المسألة هنا هي القصة أو القضية التي نختارها في البرنامج ومع (الحرة) ممنوع اختراع قضية بل يجب أن تكون هناك قضية واقعية وموجودة في المجتمع العربي وندعو ضيوفا من دول عربية مختلفة مثل اليمن ومصر والمغرب والعراق ليناقشوا هذه القضية أو تلك، كل حسب منطلقه والباقي متروك للمشاهد ليقرر فدورنا كإعلاميين ليس تغيير الواقع بل تسليط الضوء وتأشير أماكن الخلل، نحن لا نملك تغيير المجتمعات أو الأنظمة السياسية أو الفتاوى الدينية أو ذكورية المجتمع}.
ماتيلدا خاضت غمار العمل الصحافي بكل جوانبه المهمة، الكتابة والإذاعة والتلفزيون، تقول «أنا بدأت بالكتابة ثم الإذاعة والتلفزيون، التلفزيون يجمع بين الكتابة وإعداد البرامج والصوت وحضور المقدم، والمهم عندي كان وما يزال الجوهر، مضمون العمل، مضمون الرسالة الإعلامية التي أريد إيصالها إلى المتلقي}، منبهة إلى أنه «في التسعينات عندما بدأت العمل مع التلفزيون لم يكن الأمر مثلما هو اليوم، كانت عندنا رسالة نريد إيصالها للمشاهد عبر الشاشة، وكنا نمارس الكتابة ونعتمد على ثقافة ومضمون عميق لتقديم برنامج ذات جوهر غني وليس مجرد لغة جسد وأزياء وماكياج وشهرة مثلما يحدث اليوم حيث اختلفت الطموحات ورأس المال وسوق العمل}. وتأسف ماتيلدا كون «مقاييس العمل التلفزيوني اليوم اختلفت فأصبحت جمالية بحتة ثم يأتي موضوع الكفاءة، هذا لم يكن موجودا في التسعينات حيث كانت الكفاءة هي الأصل}، وتشير إلى الخلل بقولها «صارت الإعلانات تتحكم بالقنوات، والإعلان يريد أجسادا ولا يهمه كفاءات، تحول الإعلام إلى صناعة استهلاكية خاضعة لمعايير السوق ولم يعد رسالة، اليوم يبحثون عن برامج ربحية ومثيرة حتى في البرامج السياسية تحولت إلى برامج إثارة وأكشن ويسعى المقدم لأن يضرب الضيف خصمه يضاف إلى هذا أنه ليس هناك شيء جديد في هذه البرامج وغالبيتها مستوردة من البرامج الغربية، ولم تعد مهمة التلفزيونات الارتقاء بالمشاهد بل المهم الإعلان أي برنامج مهما كان مستواه هابطا و(يجيب) إعلان فهو الأفضل وبعكس ذلك لا يعرض البرنامج مهما كانت أهميته}.
بعيدا وقريبا عن التلفزيون فإن لماتيلدا مشروعها الصحافي الخاص، فهي ترأس مجلس إدارة مجلة «سينيه» اللبنانية، تتحدث عنها قائلة «قررت أن يكون لي مشروعي الصحافي الخاص لأحقق حلمي الإعلامي من خلاله، فالمجلة تعني ببصمة أي سياسي أو مثقف أو مبدع ترك بصمته في مجاله المعين اجتماعيا، لهذا سميتها (سينيه) أي التوقيع أو البصمة}، مشيرة إلى أن «هذه المجلة تصدر منذ أكثر من خمس سنوات وتوزع في لبنان وخارجه، وعادة نحتفل بمن ترك بصمته على الغلاف مع صدور أي عدد، إذ احتفلنا بشخصيات لبنانية وعربية كثيرة وهذا تقليد خاص بنا}.



«حرب الأرشيف» تتصاعد بين الصحف والذكاء الاصطناعي

أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)
أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)
TT

«حرب الأرشيف» تتصاعد بين الصحف والذكاء الاصطناعي

أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)
أمام مبنى الـ«نيويورك تايمز» (آ ب)

تتصاعد «حرب الأرشيف» بين الإعلام وشركات التكنولوجيا، عقب اتجاه أصحاب عدد من الصحف إلى إغلاق أرشيفاتها على الإنترنت، مدفوعين بمخاوف من استغلاله مجاناً في تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي. وأفاد خبراء بأن «الحظر مجرد إجراء مؤقت»، ودعوا إلى «وضع قواعد توازن بين حقوق الملكية الفكرية والحق في الوصول إلى المعلومات».

تحليل نشره موقع «نيمان لاب» المتخصص في دراسات الصحافة، أخيراً، تطرّق إلى بدء أكثر من 340 موقعاً إخبارياً محلياً في الولايات المتحدة في حظر أو تقييد الوصول لأرشيفها على الإنترنت. وأشار إلى أن هذا التحرك بدأ في يناير (كانون الثاني) الماضي بحظر صحف مثل «نيويورك تايمز» و«يو إس إيه توداي» أرشيفاتها على الإنترنت، بعد تأكيدها أنه «يستخدم في تدريب أدوات الذكاء الاصطناعي».

مخاوف من استغلال عنصر المجانية

ووفق تحليل «نيمان لاب»، فإن «هذا التحرك ليس موجهاً ضد فكرة الأرشفة في حد ذاتها، بل جاء مدفوعاً بمخاوف متصاعدة من استغلال شركات التكنولوجيا للأرشيف المجاني في تدريب الذكاء الاصطناعي من دون دفع أي مقابل للمؤسسات الإعلامية التي أنتجت هذا المحتوى». ولفت التقرير إلى أن «حظر الأرشيف امتد لصحف أخرى في بريطانيا والبرازيل رغبة في حماية حقوق الملكية الفكرية».

الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي بليبيا، والباحثة في الإعلام الرقمي، قالت في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن قرار حظر الأرشيف «حل مؤقت قد يحمي بعض الحقوق القانونية قصيرة المدى، لكنه يضعف الشفافية، ويقوض الذاكرة الرقمية، ويعزز احتكار البيانات لدى المنصات الكبرى». وأردفت أن «أرشيف الإنترنت لا يعد المصدر الوحيد لتدريب النماذج اللغوية للذكاء الاصطناعي؛ بل هو جزء من منظومة مغذّيات الذكاء الاصطناعي التي تشمل أيضاً البيانات التجارية، والمنصّات الاجتماعية، والأرشيف المفتوح، والبيانات المرخصة، والتفاعل البشري، والبيانات الاصطناعية».

وتابعت أن «هذا الصراع الظاهري يخفي جوانب أكثر أهمية، إذ إن جوهر الصراع يتركز حول ملكية البيانات والسيطرة على المعرفة الرقمية بهدف احتكار البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، إضافة إلى الحق القانوني المثير للجدل في الوصول إلى البيانات العامة». وأشارت الباحثة إلى أن «الحل يكمن في اعتماد المؤسسات على مبدأ الحوكمة المتوازنة للذاكرة الرقمية، التي تعنى بحماية المحتوى من دون تدمير البنية المعرفية للأرشفة والحق العام في الوصول للمعلومات». وأوضحت أن «هذا المبدأ ينبثق منه اتخاذ قرارات من أبرزها: الحذف الانتقائي بدل الحظر الشامل، والترخيص المنظم لاستخدام المحتوى، وإنشاء أرشيفات إعلامية مؤسسية مستقلة بدلاً من الاعتماد الكامل على الأرشفة الخارجية».

زيادة الاعتماد تطبيقات الذكاء الاصطناعي (صورة أرشيفية)

وأضافت إلى ما سبق ذكره، ومن ثم «تطبيق نموذج الوصول المتعدد للأرشيف، والتفرقة بين الإتاحة للعامة، والوصول الأكاديمي والصحافي، والوصول المدفوع، وكذا تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي عبر عقد اتفاقيات تتضمن عقود ترخيص وقواعد بيانات معلنة وشفافية بيانات تدريب النماذج وإقرار تعويضات مالية، حسبما يتناسب مع طبيعة كل مؤسسة وإنتاجها الإعلامي».

من ناحية أخرى، لفتت إلى أن «الحظر يُشكل ضرراً على الأكاديميين، حيث يفقدهم المادة الخام للبحث العلمي الخاصة بأي ظاهرة علمية ونشأتها... وأن البحث الأكاديمي يحتاج إلى مراجعة المصادر الأصلية، والتحقق من البيانات السابقة، واستنساخ الدراسات، وبالتالي، فإن حظر الأرشيف الرقمي لا يعني فقط ضياع مواد إعلامية أو وثائق تاريخية، بل يؤدي عملياً إلى تعطيل القدرة العلمية على فهم الظواهر في سياقها الزمني والتطوري خصوصاً في العلوم الاجتماعية والإنسانية، التي لا تدرس الظواهر بوصفها أحداثاً ثابتة، بل بوصفها عمليات ديناميكية تتشكل عبر الزمن».

واستطردت فقالت إن «الحظر يمحو الذاكرة الرقمية للعصر الحديث التي يعتمد عليها المؤرخون، ما يؤدي إلى خلق فراغات تاريخية رقمية، ويسهم في ظهور انقطاعات للسجل التاريخي مما ينتج تشوها في فهم الأحداث التاريخية، فضلاً عن تعزيز احتكار التاريخ من قبل المنصات، وهو ما يؤدى إلى تهديد كتابة التاريخ الرقمي».

الذاكرة الرقمية

على صعيد ثانٍ، بينما تسعى الصحف إلى حماية ملكيتها الفكرية من الاستغلال التجاري، فإن هذا التحرك يثير تساؤلات بشأن مصير «الذاكرة الرقمية»، وتأثير الحظر على الصحافيين والباحثين والمؤرخين الذين يعتمدون على هذا الأرشيف في عملهم وفي رصد التطورات حول العالم.

هنا، قال الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، إنه «في ظل التطور السريع للذكاء الاصطناعي، أصبح الجدل حول حماية المحتوى الصحافي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، وبالأخص بعد تصاعد الدعوات لحظر بعض أدوات الأرشفة الرقمية مثل أرشيف الإنترنت من استخدام المحتوى الصحافي لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي».

وأضاف عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أنه «على الرغم من أهمية حماية حقوق الملكية الفكرية للمؤسسات الإعلامية، يبقى السؤال الجوهري: هل الحظر هو الحل الأمثل أم مجرد علاج مؤقت لمشكلة أكثر تعقيداً؟».

ومن ثم، أشار إلى أن «المؤسسات الصحافية تواجه تحدياً حقيقياً، فالذكاء الاصطناعي يعتمد على كميات هائلة من البيانات والمحتوى لتطوير نماذجه، والصحافة المهنية تُعد من أهم مصادر المعلومات الموثوقة». وشرح أن «استخدام هذا المحتوى من دون تنظيم أو تعويض عادل يهدد الاستدامة الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية، لا سيما في وقت تعاني فيه الصحافة التقليدية من تراجع الإيرادات وتغير أنماط الاستهلاك الرقمي. وبناءً عليه، فإن حظر الأرشيفات الرقمية بشكل كامل قد لا يكون حلاً جذرياً، بل قد يؤدي إلى إضعاف الوصول إلى المعرفة وتقييد البحث العلمي والتاريخي».

ولفت أيضاً إلى أن الفترة الأخيرة شهدت ازدياداً في النزاعات القانونية بين الصحف وشركات الذكاء الاصطناعي بشأن استخدام المحتوى في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، في حين وقّعت مؤسسات إعلامية اتفاقيات مع شركات التكنولوجيا تنظم استخدام البيانات والمحتوى. وقال إن «الحل الحقيقي يكمن في بناء إطار قانوني وأخلاقي متوازن يضمن حقوق المؤسسات الإعلامية دون الإضرار بحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات. وذلك عبر تطوير أنظمة ترخيص واضحة تسمح باستخدام المحتوى الصحافي مقابل تعويض عادل وشفاف، إضافة إلى فرض قواعد تُلزم شركات الذكاء الاصطناعي بالإفصاح عن مصادر البيانات المستخدمة في تدريب نماذجها».

واستطراداً، اقترح الأكاديمي المصري «إنشاء شراكات استراتيجية بين المؤسسات الإعلامية وشركات التكنولوجيا لتطوير نماذج تعاون تحقق المنفعة للطرفين بدلاً من الصراع المستمر... وذلك لأن فقدان ميزة الوصول إلى خدمات الأرشفة الرقمية قد يحمل آثاراً خطيرة على المدى الطويل، لا سيما أن تلك الأرشيفات الإلكترونية أصبحت بمثابة الذاكرة الرقمية للعالم الحديث، وأداة أساسية لتتبع الأحداث، والتحقق من التصريحات، وتحليل تطور القضايا السياسية والاجتماعية عبر الزمن».

ايضاً أوضح الدكتور عبد الله أن «الصحافي الاستقصائي يعتمد على الوصول إلى النسخ المؤرشفة للكشف عن التناقضات أو حذف المعلومات أو تغيير الروايات الرسمية، بينما يعتمد المؤرخون والباحثون على هذه المواد لبناء فهم دقيق للتاريخ المعاصر... وبالتالي، فإن تقييد الوصول إلى الأرشيف الرقمي قد يضعف الشفافية والمساءلة العامة، ويخلق فجوة معرفية خطيرة للأجيال المقبلة».

وفي خلاصته، إزاء الموضوع قال إن «التحدي الحقيقي ليس في منع التكنولوجيا، بل في تنظيمها بشكل يحمي الإبداع الصحافي، ويصون حق المجتمع في المعرفة في آن واحد... فالمستقبل لن يكون لمن ينجح في منع الذكاء الاصطناعي؛ بل في القدرة على تحقيق التوازن بين الابتكار وحقوق النشر وحرية الوصول للمعلومات».

تساؤلات بشأن مصير «الذاكرة الرقمية» وتأثير الحظر على الصحافيين والباحثين والمؤرخين


«ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين

«ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين
TT

«ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين

«ميتا» تزيد المنافسة مع المنصات بـ«فوروم» وتراهن على جذب المستخدمين

في خطوة تُصعّد المنافسة مع منصات التواصل الاجتماعي لجذب المستخدمين، طرحت شركة «ميتا» تطبيقاً جديداً أسمته «فوروم»، يهدف إلى تحويل كل المجموعات التي يشترك فيها المستخدم على «فيسبوك» إلى تجربة تفاعلية مستقلة.

وفقاً لما ذكرته «ميتا» في بيان لها بنهاية مايو (أيار) المنصرم، فإن «فوروم» يُعدّ ساحة للنقاش العميق في المواضيع التي تثير اهتمام المستخدم، ويعتمد في الأساس على خاصية «اسأل»، التي تدمج الردود من مختلف المجموعات لتقديم إجابات فورية.

وحسب الشركة، فإن «الإجابات التي يحصل عليها المستخدم يصار إلى جمعها وتدقيقها عبر الذكاء الاصطناعي، الذي يتولّى ترجيح أكثر الإجابات التي حصلت على تفاعل إيجابي».

مراقبون يرون أن ما تقدمه «ميتا» ليس ابتكاراً، بل هو ميزة يوفرها بالفعل تطبيق «ريديت». إذ يتيح إجابات بشرية حقيقية للأسئلة من مستخدمين يمتلكون خبرة ومعرفة في بعض المواضيع، وهو السبب ذاته الذي يجعله حالياً أحد أكثر المصادر التي تستشهد بها برمجيات وتطبيقات الدردشة الآلية القائمة على الذكاء الاصطناعي للحصول على الإجابات.

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصّص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، يرى أن «ميتا» تراهن على نقل المستخدم من شبكة علاقات شخصية إلى «مجتمعات اهتمام»، مستفيدة من قوتها العددية عبر دمج مجموعات «فيسبوك» الجاهزة داخل «فوروم».

ويوضح علي سعد لـ«الشرق الأوسط» ان «هذا الدمج يقلل تكلفة انتقال المستخدم ويجعل دخوله فورياً، بينما تخلق ميزة (اسأل) إحساساً بالاكتفاء داخل المنصة من دون الحاجة إلى المغادرة إلى محركات البحث التقليدية، لكن هذا الرهان يصطدم بعائق الخصوصية».

ويتابع أنه «بينما توفر منصة (ريديت) مساحة مجهولة لطرح الأسئلة الحساسة، تظل بيئة (ميتا) مرتبطة بالهوية الحقيقية؛ ما قد يحد من عمق التفاعل». ثم يضيف: «النتيجة المتوقعة هي نجاح في جذب المستخدم اليومي، مقابل صعوبة في استقطاب المجتمعات المتخصصة التي تفضل السرية».

من ناحية أخرى، فإن «ميتا» بطرحها تطبيق «فوروم» تدخل وفق الدكتور علي سعد «منطقة حساسة أخلاقياً وقانونياً مع سعيها لتغذية الذكاء الاصطناعي ببيانات المستخدمين... والتحدي الأبرز هو الموافقة المستنيرة، حيث قد لا يدرك المستخدم أن مشاركاته الشخصية تُستخدم في تدريب النماذج، مع صعوبة حذف أثرها لاحقاً».

ثم يستطرد موضحاً: «إلى جانب ذلك، تلوح في الأفق مخاطر جودة البيانات، فالاعتماد على إجابات الجمهور يفتح الباب أمام التحيزات، والمعلومات المضللة، بل واحتمالات فساد المحتوى عمداً لتوجيه إجابات الذكاء الاصطناعي وجهات محددة». كذلك تزداد هذه المخاطر مع «احتمال تسرّب البيانات الحساسة رغم محاولات إخفاء الهوية؛ ما يضع (ميتا) تحت طائلة قيود تنظيمية صارمة، لا سيما في الاتحاد الأوروبي».

للعلم، يقوم مستخدمو «فوروم» بتسجيل الدخول عبر استخدام بيانات اعتماد حساباتهم على «فيسبوك». وبناءً على ذلك يجري استيراد مجموعاتهم تلقائياً داخل التطبيق. وسيكون بإمكان المستخدمين بعد ذلك المشاركة في مناقشات المجموعات، أو العثور على مجموعات ذات صلة بناءً على المواضيع التي يثير اهتمامهم بالفعل.

في سياق متصل، صرّح خالد عبد الراضي، خبير إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» في المملكة العربية السعودية ومصر، في حوار مع «الشرق الأوسط» بأن شركة «ميتا» تعتمد «الاستنساخ الرقمي» استراتيجيةً راسخةً وممنهجة. ويلفت إلى انعكاس هذه الاستراتيجية بدءاً من اقتباس ميزة «القصص» من «سنابشات»، مروراً بـ«الريلز» لمواجهة صعود «تيك توك»، ووصولاً إلى إطلاق «ثريدز» بديلاً مباشراً لمنصة «إكس»، والآن «فوروم».

وأردف عبد الراضي: «تعود أسباب هذه الاستراتيجية بالأساس إلى طبيعة سوق المنافسة الشرسة بين منصات التكنولوجيا، فمع ظهور أي منتج جديد يلقى قبولاً جماهيرياً واسعاً، تلجأ الشركات الكبرى عادة إلى خيارين، إما الاستحواذ الكامل على هذا الوافد الناجح، أو إصدار نسخة مستنسخة ومطوّرة منه؛ وذلك لجذب مستخدمين».

وفي رأيه: «تتجاوز أهداف (ميتا) من استراتيجية الاستنساخ مجرد الهيمنة، بل هي تمتد إلى أن الاستنساخ أيضاً يعدّ خياراً اقتصادياً ذكياً يوفر تكاليف ابتكار الأفكار وتطويرها».


«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
TT

«أكسل شبرينغر» تحقق حلم تملّك الـ«ديلي تلغراف»

ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)
ترويسة "الديلي تلغراف" (رويترز)

«قبل أكثر من 20 سنة، حاولنا الاستحواذ على صحيفة (التلغراف)، لكننا لم ننجح. الآن تحقق حلمنا»... هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي. وبعد مرور قرابة ثلاثة أشهر ما زالت المجموعة الألمانية العملاقة لم تنهِ بعدُ إجراءات شراء الدار، بل تنتظر الموافقات التنظيمية النهائية قبل أن تتسلمها رسمياً، وتبدأ بتطبيق رؤيتها التي ستركز على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي.

من ناحية أخرى، فمع أن «أكسل شبرينغر» سعت لسنوات بلا كلل لشراء «التلغراف» ودارها، جاءت الصفقة مفاجئة، لا سيما أن مجموعة «الديلي ميل» البريطانية - وهي يمينية أيضاً - كانت تقدّمت بعرض مُغرٍ وصل إلى 500 مليون جنيه إسترليني لشرائها، وكانت تنتظر قراراً من الحكومة البريطانية حول ما إذا كان الاستحواذ على «التلغراف» من قبل شركة تمتلك صحفاً بريطانية أخرى، قد يؤثر سلباً على صحة المنافسة في السوق. ويبدو أن المجموعة الألمانية اغتنمت فرصة الشكوك والتردّد هذه، لتقدّم عرضاً أكبر وصل إلى 575 مليون جنيه إسترليني، وتفوز بالصفقة.

ماتياس دوبفنر(أكسل شبرينغر)

سنوات مرتبكة

استحواذ «أكسل شبرينغر» أنهى 3 سنوات مرتبكة داخل «التلغراف» بدأت عام 2023 عندما قرر بنك «لويد سكوتلاند» أن يضع يده على الدار بهدف استرداد أموال استدانها المالكان، وهما الأخوان التوأمان الثريان فيليب وديفيد باركلي (الأخير تُوفي عام 2021). وكان الأخوان قد استدانا من المصرف مقابل رهن الصحيفة والدار، لكنهما توقفا عن سداد ديونهما، ما دفع بالمصرف إلى السيطرة على أسهمهما، وطرحها في المزاد العلني بعد وصول المفاوضات الطويلة مع العائلة لسداد الدين إلى طريق مسدود.

على الأثر، وفور طرح «التلغراف» للبيع في المزاد العلني، تقدّم «تحالف» أميركي - إماراتي لشرائها، إلا أن الصفقة تعثرت بعد اعتراض الحكومة البريطانية على بيعها للتحالف لأسباب تتعلق بمخاوف من نفوذ دولة أجنبية (الإمارات بالذات) على صحيفة بريطانية مؤثّرة سياسياً. وكانت الحكومة المحافظة - آنذاك - قد سنّت تعديلات على قوانين الإعلام وملكية الصحف لمنع سيطرة دول أجنبية على صحف بريطانية.

من ثم، عادت «التلغراف» إلى السوق مرة جديدة في العام التالي، لتتقدم الشركة المالكة لدار «الميل» بعرض لشرائها. ولكن الشركة المالكة للصحيفة الشعبية اليمينية - أي «الميل» - اصطدمت بتدقيق من وزارة الثقافة التي أبدت قلقاً من أن استحواذ الشركة على الصحيفة الوقورة قد يؤثر على التعدّدية الإعلامية في البلاد، وأرادت النظر في أثر الصفقة على المنافسة والمصلحة العامة. وهكذا، جاء عرض «أكسل شبرينغر» لينهي عملية التدقيق الطويلة، ويطوي صفحة بيع الصحيفة.

مع هذا، ففور إعلان «أكسل شبرينغر» عن «تحقيقها حلمها» بالاستحواذ أخيراً على الصحيفة البريطانية، بدأت التساؤلات حول ما إذا كانت المجموعة الألمانية قد تسرّعت بشراء الصحيفة؛ إذ نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية، اليسارية التوجهات، الشهر الماضي عن مصادر لم تسمها القول إن «أكسل شبرينغر» لم تُجرِ إجراءات التدقيق اللازمة قبل الاستحواذ على «التلغراف»، وإنها قد تواجه، بالتالي، صعوبة في استرداد استثمارها مع تحوّل الصحف إلى نماذج أقل ربحية.

«الغارديان» نقلت عن عدة مصادر القول إن الرئيس التنفيذي لمجموعة «أكسل شبرينغر»، ماتياس دوبفنر، قرّر التخلي عن خطوات التدقيق المعتادة التي تُتبع عادة لتقييم قيمة الشركة وآفاقها المستقبلية، لكي ينهي الصفقة بسرعة. وبالفعل تقدّم بعرض أعلى من عرض مالك «الميل» الذي كان عرض الشراء بـ500 مليون جنيه إسترليني، وهو المبلغ نفسه الذي كان دفعه التحالف الأميركي - الإماراتي لشرائها عام 2023، لكنه أُجبر على بيعها من جديد.

شكوك حول جدوى الصفقة

وفق «الغارديان»، لا يتعدى تقييم الخبراء في السوق لقيمة «التلغراف» 450 مليون جنيه إسترليني. وهذا يعود إلى استمرار انخفاض نسبة المشتركين في الصحيفة الورقية. والواقع أن الاشتراكات في النسخة الورقية للصحيفة لا تزال تشكل المصدر الأول للدخل بنسبة 61 في المائة، وبقيمة تزيد على 255 مليون يورو، بحسب أرقام سنة 2024. غير أن هذه الأرقام تنخفض منذ سنوات، بحسب تحقيق «الغارديان». فقط عام 2024 سجّل ارتفاعاً بنسبة 5 في المائة في نسبة الاشتراكات، 78 في المائة منها كانت اشتراكات إلكترونية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الاشتراكات كان عروضاً مجانية أو بأسعار بخسة.

في أي حال، فعلى الرغم من المخاوف من تعذّر تحقيق مكاسب سريعة، فإن استحواذ المجموعة الألمانية على الدار الصحافية البريطانية يتماشى مع توسع المجموعة دولياً خلال السنوات الأخيرة؛ فهي استحوذت على مجلة «بوليتيكو» عام 2021، ما أعطاها قدماً في العالم الناطق بالإنجليزية، بالإضافة إلى «بيزنس إنسايدر». وراهناً تسعى المجموعة الألمانية إلى الاعتماد على التوسّع الرقمي والذكاء الاصطناعي عِوضاً عن المطبوعات الورقية، لكن خططها بالنسبة لـ«التلغراف» ما زالت قليلة الوضوح، ولا سيما أن قاعدة الصحيفة الأساسية ما زالت الاشتراكات الورقية.

وفي المحصّلة، ترى «أكسل شبرينغر» - التي تنتمي عناوينها إلى اليمين ويمين الوسط - في «التلغراف» منصة لها للنفاذ إلى النخب السياسية والاقتصادية البريطانية تزيدها تأثيراً، ولا تختلف كثيراً عن توجهاتها السياسية.

رفضت الحكومة البريطانية عرض مالكي «الميل» لشراء «التلغراف» حرصاً على التعدّدية الإعلامية في البلاد

هكذا أعلنت مجموعة «أكسل شبرينغر» الألمانية للإعلام والنشر عن شرائها المفاجئ لدار «التلغراف» الصحافية البريطانية المحافظة واليمينية العريقة في مارس (آذار) الماضي