تعدّ حلويات رمضان المنزلية من الأطباق الأساسية، التي يجري تحضيرها من قبل ربّات المنازل في هذا الشهر الكريم في لبنان. فلائحة الطعام الطويلة التي تضمّ أطباقا خفيفة وأخرى دسمة تتألّف من اللحوم والحساء والحبوب وغيرها، والتي تحضّرها سيدة البيت كلّ يوم بيومه، لا تكتمل عناصرها إلا بإضافة حلويات رمضانية عليها يفرح بها الكبار والصغار معا، لا سيما أن مكوّناتها تكون طبيعية لا تحتوي على مواد حافظة أو مصّنعة كالتي نشتريها جاهزة من السوق.
هذه الحلويات التي غابت لفترة عن موائد الإفطار في المنازل، لاستسهال شراء الجاهز منها كونها توفّر على ربّة المنزل الوقت وعناء التحضير والوقوف في المطبخ، عادت اليوم من جديد لتسترجع مكانتها المعروفة بسبب الرغبة في العودة إلى الطعام الصحي.
{القطايف} و{المعكرون} و{الحليب بالسميد} و{قمر تحت الغيم} و{النمّورة} (تعرف أيضا بالبسبوسة) وغيرها من أصناف حلويات رمضان المنزلية، باتت حاليا بمثابة مسك الختام لإفطار شهي ولذيذ لا يمكن الاستغناء عنه.
وهذه الحلويات التي تختلف بين منطقة وأخرى في لبنان وفقا لتقاليد سكّان كلّ منها، علّمتها الأمهات لبناتهن لتكن، على بيّنة من كيفية طريقة تحضيرها على الأصول. فلا يكفي حسب ما تقول الجدّات إن نقوم بتحضير هذه الحلوى أو تلك، إذ إن المطلوب أن تكتسب المذاق الأصلي لها تماما كما ورثته عن أسلافها. وتقول نجوى عميص (ربّة منزل) من مدينة صيدا، إن العودة لهذه الأطباق هي برهان أكيد بأن اللبناني صار يعرف {طعمة تمّو} (قول مأثور في لبنان)، فما عاد يتلذذ بتناول الأطباق الجاهزة إن كانت من النوع المالح أو الحلو وصار يقدّر ما تصنعه الأمهات في مطبخها. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: {لقد اعتدنا في صيدا أن نحضّر أنواعا خاصة من الحلوى تختلف عن المناطق اللبنانية الأخرى، وتأتي العوّامات والقطايف في الطليعة، فأنا مثلا أحضّرها قبل وقت الإفطار بقليل، لأقدمها لأفراد العائلة ساخنة طازجة ومقرمشة بامتياز}. أما الأنواع الأخرى التي يطالب بها أحفادها فتتنوع ما بين {زنود السّت} و{الحليب بالسميد} و{البسبوسة} المغطاة بالقطر والمزيّنة باللوز المحمّص. وتقول في هذا الصدد: {تحضيري لهذا النوع من الحلويات أعدّه متعة بحد ذاته، كون الأطفال ينتظرون وصولها بحماس إلى مائدة رمضان، وكلّ التعب الذي ينتابني بسبب وقوفي الطويل في المطبخ يذهب إلى غير رجعة عندما أرى عيونهم تلمع، وتلاحق نظراتهم طبق الحلوى بدقّة من ناحية إلى أخرى من الطاولة}.
أما {أم أحمد} البيروتية أبا عن جدّ فتؤكد في حديثها لـ«الشرق الأوسط» أن حلويات رمضان المنزلية لا تعطي مكانتها لأحد. وتقول: {لا يجب أن يكون طعم هذه الحلويات أحلى من السكر، فهذا خطأ شائع تقع فيه ربات المنازل حديثي الزواج، إذ باعتقادهم أن السكّر يقي من الجوع ويفيد الصائم. ولكني أقول لهنّ ابتعدن قدر الإمكان عن السكريات ولتكن أطباق الحلوى التي تحضرونها مصنوعة من الفواكه، فتكون أكثر إفادة للصحة}. وتذكر {أم أحمد} الأصناف التي تحضرّها شخصيا في هذا المجال والتي علّمتها لابنتها (صباح) أيضا، كـ«الخشّاف} بالحليب أو بالبلح أو بالفواكه.
وهذا الأخير كناية عن مجموعة فواكه طازجة (مانغو وتفاح وأجاص وغيرها) تضرب بالخلّاط لتشكّل مزيجا لزجا يبرّد في الثلاجة قبيل تقديمه ليرشّ عليه الصنوبر واللوز والجوز بعدها، فيليّن الأمعاء، ويساعد في الهضم ويثلج قلب الصائم ويقيه أيضا من الجوع.أما «الخشاف} بالبلح فيتكوّن من هذه الفاكهة المقددة التي تغمر بالحليب ودائما دون استعمال السكّر، ويضاف إليها فواكه مجففة أخرى مقطّعة قطعا صغيرة، كالتين والزبيب واللوز وليقدّم هذا الخليط بعدها في الـ{كاسة} (وعاء زجاجي صغير خاص بتقديم الحلويات في لبنان).
وتعلّق (أم أحمد) بالقول: هذه هي حلوياتنا البيروتية الأصيلة طبعا إضافة إلى {الكنافة بالقشطة} الخفيفة والمصنوعة من السميد والزبادي والقشطة. وتنهي بالقول: «عندما يشتري ابني محمود أو أحمد الحلويات الجاهزة للتخفيف عني، أحاول أن أتذوقها ولكن دون جدوى لأنني أشعر وكأنني آكل (ما هبّ ودبّ) إذ لا طعمها ولا مكوناتها تجذبني أو تحلّي لي ريقي}.
ومن صيدا وبيروت وصولا إلى مدينة طرابلس الفيحاء في شمال لبنان. فهناك تخبرنا (أم محمد) بأنها تحضر في رمضان حلويات لا يعلو عليها وأنه حتى كبار الطباخين في المطاعم لا يستطيعون أن يقتربوا من نكهتها. وتقول: {اشتهرت مدينتنا بالحلويات منذ القدم، فمن لا يعرف (حلاوة الجبن) الطرابلسية أو (حلاوة الأرز) وغيرها من الأصناف، ولكننا في المنازل اعتدنا أيام الشهر الفضيل أن نحضّر الحلويات بأنفسنا لأننا نعدها بركة الموسم ومن عناصره الأساسية}. وتضيف: {كما لدينا الأرز بالحليب والمهلبية بالقشطة، لدينا أيضا طبق الحلو المعروف بـ(قمر تحت الغيم). وهذا الطبق لمن لا يعرفه يتألّف من الحليب مع الأرز الذي يوضع كطبقة أولى في الصحن ومن ثم نسكب فوقه حلاوة الأرز (أرز مع الحليب والسكر)، الذي نغليه ليصبح معقدا وشبيها براحة الحلقوم وننهيه برشّة من حبيبات المستكا المطحونة}.
أما {حلاوة الجبن} المنزلية وحسب وصفة (أم محمد) من طرابلس، فتتألّف من الجبنة والسميد الذي يرقّ كرغيف الخبز ومن ثم يرشّ عليه السكرّ الناعم أو يغطّس بالقطر حسب الرغبة.
أما {القطايف} فتحضّر من ألفها إلى يائها في البيت بحيث يخلط عجينها، ومن ثم يجري تقطيعها وحشوها بالجوز واللوز أو القشطة وذلك وفقا لذوق أفراد العائلة.
وتضيف (أم محمد): {هذه الحلويات إضافة إلى (القراقيش) المقلية بالزيت والمعجونة بالحليب مع عشبة الشومرة وحبة البركة، وكذلك اللوز المرّ بالسكر وماء الورد المرقوق بحجم كفّ اليد، والمخبوز بالفرن مع الزبدة تعدّ من الحلويات الطرابلسية الأصيلة المعروفة لدينا إن في شهر رمضان أو أيام العيد أيضا}. يبقى القول إن قارئ هذا الموضوع الذي سيشعر بالشهية لتناول أي طبق من هذه الحلويات، ويسيل لعابه لمجرّد التفكير فيها، ما عليه سوى أن يقصد لبنان ويتجوّل في مدنه العريقة ليتعرّف إليها عن كثب، ويتذوّق حلويات رمضانية لم يسبق له أن تناولها من قبل «مصنوعة بأيدي» أمهاتنا وجدّاتنا، وألف صحتين.
9:41 دقيقه
الحلويات المنزلية تسترجع مكانتها على موائد الإفطار في لبنان
https://aawsat.com/home/article/131131
الحلويات المنزلية تسترجع مكانتها على موائد الإفطار في لبنان
{قمر تحت الغيم} و«حلاوة الرز} و{خشف البلح والفاكهة} أبرزها
الحلويات المنزلية تسترجع مكانتها على موائد الإفطار في لبنان
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

