سينما بونغ جون هو.. تمزج السهل والصعب

هوليوود تستقبل المخرج الكوري بشروطها

العالم الداكن في «ثاقب الثلج»  -  من فيلم «أم» لبونغ جون - هو
العالم الداكن في «ثاقب الثلج» - من فيلم «أم» لبونغ جون - هو
TT

سينما بونغ جون هو.. تمزج السهل والصعب

العالم الداكن في «ثاقب الثلج»  -  من فيلم «أم» لبونغ جون - هو
العالم الداكن في «ثاقب الثلج» - من فيلم «أم» لبونغ جون - هو

في زيارته لمهرجان بوسان السينمائي الدولي الذي يقام قرب نهاية كل عام، قال كوينتين تارنتينو عن نفسه: «أنا طالب في السينما واليوم الذي أتخرج فيه هو اليوم الذي أموت فيه»، كلمات رائعة تصف مبدأ يحتذى به بين كل عاشقي السينما بصرف النظر عن مهنهم فيها. لكن تورنتينو قال أيضا وفي المناسبة ذاتها: «أنا هنا لكي التقي مع بونغ جون - هو، بين كل مخرجي السنوات العشرين الأخيرة، وحده لديه شيء مشترك مع ستيفن سبيلبرغ وهو مستوى من الترفيه في أعماله التي هي تحف عظيمة بطريقته الخاصة».
ربما شط تارنتينو هنا قليلا، لكن الرسالة وصلت، بونغ جون - هو مخرج كوري جنوبي قوي الحضور على أكثر من جبهة داخل بلاده ويشتغل أفلامه بعناية كبيرة ويحرص على تحقيق أفلام تنتمي إلى «النوع» أو (Genre) لكنها لا تلتزم به كليا؛ لذلك في حين أن غالبية أعماله جادة في النوع الذي اختارته (دراما، تشويق، رعب.. الخ) هناك تلك المشاهد التي يبدو فيها كما لو كان يمازح مشاهديه وينتقد نفسه وجديته.

* أم وقطار
على أن تلك الميزة، إذا ما كانت فعلا كذلك، تأخذ حيزا ثانويا أمام قوة العناصر البصرية التي تشغل الشاشة في أفلام هذا المخرج الكوري (مولود في رابع أكبر مدن كوريا الجنوبية وهي دايغو سنة 1969). لا يمكن مثلا أن تشاهد فيلمه الواقع على الحافة بين الدراما النفسية والاجتماعية من دون أن تبهرك لقطاته المدروسة، سواء تلك التي تنفرد بها بطلة الفيلم هاي - جا كيم، أو تلك المشحونة بالعنف الواضح كما المستتر التي تجمعها وشخصيات أخرى، مثل ابنها المتهم بجريمة تريد أن تبرئه منها، أو المحقق الذي مل النظر إلى هذه القضية ويريد أن يطوي صفحتها، أو تلك المشاهد التي هي محور القضية عندما تتعرض فيها طالبة في المدرسة إلى اعتداء جنسي من قبل مجهول.
ذلك الفيلم الذي أنجز بضعة جوائز في مهرجان «الفيلم الآسيوي» سنة 2010، كان قراءة داكنة في مجتمع متغير لا يمنحه المخرج دراسته لظواهره بل يعكسها متجسدة في المزج بين تربة الحياة الكورية الخاصة والحدث الخيالي الواقع.
«أم» كان فيلما داكنا من دون أن يكون مسودا، على الرغم من مشاهده النهارية الساطعة، فإن البحث المتفائل عن علاقات أفضل بين أطراف البشر فيه غير موجود، وهذا ما يعكسه مجددا في فيلمه الجديد الذي هو أول فيلم له بالإنجليزية وعنوانه «ثاقب الثلج» Snowpiercer الذي يفتتح هذا الأسبوع في الولايات المتحدة وسط اهتمام نقدي وإعلامي يستحقه ذلك المخرج الآتي من بعيد.
إنه فيلم مستقبلي تقع أحداثه بعد 17 سنة على قيام مؤسسات علمية مختلفة بمحاولة معالجة مشكلة سخونة الطبقات الجوية، فإذا بالنتائج تنقلب عكس ما كان يؤمل منها؛ مما يتسبب في دخول العالم عصرا جليديا جديدا، الناجون من المحنة قليلون، وهم الآن في ذلك القطار المنطلق بلا هدف.
بما أن العالم لا يتعلم من أخطائه، فإن التراكمات اللا إنسانية حاضرة من سيطرة فريق صغير على الغالبية العظمى، وحتى فداحة العقوبات على المخالفين التي قد تشمل كسر يد أو خلع ذراع، النتيجة، أن هناك طبقتين؛ حاكمة ومحكومة، ثرية وفقيرة، والثورة هي الحل، بذلك يطرح بونغ جون - هو القطار كوضع مجازي لعالم مستقبلي ومنه لعالمنا اليوم مع اختلاف المواقع والناس والكوارث.

* مقص التوزيع
هذا موضوع مختلف عن مواضيع المخرج السابقة، لقد انشغل سابقا بحكايات تبقى ضمن موضوع لا تتمدد مجازاته في هذه الاتجاهات - إذا ما وجدت، على ذلك، المناسبة تتيح له أن يخرج عن طوعه فقد اقتبس المادة من مجموعة روايات كوميكس فرنسية وضعها جاك لوب وبنجامين ليغراند وجان - مارك روشيه، ولم يلتقطها مخرج أو منتج فرنسي بل سارع إليها جون - هو واجدا أن فرصته الأمثل فيلمه الأول بالإنجليزية، مختارا - لهذه الغاية - ممثلين أميركيين وبريطانيين، منهم الأميركيان إد هاريس، وكريس إيفانز، والبريطانيون تيلدا سوينتون، وجايمي بل، وجون هارت إلى جانب وجوه كورية يتقدمها الممثل الكوري ذو الخلفية المسرحية سونغ كانغ - هو.
لكن الطريق إلى هوليوود تعترضها مشكلات، فعندما قام جون - هو بتحقيق هذا الفيلم صاغه في نحو ثلاث ساعات رآها ضرورية لسرد أحداث تتشبع زمانا ومكانا وتعبر عن مراحل حكايته، لكن حين جاء وقت توزيع الفيلم في الولايات المتحدة أصرت شركة وينستين على قطع الفيلم إلى نسخته الحالية التي تبلغ ساعتين و16 دقيقة (من بينها عشر دقائق للأسماء الواردة في الختام).
بذلك تكون الشركة دخلت في مشكلة ثانية تلي المشكلة التي وقعت بينها وبين «غريس موناكو» (Grace of Monaco) الذي، كما أوردنا سابقا، وجد نفسه محط نزاع بين مخرجه أوليفييه داهان وموزعيه الأميركيين حول مفهوم العمل ككل، ففي حين رآه الأول انعكاسا فرنسيا ناطقا بالإنجليزية عن حياة غريس كيلي ومن خلفها القصر الملكي لموناكو، لم يكترث الأخوان وينستين بكل ذلك بل أرادا فيلما عن غريس كيلي وصراعها بين أن تعود ممثلة أو تبقى أميرة.
طبعا الحال مع «ثاقب الثلج» يختلف إذ هو مجرد الرغبة في اختصار مدته الزمنية حتى يتاح لصالات السينما عرضه أربع مرات في اليوم، عوضا عن ثلاث مرات. المخرج جون - هو وافق على مضض واعدا[ الدول الأخرى بتقديم نسخة كاملة ولو بعد حين.

* أسلوب خاص
بونغ جون - هو في واقعه اليوم واحد من المشتغلين على الجمع بين الفن وبين نظام النوع، المقصود هنا هو ضخ رؤية فنية/ ذاتية في أفلام تنتمي إلى أشكالها وتصنيفاتها المعهودة (رعب، خيال علمي، درامات متنوعة، كوميديا.. الخ)، وهو ليس الوحيد في هذا الصدد بل إن كل سينما «الفيلم نوار» البوليسية في الأربعينات قامت على أساس مشابه، لكن حياكة هذا النوع من الأفلام هو الذي بات أصعب منالا مما كان عليه في معظم مراحل الأمس.
عندما قام جون - هو بتحقيق «مفكرات جريمة» (2003) اضطر لترك نهايات مفتوحة لصعوبة إيجاد الجسور بين ما يود النفاذ إليه وبين شروط الفيلم المصنف، في فيلمه التالي «المضيف» (2006) اضطر لتغليب الرعب على الذاتي؛ مما جعل نقادا يعدون أنه في الواقع يحاول رفع الأفلام العادية إلى أسلوبه الخاص في معالجتها مما يجعل الفيلم أثقل من أن يتحمل هذا المزيج.
لكن الحقيقة أن جون - هو ينجح دائما في التغلب على مشكلاته المنتمية للهوية الفنية النهائية لأعماله، ففيلمه الروائي الطويل الأول «الكلاب النابحة لا تعض» (2000)، الذي ورد بعد ثلاثة أفلام قصيرة له، كان عملا سورياليا منحه المخرج هزلا مناسبا؛ مما جعله ينجز عبره عملية لفت اهتمام مكنته من تحقيق فيلمه التالي «مفكرات جريمة» بحرية أوسع، هذا الفيلم القائم على تحقيقات جنائية مستوحاة من قضايا واقعية، كان تذكرته لفتح البؤرة على الحس الاجتماعي على النحو ذاته الذي مارسه الأميركي ديفيد فينشر، مثلا، في «زودياك». بينما جاء «المُضيف» أقرب إلى الترفيه الذي كان سبيلبرغ يعمد إليه في أعماله الأولى، والرابط المشترك بين فيلم جون - هو و«جوراسيك بارك»، مثلا، هو أنهما يدوران حول الوحوش الكاسرة التي تبحث بين البشر عن وليمة جاهزة.

* التجربة الأميركية
* هناك عشرات المخرجين الأوروبيين والآسيويين الذين جربوا حظوظهم في السينما الأميركية منذ أيامها الصامتة وإلى اليوم، هذا غير الذين بقوا هناك وأنجزوا كل أفلامهم اللاحقة في هوليوود، من الفريق الأول مثلا الألماني «ف. و. مورناو» عندما حقق «شروق» سنة 1927، ومنهم أيضا الفرنسي جان رنوار عندما أخرج «مياه المستنقعات» سنة 1941. والإسباني لوي بونويل كانت له مغامرته الخاصة سنة 1954 عندما أخرج نسخته من رواية «روبنسون كروزو».



السينما الإسرائيلية تمنع وتحجب وتعيش حالة حصار

«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
TT

السينما الإسرائيلية تمنع وتحجب وتعيش حالة حصار

«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).
«اخبرني كل شيء»: فيلم آمن لا يُثير نقمة (ليمينال كونتنت).

في وسط الأزمات التي تمر بها إسرائيل على أصعدة مختلفة، اقتصادية وسياسية وأمنية ومجتمعية، هناك حرب على جبهة جديدة محورها موقف الحكومة الإسرائيلية من الأفلام التي تنتقد السياسة الداخلية وتكشف عن أوضاع الفلسطينيين تحت ممارسات الدولة، والتفرقة العنصرية التي تنفيها الدولة وتؤكدها الأحداث والدلائل المختلفة.

في المواجهة وزارة الثقافة الإسرائيلية التي تمسك بزمام المنح التي توفرها الحكومة الإسرائيلية لمنتجي وصانعي الأفلام في كل عام، والتي تبلغ ما يوازي 40 مليون دولار. التوجه الحالي للوزارة هو تشجيع الصناعة المحلّية من ناحيةٍ، ودعم الأفلام التي لا تناهض توجهات وسياسات الحكومة الإسرائيلية، وذلك عبر إحكام القبضة على من يمكن له التمتع بمنحة حكومية لتحقيق فيلمه، وذلك بناءً على موقفه السياسي منها.

سبق لعدد من المخرجين الإسرائيليين المعروفين بمواقفهم المعارضة، من بينهم آفي مغربي ونيتا شوشاني وناداف لابيد، أن استفادوا من المنح الحكومية لإنتاج أفلام تنتقد سياسات الدولة تجاه الفلسطينيين أو تعيد مساءلة السردية الرسمية لتأسيس إسرائيل. ومن أبرز هذه الأعمال فيلم شوشاني «1948: تذكّر، لا تتذكّر»، (1948: Remember, Remember Not) الذي أُنتج عام 2023 وأثار جدلاً واسعاً داخل إسرائيل، وصل إلى حد مطالبة وزارة الثقافة للمخرجة بإعادة المنحة الحكومية التي حصلت عليها لإنجاز الفيلم.

محمد غزاوي في «البحر» (ماجدال فيلمز).

ما وراء البحر

في العام الماضي، نفذ فيلم «البحر» لمخرجه شاي كارميلي-بولاك بنفسه من هذا القرار. حققه شاي كارميلي- بولاك متناولاً قصّة ولد فلسطيني قرر الوصول إلى البحر الذي لم يره من قبل. مثَّل الفيلم إسرائيل في ترشيحات الأوسكار بعد أن نال أربع جوائز من مهرجان «القدس السينمائي»، بينها جائزة أفضل فيلم، وجائزة أفضل ممثل التي فاز بها الصبي محمد غزاوي. مما دفع وزير الثقافة ميكي زوهار، إلى قرار حجب المساعدة الحكومية لمهرجان القدس احتجاجاً منه على خروج «البحر» بتلك الجوائز عنوةً عن أفلام رآها أكثر استحقاقاً.

الترشيح الإسرائيلي لأوسكار العام المقبل هو دراما عاطفية عنوانها «أخبرني كل شيء» (Tell Me Everything) لموشي روزنثال. فيلم محافظ حول صبي (في الثانية عشرة من عمره أيضاً) يكتشف سرّاً عن أبيه يؤدي به إلى طرح تساؤلات حوله مع سعي الأب لإعادة بناء الثقة بينهما.

بدوره من المتوقع جداً أن يدخل فيلم «نازا»، المعروض حالياً في صالات أميركية محدودة، الترشيحات الرسمية في سباق أوسكار أفضل فيلم تسجيلي طويل في العام المقبل.

لكن في الوقت الذي يُثير «نازا» هذا القبول العالمي والتقدير لا بد من الإشارة إلى أنه يطمر بعض الإنجازات الفلسطينية التي تتحدّث عن الوضع الفلسطيني حيال الجبروت الإسرائيلي مثل «غزّة 13» لحسام أبو دان، و«المواطن أسامة» (ترشيح فلسطين الرسمي للأوسكار) لأحمد حسّونة، و«حوار مع البحر» لمؤيد عليان، وهي بعض النتاجات ذات الشأن الفلسطيني الذي خرجت هذا العام.

لا بد من التذكير بأن «نازا» ليس فيلماً إسرائيلياً على الإطلاق. الإنتاج انطلق من مؤسسة «ذ غارديان» البريطانية، وانضمّت إليها شركة «JW Films» الأميركية، وتبنّت توزيعه شركة «MK2» الفرنسية. لهذا السبب لم يكن في استطاعة الحكومة الإسرائيلية سوى الاحتجاج ضدّه والتحقيق مع الجنود الذين أدلوا بتصريحاتهم و-تلقائياً- عدم عرضه في البلاد. وهذا هو حال أفلام إسرائيلية معارضة تجد نفسها أمام جدار منع غير رسمي بسبب عزوف صالات السينما عن عرضها خوفاً من احتجاج اليمين المتطرّف.

راشل شور ويوڤال إبراهام مخرجا «نازا» (ذا غارديان فيلمز)

«نازا» مضاد

تداعيات سياسة البطش الإسرائيلية توالت منذ العام الماضي على أصعدة رسمية وغير رسمية حول العالم. على سبيل المثال تبنى مهرجان «IDFA» في أمستردام سياسة تستبعد المؤسسات والأفلام المرتبطة مباشرةً بتمويل حكومي إسرائيلي، لكنه أكد في الوقت نفسه أنه لا يقاطع المخرجين أو الأفلام الإسرائيلية المستقلة. وفي الثاني من مارس (آذار) هذا العام تم إلغاء مهرجان «الفيلم اليهودي في أونتاريو (كندا)»، وفي أبريل (نيسان) اضطر منتجو فيلم «Seret»، (إخراج دانييلا غرودسكي وداني كوهن)، إلى الاكتفاء بعرض خاص للفيلم في لندن بعدما تعذّر إيجاد صالة سينمائية عامّة له.

كما تعذّر على المخرج آموس غيتاي تسويق فيلمه الجديد «الطريق إلى أريحا» عالمياً، فمنذ عرضه في مهرجان ڤينيسيا في الدورة ذاتها التي تم فيها عرض «نازا»، لم يشق طريقه صوب أي عرض تجاري خارج بلاده باستثناء العرضين اللذين خُصصا له يوم أمس (الخميس)، في مهرجان طوكيو السينمائي.

داخل إسرائيل ذاتها تم إنتاج 31 فيلماً جديداً هذه السنة؛ معظمها يواكب قرارات الحكومة ويتجنّب سطوتها، من بينها «نازا» آخر هو «نازا: القصّة الحقيقية». حققه ثلاثة مخرجين هم: هاغاي غوتمن، وآريَل أوربوش، وروي دانينو، وهدفه مناقضة «نازا» الأول والبرهنة على أن ما ورد في ذلك الفيلم غير صحيح. الملصق المختار للفيلم يصوّر مخرجَي «نازا»، راشَل شور ويوڤال أبراهام وعليهما كلمة «خائنان» مطبوعة باللون الأحمر.

معظم ما تم إنتاجه من أفلام إسرائيلية هذا العام (31 فيلماً) يختار الطريق الآمن. الموضوعات المطروحة تتناول، على سبيل المثال، قصّة فتاة جميلة تتعرّض لحادثة تُقعدها (Many Waters)، وزوجين يكتشفان بعد سنوات من زواجهما أسراراً (Thou Shalt Love)، وفتاة تبحث عن موقعها بين أسرة جديدة (Habaita‪!‬)، وأخرى تكاد تفقد عملها مفتشة في حافلات المدينة بسبب مشاجرة (Lev Zahav).


شاشة الناقد: أبدان ووجوه في فيلمين تسجيلي وروائي

من «مفيش راجل بيعيط» (حصّالة فيلم).
من «مفيش راجل بيعيط» (حصّالة فيلم).
TT

شاشة الناقد: أبدان ووجوه في فيلمين تسجيلي وروائي

من «مفيش راجل بيعيط» (حصّالة فيلم).
من «مفيش راجل بيعيط» (حصّالة فيلم).

مفيش راجل بيعيط

★★★

* إخراج: محمد مصطفى

* مصر (2026) | عروض مهرجان الجونة

في منتصف هذا الفيلم التسجيلي يطرح المخرج محمد مصطفى سؤالاً مهمّاً: «هل يتصرّفون الآن لأنهم أمام الكاميرا؟ ماذا لو لم تكن هناك كاميرا؟».

المعنيّون بسؤاله هم مجموعة من الرجال الذين يُظهرون المودّة والألفة والمحبّة في مشهد يجمع بينهم. نعم، تلعب الكاميرا دورها. لا أحد يمكن أن ينسى الكاميرا التي تصوّره منفرداً أو بين مجموعة. يدرك أنها هناك وسيتصرّف حسب هذا الإدراك. لذلك السؤال وجيه من حيث محاولة المخرج قراءة حقيقة موازية.

الرجال هم رافعو حديد وبناة أجسام يفاخر كل منهم بعضلاته وتكويناته البدنية؛ نفور العضلات، وصلابة الجسد، وجمال التكوين عموماً، لكن أليس هناك من عوامل داخلية كالغيرة أو الشعور بأن أحدهم أفضل من الباقين؟ هل يبقى عنصر «الأنا» مطموراً؟

إنها أسئلة مُحقّة يوحي بها الفيلم لكنه لا يرصدها كفاية. لا يجيب عنها جميعاً، وربما يعود ذلك إلى أن المخرج لم يُرِد التطرّق إلى هذا الموضوع حتى لا يثير خلافات أو يشعل ناراً تحت القش. من هذه الناحية فإن الفيلم حسناً يفعل بطرح هذه الخواطر من دون الدخول إليها. يهتم بتصوير بيئتها الداخلية وبعض تطلّعاتها وأحوالها. بعضهم يرغب في التمثيل في فيلم روائي، آخر يود الاستقالة من عمله كحارس مرقص ليلي، وآخر يبدأ، عند نهاية الفيلم بالتساؤل حول نبذ كل ذلك والبحث عن حياة جديدة.

هذا الأخير هو عبد الله الذي يُعيره المخرج الاهتمام الأكبر بين أترابه. رجل دخل السجن قبل مدّة وخرج بعد عامين واتصل بالمخرج وقال له إنه مستعد ليكون تحت تصرّفه في مشروع الفيلم.

الفيلم يبقى خاصّاً وليس للعموم. بعض ذلك يعود إلى أن شخصياته مغلقة وهو مُغلق بدوره عليها. لكن العمل بأسره جديد كموضوع لم نرَ مثيلاً له من قبل. تقوم الكاميرا بدور أساسي أكبر من الدور الذي يقوم به المونتاج، بينما كان من الممكن إضافة مشاهد موازية خارج الإطار المحصور برجاله وتمريناتهم وحواراتهم. مشاهد من شأنها توسيع انشغالات الفيلم قليلاً لتتضمن تصوير علاقة هؤلاء بالمجتمع من حولهم. من ناحية أخرى، هناك حرص جيّد من المخرج على أن يجعل من حضوره جزءاً مما يعرضه الفيلم. هو حاضر بنفسه، صورةً وتعليقاً، كما من خلال حواراته.

«كلايفايس» (سينيموندو)

Clayface

★★☆

* إخراج: ‪جيمس ووتكنز‬

* الولايات المتحدة (2026) | رعب | عروض تجارية

شخصية «كلايفايس» من تلك التي ظهرت في الأربعينات، في مجلات الكوميكس. تم تقديمها كشخصية شريرة قادرة على تغيير وجهها بملامح مختلفة. ظهرت في بعض أعداد مجلة «باتمان». مثل شخصية «جوكر» كان «كلايفايس» أحد أعداء ومناوئي شخصية «باتمان». وعلى نحو «جوكر» في فيلمي تود فيليبس، ينطلق الفيلم الجديد ليؤسس للشخصية الجديدة حضوراً تجارياً قد يؤدي إلى سلسلة منفصلة.

في مطلع الفيلم نجد مات هاغن (الذي سيُكنى بكلايفايس ويؤديه توم رايز هاريس) ممثلاً شاباً وطموحاً يتطلع إلى النجاح ومرشّحاً لإحدى جوائز التمثيل. هو إنسان طيّب وسط عالم يشعر بأنه ينتمي إليه ويود النجاح فيه ليتحوّل إلى نجم كبير. لكن ما يحدث له قلَب ذلك الطموح رأساً على عقب وحوّله إلى شخص آخر (أو إلى عدة أشخاص في الواقع). فهو التقى فتاةً جميلةً (جوانا ريبييرو) ليكتشف أنها عشيقة زعيم عصابة (ديڤيد دنسيك) الذي لن يرضى بأن يخسر عشيقته، فيقتحم خلوته ويشوّه وجه هاغن بمادّة سامّة.

هذه هي الأرضية التي سيعمل الفيلم عليها لكي يرينا كيف انهارت أحلام الشاب الوسيم وتحوّل إلى مجرم يستطيع، بسبب تناوله عقاراً كيميائياً يجعله قادراً على تغيير وجهه المشوّه وتقمص ملامح أخرى. لكن كلما عمد إلى حقن نفسه بالمادة الخطرة زاد خطره وعنفه. هو عالق وسط حالات يائسة ووضع تراجيدي، ولو أن الفيلم لا يود التوقف عند هذا البعد بقدر ما يريد استعراضه. ما يُثير اهتمامه هو توفير مشاهد عنف وتشوّهات بدنية وإبر تدخل العين وأشياء أخرى كُتبت وصُورت بغرض جذب المشاهدين لشخصية لا يمكن أن تُثير تعاطفاً ولا حتى تفهّماً كافياً. على ذلك، يعرف المخرج كيف يلعب بأعصاب مشاهدي فيلمه ويضم عمله، ولو بصعوبة، إلى ما يتم إنتاجه من مسلسلات.

هاريس مشروع جيد كممثل لكنه ليس آل باتشينو في فيلم «Dick Tracy»، (إخراج وارن بيتي، 1990) حين لعب دور الشرير «كابريس» في فيلم مستقى بدوره من روايات التحري «دك ترايسي» الشعبية. هنا الرحلة طويلة ما بين إصابة وجه مات هاغن بالتشوّه وبين تحوّله إلى منتقم يستطيع الانتقال ما بين الشخصيات بدافع الانتقام.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


نجومية لا تنقذ الأفلام... لماذا أدار الجمهور ظهره لبراد بِت وتوم كروز؟

مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
TT

نجومية لا تنقذ الأفلام... لماذا أدار الجمهور ظهره لبراد بِت وتوم كروز؟

مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)
مايكي ماديسون وجيريمي ألن وايت في «سوشال ريكونينغ» (ألكون إنترتينمنت)

شهد الأسبوعان الماضيان سقوط 3 أفلام بنسب متفاوتة. هذا لا يحدث للمرّة الأولى، لكن اللافت أنّ اثنين منها بقيادة ممثلين من رتبة نجوم. الفيلم الثالث لا يحمل نجوماً، وإنما يحارب بسيف مضمونه.

في البداية، تقدّم إلى حقل الألغام فيلم «قلب الوحش» من بطولة براد بِت وإخراج ديفيد آير. استند هذا الفيلم إلى حكاية عاطفية إنسانية تربط بين كلب وصاحبه. كلّ منهما يحتاج إلى الآخر لينقذه من مخاطر المنطقة الموحشة التي وجدا نفسيهما فيها. تكلَّف الفيلم 82 مليون دولار، وحقَّق نحو 134 مليون دولار عالمياً، علماً بأن الإيرادات الإجمالية لا تمثّل أرباحاً صافية بعد اقتطاع حصة دور العرض وتكاليف التسويق.

الثاني هو فيلم «ديغر» الذي يحمل اسمين مهمّين؛ أحدهما تجاري هو توم كروز، والآخر فنّي هو المخرج أليخاندرو غونزاليز إيناريتو. بلغت ميزانيته الإنتاجية، وفق تقديرات منشورة، ما بين 160 و180 مليون دولار، وحقَّق نحو 35 مليون دولار عالمياً خلال أيامه العشرة الأولى.

توم كروز في «ديغر» (وورنر برذرز)

الفيلم الثالث، «سوشال ريكونينغ»، انطلق هذا الأسبوع بميزانية محدودة لا تتجاوز 30 مليون دولار، وحقَّق افتتاحاً متواضعاً بلغ 5.5 مليون دولار في أميركا الشمالية. هو الوحيد بين الثلاثة الذي لا يحمل أسماء ممهورة بالشهرة التجارية نفسها. مخرجه آرون سوركين معروف لمتابعي الأفلام وهُواتها، وبطلاه جيريمي ألن وايت ومايكي ماديسون معروفان خصوصاً لدى متابعي السينما. على ذلك، فإن سقوطه في «شباك التذاكر» له أهمية تتساوى مع أهمية الفيلمين الآخرين.

إقبال وعزوف

«قلب الوحش» يحمل مواصفات تجارية أكثر ممّا يحمل عناصر فنية. هو فيلم مغامرات تقع أحداثه في مناطق غير مأهولة في ولاية ألاسكا، بطلها ضابط من القوات الخاصة نجا من تحطّم طائرته. معه في الطائرة كلبه الوفي. كلاهما يتعرَّض على الأرض لمآزق تكاد تودي بحياته. بطل الفيلم (براد بِت) ينقذ الكلب أحياناً، والكلب ينقذه أحياناً أخرى.

حبكة جيّدة، بصرف النظر عن أنّ الحكاية تعرض خيطاً من الوقائع المتوقعة، وأداء بِت يبقي الفيلم دون مستوى الإثارة رغم نجاح مَشاهد الخطر. إلى ذلك، لا معنى وراء مشهد نرى فيه دباً ضخماً يُغيّر رأيه بعد تحديق طويل في الطيّار ويتركه وشأنه (ربما تذكّر الدب أن السيناريو لا ينصّ على مهاجمة البطل). ثم تبرد أجواء الفيلم بكاملها مع مشهد النهاية، حيث أحدهما سيقضي والثاني سيعيش.

نقدياً، وُوجه الفيلم بنسبة عالية من غير المعجبين، لكن سقوطه يبقى غريباً، كون الجمهور السائد لا يقرأ النقد، وإذا فعل فلا يمتثل له. إلى ذلك، فإن وجود براد بِت في الواجهة كان يُفترض أن يسهم في تحقيق إيراد أعلى.

بالنسبة إلى فيلم «ديغر»، فإن المشكلة أكبر حجماً. هذا فيلم رسالة سياسية على غرار «معركة تلو أخرى» قبل عام، أو «أوبنهايمر» قبل 3 أعوام. لماذا نجح هذان الفيلمان وسقط هذا الفيلم تحديداً؟

فيلم بول توماس أندرسن «معركة تلو أخرى» هو فيلم أكشن. تكلّف نحو 140 مليون دولار، وحقَّق نحو 213 مليون دولار. لا تكفي هذه الأرقام وحدها للجزم بأرباحه أو خسائره، لكنه حقّق إيرادات تفوق ميزانيته الإنتاجية.

أما «أوبنهايمر» لكريستوفر نولان، فإنّ تكلفته بلغت نحو 100 مليون دولار، لكنه وثب عالياً، محقّقاً نحو مليار دولار (975 مليوناً و811 ألفاً و333 دولاراً وفق بيانات «IMDb»). هذا ما دفع الشركة المنتجة «يونيفرسال» إلى رصد ميزانية ضخمة لفيلم نولان التالي «الأوديسة»، الذي حقّق إيرادات تجاوزت 1.7 مليار دولار عالمياً. الفيلم ليس جماهيرياً بالمعنى التقليدي، لكنه يحمل عناصر تجارية وفكرية متوازية.

«ديغر» موضوع جاد أيضاً حول تهديد البيئة ومسؤولية ذلك الملياردير «ديغر» (توم كروز) عن تعريض البيئة والعالم للخطر. هذه الرسالة لم تُثر الجمهور مطلقاً، ولم يرغب في مشاهدة توم كروز بكرش، ولو صغير، وشعر خفيف، رغم أنّ تمثيله يستحق «الأوسكار» المقبل، وربما سيكسبه.

براد بِت في «قلب الوحش» (باراماونت)

رسالة لا تصل

إيضاحاً، يُضاف إلى الكلفة الإنتاجية المعلنة لفيلم «ديغر» (160 مليون دولار وفق أحد التقديرات) نحو 100 مليون دولار للدعاية والإعلام، ممّا يرفع مجموع الكلفة المقدّرة إلى 260 مليون دولار، لا قيمة الخسارة الصافية. هذا شأن كل فيلم آخر، وهو ما يوضح لماذا أخفق «قلب الوحش» تجارياً.

يلتقي «سوشال ريكونينغ» لآرون سوركين مع «ديغر» في أن كليهما فيلم رسالة. الأول يكشف عن سلطة «فيسبوك» ورئيسها مارك زوكربيرغ، في أحداث تشمل فضح التأثيرات السلبية للمنصة وطغيان الثروة، والثاني يهاجم جنوح رأس المال نحو نهب الثروات وضمّها إلى حسابه الخاص.

كلاهما فيلم برسالة متشابهة في موقفه ضد سطوة تقنيات القرن الحالي. يجمعهما كذلك مصير واحد: كلاهما حاول إيضاح الحقيقة عارية أمام المشاهد، لكن هذا كان قد قرّر منذ مدّة بعيدة أنه لا يكترث لما قد يقع للبيئة، ولا لمَن يؤثّر باسم التقنيات العصرية.

إنه موقف لم يتوقّعه أيّ من المخرجين إيناريتو وسوركين (ولا شركتا الإنتاج «وورنر برذرز» و«سوني بيكتشرز»). إيناريتو استند إلى نجاحاته السابقة، والآخر استند إلى نجاح فيلم كان سوركين قد كتبه ونال عنه «أوسكار» أفضل سيناريو مقتبس، هو «سوشال نتوورك»، الذي أخرجه قبل 16 سنة ديفيد فينشر. ليس أن سوركين أقل موهبة من فينشر فقط، بل وصل متأخّراً نحو هدفه.