البرازيليات السمراوات يتخلّين عن الشعر الأملس

موظفة في مدينة ساو باولو كانت تملّس شعرها وباتت تبقيه على طبيعته (واشنطن بوست)
موظفة في مدينة ساو باولو كانت تملّس شعرها وباتت تبقيه على طبيعته (واشنطن بوست)
TT

البرازيليات السمراوات يتخلّين عن الشعر الأملس

موظفة في مدينة ساو باولو كانت تملّس شعرها وباتت تبقيه على طبيعته (واشنطن بوست)
موظفة في مدينة ساو باولو كانت تملّس شعرها وباتت تبقيه على طبيعته (واشنطن بوست)

ابتسمت برونا أباريسيدا بحذر وهي تتطلع إلى صورتها في المرآة بينما يقصّ مصفف الشّعر خصلات أخيرة من شعرها المسترسل، ليصبح رأسها متوجاً بالتّجاعيد. تقول أباريسيدا البالغة من العمر 27 سنة والتي ظلّت تستخدم المواد الكيماوية لتمليس الشّعر لنحو عشر سنوات قبل التخلي عنها: «لم أكن أتعرف على نفسي من دون شعري المسترسل». لقد كانت المرأة الوحيدة ذات البشرة السوداء ذات الشعر المجعد في المصرف الذي تعمل به، لكنّها اليوم أصبحت واحدة من بين ست سيدات. وتضيف قائلة: «لقد بات الأمر رائجاً خلال العام الحالي، وتقوم به الكثير من صديقاتي».
يمثل البرازيليون ذوو البشرة السّوداء أو السّمراء أكثر من نصف عدد سكان البلاد، لكنّك لن تكتشف ذلك عند النّظر إلى مجال التجميل، فقد ظلّت منتجات تمليس الشّعر المبتكرة في البرازيل والتي تنتشر في جميع أنحاء العالم، تلاحق لفترة طويلة معايير ذوي البشرة البيضاء الخاصة بالجمال. منذ عشر سنوات لم يكن من المستغرب مشاهدة الكثير من السيدات يرتدين الكسوات الخاصة بتصفيف الشعر في صالون التجميل، ويغطين أفواههن بقطعة قماش لتفادي استنشاق الأبخرة والروائح المنبعثة من شعورهن بينما يغمر المصفّف الشعر في الفورمالدهيد ليصبح مسترسلا. يتزايد حالياً عدد البرازيليات ذوات البشرة السوداء اللائي يتخلّين عن مواد تمليس الشّعر ويتقبلن الشّعر المجعّد. تعبّر العودة إلى الشعر الطبيعي عن تزايد تمكين السود في البرازيل، حيث ازداد عدد الذين يعتبرون من السود بنسبة 15 في المائة خلال أربع سنوات، حسب التّعداد السّكاني الذي أُجري عام 2016. على الجانب الآخر، انطلقت حركة «المستقبلية الأفريقية» لاستكشاف الرؤية المستقبلية لأفريقيا والشتات الأفريقي بإلهام من فيلم «النمر الأسود»، من خلال أفلام ومسرحيات وموسيقى أبطالها من السّود.
على الرّغم من ذلك، فلا تزال الفجّوة صادمة في المساواة على أساس العرق، حيث يزداد متوسط راتب المواطن الأبيض عن راتب المواطن الأسود بنسبة 50 في المائة. وقد مثل ذوو البشرة السّوداء والسمراء من البرازيليين نحو 70 في المائة من ضحايا جرائم القتل في البلاد في عام 2016، حسب أحدث بيانات حكومية أعلن عنها. وأثار اغتيال مارييل فرانكو ذات البشرة السوداء، عضو مجلس بلدية مدينة ريو دي جانيرو، في بداية العام الحالي، جدلاً بشأن العنصرية ووحشية الشرطة. في هذا السياق، تجلّى الأفارقة كرمز للمقاومة. قُتلت السياسية ذات البشرة السّوداء بالرصاص في مدينة ريو دي جانيرو، لتصبح بعد ذلك رمزاً عالمياً. وتشهد سوق الجمال الأسود نمواً يقدّر بنحو 20 في المائة سنوياً في البرازيل، بمساعدة منتجات تستهدف اتجاه السيدات نحو المظهر الطبيعي، حسب مجموعة أبحاث «كلاين ماركت». وازداد معدل البحث على الإنترنت عن عبارة «الشعر الأفريقي» بمقدار ثلاثة أمثال خلال العامين الماضيين، حسب «غوغل لابس». كما يقود حالياً هاشتاغ «شعر مجعد» الذي استخدم ذات مرة على صور خاصة بتمليس الشعر، إلى آلاف من الصور لأفارقة لهم شعر مجعد غجريّ. يقول ألميرو نونيس، البالغ من العمر 44 عاما وصاحب صالون تجميل «كيرلز كلينيك» في ساو باولو المتخصص في الشعر الطبيعي المجعد: «لم يكن لدي فكرة عن حجم السوق عندما افتتحت صالون التجميل الخاص بي». وقد بلغ متوسط عدد عملاء نونيس الذي بدأ بعشرة عملاء منذ ثمانية أعوام ليصل عددهم إلى 60 عميلاً يومياً، ويعتزم توسيع نطاق عمله بافتتاح صالون تجميل آخر. ويبدو أنّ صالونات التجميل ليست هي التي لاحظت الأمر وحدها، فقد لحقت بها الصيدليات والمتاجر ذات الأقسام المتعددة التي اعتادت تخزين كميات كبيرة من الشامبو الخاص بالعملاء البيض، حيث بات لديها حالياً أقسام كاملة مخصّصة للشعر الطّبيعي لذوي البشرة السوداء. أتاح ذلك الكثير من الخيارات أمام الفتيات والسيدات ذوات البشرة السوداء اللاتي كنّ يشعرن بأنّه ليس لديهن اختيار سوى تمليس شعورهن.
كانت هذه حال ألين بيبيانو البالغة من العمر 27 سنة؛ فقد كان زملاؤها ذوو البشرة البيضاء في المدرسة يسخرون من شعرها، لذا بدأت تجعله مسترسلا وهي في الثامنة من عمرها. وقالت لوالدتها ذات مرة: «أفضل أن أكون عاجزة أجلس على كرسي مدولب على أن يكون لدي شعر سيء».
عندما قرّرت إطالة شعرها منذ ست سنوات اتجهت إلى الإنترنت بحثاً عن النّصيحة وقالت: «هل هناك أحد ما يفعل ذلك؟» من ثمّ اكتشفت نصائح عن كيفية القيام بالعملية التي قد تستغرق ثلاث سنوات. تكتب بيبيانو حالياً عموداً شهيراً عن الشَّعر المتموج والمجعد لموقع «AllThingsHair.com» الذي تديره شركة منتجات التجميل «يونيليفر». وتوضح: «لدى السيدات حاليّاً مراجع ومصادر لم تكن متاحة لي. هناك على «إنستغرام» و«فيسبوك»، فتيات متصالحات ومتعايشات مع الشعر المتموج». مع ذلك بئر التحامل العميق ضد الشّعر الأسود قد بدأ ينضب لتوه. تقول سيدة من بين كل ثلاث سيدات في دراسة أجرتها «غوغل» عام 2017، إنّها واجهت تحاملا ضدّها بسبب شعرها. وتتعرض بيبيانو باستمرار للمضايقات. وكان الشَّعر يعدّ بالنسبة إلى ملايين «العبيد» الذين هُرّبوا إلى البرازيل من غرب أفريقيا، معبّراً عن الحالة الاجتماعية والديانة والوضع الاجتماعي والهوية العرقية. وعندما كانوا يصلون إلى البرازيل كانت شعورهم تُحلق فوراً. تقول أماندا براغا، مؤلفة كتاب عن تاريخ الجمال الأسود في البرازيل: «كانت تتم حلاقة الشعر من أجل إبعاد العبيد السود عن أصولهم وجذورهم الثقافية وكان يحدث ذلك بحجة النّظافة، لكنّ الهدف الحقيقي كان قتل أي شعور بالانتماء قد يحمله هؤلاء البشر في نفوسهم من خلال علاقتهم بشعرهم. لقد كانت تلك طريقة لجعل العبيد السود مجهولين في العالم الجديد، وتقديمهم إلى قارة جديدة من دون مرجعيات أو إشارات يحملونها من خلال شعورهم». لذا تعدّ العودة إلى مظهر الشَّعر الطبيعي بالنسبة إلى كثير من البرازيليين السّود إعادة اتصال بإرثهم وتراثهم. في السياق، تفيد أندريسا ماسيل صانعة أفلام تبلغ من العمر 26 سنة: «بأنّه فعل سياسي. شعري هو أول شيء يراه الناس. فهو يقول هذه هي أندريسا وهذا هو أصلها». وترى أنّ شعرها كوسيلة لاستعادة جذورها الأفريقية، وتقول: «العنصرية تجعلك لا تريد أن تكون نفسك الحقيقية. أريد لأطفالي أن يروا شعري. يجب أن يظهر في المرآة حتى يعرفوا أنّ الشَّعر الأسود طبيعي وجميل وأنّهم من سلالة ملوك وملكات». وجدت سيدات مثل ماسيل إلهامهنّ في الممثلة تاييس أراوجو، وهي أول ممثلة تلعب دور سيدة ثرية ذات شعر مجعّد، في مسلسل تلفزيوني برازيلي منذ عشر سنوات. تشارك أراوجو حالياً في مسلسل «ميستر براو» الكوميدي الذي يتناول المصاعب التي يواجهها زوجان من ذوي البشرة السوداء ميسوري الحال ينتقلان إلى حي للنّخبة يسكنه البيض في ريو دي جانيرو. يجمع المسلسل بين الأسلوب الكوميدي المبالغ فيه، ومقولات لنيلسون مانديلا، الزعيم المناهض لسياسة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، وتاريخ حقوق الإنسان، وقصص عن العنصرية. عندما جاء وقت اختيار طريقة تصفيف شعرها التي ستظهر بها في المسلسل قالت أراوجو، إنّه كان قراراً سياسياً. وأضافت خلال مقابلة: «عندما نتحدث عن دور التلفزيون خاصة في البرازيل، نظراً لكونه متاحاً للجميع، نرى أنّ الشّعور بالمسؤولية الاجتماعية يمكن أن يغير البلد». وتضيف: «لقد اكتشفت البرازيل هويتها. لا تحدث التغيرات الثقافية بين عشية وضحاها. نحن نمرّ بهذه المرحلة ومن الجميل رؤية ذلك». تميزت أراوجو، خلال الأسابيع القليلة الماضية عن غيرها من العارضات والمشاهير ذوات الشَّعر اللامع اللاتي يظهرن على أغلفة المجلات المنتشرة في أكشاك بيع الصحف والمجلات. وكانت صورتها التي ظهرت على غلاف مجلة «كلوديا» للمرأة تتطلّع بتحدٍ إلى العدسة بأيدٍ متشابكة وشعر غجري كثيف. ألهمت مشاهدة أراوجو على شاشة التلفزيون، أباريسيدا جيسيز، البالغة من العمر 34 سنة بالتحرر من خصلات الشعر المسترسلة منذ أربع سنوات. والآن بلغت ابنتها آنا لويزا عشر سنوات، وهو السّن الذي بدأت أباريسيدا، استخدام المواد الكيماوية لتمليس شعرها. وهي تتعرّض للمضايقات في المدرسة بسبب شعرها الأشعث مثلما كان يحدث لأمِّها.
*خدمة {واشنطن بوست}
خاص بـ {الشرق الأوسط}



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».