عصام محفوظ رائد مسرحي عاش في غير زمانه

من الكتابة التعددية إلى الانطوائية القاتلة

عصام محفوظ
عصام محفوظ
TT

عصام محفوظ رائد مسرحي عاش في غير زمانه

عصام محفوظ
عصام محفوظ

«موسوعي»، «رائد»، «تنويري»، «طليعي»، «مثقف ملتزم»، قل ما شئت عن عصام محفوظ ستجد من يزيد ويشيد.
نادراً ما يحظى المثقفون والكتاب الراحلون بعد موتهم بتقدير من عرفهم والإحساس بأنهم غبنوا في حياتهم ومماتهم، كما حال هذا الكاتب التعددي والشامل في آن. شاعر، مؤسس للكتابة المسرحية، ناقد، مترجم، صحافي، أستاذ جامعي. قام بكل هذه المهمات وكأنه منذور لكل منها. خارج من قيود الطائفية والانتماءات الضيقة، تجريبي حتى الثمالة، تجديدي حد المغامرة. يبدو وكأنما الكلام عن هذا الشاعر الذي تحول إلى رائد الكتابة المسرحية في لبنان باعتراف من جايلوه وأتوا بعده، وكأنه شيء من الإنشاء، وما هو بذلك. فحين نتذكر عصام محفوظ اليوم بعد 12 سنة على غيابه، وننظر إلى الوراء، لنرى كم من الكبار رحلوا وبقيت أماكنهم خلاء ممن يوازيهم أو يبزهم، يظهر المشهد كئيباً جداً. ليس فقط أن الكتابة المسرحية في لبنان تكاد تندثر، بل إن هؤلاء الجادين العميقين الذين تشبعوا التراث وتمثلوا الحداثة في وقت واحد، دون ازدواجية مرضية وتناقضات كاسرة، ينقرضون كالديناصورات.
من مواليد الجنوب اللبناني في بلدة جديدة مرجعيون عام 1939 تعلم في مدارسها، وأكمل في بيروت ومن ثم في «معهد الدراسات العليا» في باريس ليحصل على «دبلوم الدراسات المعمقة». لكن ما يهم من حياة محفوظ ليست شهاداته وإنما نهمه للقراءة، وتلك الثقافة التي جعلت منه صاحب رؤية نفاذة، وقدرة على التنقل بين الكتابات والفنون، وكأنما هو يتجول في حديقته الخاصة.
الشائع أن عصام محفوظ بدأ شاعراً وأنه عام 1967 وبعد الهزيمة النكراء التي تجرعها العرب، شعر كما شعر آخرون أن المرحلة لم يعد يليق بها الشعر، وأنها تحتاج إلى ما يجعله على تواصل مباشر مع الناس، فكتب مسرحيته الأولى «الزنزلخت».
لكن الحقيقة أن محفوظ كتب المسرح منذ الستينات، وأن مسرحيته الشهيرة هذه كان قد كتبها عام 1963 وقدمها في العام الذي يليه إلى منير أبو دبس و«فرقة المسرح الحديث» ليتم إخراجها ووضعها على الخشبة، لكن ذلك لم يتم، ولم يرها المتفرج إلا عام 1968 بإخراج اسم معروف آخر هو برج فازيليان. من هنا أتى الالتباس حول إذا ما كان محفوظ شاعراً ذهب إلى المسرح أو ممسك بالكتابة من أكثر من طرف من بداياته.
وهو نفسه يروي كيف أن طفولته الجنوبية ورؤيته لاحتفالات عاشوراء شكلت بداية وعيه لقيمة العدالة وغذت الغواية البصرية في مخيلته التي ستجعل المسرح شاغله. هذه العدالة التي ستصبح هاجساً يلاحقه طوال حياته حتى صارت تدفع به إلى البحث عن «مثالية تقارب التصوف». ويروي عما كان يشاهد في طفولته: «كنت أقف في احتفال عاشوراء في النبطية، البلدة المجاورة لبلدتي، مذهولاً أمام ما يحدث: أطفال محلوقو شعر الرأس، يتقدمون المحتفلين، وهم يضربون رؤوسهم بالسكاكين أو الخناجر، فيسيل الدم على الوجوه الصغيرة وعلى الثياب البيضاء...» من هذه المشهديات يستنتج محفوظ أن «الحياة تصبح أحيانا أصعب من الموت» وهو تماماً ما يقوله بطله سرحان سرحان في المسرحية الشهيرة ذات العنوان الطويل «لماذا رفض سرحان سرحان ما قاله الزعيم عن فرج الله الحلو في ستيريو 71؟» التي صدرت سنة 1971. وهي مسرحيته الرابعة التي نشرت بعد «الزنزلخت» ومن ثم «القتل» عام 1968 و«الديكتاتور» عام 1969 و«كارت بلانش» عام 1970 و«11 قضية ضد الحرية» عام 1975 ثم مجموعة مسرحيات قصيرة صدرت معاً عام 1985. وما كان لمحفوظ أن يفكر بكتابة هذه الأعمال بالفصحى، لأن الغرض الأول منها هو مخاطبة الناس بالطريقة الأقرب إلى التأثير بهم والتفاعل معهم، لذلك جاءت جميعها بالمحكية اللبنانية أو ما أسماه «الفصحى الشعبية»، وبعضها أعيد وضعه على الخشبة مرات عدة، وبرؤيا مخرجين مختلفين.
ويختصر هذا الرائد الطموح، صاحب الأحلام الكبار في التغيير مهمته من خلال العمل في المسرح بالقول إن الغاية كانت دائماً بلورة رؤية جديدة للعالم والتعبير عنها بلغة مختلفة، وكان له ما أراد، وهو يحاول أن يصيغ نصوصه بعيداً عن العبارات المنمقة، ومتخففة من الأفكار التي تحنطها.
والبيان رقم 1 الذي أصدره بعد مسرحية «الزنزلخت» بقليل فيه من التفاصيل والوضوح الكافيين لندرك ما الذي كان يريده من نصوصه المسرحية، والنهج الذي اتبعه. فقد اعتبر أنه يخوض بكتابته معركة «ضد الاتفاق، ضد التقليدية، ضد التفاهة، ضد الكسل، ضد اللامسرح، معركة جعلت منها حداً فاصلاً بين النص الأدبي والنص المسرحي». ويقول في المانيفستو الشهير «إنني أولاً وقبل كل شيء ضد الكلمة الشعرية في المسرح، ضد الحذلقة الذهنية، ضد البلاغة، ضد الخطابة، ضد الغنائية، ضد الفكر، ضد كل ما يقتل الحياة في اللغة المسرحية».
هو أديب وناقد فني، تابع بعناية شديدة مسار المسرح اللبناني والعربي، لهذا يؤكد بثقة: «أستطيع أن أحدد أن المسرح السياسي التسجيلي الذي بدأته في مسرحية (القتل) وأنضجته في مسرحية (لماذا) كان الأول من نوعه في العالم العربي قاطبة، فيما يسمى حالياً بالمسرح التسجيلي الذي صار في العالم كله اليوم المسرح البديل عن المسرح القصصي أو السيكولوجي أو الترفيهي».
كل هذه الثقة بالنفس جعلت محفوظ يندفع في كل اتجاه إبداعي تجريبي يقدر عليه، لكنه في الوقت نفسه، أظهر أنه سريع الانسحاب شديد الانطوائية. فبعد أن سكت عن الشعر وانصرف إلى المسرح، جاءت الحرب الأهلية صادمة عام 75، له كما لكثيرين. لكن صاحب «الزنزلخت» كان أكثر هشاشة من رفاق تلك المرحلة. مزاجه الصعب، وطبيعته الانطوائية لم تساعدانه على تخطي المحن. بقدر ما كان متحمساً ومنطلقاً كسهم، بدت الكوابح جامحة. من قمة الازدهار الثقافي الذي عاشته بيروت وجمعته إلى كبار زمنه في أعمال واحدة أشهرها «مجدليون» مع روجيه عساف ونضال الأشقر، وفرق مسرحية أخرى نشطت في ذلك الوقت، إلى قعر المنحدر والشلل في الحرب وسط معارك العبث الأهلي. لم يغب عصام محفوظ بالكامل، بعد أن هجر المسرح، بقيت كتاباته النقدية والفكرية مستمرة، فهو ابن جريدة «النهار» منذ عام 1966 ولأكثر من ثلاثين عاماً بقي حاضراً بترجماته ومقالاته وحواراته. ما كتبه متفرقاً شكل مادة لعشرات الكتب التي عاد وجمعها، وله أربعة كتب لم تكن منشورة صدرت العام الماضي عن دار نلسن.
في البدايات الأولى خاض غمار الحداثة مع جماعة مجلة «شعر» وعن دارها أصدر دواوينه «أشياء ميتة» 1959 وكذلك «أعشاب الصيف» 1961 و«السيف وبرج العذراء» 1963 وجمع قصائد له في ديوان رابع حمل اسماً دالاً هو «الموت الأول» 1975. سوداوياً كان في قصائده، كما سنراه بعد ذلك في مسرحياته المشوبة نصوصها بسخرية سوداء وهي تقارب العبثية وتداعبها. وهو كيفما انتقل في الفنون حمل معه ذاك النفح الوجودي القاتم. كتب عن «الرواية العربية الطليعية»، و«أراغون الشاعر والقضية» و«ورامبو بالأحمر» و«سجالات القرن العشرين الفكرية»، و«السوريالية وتفاعلاتها العربية» وعن جورج شحادة، وجبران، و«مسرحيو القرن العشرين، وعن الرواية العربية، وشعراء القرن العشرين»، ورواد الشعر في لبنان، وأطلق حواراته مع رواد النهضة العربية، ومع المتمردين والملحدين في التراث، ومع ابن عربي، كما كتب في السياسة عن الحرب وعن «الإرهاب بين الإسلام والسلام» وله قصة اسمها «عاشقات بيروت الستينات»، صدرت «دار رياض الريس للنشر» عام 2000.
هل ظلم نفسه عصام محفوظ وهو يجول في الأنواع الأدبية، ويخوض كل ميدان ظاناً أن الحياة هي روافد كثيرة تذهب إلى مصب واحد هو الحياة، وأنه مسؤول كمثقف عن بلورة الرؤية الأوضح لمواطنيه ليكشف لهم الدرب، بصرف النظر عن الوسيلة؟ أم تراه كاتبا كبيرا عاش في غير زمنه ومكانه فنبذ نفسه وانزوى وحيداً، منكباً على أوراقه وأقلامه وكتبه لا ملجأ له غيرها، فعاش مغامراً ومات وحيداً قبل أن يكمل عامه السابع والستين مشلولاً، تاركاً وراءه غصة كبيرة عند أصدقائه، وحيرة حول تلك السيرة الثرية فكراً ونتاجاً والقانعة بذاتها في زمن ما عاد يصلح لغير المهرجين والمروجين؟



المصور الصحافي الفلسطيني محمود أبو حامدة يفوز بجائزة «بايو» المرموقة

الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة (أ.ف.ب)
الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة (أ.ف.ب)
TT

المصور الصحافي الفلسطيني محمود أبو حامدة يفوز بجائزة «بايو» المرموقة

الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة (أ.ف.ب)
الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة (أ.ف.ب)

فاز الصحافي الفلسطيني المستقل محمود أبو حامدة السبت بفئة التصوير الفوتوغرافي في جائزة بايو المرموقة للمراسلين الحربيين عن أعماله من غزة.

وإلى جانب الجائزة الكبرى، فاز أبو حامدة المقيم في غزة بجائزة اختيار الجمهور عن تقريره المصوّر «ما تخلّفه الحرب».

ولم يحضر الصحافي المراسم في بايو بشمال غربي فرنسا، لكنه بعث رسالة مصورة إلى الاحتفال.

كما فازت كل من صحيفة «واشنطن بوست»، و«الإذاعة الوطنية العامة» الأميركية (إن بي آر)، وشبكة «سي إن إن» بالجوائز الكبرى في فئات الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون، عن تقارير أعدتها من أوكرانيا وقطاع غزة والضفة الغربية المحتلة على التوالي.

وكُرّم فريق صحيفة «واشنطن بوست» لسرد قصة جندي أوكراني حوصر في منطقة قتال لمدة 177 يوماً.

وفاز الصحافي الفلسطيني أنس بابا، من شبكة الإذاعة الوطنية العامة (إن بي آر)، بالجائزة الإذاعية عن تقرير تناول انتشال جثامين الضحايا في غزة.

وفاز صحافيون من شبكة «سي إن إن» بجائزتي التلفزيون وجائزة صورة الفيديو لتقريرهم عن الجنود الإسرائيليين الذين يساعدون المستوطنين في الضفة الغربية.

وفاز مصور وكالة «أسوشييتد برس» جهاد الشرافي بجائزة «المراسل الشاب» للتصوير الفوتوغرافي عن سلسلته «حرب ودمار لا ينتهيان في غزة».

وأثارت إحدى صور الشرفي التي تُظهر لاعبي كرة قدم في ملعب تحيط به الأنقاض في غزة، جدلاً في فرنسا خلال أغسطس.

وأُزيلت الصورة من مهرجان للتصوير الرياضي في دوفيل بشمال فرنسا، قبل أن تأمر محكمة بإعادتها.

وترأست لجنة تحكيم جوائز بايو مراسلة «بي بي سي» المخضرمة لايز دوسيه.


رحيل الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي

الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)
الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)
TT

رحيل الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي

الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)
الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي (إنستغرام)

رحلت الشاعرة والرسامة اللبنانية باسمة بطولي، والدة المخرج المعروف باسم كريستو. وقد نعاها ابنها ووحيدها على صفحاته الخاصة على وسائل التواصل، ناشراً صورة له برفقتها.

وكتب باسم كريستو متوجهاً لوالدته بالقول إنه سيشتاقها كثيراً، وسيشتاق لانشغال بالها عليه حين يسافر، ولابتسامتها قبل رحيلها وحين تنظر إليه وتغالب مرضها ووجعها. تلك الابتسامة التي ستبقى محفورة في عينيه وقلبه مدى الحياة.

المخرج باسم كريستو نشر صورة على مواقع التواصل برفقة والدته (وسائل التواصل)

والشاعرة باسمة بطولي لها دواوين عدة، منها: «عربات الصدى» 2009، «مع الحب حتى الموت» 1978، «مكللة بالشوق» 1996، «حين ترتدي النار عريها» 2012، «أصداء بصرية» 2013، «سلالي ومياه الوقت» 2016، و«على مقام الصِّبا والصَّبا» 2017.

ولدت في مدينة بيروت، والدها الكاتب توفيق الباطولي ووالدتها الرسامة ليندا قازان الباطولي. حصلت باسمة بطولي على إجازة تعليمية في اللغة العربية وآدابها من جامعة ليون في فرنسا، ودبلوم في الصحافة من كلية الصحافة المصرية، وخريجة دار المعلمين والمعلمات في لبنان.

عملت موظفة إدارية في وزارة التربية الوطنية، وأعدت وقدمت برامج ثقافية في تلفزيون لبنان. نشطت في الأمسيات والمهرجانات الشعرية والمؤتمرات.

وكما كتبت الشعر العمودي والتفعيلة رسمت مئات اللوحات المائية والزيتية، وشاركت بأعمالها في معارض فنية فردية وجماعية.

نالت العديد من الجوائز والتكريمات أبرزها وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط، منحها إياه عام 2022 رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك، العماد ميشال عون، تقديراً لمسيرتها الإبداعية في الشعر والرسم.


«جغرافيا الوصال» مهرجان للفن المعاصر نافذة لطرابلس

ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
TT

«جغرافيا الوصال» مهرجان للفن المعاصر نافذة لطرابلس

ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)
ساندي شمعون تغني للشيخ إمام (مواقع التواصل)

عشرة أيام من الفن في طرابلس (شمال لبنان) تحت عنوان «جغرافيا الوصال». وهي الدورة الثانية من «أسبوع مرسح الفني» الذي تحول إلى موعد سنوي، أشبه بنافذة لأهالي المدينة حيث يجمع بين المسرح والموسيقى والرقص والفنون البصرية، والحوارات، والتجاريب الجريئة، من التاسع وحتى الثامن عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي.

إذا كان العام الماضي قد استقبل بشكل خاص فنانين من المدينة، فهو هذه السنة ينفتح على المناطق والجنسيات. وتقول مديرة «مرسح» نادين علي ديب، وهي المنظمة للتظاهرة: «إن المناطق غالباً ما ألحقت بالمركز، أما مهرجاننا هذا فيرى طرابلس جديرة بأن تكون فضاء للإنتاج والإبداع، وتبلور الطاقات، وهذا ما نحاول أن نشجعه في مركزنا ومن خلال مهرجاننا السنوي».

الفن لمواجهة القسوة

يشارك هذه المرة فنانون لبنانيون ودوليون تتناول أعمالهم مسائل تتعلق بالأرض والخيال والانتماء. وتشرح نادين: «إن الأعمال تنتمي إلى الفن المعاصر، وهو حاجة للمدينة. فالفنانون يملكون القدرة على أن يقدموا شهادات محمولة بالأخيلة في محاولة للإجابة عن صعوبات الواقع القاسي الذي نواجهه».

أمام الجغرافيا الممزقة وسرديات الحرب، يأتي الخيال والذاكرة والهوية، كطوق نجاة. هذا نراه في المعرض التشكيلي حول «الحرب والجغرافيا» الذي استضافه «مرسح» يوم الافتتاح (الجمعة)، ويستمر حتى نهاية الشهر. تسعة أعمال بصرية، منها أربعة أعمال مختارة من معرض «إحكي لي يا جنوب» الذي استقبله مركز «بيت بيروت» سابقاً. أحد هذه الأعمال هو «منطقة عازلة» لفرح برو، حيث تقارب عودة إلى قرية الأجداد، أما رباب شمس الدين في «بس قرب موسم الرمان» فتتأمل استمرار الحياة وسط الاضطراب. ويحوّل أديب فرحات في «بعد العشاء» الروايات الشفهية لأربع نساء من الجنوب إلى أرشيف حيّ حول مائدة طعام، وتبحث سما بيضون في «ما تبقى» عن العلاقة الهشّة بين الذاكرة والمكان والصورة.

ويضم المعرض أيضاً «اجتياز» لفاطمة جمعة عن الجسد والشهادة والموت، و«أورفيو والوحوش» لكارولين حاتم الذي يعيد تخيّل رحلة أورفيوس إلى العالم السفلي باللهجة اللبنانية. وتقدّم منى أيوب، الفنانة المقيمة في استوديو «مرسح»، «بين الزقاقات»، وهو جدارية نسيجية محاكة بألوان طبيعية جُمعت من نباتات أحياء طرابلس القديمة.

معرض في حمام عز الدين الأثري

معرض تشكيلي ثانٍ يفتح أمام الجمهور في حمّام عز الدين الأثري الذي يقع في سوق طرابلس القديم، في الرابع عشر من أكتوبر الحالي. حيث تعاد الحياة إلى هذا المكان الجميل بعد هجرٍ وإغلاق من خلال ثلاثة أعمال لأحمد النابلسي وريبيكا طوق بعنوان «في البدء كان الماء»، مستوحاة من يوميات الحمام. أحد الأعمال وثائقي، وثان منفذ بتقنية الواقع الافتراضي، وثالث يعتمد الصوت. تتبع ربيكا طوق في عملها الوثائقي «نهر أبو علي» وهو ينحدر من أعلى وادي قاديشا وصولاً إلى مدينة طرابلس الساحلية، حاملاً طبقات من الذكريات. هذا النهر يوحي أيضاً لأحمد النابلسي أن يصور بتقنية الواقع الافتراضي رحلة متخيَّلة تصور ما جرى محوه من خلال «شخصية أبو علي». والعمل الثالث المعروض في الحمام، مستوحى من أصوات الماء والاستحمام والحركة ويحولها إلى شكل آخر من أشكال الذاكرة. ويستمر المعرض حتى الثامن عشر من الشهر.

طوفان نهر أبو علي يوم جرف المدينة في خمسينات القرن الماضي وسيكون محور عدد من الأعمال الفنية في المهرجان (مواقع التواصل)

بالتزامن مع إطلاق المهرجان في اليوم الأول، كان المعرض الفني في «مرسح» وكذلك قدمت مسرحية «أربعون حجراً من ركام الضاحية»، للممثل والمخرج هاشم هاشم وبترا سرحال. وفي اليوم الثاني أي العاشر من الشهر قدم «عايشين»، وهو رقص معاصر لفرقة «السراب»، تلاه حفل غنائي لسندي شمعون وفرقتها حيث غنت بصوتها المتمرس أغاني للمحبوب الشيخ إمام.

ويعقد لقاء وورشة عمل يوم الأحد حول الفن والواقع الممتد وطرق جديدة للإنتاج، مع الفنانة البريطانية لارا قبيسي حيث ستكون المشاركة بعد التسجيل المسبق إلزامية.

ويوم الخامس عشر سيكون منتدى بعنوان «العمل المشترك والأطراف: إعادة صياغة منظومتنا الثقافية»، حيث يدور نقاش عملي بين العاملين في الحقل الثقافي والفنانين لتطوير بنية أكثر ترابطاً وإنصافاً بين العاصمة والأطراف. ويقدم عرض لخيال الظل بعنوان «حية نهر أبو علي». وهو الأول للفنان راشد بشناتي المقيم في استوديو «مرسح».

«جوغينغ» أخيراً في طرابلس

ويوم الجمعة 16 من الشهر الحالي حفل موسيقي للعازف والمؤلف المصري حازم شاهين. يليه يوم السبت عرض مسرحي بعنوان «جوغينغ» لحنان الحاج علي، جاب مهرجانات ونال جوائز، ولا يزال يعرض منذ عدة سنوات. ويختتم المهرجان يوم الأحد، الثامن عشر من الشهر، بمجموعة من الأفلام القصيرة تحت عنوان «الأرض امرأة» بالتعاون مع مؤسسة ريف، ثم بعرض سمعي بصري وحوار مع فراس حلاق «جلسات القبة»، يتحدث خلالها عن تسجيل موسيقي فريد قام به تحت قبة مسرح معرض رشيد كرامي، تليه حفلة لمكرم أبو الحسن وغسان سحاب.

حنان الحاج علي في مسرحية جوكينج (مواقع التواصل)

و«مرسح» هو مركز فني مستقل ومنصة للفن متعدد التخصصات، مقرّه الميناء في طرابلس. تأسس عام 2023. وتقول نادين التي تدير «مرسح» وتنظم المهرجان السنوي: «إن المركز يراكم الممارسات النقدية والأعمال المعاصرة، من شتى المدارس الفنية، وينظم الإقامات لفنانين، ينتجون أعمالهم الخاصة، بعضها مشارك في المهرجان. وهذا الأخير فسحة لنعود ونتخيل جماعياً ونترك للفنانين فسحة أمل ليقولوا بلغتهم ما نحن بحاجة إلى الاستماع إليه.» لهذا يعمل «مرسح» مع فنانين محليين بشكل خاص، ويبقى من المساحات المفتوحة القليلة في مدينة طرابلس إن لم تكن الوحيدة المتاحة لأصحاب الإبداعات لا للتعبير فقط، بل لتطوير ملكاتهم ومثاقفتها مع تجارب جديدة أخرى.