قمة روسية ـ أميركية في هلسنكي الشهر المقبل

اتفاق على مناقشة «رزمة ملفات معقدة»... وموسكو تتوقع «خريطة طريق» للتطبيع

مصافحة بين ترمب وبوتين خلال مؤتمر اقتصادي بفيتنام العام الماضي (إ.ب.أ)
مصافحة بين ترمب وبوتين خلال مؤتمر اقتصادي بفيتنام العام الماضي (إ.ب.أ)
TT

قمة روسية ـ أميركية في هلسنكي الشهر المقبل

مصافحة بين ترمب وبوتين خلال مؤتمر اقتصادي بفيتنام العام الماضي (إ.ب.أ)
مصافحة بين ترمب وبوتين خلال مؤتمر اقتصادي بفيتنام العام الماضي (إ.ب.أ)

فتح الإعلان المتزامن في موسكو وواشنطن عن بدء التحضيرات لعقد قمة تجمع الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب في هلسنكي، الشهر المقبل، على طيف واسع من التكهنات بشأن آليات مواجهة الملفات الخلافية، وتداعيات التقارب الروسي - الأميركي المحتمل على الملفات الإقليمية والدولية.
وتأتي هذه القمة وسط مخاوف أوروبية من احتمال تراجع واشنطن عن خطط مشتركة مع حلف الأطلسي، وتوقعات روسية بأن تسفر عن وضع خريطة طريق لاستئناف الحوار على المستويات المختلفة، وإطلاق عملية تطبيع العلاقات تدريجيّاً.
وفي خطوة كانت متوقَّعة بعد المحادثات التي أجراها في موسكو أول من أمس، مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي جون بولتون، أعلن الكرملين أن الرئيسين الروسي والأميركي اتفقا على عقد أول قمة شاملة تجمعهما في 16 يوليو (تموز) المقبل في العاصمة الفنلندية هلسنكي. علماً بأن الرئيسين التقيا مرتين في السابق على هامش اجتماعات دولية، ولم تُكلَّل بالنجاح مساعي الطرفين لتحديد موعد لقمة خاصة تجمعهما، لمناقشة عدد واسع من الملفات الخلافية التي تراكمت.
وأفاد الديوان الرئاسي الروسي في بيان، أمس، بأن الزعيمين سيبحثان خلال الاجتماع واقع العلاقات بين موسكو وواشنطن وآفاق تطويرها، بالإضافة إلى طيف واسع من المسائل الملحة المطروحة على الأجندة الدولية. وتزامن البيان الروسي مع بيان مماثل أصدره البيت الأبيض أكد فيه مكان وموعد الاجتماع، وقال إنه سيتناول ملفات العلاقات الثنائية بين البلدين، وطيفاً من المسائل الملحَّة للأمن القومي.
ويُعد الإعلان عن القمة المرتقبة التي طال انتظارها أبرز نتائج محادثات بولتون مع بوتين، أول من أمس، التي وجه الطرفان خلالها رسائل وُصِفت بأنها إيجابية، رغم الإقرار بصعوبة الملفات الخلافية المطروحة. وأعرب الرئيس الروسي خلال المحادثات عن أسفه لأن العلاقات بين موسكو وواشنطن ليست في أفضل أحوالها، محمِّلاً «الأوضاع السياسية الداخلية» في واشنطن المسؤولية عن تدهورها. فيما قال بولتون إن الرئيس ترمب ملتزم في سياسته بالمحافظة على الاستقرار الدولي ومنفتح على الحوار. وسعى المستشار الأميركي الذي كان معروفاً بأنه من «الصقور» في التعامل مع روسيا، ووجه انتقادات حادة في السابق إلى بوتين، إلى تخفيف هذا الانطباع عن توجهاته، وتوجيه رسالة تطمين إلى الروس بأنه «ملتزم بالخط السياسي لترمب الذي يسعى إلى الانفتاح والحوار».
ورغم أن الإعلان عن الشروع في ترتيبات القمة أثار موجة ارتياح لدى الأوساط الدبلوماسية الروسية التي أعلنت أكثر من مرة في السابق أنها تتطلع إلى وفاء ترمب بتعهداته خلال الحملة الانتخابية بأنه يسعى إلى تطبيع العلاقات مع روسيا، لكن تراكم الملفات الخلافية وغياب الثقة في قدرة ترمب على تجاوز التعقيدات الداخلية التي تواجه محاولاته لتطبيع العلاقات مع روسيا برزت في تصريحات مسؤولين روس أمس، رجحوا ألا تخرج القمة بـ«اختراق» كبير، لأن «البلدين بحاجة إلى خريطة طريق لإطلاق حوار موسع وشامل ومتعدد المستويات، وهذا الهدف الأساسي الذي يضعه الكرملين أمامه وهو يحضر لهذه القمة»، وفقاً لدبلوماسي روسي تحدثت إليه «الشرق الأوسط».
وفي إشارة إلى حجم الملفات الخلافية المطروحة على طاولة البحث في القمة المرتقبة، كان بولتون أكد في ختام زيارته لموسكو أن ملف «التدخل الروسي» في الانتخابات الرئاسية الأميركية سيكون أحد محاور البحث، بالإضافة إلى العقوبات المفروضة على روسيا وحرمانها من حضور اجتماعات «مجموعة الدول الصناعية الكبرى» المعروفة بتسمية «مجموعة السبع». وزاد أن موضوع معاهدة الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى والرقابة على التسلح، التي ناقشها مع بوتين ستكون بين محاور البحث خلال القمة، وهو ملف خلافي معقد، لأنه لا يقتصر على العلاقة الثنائية بين واشنطن وموسكو، بل يتعداها إلى العلاقة مع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.
وأضاف بولتون أن موقف الولايات المتحدة بشأن العقوبات ضد روسيا لم يتغير، كما اعتبر أن مصادرة الممتلكات الدبلوماسية الروسية في الولايات المتحدة لا يعتبر أمراً غير قانوني. وردّاً على سؤال حول ما إذا كان ترمب سيعترف بانضمام القرم إلى روسيا، قال بولتون: «هذا ليس موقفنا». لكنه لم يستبعد أن تكون الأزمة الأوكرانية وقرار ضم القرم وكارثة إسقاط الطائرة الماليزية في 2014 في شرق أوكرانيا بين الملفات المطروحة للبحث، وهي كلها ملفات خلافية صعبة.
وقال بولتون إنه لا يتوقع «نتائج محددة، لأنه لم تنظم قمة رسمية بين رئيسي دولتينا منذ فترة طويلة»، لكنه لم يستبعد التوصل إلى «اتفاقات محددة» في توافق مع وجهة النظر الروسية حول احتمال الخروج بخريطة طريق لتطبيع العلاقات.
وفي وقت أطلق الإعلان المشترك، تكهنات كثيرة حول احتمالات أن تضع القمة «نهاية للتدهور» في العلاقات وتطلق مساراً عكسياً وفقاً لتعليق روسي أمس، ركزت وسائل إعلام حكومية روسية أمس على انعكاسات القمة المرتقبة على أوروبا وحلف شمال الأطلسي. ونقلت عن وسائل إعلام غربية أن التقارب الروسي - الأميركي إذا حصل سيكون «كارثيّاً» بالنسبة إلى بلدان الاتحاد الأوروبي والحلف الغربي.
وجاء ذلك في إشارة إلى أن الاجتماع بين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب قد يفضي إلى موافقة واشنطن على وقف المشاركة في المناورات العسكرية لحلف شمال الأطلسي على حدود الحلف الشرقية، وبالمقابل تتخلى موسكو عن إجراء مناورات في غرب روسيا. ورأت مصادر غربية أن قدرات روسيا الهجومية في هذه الحال لن تتغير، فيما ستكون بولندا ودول البلطيق، التي تتحدث باستمرار عن «التهديد الروسي»، غير راضية عن التطور.
بالإضافة إلى ذلك، فإن المفاوضات بين الزعيمين إذا أفضت إلى تخفيف العقوبات على روسيا، ستكون أوروبا مضطرة إلى رفع قيودها الاقتصادية من دون التوصل إلى حل مرضٍ للأطراف على صعيد الأزمة الأوكرانية التي أطلقت التدهور بين روسيا والغرب.
وفي الجانب الروسي، أبرزت تصريحات نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف، جوانب من التعقيدات التي ستحيط بالملفات الخلافية خلال القمة، خصوصاً في إشارته إلى قلق موسكو المتنامي من أن بدء واشنطن التحضير لإنتاج منظومات صاروخية جديدة قد يتحول لاحقاً إلى انتهاك لمعاهدة إزالة الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى.
وقال ريابكوف أمس أمام البرلمان، إن الولايات المتحدة تبدأ تنفيذ برامج عسكرية جوابية تحت ذريعة «الانتهاكات الروسية المفتعلة»، بما فيها برامج استفزازية للغاية تنطوي على انتهاك معاهدة إزالة الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى. وأضاف أن واشنطن خصصت أموالاً لإطلاق برنامج حول إنتاج أسلحة صاروخية يتجاوز مدى تحليقها ما هو مسموح به بموجب هذه المعاهدة. كما اتهم الدبلوماسي الروسي واشنطن ببدء إعادة إعمار البنية التحتية تحضيراً لنشر هذه المنظومات الصاروخية في أوروبا.
وأشار أيضاً إلى أن نشر المنظومات الصاروخية الأميركية في اليابان سيكون انتهاكاً لمعاهدة إزالة الصواريخ متوسطة وقصيرة المدى في منطقة آسيا والمحيط الهادي. وزاد أن ثمة قضيةً خلافيةً أخرى تتعلق ببرامج الطائرات المسيرة الضاربة الأميركية، التي وصفها بأنها «لا تزال قضية لم تتم تسويتها حتى اليوم».
واللافت أن المخاوف الروسية من انعكاسات القضايا المعقدة على احتمالات إطلاق عملية تطبيع العلاقات لم تبرز فيها الملفات الإقليمية الأكثر سخونة حالياً، إذ لم يتطرق مسؤولون روس إلى الخلافات حول سوريا، وذهبت مصادر إعلامية روسية إلى التكهن بأن الأزمة السورية واحدة من العناصر «الأسهل» لإيجاد وجهات نظر مشتركة. بينما يظلّ ملف آليات التعامل مع السياسات الإقليمية لإيران، إحدى القضايا المعقدة التي تواجه القمة المرتقبة.


مقالات ذات صلة

حرب إيران في الميزان الأميركي: تكلفة باهظة ورسائل متضاربة

تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض (رويترز)

حرب إيران في الميزان الأميركي: تكلفة باهظة ورسائل متضاربة

من أسعار الوقود المرتفعة إلى تكلفة العمليات العسكرية، وصولاً إلى أعداد القتلى والجرحى، تتنامى معارضة الرأي العام الأميركي لمواصلة الحرب.

رنا أبتر (واشنطن)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي بعد وصوله إلى مطار بالم بيتش مساء 13 مارس (أ.ب) p-circle

تحليل إخباري «ضربة خرج» بين فرض اتفاق والانزلاق إلى حرب أطول

مع دخول حرب إيران أسبوعها الثالث، تحوّلت العمليات العسكرية الأميركية إلى اختبار حقيقي لقدرة إدارة دونالد ترمب على تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز) p-circle

ترمب: دول كثيرة سترسل سفناً لإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، السبت، إن دولاً كثيرة سترسل سفناً حربية لإبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، لكنه لم يفصح عن تفاصيل الدول التي ستُقدم على هذه الخطوة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي جنود إسرائيليون يجهزون دباباتهم في الجليل الأعلى بشمال إسرائيل قرب الحدود مع لبنان (أ.ف.ب)

غطاء أميركي لإسرائيل لـ«التخلُّص» من «حزب الله»

قدَّمت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ما بدا أنه غطاء لـ«تخلُّص» إسرائيل من «حزب الله»، مؤكدة أن التنظيم الموالي لإيران «هو العدو، وليس حكومة لبنان ولا شعبه»

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز) p-circle

ترمب: إيران «مهزومة تماماً... وتريد إبرام اتفاق»

كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمس (الجمعة) أن إيران «مهزومة تماماً وتريد إبرام اتفاق»، لكنه لن يوافق عليه، وذلك بعد أسبوعين من بدء الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.