خصما جنوب السودان في أديس أبابا لإقرار مشروع سلام

زعماء دول «إيقاد» يجتمعون اليوم بحضور سلفا كير ومشار لإقرار «اتفاق مبادئ» لتقاسم السلطة

رئيس وزراء إثيوبيا أبي أحمد مستقبلاً رئيس جنوب السودان سلفا كير أمس (إ.ب.أ)
رئيس وزراء إثيوبيا أبي أحمد مستقبلاً رئيس جنوب السودان سلفا كير أمس (إ.ب.أ)
TT

خصما جنوب السودان في أديس أبابا لإقرار مشروع سلام

رئيس وزراء إثيوبيا أبي أحمد مستقبلاً رئيس جنوب السودان سلفا كير أمس (إ.ب.أ)
رئيس وزراء إثيوبيا أبي أحمد مستقبلاً رئيس جنوب السودان سلفا كير أمس (إ.ب.أ)

استجابة لضغوط دولية، وأممية، يجتمع رئيس جنوب السودان سلفا كير، وخصمه اللدود زعيم المتمردين رياك مشار في أديس أبابا، اليوم، في أول لقاء مباشر بينهما منذ عامين، في محاولة جديدة لإعادة السلام إلى بلدهما الذي تدمره حرب أهلية مستمرة منذ 2013.
وكان سلفا كير ومشار وصلا أمس إلى أديس أبابا بدعوة من رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد أحمد أبيي، الذي يرأس المنظمة الإقليمية المعنية بالسلام في القرن الأفريقي، المسماة «الهيئة الحكومية للتنمية» (إيقاد)، حيث ستجري محادثات تهدف لتوقيع اتفاق سلام، قدمه الوسطاء في «إيقاد»، لإعادة الاستقرار إلى الدولة الوليدة.
وتعمل هذه المنظمة المكونة من 7 دول في المنطقة، منذ أشهر، على تحريك عملية السلام، من دون جدوى. وحسب معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط»، فإن مشروع السلام، يهدف إلى وضع صيغة جديدة لتقاسم السلطة، ووضع ترتيبات أمنية برعاية دولية. وقالت مصادر وثيقة الصلة بالمفاوضات إنه قد يتمّ بحث دمج القوات الحكومية والمتمردة، وإمكانية حل البرلمان، في إشارة إلى نقاط الخلاف بين الرجلين. وفي حال نجاح الوساطة سيتم توقيع وثيقة السلام، اليوم، خلال قمة تجمع زعماء دول «إيقاد»، غير أن مراقبين للوضع استبعدوا حدوث ذلك، لوجود خلافات سياسية وقبلية عميقة بين الطرفين.
وقال فيتسوم أريجا، مدير مكتب رئيس وزراء إثيوبيا على «تويتر»، إن سلفا كير ومشار اجتمعا مساء أمس، في أديس أبابا، على مائدة عشاء مع رئيس الوزراء. ويحضر الزعيمان قمة رؤساء وحكومات دول «إيقاد» المقررة اليوم. وقال مشار في تصريحات إنه مستعد لإعطاء ما هو متوقع منه لتحقيق السلام في جنوب السودان، مؤكداً أن الحركة التي يقودها حريصة على إنهاء الحرب وتحقيق الاستقرار وإنهاء معاناة الشعب.
واندلعت حرب أهلية في جنوب السودان في ديسمبر (كانون الأول) 2013 عندما اتهم كير وهو من إثنية «الدينكا» نائبه مشار وهو من إثنية «النوير» بتدبير انقلاب عليه. وتمارس الأسرة الدولية، وفي مقدمها الولايات المتحدة، ضغوطاً منذ أشهر طويلة في محاولة لإعادة تفعيل اتفاق السلام المبرم في أغسطس (آب) 2015 وانتُهك عدة مرات. ومنحت الولايات المتحدة، طرفي النزاع في جنوب السودان، مهلة شهر تنتهي في 30 يونيو (حزيران) الحالي، لتوقيع اتفاقية سلام أو مواجهة عقوبات، ووقف المساعدات التي تقدمها إلى جوبا. كما هددت الأمم المتحدة طرفي النزاع عدة مرات، ودعتهما للاستجابة للضغوط الدولية.
وحسب مصادر مطلعة أبلغت «الشرق الأوسط»، أن الجانبين أجريا محادثات غير مباشرة، ليل أمس، لبحث «مشروع سلام» قدمه الوسطاء في «إيقاد». وقالت وزيرة الطفولة والرفاه إيوت دينغ أكولي، أثناء مغادرة الوفد الحكومي جوبا: «نتوقع أن يجري اللقاء بين رئيسنا ورياك مشار اليوم (أمس). وأوضحت أنه قد يتم بحث دمج القوات الحكومية والمتمردة وإمكانية حل البرلمان، في إشارة إلى نقاط الخلاف بين الرجلين».
ويُتوقع أن يتم اللقاء في قصر رئيس الحكومة الإثيوبية وتليه قمة لـ«إيقاد» مخصصة لملف جنوب السودان.
وسيكون هذا اللقاء الأول منذ المعارك العنيفة في جوبا عاصمة جنوب السودان في يوليو (تموز) 2016. وأنهت هذه المواجهات اتفاق سلام أبرم في أغسطس 2015. وسمح لمشار بالعودة إلى منصب نائب الرئيس وإلى جوبا. وفرَّ مشار إثر تلك المعارك من بلاده لكنه ما زال لديه نفوذ كبير على حركته.
وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية في جنوب السودان السفير ماوين مأكول أكد، أول من أمس، أن حكومته قبلت دعوة هيئة «إيقاد» بشأن الدعوة التي وجهها رئيس الوزراء الإثيوبي أبيي أحمد إلى الرئيس سلفا كير بشأن المحادثات المباشرة مع نائبه السابق رياك مشار، وقال: «سيحضر الرئيس سلفا كير هذا الاجتماع»، لكنه لم يحدد موعد مغادرته إلى أديس أبابا، وأضاف: «بالطبع وافقنا على هذا الاجتماع وهناك جدول زمني لسفر الرئيس سلفا كير».
في غضون ذلك، قال نائب رئيس لجنة الإعلام في الحركة الشعبية في المعارضة مناوا بيتر قارتكوث، إن حركته تلقت إخطاراً رسمياً من قبل هيئة «إيقاد»، بإطلاق سراح زعيم المعارضة رياك مشار من إقامته الجبرية في جنوب أفريقيا، وإنه سيصل إلى أديس أبابا، اليوم (أمس)، مشيراً إلى أن اللقاء بين رئيس جنوب السودان سلفا كير، ورياك مشار سيعقد في العاصمة الإثيوبية هذا الأسبوع، وفقاً لخطاب «إيقاد».
ويُعدّ اجتماع الرئيس سلفا كير، ونائبه السابق رياك مشار هو الأول بينهما منذ انهيار اتفاق السلام بين الطرفين في يوليو 2016، عقب تجدد الاقتتال بين قواتهما في جوبا.
وفرَّ مشار إلى خارج البلاد واستقرَّ به المقام في جنوب أفريقيا، ووُضِع فيها تحت الإقامة الجبرية حتى قررت هيئة «إيقاد».
إلى ذلك، اختتمت أطراف النزاع في جنوب السودان جولة المشاورات المكثفة المتداخلة، أول من أمس، دون الوصول إلى اتفاق حول ملف الحكم، وقررت الوساطة إحالة القضايا العالقة إلى اللقاء المباشر بين الرئيس سلفا كير ونائبه السابق رياك مشار المتوقَّع هذا الأسبوع.
وقال وزير الإعلام في جنوب السودان والمتحدث باسم الحكومة مايكل ماكوي، إن الأطراف توصلت إلى اتفاق بشأن الترتيبات الأمنية، لكنه أوضح أن المعارضة تتمسك بمواقفها بشأن تقاسم الحكم. وأضاف: «تعنت المعارضة بسبب الإعلان عن اللقاء المباشر بين الرئيس سلفا كير ورياك مشار»، مشيراً إلى أن الأطراف أحرزت تقدما ويجري الآن إحكام الصياغة النهائية للتوقيع عليها بالأحرف الأولى.
وقال إن وفد الحكومة قدم تنازلات، في حين واصلت المعارضة تقديم مطالب مستحيلة، لأنها تنتظر لقاء كير ومشار وهي غير مستعدة للاستماع إلى صوت السلام.
وينتظر أن تقدم هيئة «إيقاد» نتائج المشاورات التي جرت إلى مجلس وزراء الهيئة اليوم، ويليها مؤتمر قمة رؤساء الدول والحكومات الذي سيعقد في اليوم ذاته في أديس أبابا.
واختلفت الحكومة المعارضة بشأن تقاسم السلطة حول نسب الجهاز التنفيذي والبرلمان وحكومات الولايات، ورفضت الحكومة حل البرلمان وتعيين 400 عضو كما جاء في مقترح «إيقاد» وعدته خطا أحمر، وقال مكواي إن حكومته تقبل زيادة عضوية البرلمان الحالي خلال الفترة الانتقالية بإضافة 100 نائب على أن يمنح الحزب الحاكم 70 مقعداً، ويخصص 30 مقعداً لمجموعات المعارضة.
واقترحت هيئة «إيقاد» زيادة عدد الوزراء إلى 42 وزيراً وعدد 15 نائباً للوزراء، وفيما يتعلق بحكومات الولايات، رفض الوفد الحكومي اقتراح الوسطاء الذي ينصّ على أن 55 في المائة من الحكام سيذهب إلى حكومة الرئيس سلفا كير، و25 في المائة للحركة الشعبية في المعارضة و20 في المائة لفصائل المعارضة الأخرى.
وقال مكواي إن وفده طالب بتقاسم السلطة في الولايات بنسبة 80 في المائة للحكومة و20 في المائة لمجموعات حتى في الولايات التي ليس للمعارضة وجود فيها، وأضاف: «هذه النسب تنطبق فقط على السلطة التنفيذية ولكنها لا تشمل الجمعيات التشريعية في الولايات والمجالس التنفيذية».



اليابان وأستراليا ترفضان إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

اليابان وأستراليا ترفضان إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

رفض كلٌّ من اليابان وأستراليا إرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز، بعدما دعا الرئيس الأميركي دونالد ترمب دولاً حليفة والصين إلى إرسال سفن للمساعدة في حماية الصادرات النفطية في المضيق.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن وزير الدفاع، شينجيرو كويزومي، قوله أمام البرلمان، اليوم الاثنين: «في ظل الوضع الحالي في إيران، لا ننوي إطلاق عملية أمنية بحرية».

من ناحيتها، قالت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، إن أي عملية أمنية بحرية ستكون «صعبة للغاية من الناحية القانونية».

ويُعد إرسال قوات الدفاع الذاتي إلى الخارج أمراً حساساً سياسياً في اليابان المسالِمة رسمياً، حيث يدعم عدد من الناخبين دستور عام 1947 الذي فرضته الولايات المتحدة والذي ينبذ الحرب.

وقال تاكايوكي كوباياشي، مسؤول الاستراتيجية السياسية في الحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم الذي تنتمي إليه تاكايتشي، الأحد، إن العقبات «كبيرة للغاية» أمام طوكيو لإرسال سفنها الحربية.

من جهتها، صرحت وزيرة النقل الأسترالية، كاثرين كينغ، اليوم، بأن بلادها لن ترسل سفينة حربية إلى مضيق هرمز.

وقالت كينغ، لهيئة الإذاعة الوطنية «إيه بي سي»: «لن نرسل سفينة إلى مضيق هرمز. نحن نعلم مدى أهمية ذلك، لكن هذا ليس شيئاً طُلب منا القيام به وليس شيئاً نسهم فيه».

ودعا ترمب، السبت، دولاً عدة؛ من بينها اليابان، إلى إرسال تعزيزات، بعدما أعلن، في وقت سابق، أن «البحرية» الأميركية ستبدأ «قريباً جداً» مرافقة ناقلات النفط، عبر هذا الممر الحيوي للنفط في الشرق الأوسط.


تحفّظ دولي عقب دعوة ترمب لتأمين مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
TT

تحفّظ دولي عقب دعوة ترمب لتأمين مضيق هرمز

ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط تُبحر في الخليج العربي بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

قوبلت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدول حليفة وشريكة بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز بردود حذرة

قوبلت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدول حليفة وشريكة بإرسال سفن حربية للمساعدة في حماية الملاحة في مضيق هرمز بردود حذرة ومتباينة، في وقت تهدد فيه الحرب الدائرة مع إيران باضطراب طويل الأمد لأحد أهم الممرات النفطية في العالم.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت أن بحريتها ستبدأ قريباً مرافقة ناقلات النفط عبر المضيق الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو خُمس إنتاج النفط العالمي؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 3 آلاف سفينة كانت تعبره شهرياً قبل أن تشلّ التهديدات الإيرانية حركة الملاحة فيه، في أعقاب اندلاع الحرب في المنطقة قبل أسبوعين.

ترمب يُحمّل العالم المسؤولية

كتب ترمب على منصة «تروث سوشال»، السبت: «نأمل بأن تبادر الصين وفرنسا واليابان وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة ودول أخرى إلى إرسال سفن إلى المنطقة». وأضاف في تغريدة لاحقة: «ستنسق الولايات المتحدة مع تلك الدول لضمان سير الأمور بسلاسة وكفاءة. كان يجب أن يكون هذا جهداً جماعياً منذ البداية، وهو ما ستكون عليه الحال الآن».

وفي مقابلة هاتفية مع شبكة «إن بي سي»، أكد ترمب أن دولاً عدة لم تكتفِ بالموافقة، بل رأت في الأمر «فكرة رائعة»، غير أن المواقف الرسمية التي صدرت لاحقاً جاءت في معظمها متردّدة.

وبعد ساعات من الدعوة الأميركية، حثّ وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال اتصال هاتفي بنظيره الفرنسي جان نويل بارو، دول العالم إلى «الامتناع عن أي إجراء قد يؤدي إلى تصعيد النزاع وتوسيعه». ويرى المراقبون أن هذا التحذير يستهدف تحديداً الدول التي يسعى ترمب إلى استقطابها.

سيول «تدرس بعناية»

أعلنت رئاسة الجمهورية الكورية الجنوبية أنها «تدرس من كثب» الطلب الأميركي. وقال المتحدث باسمها: «نتابع تصريحات الرئيس ترمب على وسائل التواصل الاجتماعي، وسندرس المسألة بعناية في إطار التشاور الوثيق مع واشنطن». وأشار المسؤول إلى أن بلاده تُجري «بحثاً دقيقاً لمختلف التدابير لضمان أمن طرق نقل الطاقة»، مستحضراً أهمية حرية الملاحة الدولية للاقتصاد الكوري الذي يعتمد اعتماداً كبيراً على واردات الطاقة العابرة للمضيق. وكانت سيول قد اتخذت في وقت سابق قراراً بتحديد سقف لأسعار الوقود، وهو إجراء استثنائي لم تلجأ إليه منذ عام 1997.

طوكيو تتمسك بـ«الاستقلالية»

لم يصدر عن اليابان أي رد رسمي على الدعوة الأميركية حتى اللحظة. وأبلغت وزارة الخارجية اليابانية وكالة «إن إتش كيه» الإخبارية أن طوكيو «لن تُسارع إلى إرسال سفن حربية بناءً على طلب ترمب»، مستندةً إلى مبدأ راسخ مفاده أن «اليابان تتخذ قراراتها المستقلة وفق حكمها الخاص». بينما أوضح تاكايوكي كوباياشي، المسؤول عن السياسات في الحزب الحاكم، أن القوانين النافذة تجعل قواعد إرسال السفن العسكرية إلى المنطقة «شديدة الصعوبة» من الناحية القانونية.

لندن «مستعدّة للتعاون»

أبدى وزير الطاقة البريطاني، إد ميليباند، استعداداً للتعاون دون أن يُفصح عن أي التزام ميداني، مؤكداً أن «أفضل السُّبل وأجداها لإعادة فتح المضيق هو وضع حدٍّ لهذا الصراع». وأضاف ميليباند أن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل «أولوية للعالم»، مشيراً إلى أن «كل الخيارات التي قد تسهم في إعادة فتح المضيق يجري النظر فيها».

وأشار إلى أن لندن «تتحدث مع حلفائها بما فيهم الولايات المتحدة» لدراسة ما يمكن تقديمه، مستعرضاً جملةً من الخيارات المطروحة، من بينها تزويد المنطقة بـ«معدات ذاتية لكشف الألغام البحرية». كما أوضح أن بريطانيا أجرت بالفعل محادثات مع حلفائها لإعادة الملاحة في المضيق إلى طبيعتها. ولفت ميليباند أيضاً إلى أن وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر زارت المملكة العربية السعودية، هذا الأسبوع، لإجراء محادثات مع دول الخليج بشأن أمن المضيق، مؤكداً أن لندن «تريد العمل مع شركائها» لمعالجة الأزمة.

وأكدت الحكومة البريطانية أن أولويتها الراهنة تبقى «خفض حدة الصراع» لا التصعيد العسكري.

باريس تُبقي أسطولها في «وضع دفاعي»

أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية على منصة «إكس» أن سفنها المنتشرة أصلاً في شرق البحر المتوسط ستبقى في «وضع دفاعي». وكان الرئيس إيمانويل ماكرون قد أبدى في وقت سابق انفتاحه على إمكانية مرافقة السفن عبر المضيق مستقبلاً، إلا أن المحللين يرون أن الموقف الفرنسي لا يزال «بعيداً جداً عن تشكيل مهمة فعلية».

وذكرت صحيفة «فاينانشال ⁠تايمز» أن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الذين ⁠يعقدون اجتماعاً دورياً، الاثنين، سيناقشون إمكانية توسيع نطاق مهمة «أسبيدس» البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي والتي تحمي الملاحة من هجمات الحوثيين في البحر الأحمر لتشمل مضيق هرمز. وقال مسؤولون إن فرنسا تسعى لتشكيل تحالف لتأمين مضيق هرمز بمجرد استقرار الوضع الأمني هناك.

بكين تدعو إلى وقف إطلاق النار

جاء الموقف الصيني الأكثر تحفظاً والأبعد عن الاستجابة لمطالب واشنطن؛ إذ اكتفى المتحدث باسم السفارة الصينية في واشنطن بالدعوة إلى «وقف فوري لإطلاق النار»، وفق صحيفة «فاينانشال تايمز»، مُتجاهلاً الطلب الأميركي بصورة شبه كاملة.

في المقابل، أبدى وزير الطاقة الأميركي كريس رايت تفاؤلاً حذراً بشأن الدور الصيني، مُعرباً عن أمله في أن تكون بكين «شريكاً بنّاءً» في إعادة فتح المضيق، نظراً لحجم اعتمادها على نفط الخليج.


هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».