ماتيلدا فرج الله: الصدفة قادتني إلى الإعلام.. ومارست الصحافة بأنواعها

معدة ومقدمة برنامج «هن» في تلفزيون الحرة تقول إن القنوات اليوم تبحث عن الشكل وليس المضمون

ماتيلدا فرج الله
ماتيلدا فرج الله
TT

ماتيلدا فرج الله: الصدفة قادتني إلى الإعلام.. ومارست الصحافة بأنواعها

ماتيلدا فرج الله
ماتيلدا فرج الله

إذا كانت الصدفة تقود بعض الأشخاص لاتجاهات حياتية معينة، وقد لا يجد غالبيتهم نجاحهم في هذه الاتجاهات، فإن الصدفة التي كانت على موعد مع الإعلامية اللبنانية المعروفة ماتيلدا فرج الله، معدة ومقدمة برنامج هن في تلفزيون الحرة، قد فتحت أمامها أبواب النجاح بفضل الموهبة التي تتمتع بها وشخصيتها وإصرارها على أن تحقق كل ما تطمح به من طموحات في مجال عملها.
ماتيلدا لم تكن تخطط لأن تدخل هذا العالم، عالم الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية، بل كانت ماضية بدراستها للأدب الفرنسي في الجامعة اللبنانية عندما دعيت للعمل الإعلامي، تقول «الإعلام كان صدفة في حياتي، كنت ما أزال طالبة أدرس الأدب الفرنسي في الجامعة اللبنانية عندما فاتحني مدير إذاعة لبنان الحر، وكان جارنا، حدث ذلك في مرحلة الحرب الأهلية في لبنان، وبالضبط سنة 1992، قال لي أشعر بأن شخصيتك تتناسب والعمل الإعلامي وأنك قادرة على خوض العمل الصحافي وأنا مدير إذاعة وتعالي لنجرب}.
تستطرد ماتيلدا في حديثها لـ{الشرق الأوسط} التي التقتها في بيروت، قائلة {هكذا دخلت الإذاعة كمعدة ومقدمة برامج وصرت أتدرج من قسم لآخر، وجربت العمل في التغطيات السياسية والثقافية والأخبار لكني وجدت نفسي كمحاورة في البرامج السياسية». تعود ذاكرتها إلى سنوات البداية وتتحدث «كان من أبرز ما قدمته برنامج (الإنسان في السياسة) وكانت لهذا البرنامج قصة، حيث اقترحت أن نختار شخصيات سياسية لبنانية ونحاورها عن خلفياتها الثقافية والاجتماعية إضافة إلى السياسة ليعرف المستمع الصور المتعددة لكل من يتعاطى في العمل السياسي، وهذا يعني إجراء حوارات مع وزراء ونواب وقادة سياسيين، وعندما طرحت الفكرة على مدير الإذاعة وافق وقال جربي، وكأن لسان حاله يقول من من السياسيين سيجري حوارا مع مقدمة شابة غير معروفة، وبالفعل حاولت وجربت واتصلت ولم يرد علي أحد، كنت بالنسبة لهم نكرة ولا يعرفونني ولم يكن هناك تجاوب من أي سياسي مهما كانت درجته في سلم السياسة، وبعد ثلاثة أشهر من العناء وعدم النجاح كنت على حافة الاستسلام ووصلت إلى شبه قناعة بأني غير قادرة على أن التقي بأي شخصية سياسية».
لكن شخصية طموحة مثل ماتيلدا لا تعرف اليأس والاستسلام، لم تتراجع بل مضت في مشوارها، تقول «في يوم كان هناك احتفال بحضور رئيس الحكومة وقتذاك شفيق الوزان، ولا أدري كيف تمتعت بالجرأة وتقدمت له وأنا أشعر بالقلق وقلت له إن حلمي يتوقف على موافقتك بإجراء حديث معك وأرجو أن تمنحني هذه الفرصة لأن الجميع سوف يتحدث معي إذا أنت تحدثت، وبالفعل وافق وأجريت معه الحديث، وبعد ذلك صارت كل الشخصيات السياسية توافق على الحوار في برنامجي بعد موافقة الرئيس الوزان}. وتشخص هذه الإعلامية التي عرفت بجرأتها في البرامج الإذاعية والتلفزيونية مشكلة تعامل السياسيين العرب عامة واللبنانيين خاصة مع الإعلاميين الشباب، تقول {إن الطبقة السياسية أو الثقافية في لبنان لا تتجاوب مع إعلامي صاعد أو شاب في أول الطريق، حتى وإن كانت أو كان هذا الصحافي يعمل في مؤسسة مهمة، فالسياسيون يفضلون الحديث لأسماء بارزة في الإعلام، ولذلك الشباب يواجهون حتى اليوم مثل هذه المشكلة، أنا يأتيني صحافيون من كلا الجنسين من الشباب أو الذين يتدربون وأفتح لهم المجال وأتحدث إليهم وهم يشكون من صدود السياسيين بل وحتى الإعلاميين من مقابلتهم لأغراض إنجاز مشاريع تخرجهم وعدم منحهم أي فرصة لكني أتعاطى معهم لأنني أتذكر بداياتي الصحافية وكيف منحني الرئيس الوزان فرصة الحوار معه}.
طموحات ماتيلدا قادتها إلى العمل التلفزيوني على الرغم من أنها لم تترك الإذاعة، توضح {بعد أربع سنوات من العمل الإذاعي انتقلت إلى التلفزيون مع قناة الأوربت وكانت مشفرة وعملت برامج اجتماعية وسياسية، ثم بدأت مشاويري مع القنوات اللبنانية حيث عملت ست سنوات مع (إن بي إن) ثم قناة المرأة العربية ومن ثم انتقلت لتلفزيون المستقبل حيث كنت أعد وأقدم برنامج سياسي}، وفي وضعها أمام مقارنة بين العمل الإذاعي والتلفزيوني وأيهما الأقرب إليها، تقول «أجد أن العمل الإذاعي أهم ن ذلك لأن ديكورات التلفزيون والإكسسوارات وحتى شكل المقدمة ومكياجها وأزياؤها تأخذ من جوهر ومضمون المقدمة عند المتلقي وينشغل بتفاصيل بعيدة ربما عن جوهر الفكرة المطروحة، بينما في الإذاعة هناك الصوت والمضمون والإحساس الذي يصل إلى المستمع ويشدة وإذا لا تمتلك هذه المؤهلات فسوف تخسر المتلقي، لهذا أنا قدمت على مدى 15 سنة برنامجا سياسيا (على مسؤوليتك) على الهواء صباح كل يوم سبت لإذاعة لبنان الحر، وكان عبارة عن لقاءات مع سياسيين، وتركت منذ تسعة أشهر فقط، لكني عندما عملت في قناة الحرة كان شرطهم أن أتفرغ للعمل معهم كمعدة ومقدمة برنامج (هن)».
وتصف ماتيلدا تجربتها الجديدة مع قناة الحرة، قائلة «العمل مع الحرة تجربة مختلفة حيث خرجت من الملفات الداخلية اللبنانية إلى ملفات عربية من خلال زاوية المرأة ومناقشة عناوين مهمة مثل الثورات العربية والاقتصاد والثقافة والمشكلات الاجتماعية التي تعيشها المرأة العربية}، مشيرة إلى أن «هذه التجربة أكثر صعوبة من سابقاتها حيث كانت اللقاءات مع ضيوف أعرفهم ويعرفونني، والعمل ضمن ملفات لبنانية أعرفها، أما اليوم باعتباري معدة ومقدمة التقي بضيوف مختلفين من جميع أنحاء العالم العربي وخارجه، ضيوف ألتقيهم للمرة الأولى ونناقش معهم ملفات معقدة، والبرنامج يتطلب عملا يوميا للاتصال بمندوبي البرنامج في مختلف الدول العربية لاختيار الضيوف وإيصالهم إلى بيروت حيث يقترح المندوبون المواضيع التي يمكن مناقشتها وبدورنا ندرسها لنرشح أهم هذه المواضيع ونرسلها للإدارة في واشنطن وبعد الموافقة عليها أبدأ بكتابة نصوص الحلقة، ثم عملية اختيار الضيوف المؤهلين لمناقشة هذه الملفات واستضافتهم في البرنامج هنا في بيروت}.
تستطرد قائلة «في برنامجنا (هن) نناقش ملفات اجتماعية حساسة، مثل التحرش الجنسي والاغتصاب وتعنيف المرأة وآراء رجال الدين، ومثل هذه المواضيع كان من الصعب مناقشتها أما اليوم فالكل يبدو مستعدا لأن يتحدث فيها ومناقشة الملفات التي تبدو من المحرمات في المجتمعات العربية}. توضح «المسألة هنا هي القصة أو القضية التي نختارها في البرنامج ومع (الحرة) ممنوع اختراع قضية بل يجب أن تكون هناك قضية واقعية وموجودة في المجتمع العربي وندعو ضيوفا من دول عربية مختلفة مثل اليمن ومصر والمغرب والعراق ليناقشوا هذه القضية أو تلك، كل حسب منطلقه والباقي متروك للمشاهد ليقرر فدورنا كإعلاميين ليس تغيير الواقع بل تسليط الضوء وتأشير أماكن الخلل، نحن لا نملك تغيير المجتمعات أو الأنظمة السياسية أو الفتاوى الدينية أو ذكورية المجتمع}.
ماتيلدا خاضت غمار العمل الصحافي بكل جوانبه المهمة، الكتابة والإذاعة والتلفزيون، تقول «أنا بدأت بالكتابة ثم الإذاعة والتلفزيون، التلفزيون يجمع بين الكتابة وإعداد البرامج والصوت وحضور المقدم، والمهم عندي كان وما يزال الجوهر، مضمون العمل، مضمون الرسالة الإعلامية التي أريد إيصالها إلى المتلقي}، منبهة إلى أنه «في التسعينات عندما بدأت العمل مع التلفزيون لم يكن الأمر مثلما هو اليوم، كانت عندنا رسالة نريد إيصالها للمشاهد عبر الشاشة، وكنا نمارس الكتابة ونعتمد على ثقافة ومضمون عميق لتقديم برنامج ذات جوهر غني وليس مجرد لغة جسد وأزياء وماكياج وشهرة مثلما يحدث اليوم حيث اختلفت الطموحات ورأس المال وسوق العمل}. وتأسف ماتيلدا كون «مقاييس العمل التلفزيوني اليوم اختلفت فأصبحت جمالية بحتة ثم يأتي موضوع الكفاءة، هذا لم يكن موجودا في التسعينات حيث كانت الكفاءة هي الأصل}، وتشير إلى الخلل بقولها «صارت الإعلانات تتحكم بالقنوات، والإعلان يريد أجسادا ولا يهمه كفاءات، تحول الإعلام إلى صناعة استهلاكية خاضعة لمعايير السوق ولم يعد رسالة، اليوم يبحثون عن برامج ربحية ومثيرة حتى في البرامج السياسية تحولت إلى برامج إثارة وأكشن ويسعى المقدم لأن يضرب الضيف خصمه يضاف إلى هذا أنه ليس هناك شيء جديد في هذه البرامج وغالبيتها مستوردة من البرامج الغربية، ولم تعد مهمة التلفزيونات الارتقاء بالمشاهد بل المهم الإعلان أي برنامج مهما كان مستواه هابطا و(يجيب) إعلان فهو الأفضل وبعكس ذلك لا يعرض البرنامج مهما كانت أهميته}.
بعيدا وقريبا عن التلفزيون فإن لماتيلدا مشروعها الصحافي الخاص، فهي ترأس مجلس إدارة مجلة «سينيه» اللبنانية، تتحدث عنها قائلة «قررت أن يكون لي مشروعي الصحافي الخاص لأحقق حلمي الإعلامي من خلاله، فالمجلة تعني ببصمة أي سياسي أو مثقف أو مبدع ترك بصمته في مجاله المعين اجتماعيا، لهذا سميتها (سينيه) أي التوقيع أو البصمة}، مشيرة إلى أن «هذه المجلة تصدر منذ أكثر من خمس سنوات وتوزع في لبنان وخارجه، وعادة نحتفل بمن ترك بصمته على الغلاف مع صدور أي عدد، إذ احتفلنا بشخصيات لبنانية وعربية كثيرة وهذا تقليد خاص بنا}.



تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
TT

تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

تستضيف تونس، بين اليوم 21 سبتمبر (أيلول) الجاري و 24 منه، ملتقىً عربياً ودولياً ضخماً للإعلام والثقافة والصناعات السمعية البصرية. ويأتي هذا الحدث بمناسبة انعقاد الدورة السادسة والعشرين لـ«المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون»، بمشاركة نحو 500 إعلامي وفنان ومثقف وخبير ومهني من الدول العربية ومن أوروبا وآسيا وأفريقيا.

بهذه المناسبة، اعلن المهندس عبد الرحيم سليمان، المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية، خلال مؤتمر صحافي عُقد في تونس لتقديم الدورة، أن المهرجان، الذي ينعقد تحت شعار «نبض الصورة وصدى المستقبل»، يشهد هذا العام حضوراً عربياً ودولياً واسعاً، وبرنامجاً يجمع المسابقات الإذاعية والتلفزيونية وندوات الحوار وورش العمل ومعرض التكنولوجيا وسوق الإنتاج والفعاليات الثقافية والفنية.

وشارك سليمان في تقديم تفاصيل البرنامج مع عدد من مسؤولي المؤسّسات التونسية الشريكة، بينهم الرئيس المدير العام للتلفزة التونسية شكري بن نصير، والرئيسة المديرة العامة للإذاعة التونسية هندة بن علية الغريبي، ومدير عام مسرح أوبرا تونس العاصمة في «مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» سيف الله الطرشوني ممثلاً عن وزارة الشؤون الثقافية.

هذا، ويعكس تنوّع المشاركين طبيعة التحوّل الذي عرفه المهرجان على امتداد أكثر من أربعة عقود؛ فمن موعد ارتبط أساساً بالتنافس بين الإنتاجات الإذاعية والتلفزيونية العربية، اتّسعت التظاهرة لتصبح فضاءً مهنياً وفكرياً يلتقي فيه الإعلام مع الثقافة والتكنولوجيا والاتصال.

إعلان ندوة "البودكاست" في الملتقى (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

023 عملاً في المنافسة

حسب الأرقام التي قدّمها عبد الرحيم سليمان والقائمون على المهرجان، تتنافس في الدورة 320 مادة إعلامية، بينها 161 عملاً إذاعياً و149 عملاً تلفزيونياً، إضافةً إلى 10 أعمال ضمن مسابقة الإعلام الجديد المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتحافظ المسابقات، بذلك، على موقعها التقليدي في المهرجان بوصفها مناسبة لمعاينة جانب من اتجاهات الإنتاج العربي في الدراما والبرامج والأعمال الإذاعية والتلفزيونية. إلا أن إضافة الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي تكشف في الوقت نفسه عن محاولة لمواكبة بيئة إعلامية تتغير أدواتها بوتيرة سريعة.

ذلك أن المؤسسات الإذاعية والتلفزيونية لم تعد تعمل داخل الحدود التقليدية للبث. فالتلفزيون أصبح موجوداً على الهاتف والمنصّات الرقمية، والإذاعة وجدت امتداداً جديداً في «البودكاست» والخدمات الصوتية، بينما دخلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي غُرف الأخبار والاستوديوهات ومراحل الإنتاج وما بعد الإنتاج.

وهذا التحوّل يضع أمام الإعلاميين أسئلة تتجاوز التكنولوجيا ذاتها إلى المصداقية، وحقوق الملكية الفكرية، والتحقّق من المواد المنتجة آلياً، فضلاً عن المسؤولية التحريرية ومستقبل بعض المهن المرتبطة بإنتاج الصورة والصوت.

المحتوى في قلب النقاش

من ناحية ثانية، يخصّص البرنامج الفكري للمهرجان مساحة بارزة لمناقشة هذه التحوّلات، من خلال ندوات ولقاءات وورش عمل يشارك فيها خبراء وإعلاميون وأكاديميون ومهنيون عرب ودوليون. ولقد أوضح مسؤولو الدورة أن البرنامج يتضمن ثلاث ندوات حوارية رئيسية بمشاركة خبراء من قطاع الثقافة والإعلام عربيا ودولياً:

تتناول الأولى «البودكاست: اتجاهات المحتوى وقوة التأثير»، في وقت يشهد المحتوى الصوتي الرقمي توسّعاً ملحوظاً، سواء داخل المؤسسات الإذاعية التقليدية أو لدى المنتجين المستقلين. وحقاً، لا يمثل «البودكاست» مجرد صيغة تقنية جديدة للإذاعة، بل أعاد تشكيل العلاقة مع الصوت عبر الاستماع عند الطلب، ومنح المنتجين مساحة أكبر للتخصّص والسرد المطوّل والوصول إلى جماهير موزّعة جغرافياً خارج نطاق البث التقليدي.

أما الندوة الثانية فتناقش موضوع «الجمهور وصناعة المحتوى: من التلقّي إلى الشراكة». وهذا عنوان يلخص جانباً أساسياً من التحول الاتصالي الراهن، فالجمهور الذي كان يوجد في نهاية عملية الاتصال أصبح اليوم جزءاً منها؛ يختار ويعلّق ويشارك ويعيد توزيع المحتوى، وقد يتحوّل بنفسه إلى مصدر للمعلومة أو منتج للصورة والفيديو. ثم إن هذه العلاقة الجديدة تفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة التفكير في مفهوم الجمهور ذاته، وفي طرق قياس التأثير وبناء الثقة، خصوصاً مع انتقال جانب متزايد من استهلاك الأخبار والمحتوى إلى شبكات التواصل والمنصات الرقمية.

وأما الندوة الثالثة، فعنوانها «الإعلام السياحي: من ناقل للحدث إلى صانع للوجهة». وهي تفتح النقاش على وظيفة اتصالية أخرى للإعلام تتصل بصناعة صورة البلدان والمدن والثقافات. إذ إن المحتوى السياحي لم يعد مجرّد تقرير عن موقع أثري أو فندق أو مهرجان، وإنما أصبح جزءاً من منظومة اتصال متكاملة تتداخل فيها الصورة والسرد والتسويق الثقافي والمنصّات الاجتماعية.

المهندس عبد الرحيم سليمان (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

من الإعلام إلى المعرفة

إضافةً إلى ما سبق، يبرز في هذه الدورة أيضاً البعد المعرفي للمهرجان، إذ لا تقتصر اللقاءات المهنية على عرض التجارب، وإنما تتيح تبادل الخبرات بين هيئات البث العربية والخبراء والشركات وصناع المحتوى. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في قطاع تتغير فيه المهارات المطلوبة باستمرار. فالصحافي والمذيع والمخرج والمنتج باتوا يعملون في بيئة تحتاج، إلى جانب المهارات المهنية التقليدية، إلى فهم البيانات والمنصات والخوارزميات وأدوات الإنتاج الرقمي وسلوك الجمهور.

كذلك يتضمن البرنامج أنشطة مرتبطة بالتعاون في الصناعة السمعية البصرية بين الصين والدول العربية، ونقاشات حول الإبداع والتعاون العربي - الصيني في هذا المجال، بما يفتح نافذة على تجارب إنتاجية وتكنولوجية من خارج الفضاء الإعلامي العربي التقليدي. ويضيف هذا الحضور بعداً دولياً إلى المهرجان، إذ يغدو تبادل المعرفة مرتبطاً أيضاً بالتعرف إلى نماذج مختلفة في الإنتاج والتوزيع والتكنولوجيا، وليس فقط بتبادل البرامج بين المؤسسات العربية.

58 عارضاً من القارات الخمس

على صعيد موازٍ، يمثل معرض «الأسبو» للتكنولوجيا والتجهيزات الجانب الصناعي والتجاري للمهرجان. ووفق ما أعلنه سليمان، يشارك فيه 85 عارضاً من القارات الخمس موزعين على 110 أجنحة، إلى جانب سوق للإنتاج البرامجي ولقاءات مهنية. وتضع هذه المشاركة التكنولوجيا في قلب الحدث. فالصناعة السمعية البصرية أصبحت مرتبطة بشبكة واسعة من الشركات المتخصصة في الكاميرات والاستوديوهات وأنظمة البث والأرشفة والمنصات والحوسبة والحلول الرقمية.

وتتيح مثل هذه المعارض للمؤسسات العربية الاطلاع على تطور أدوات الإنتاج والبث، لكنها توفر أيضاً مجالاً للقاء المباشر بين أصحاب التكنولوجيا وصناع المحتوى ومتخذي القرار داخل المؤسسات الإعلامية.

الثقافة والفنون جزء من المشهد

ولا ينفصل الجانب المهني عن البعد الثقافي والفني للمهرجان. فقد أعلن سليمان أن برنامج حفل الافتتاح، في المسرح الأثري بقرطاج، يشهد تكريم 12 شخصية فنية وإعلامية من تسعة بلدان عربية. وتضم قائمة المكرّمين شخصيات فنية من تجارب وأجيال مختلفة.

وفي المقابل، يحتضن مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة في 24 سبتمبر حفل الاختتام وإعلان نتائج المسابقات، إلى جانب عرض «سافر إليك وغنِّ» للمؤلف الموسيقي التونسي كريم الثليبي. وتتوزع فعاليات الدورة بين المسرح الأثري بقرطاج، والمدينة المتوسطية في ياسمين الحمامات، و«مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» في العاصمة، بما يربط المهرجان بعدد من أبرز الفضاءات الثقافية والسياحية التونسية.

الإعلام يناقش مستقبله

وبعد مسيرة تتجاوز أربعة عقود، لم تعد المنافسة محصورة بين المحطات الإذاعية والتلفزيونية، وإنما أصبحت مع منصات عالمية وشبكات اجتماعية ومؤثرين ومنتجين مستقلين، بينما منحت تقنيات الذكاء الاصطناعي الأفراد إمكانات لإنتاج النص والصورة والصوت كانت تحتاج قبل سنوات قليلة إلى مؤسسات وتجهيزات كبيرة.

وبوجود نحو 500 مشارك من العالم العربي وأوروبا وآسيا وأفريقيا، و320 عملاً متنافساً، وعشرات الشركات والعارضين، تتحوّل تونس لمدة أربعة أيام إلى مساحة للقاء بين الإعلام والثقافة والتكنولوجيا؛ وبين خبرة صنعت تاريخ الإذاعة والتلفزيون العربي، وجيل جديد يعيد تعريف معنى الصورة والصوت والجمهور في العصر الرقمي.


الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
TT

الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)

أفاد تقرير الأخبار الصادر عن هيئة الاتصالات البريطانية (أوفكوم) لعام 2026 بأن نحو خُمس البريطانيين (نحو 21 في المائة) باتوا يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي مصدراً للأخبار، وذلك بحسب استطلاع شمل 5397 بالغاً. وهذا أمر عدَّه خبراء «تحدّياً لمؤسسات إعلامية، ليس فقط لأن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي مصدراً للأخبار قد يحتوي على أخطاء تسهم في نشر معلومات مضللة؛ بل أيضاً لأن هذا السلوك لن يُحيل سوى نسبة ضئيلة جداً من النقرات إلى المصادر الأصلية، مما يسهم في تراجع حركة الزيارات على مواقع الناشرين».

التقرير الذي نُشرت نتائجه منتصف سبتمبر (أيلول) الحالي، ذكر أن استخدام الذكاء الاصطناعي للأخبار هو الأكثر انتشاراً عند الفئة العمرية من 25 إلى 34 سنة بنسبة 37 في المائة. ولقد تصدر «تشات جي بي تي» قائمة التطبيقات الأكثر استخداماً للاطلاع على الأخبار، إذ أفاد 13 في المائة من إجمالي المشاركين باستخدامه لمتابعة الأحداث الجارية خلال الشهر الماضي.

وفق تقديرات «أوفكوم»، تستحوذ محرّكات البحث ومجمّعات الأخبار الإلكترونية والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي، مجتمعة تحت مسمى «الوسطاء الرقميين» على 37 في المائة من إجمالي الوقت الذي تمضيه عينة البحث مع الأخبار، وهو ما يعادل 26 دقيقة يومياً من إجمالي 72 دقيقة يومياً يمضيها القراء في متابعة الأخبار يومياً، لتصبح بذلك أكبر شريحة منفردة. وفي المقابل، لا تتجاوز حصة مواقع الناشرين المباشرة 8 دقائق يومياً؛ أي 11 في المائة فقط من إجمالي الاستهلاك.

أما على صعيد منصات التواصل الاجتماعي، فقد تصدَّر «فيسبوك» قائمة استهلاك الأخبار بنسبة 39 في المائة من البالغين يليه «يوتيوب» بنسبة 33 في المائة.

فادي عمروش، الباحث المتخصّص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي رأى خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الناشرين يواجهون أزمة «عزوف» ليس للأخبار بل للمواقع الإخبارية المباشرة... «ولذا على المؤسسات الإعلامية أن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي اليوم كما تعاملت سابقاً مع محركات البحث، لكن مع فهم أن قواعد اللعبة تغيرت».

وأضاف: «في عصر محركات البحث كان الهدف من (SEO) واضحاً، وهو أن يظهر الخبر في (غوغل)، ثم يضغط القارئ على الرابط ويزور الموقع، أما اليوم فقد يسأل المستخدم (تشات جي بي تي) و(جيميناي) عن خبر معين ويحصل على ملخص كامل دون أن يزور الموقع الأصلي أصلاً».


السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
TT

السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)

أعلن وزير الإعلام السعودي، سلمان الدوسري، إطلاق «مهرجان ليونز الرياض»، الذي يجمع كبار مسؤولي التسويق وقادة الإبداع والوكالات والعلامات التجارية وصنّاع المحتوى والمواهب الصاعدة من المنطقة والعالم، وذلك خلال الفترة بين 6 و8 ديسمبر (كانون الأول) 2027، في مركز الملك عبد الله المالي «كافد» بمدينة الرياض.

ويأتي هذا الحدث، الذي تنظّمه شركة «تحالف»، بالشراكة مع وزارة الإعلام ومنظومة «ليونز» العالمية، بوصفه مهرجاناً إقليمياً متخصصاً يهدف إلى تبادل الخبرات، واستعراض أبرز الاتجاهات والتجارب المميزة في صناعة الإبداع والتسويق، مما يُعزّز مكانة السوق السعودية، عبر الاقتراب من أحدث الممارسات والمعايير والخبرات الدولية.

ويتناول برنامج المهرجان، على مدى 3 أيام، التميُّز الإبداعي والفاعلية والثقافة ومستقبل القطاع، بما يتيح لمواهب الشرق الأوسط وأفكارهم وأساليب سردهم، منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي، وسط مشاركة نخبة من الخبراء والقيادات من المنطقة والعالم تحت سقف واحد، ليُشكِّل جسراً مباشراً بين المواهب السعودية والإقليمية والشبكات والأسواق والخبرات الدولية.

تمكين المبدعين

من جانبه، أوضح وزير الإعلام أن «الإبداع وسرد القصص لهما جذور راسخة في السعودية وفي ثقافة الشرق الأوسط. واليوم، يبني جيل جديد على هذا الإرث بثقة وقدرة وطموح لرسم ملامح مستقبل هذه القصة»، مؤكداً أن «ليونز الرياض» يُمثِّل «فرصة للاحتفاء بما يميز إبداع منطقتنا، وتعزيز إسهامه في اقتصادنا وثقافتنا، وتمكين أصواتنا الإبداعية من الاضطلاع بدور أكبر في المستقبل».

يتيح المهرجان لمواهب الشرق الأوسط منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي (واس)

وأبان الدوسري أن المهرجان «يُجسِّد التقدم الذي تشهده صناعاتنا الإبداعية، والتزام السعودية برعاية المواهب والأفكار التي تقف وراءها»، حيث يُوفِّر فرصة لحضور الإبداع المحلي والمنافسة عالمياً، ويحفز الوكالات على تطوير أدواتها ومنتجاتها.

ويسهم «ليونز الرياض» في دعم نمو الاقتصاد الإبداعي في السعودية عبر استقطاب الخبرات والمواهب العالمية، ونقل المعرفة، وتنمية القدرات الوطنية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية، الأمر الذي يعكس مساعي الوزارة الهادفة إلى تمكين القطاع والعاملين فيه، وربطه بمراكز التأثير الدولية، بما يعزز نموه ويرفع تنافسيته عالمياً.

ويشكّل المهرجان منصة لتمكين المبدعين السعوديين وربطهم بالشبكات والأسواق الدولية، بما يدعم نمو المنشآت المحلية، ويعزز توطين الصناعات الإبداعية، وإسهام القطاع في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً؛ لتواصل الرياض ترسيخ مكانتها عاصمة للإبداع، ووجهة عالمية لصناعة القرار والفرص.

يفتح «مهرجان ليونز الرياض» آفاقاً جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية (واس)

وجهة دولية

بدوره، قال فيصل الخميسي، الرئيس المشارك لمجلس إدارة «تحالف» ورئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز، إن «المملكة رسَّخت سريعاً منذ إطلاق (رؤية السعودية 2030) مكانتها بوصفها إحدى أبرز الوجهات العالمية لاستضافة الفعاليات الدولية الكبرى، وأثبتت مراراً جاهزيتها لجمع العالم وتقديم فعاليات وفق أعلى المستويات».

وبينما أصبحت السعودية وجهة لمنصات دولية كبرى في التقنية والاستثمار والرياضة والترفيه والأعمال، يرى الخميسي أن قرار منظومة «ليونز» إطلاق المهرجان في الرياض «يمثل محطة مهمة أخرى في هذه المسيرة، ويعكس تنامي الأهمية الدولية للمملكة والإمكانات الإبداعية الاستثنائية للعالم العربي»، وهو ما يؤكد متانة السوق السعودية في خريطة الاقتصاد الإبداعي.

من ناحيته، ذكر فيليب توماس، رئيس مجلس إدارة «ليونز»، أن «الشرق الأوسط يدخل حقبة إبداعية جديدة لافتة»، مضيفاً: «فمن السينما والأزياء والألعاب والتصميم والترفيه إلى سرد قصص العلامات التجارية، نشهد موجة من الطموح والأصالة تقودها تركيبة سكانية شابة سريعة النمو».

يساهم «مهرجان ليونز الرياض» في خلق أثر يمتد إلى الشراكات والاستثمارات والوظائف والمعرفة ونمو الأعمال (واس)

منصة عالمية

ولفت توماس إلى «توسع القطاعات الإبداعية بوتيرة متسارعة، مع ظهور منصات ومواهب وأعمال جديدة»، مبيناً أن «الإبداع والتسويق يضطلعان بدور متزايد الأهمية في كيفية تعبير الدول والعلامات التجارية والمجتمعات عن نفسها على الساحة العالمية».

وتابع: «لطالما كانت ليونز منصة عالمية لأفضل ما في العالم من فكر إبداعي وفاعلية تسويقية»، منوهاً بأنهم يتيحون عبر «ليونز الرياض» الوصول للمعايير العالمية والرؤى المعرفية وفرص التعلم، و«نصل المواهب والطموحات الإقليمية بالخبرات والفرص العالمية، بما يدعم المرحلة المقبلة من نمو العلامات التجارية والأعمال والاقتصاد الإبداعي الأوسع نطاقاً».

ويأتي المهرجان ضمن سلسلة منصات إقليمية تكمل «كان ليونز»، بإتاحة مزيد من خبرات المنظومة العالمية المتخصصة في الإبداع والتسويق وصناعة المحتوى على مدار العام، وتعزيز الروابط بين المجتمعات المحلية والساحة الدولية، مما يمنح منطقة الشرق الأوسط نافذة جديدة للتأثير في حوارها.

وبينما يظل «كان ليونز» محور المنظومة الذي يجتمع فيه القطاع العالمي ويُعترف بالمعيار الدولي للتميز الإبداعي، صُمم «ليونز الرياض» ليجمع منظومة التسويق الأوسع في السعودية، وتنمية المواهب لتصبح أكثر تنافسية، وربط الأفكار الإقليمية بالشبكات والخبرات العالمية، وجعل الوكالات المحلية أكثر اتصالاً بالأسواق الدولية، بما يساهم في خلق أثر يمتد إلى الشراكات والاستثمارات والوظائف والمعرفة ونمو الأعمال.