سينما بونغ جون هو.. تمزج السهل والصعب

هوليوود تستقبل المخرج الكوري بشروطها

العالم الداكن في «ثاقب الثلج»  -  من فيلم «أم» لبونغ جون - هو
العالم الداكن في «ثاقب الثلج» - من فيلم «أم» لبونغ جون - هو
TT

سينما بونغ جون هو.. تمزج السهل والصعب

العالم الداكن في «ثاقب الثلج»  -  من فيلم «أم» لبونغ جون - هو
العالم الداكن في «ثاقب الثلج» - من فيلم «أم» لبونغ جون - هو

في زيارته لمهرجان بوسان السينمائي الدولي الذي يقام قرب نهاية كل عام، قال كوينتين تارنتينو عن نفسه: «أنا طالب في السينما واليوم الذي أتخرج فيه هو اليوم الذي أموت فيه»، كلمات رائعة تصف مبدأ يحتذى به بين كل عاشقي السينما بصرف النظر عن مهنهم فيها. لكن تورنتينو قال أيضا وفي المناسبة ذاتها: «أنا هنا لكي التقي مع بونغ جون - هو، بين كل مخرجي السنوات العشرين الأخيرة، وحده لديه شيء مشترك مع ستيفن سبيلبرغ وهو مستوى من الترفيه في أعماله التي هي تحف عظيمة بطريقته الخاصة».
ربما شط تارنتينو هنا قليلا، لكن الرسالة وصلت، بونغ جون - هو مخرج كوري جنوبي قوي الحضور على أكثر من جبهة داخل بلاده ويشتغل أفلامه بعناية كبيرة ويحرص على تحقيق أفلام تنتمي إلى «النوع» أو (Genre) لكنها لا تلتزم به كليا؛ لذلك في حين أن غالبية أعماله جادة في النوع الذي اختارته (دراما، تشويق، رعب.. الخ) هناك تلك المشاهد التي يبدو فيها كما لو كان يمازح مشاهديه وينتقد نفسه وجديته.

* أم وقطار
على أن تلك الميزة، إذا ما كانت فعلا كذلك، تأخذ حيزا ثانويا أمام قوة العناصر البصرية التي تشغل الشاشة في أفلام هذا المخرج الكوري (مولود في رابع أكبر مدن كوريا الجنوبية وهي دايغو سنة 1969). لا يمكن مثلا أن تشاهد فيلمه الواقع على الحافة بين الدراما النفسية والاجتماعية من دون أن تبهرك لقطاته المدروسة، سواء تلك التي تنفرد بها بطلة الفيلم هاي - جا كيم، أو تلك المشحونة بالعنف الواضح كما المستتر التي تجمعها وشخصيات أخرى، مثل ابنها المتهم بجريمة تريد أن تبرئه منها، أو المحقق الذي مل النظر إلى هذه القضية ويريد أن يطوي صفحتها، أو تلك المشاهد التي هي محور القضية عندما تتعرض فيها طالبة في المدرسة إلى اعتداء جنسي من قبل مجهول.
ذلك الفيلم الذي أنجز بضعة جوائز في مهرجان «الفيلم الآسيوي» سنة 2010، كان قراءة داكنة في مجتمع متغير لا يمنحه المخرج دراسته لظواهره بل يعكسها متجسدة في المزج بين تربة الحياة الكورية الخاصة والحدث الخيالي الواقع.
«أم» كان فيلما داكنا من دون أن يكون مسودا، على الرغم من مشاهده النهارية الساطعة، فإن البحث المتفائل عن علاقات أفضل بين أطراف البشر فيه غير موجود، وهذا ما يعكسه مجددا في فيلمه الجديد الذي هو أول فيلم له بالإنجليزية وعنوانه «ثاقب الثلج» Snowpiercer الذي يفتتح هذا الأسبوع في الولايات المتحدة وسط اهتمام نقدي وإعلامي يستحقه ذلك المخرج الآتي من بعيد.
إنه فيلم مستقبلي تقع أحداثه بعد 17 سنة على قيام مؤسسات علمية مختلفة بمحاولة معالجة مشكلة سخونة الطبقات الجوية، فإذا بالنتائج تنقلب عكس ما كان يؤمل منها؛ مما يتسبب في دخول العالم عصرا جليديا جديدا، الناجون من المحنة قليلون، وهم الآن في ذلك القطار المنطلق بلا هدف.
بما أن العالم لا يتعلم من أخطائه، فإن التراكمات اللا إنسانية حاضرة من سيطرة فريق صغير على الغالبية العظمى، وحتى فداحة العقوبات على المخالفين التي قد تشمل كسر يد أو خلع ذراع، النتيجة، أن هناك طبقتين؛ حاكمة ومحكومة، ثرية وفقيرة، والثورة هي الحل، بذلك يطرح بونغ جون - هو القطار كوضع مجازي لعالم مستقبلي ومنه لعالمنا اليوم مع اختلاف المواقع والناس والكوارث.

* مقص التوزيع
هذا موضوع مختلف عن مواضيع المخرج السابقة، لقد انشغل سابقا بحكايات تبقى ضمن موضوع لا تتمدد مجازاته في هذه الاتجاهات - إذا ما وجدت، على ذلك، المناسبة تتيح له أن يخرج عن طوعه فقد اقتبس المادة من مجموعة روايات كوميكس فرنسية وضعها جاك لوب وبنجامين ليغراند وجان - مارك روشيه، ولم يلتقطها مخرج أو منتج فرنسي بل سارع إليها جون - هو واجدا أن فرصته الأمثل فيلمه الأول بالإنجليزية، مختارا - لهذه الغاية - ممثلين أميركيين وبريطانيين، منهم الأميركيان إد هاريس، وكريس إيفانز، والبريطانيون تيلدا سوينتون، وجايمي بل، وجون هارت إلى جانب وجوه كورية يتقدمها الممثل الكوري ذو الخلفية المسرحية سونغ كانغ - هو.
لكن الطريق إلى هوليوود تعترضها مشكلات، فعندما قام جون - هو بتحقيق هذا الفيلم صاغه في نحو ثلاث ساعات رآها ضرورية لسرد أحداث تتشبع زمانا ومكانا وتعبر عن مراحل حكايته، لكن حين جاء وقت توزيع الفيلم في الولايات المتحدة أصرت شركة وينستين على قطع الفيلم إلى نسخته الحالية التي تبلغ ساعتين و16 دقيقة (من بينها عشر دقائق للأسماء الواردة في الختام).
بذلك تكون الشركة دخلت في مشكلة ثانية تلي المشكلة التي وقعت بينها وبين «غريس موناكو» (Grace of Monaco) الذي، كما أوردنا سابقا، وجد نفسه محط نزاع بين مخرجه أوليفييه داهان وموزعيه الأميركيين حول مفهوم العمل ككل، ففي حين رآه الأول انعكاسا فرنسيا ناطقا بالإنجليزية عن حياة غريس كيلي ومن خلفها القصر الملكي لموناكو، لم يكترث الأخوان وينستين بكل ذلك بل أرادا فيلما عن غريس كيلي وصراعها بين أن تعود ممثلة أو تبقى أميرة.
طبعا الحال مع «ثاقب الثلج» يختلف إذ هو مجرد الرغبة في اختصار مدته الزمنية حتى يتاح لصالات السينما عرضه أربع مرات في اليوم، عوضا عن ثلاث مرات. المخرج جون - هو وافق على مضض واعدا[ الدول الأخرى بتقديم نسخة كاملة ولو بعد حين.

* أسلوب خاص
بونغ جون - هو في واقعه اليوم واحد من المشتغلين على الجمع بين الفن وبين نظام النوع، المقصود هنا هو ضخ رؤية فنية/ ذاتية في أفلام تنتمي إلى أشكالها وتصنيفاتها المعهودة (رعب، خيال علمي، درامات متنوعة، كوميديا.. الخ)، وهو ليس الوحيد في هذا الصدد بل إن كل سينما «الفيلم نوار» البوليسية في الأربعينات قامت على أساس مشابه، لكن حياكة هذا النوع من الأفلام هو الذي بات أصعب منالا مما كان عليه في معظم مراحل الأمس.
عندما قام جون - هو بتحقيق «مفكرات جريمة» (2003) اضطر لترك نهايات مفتوحة لصعوبة إيجاد الجسور بين ما يود النفاذ إليه وبين شروط الفيلم المصنف، في فيلمه التالي «المضيف» (2006) اضطر لتغليب الرعب على الذاتي؛ مما جعل نقادا يعدون أنه في الواقع يحاول رفع الأفلام العادية إلى أسلوبه الخاص في معالجتها مما يجعل الفيلم أثقل من أن يتحمل هذا المزيج.
لكن الحقيقة أن جون - هو ينجح دائما في التغلب على مشكلاته المنتمية للهوية الفنية النهائية لأعماله، ففيلمه الروائي الطويل الأول «الكلاب النابحة لا تعض» (2000)، الذي ورد بعد ثلاثة أفلام قصيرة له، كان عملا سورياليا منحه المخرج هزلا مناسبا؛ مما جعله ينجز عبره عملية لفت اهتمام مكنته من تحقيق فيلمه التالي «مفكرات جريمة» بحرية أوسع، هذا الفيلم القائم على تحقيقات جنائية مستوحاة من قضايا واقعية، كان تذكرته لفتح البؤرة على الحس الاجتماعي على النحو ذاته الذي مارسه الأميركي ديفيد فينشر، مثلا، في «زودياك». بينما جاء «المُضيف» أقرب إلى الترفيه الذي كان سبيلبرغ يعمد إليه في أعماله الأولى، والرابط المشترك بين فيلم جون - هو و«جوراسيك بارك»، مثلا، هو أنهما يدوران حول الوحوش الكاسرة التي تبحث بين البشر عن وليمة جاهزة.

* التجربة الأميركية
* هناك عشرات المخرجين الأوروبيين والآسيويين الذين جربوا حظوظهم في السينما الأميركية منذ أيامها الصامتة وإلى اليوم، هذا غير الذين بقوا هناك وأنجزوا كل أفلامهم اللاحقة في هوليوود، من الفريق الأول مثلا الألماني «ف. و. مورناو» عندما حقق «شروق» سنة 1927، ومنهم أيضا الفرنسي جان رنوار عندما أخرج «مياه المستنقعات» سنة 1941. والإسباني لوي بونويل كانت له مغامرته الخاصة سنة 1954 عندما أخرج نسخته من رواية «روبنسون كروزو».



أفلام من فلسطين ولبنان تُعزِّز السينما العربية في «فينيسيا»

الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (ملف مهرجان فينيسيا)
الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (ملف مهرجان فينيسيا)
TT

أفلام من فلسطين ولبنان تُعزِّز السينما العربية في «فينيسيا»

الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (ملف مهرجان فينيسيا)
الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (ملف مهرجان فينيسيا)

بات مألوفاً أن نجد في برامج المهرجانات العالمية أفلاماً عربية، سواء أكانت عربية الإنتاج، أم ممولة أجنبياً، أم ثمرة مساهمات إنتاجية مشتركة.

من «فينيسيا» إلى «تورنتو»، ومن «كان» و«لندن» و«كارلوفي فاري» و«لوكارنو» و«روتردام» في أوروبا، إلى «صندانس» و«نيويورك» و«شيكاغو و«بالم سبرينغز» في الولايات المتحدة، ثمة زخم سنوي من الأفلام الموقّعة بأسماء مخرجين ومخرجات عرب.

هنا، في الدورة الـ83 من هذا الحدث الكبير، نجد أفلاماً من لبنان ومصر والأردن وفلسطين والعراق، إلى جانب أفلام لمخرجين عرب اعتمدوا على تمويل خارجي، أو على تمويل مختلط بين جهات أجنبية وصناديق دعم عربية.

إنه احتفاء يأتي في وقته بسينما عربية زاد عمرها على 100 عام؛ نشأت في مصر وانتشرت في دول عربية أخرى، من تونس إلى سوريا، ومن لبنان إلى العراق والأردن والمغرب والجزائر، ثم شملت السعودية والكويت والبحرين، من دون أن ننسى السينما الفلسطينية.

لا يمكن اعتبار اعتماد فيلم ما في إنتاجه على تمويل أجنبي ضرباً من اللجوء إلى الغرب، أو استحضاراً لسلبيات علاقته بالشرق العربي أو دوره في شأن أو آخر. فالفيلم لغة عالمية، ولا ضير في أن يبحث صنّاعه عن منفذ تمويلي من أي مكان، خصوصاً أن التمويل العربي الخالص ليس متوفراً في غالبية البلدان العربية، إلا ضمن نطاق إنتاجات تجارية لا تهدف أساساً إلى تحقيق نجاح مهرجاني.

ولا بد من الإشارة كذلك إلى أن الدول العربية ليست متساوية على صعيد الإنتاج السينمائي؛ فهو مرتفع في بعضها ضمن الحدود الممكنة، ومنخفض أو قليل في بعضها الآخر، بينما قلّما ينتج بعضها الثالث فيلماً واحداً خلال 5 سنوات، إما بسبب حرب أهلية وإما نتيجة تجاهل حكوماتها دعم السينما وفنانيها.

الفيلم اللبناني «غضب» (ملف مهرجان فينيسيا)

لم تعد هامشية

يعود إلى زمن بعيد تاريخ توجّه السينما العربية إلى المهرجانات العالمية. وقد تمّت الخطوات الأولى عبر أفلام من مصر ولبنان. فقد قدّم المخرج اللبناني جورج نصر فيلمين في مهرجان «كان»، أواخر الخمسينات ومطلع الستينات، وسبقه إلى الحضور في ذلك المهرجان صلاح أبو سيف ويوسف شاهين وكمال الشيخ، من بين آخرين في تلك الفترة.

وساد غياب شبه كامل في النصف الثاني من الستينات وصولاً إلى الثمانينات قبل أن تعاود السينما العربية فتح نوافذها المطلّة على المهرجانات الكبرى الثلاثة «برلين» و«كان» و«فينيسيا». في التسعينات اتسعت الدائرة لتشمل مهرجانات أخرى، ثم ازدادت اتساعاً مع مطلع القرن الحالي، قبل أن يتحوَّل حضورها اليوم إلى ظاهرة متجددة في العديد من المهرجانات حول العالم.

من بين العوامل التي أخّرت دوران عجلة الأفلام العربية في المهرجانات العالمية أن كثيراً من تلك المهرجانات لم يرغب في زجّ نفسه في القضايا التي عادةً ما تطرحها هذه الأفلام. ولم يكن القائمون عليها يدركون أن هذه القضايا، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية، ستستقطب الاهتمام والحضور.

يضاف إلى ذلك أن شركات الإنتاج والتوزيع الغربية نظرت، حتى منتصف العقد الأول من القرن الحالي، إلى الأفلام العربية بعين متشككة. فقد رأت أنها غير مؤهلة لتحقيق نجاح تسويقي، وتساءلت عن جدوى الاهتمام بها، ما لم تكن ممهورة بتوقيع واحد من عدد محدود من المخرجين العرب، أمثال يوسف شاهين ومحمد لخضر حمينة ورضا الباهي.

أما بالنسبة إلى الأفلام التي تتناول فلسطين، فلم يكن الاهتمام الغربي منصبّاً على «القضية الفلسطينية»، بل على ما يمكن وصفه بـ«القضية الإسرائيلية». لكن سياسات بنيامين نتنياهو أسهمت، من حيث لم يرد، في تحويل الدفة لمصلحة القضية الفلسطينية.

ويعود التحوّل التدريجي أيضاً إلى أن الأحداث التي يمر بها العالم العربي، والوضع الفلسطيني على وجه الخصوص، لم تعد شؤوناً محلية. فالعالم يريد الاطلاع على إنتاجات روائية أو وثائقية تساعده على الاقتراب أكثر مما يجري. والأخبار الصحافية، مقروءة كانت أم مصوّرة، تنقل الحدث غالباً، لكن أسبابه وخلفياته تبقى مغلّفة بالمشهد الآني، مما يدفع الجمهور إلى البحث عن عمق في المضامين وصدق في الحكايات.

والسينما العربية الجديدة تؤمّن ذلك غالباً؛ فقد أسهمت أفلام ميشيل خليفي ومي مصري وكوثر بن هنية ورشيد مشهراوي في توسيع دائرة المعرفة، ومنحت مشاهديها رؤى جديدة.

امتلاء القاعات في عروض 7 أفلام عربية يؤكد تنامي اهتمام الجمهور

أصوات جديدة

لا يخفى تأثير الأحداث السياسية في توجّه المهرجانات نحو السينما الناطقة بالعربية. ولم يعد ممكناً تجاهل هذه السينما، نظراً إلى الإقبال الجماهيري على أفلامها. وقد امتلأت القاعات خلال عروض الأفلام العربية السبعة هنا.

وفي أحد تلك العروض، وهو فيلم «المواطن أسامة»، وقف الجمهور مصفقاً بحرارة لفيلم لم يتمكن مخرجه أحمد حسّونة من الحضور، بسبب الكم الكبير من العراقيل التي تضعها إسرائيل أمام الفلسطينيين؛ فهي تطالبهم بالرحيل، وإذا رفضوا كان الحصار، فضلاً عن القصف، هو الرد الظالم عليهم.

الفيلم من إنتاج رشيد مشهراوي، صاحب الباع الطويل في ترسيخ حضور السينما الفلسطينية مخرجاً ومنتجاً على مدى عقود.

يتابع «المواطن أسامة» (رسمياً خارج المسابقة) حياة المصوِّر الصحافي أسامة العشّي، الذي يتحرك يومياً لتوثيق الأحداث على الأرض تحت لهيب القذائف، وما تخلّفه من دمار يطول الإنسان ووطنه، بالتوازي مع سعيه إلى رعاية عائلته. لا يسعى الفيلم إلى رفع شعارات مباشرة، بل إلى نقل صورة واقعية، كتلك التي قدمتها كوثر بن هنية في فيلمها المدوي «صوت هند رجب».

وعُرض فيلم فلسطيني ثانٍ لصوت سينمائي جديد ضمن قسم «سبوتلايت»، هو «حوار مع البحر» لمؤيد عليان. لا يتناول الفيلم الحرب نفسها، بل تكمن أهمية الفيلم في تناوله حالةً ممتدة عبر أجيال من الفلسطينيين، يختصرها رجل يبحث عن الحقيقة.

وسبق للمخرج اللبناني رامي قديح أن خاض تجارب سينمائية متعددة، قبل أن يقدّم، بنجاح لافت في القسم نفسه، فيلمه «غضب»؛ عن شقيقتين تثوران على امتناع المصارف عن رد أموال المودعين، ما يدفعهما لسرقة المصرف في سلسلة من الأحداث التشويقية المتلاحقة.

أما الوضع اللبناني خلال الحرب الأهلية، فيتناوله فيلم «لحظات قليلة من السعادة»، من خلال امرأة تعيش في باريس وتتابع أخبار الحرب الدائرة بكثير من الشجن والقلق. والفيلم قصير، من إخراج شادن صفي الدين، وهو إنتاج بريطاني - فرنسي مشترك.

من «لا جنة لمن تقتله امرأة» (ملف مهرجان فينيسيا)

وعلى صعيد الإنتاجات المشتركة أيضاً، عُرض فيلم «لا جنة لمن تقتله امرأة» للمخرج هلكوت مصطفى، وهو كردي عراقي، يتناول قصة قنّاصة كردية تبحث عن شقيقتها التي اختفت خلال الحرب ضد تنظيم «داعش» في العراق، في منتصف العقد الماضي.


شاشة الناقد: فيلم فلسطيني يُثير التعاطف رغم هنّاته

كمال الباشا في «حوار مع البحر» (ملف مهرجان فينيسيا)
كمال الباشا في «حوار مع البحر» (ملف مهرجان فينيسيا)
TT

شاشة الناقد: فيلم فلسطيني يُثير التعاطف رغم هنّاته

كمال الباشا في «حوار مع البحر» (ملف مهرجان فينيسيا)
كمال الباشا في «حوار مع البحر» (ملف مهرجان فينيسيا)

حوار مع البحر★★★

إخراج: مؤيد عليان

السعودية، قطر، فلسطين (2025)

تبدأ أحداث فيلم «حوار مع البحر» بمشاهد لمظاهرة فلسطينية سلمية تواجهها قوات الأمن الإسرائيلية بالعنف: اعتقال المتظاهرين، وضربهم بالعصي وأعقاب البنادق، وإلقاء قنابل الغاز عليهم، والانقضاض عليهم وزجّهم في سيارات الاعتقال. ومع نهاية هذا الفصل، الذي يستغرق نحو 3 دقائق، ينطلق التصفيق في القاعة تضامناً مع المضطهدين.

إنه رد فعل مفهوم ويحظى اليوم بتأييد واسع في الغرب. ويبدو أن المخرج وكاتب السيناريو مؤيد عليان اختار هذه البداية لكسب جولة أولى لمصلحة الفيلم، قبل الشروع في سرد أحداثه.

لكن ما إن يبدأ الفيلم حكايته حتى نكتشف أن العلاقة بين ذلك التمهيد والأحداث ضعيفة. تبدأ القصة فعلياً بتسلُّم كمال (كمال الباشا) قراراً من المحكمة يلزمه بدفع ديون ابنه وائل، المتأخرة منذ نحو 20 عاماً، وإلا فسيُستولى على منزله. المشكلة أن الربط بين وضع عام نراه في صورة قمع مظاهرة وبين القصة نفسها ليس مبرراً تماماً. فالمظاهرة ناجمة عن وضع شعبي عام، في حين أن الأحداث التي يواجهها كمال ليست وثيقة الصلة به، بل هي نتيجة قرار قد يؤدي إلى الاستيلاء على المنازل، لكن مبرراته مختلفة. صحيح أنها تقع على خلفية لا تخلو من الاضطهاد، لكنها شخصية إلى حد بعيد.

ابن كمال، الذي لن نراه، مات غرقاً قبل 20 عاماً، لكن السلطات القضائية لا تملك شهادة تثبت وفاته، مما يدفع الأب إلى البحث عن الحقيقة: هل الجثة المشوّهة التي انتُشلت من الماء هي بالفعل جثة ابنه؟

يُؤخذ على السيناريو وجود ثغرات تُضعف قدرته على الإقناع. وكان الأجدى أن يكون الأب واثقاً من وفاة ابنه، وأن ينحصر همّه في إثبات ذلك في السجلات الإسرائيلية، لإنقاذ نفسه من خسارة منزله ومحتوياته. وكان يمكن الربط بين بحثه في هذا الاتجاه وبين الشخصيات التي يلتقي بها، من دون تغيير طبيعة تلك اللقاءات والمواقف المتضامنة معه أو المعادية له.

كذلك، فإن التبرير المقدَّم لرفض ابنته التحدث إليه، والمتمثل في تهوّره في قراراته المالية، مما جعل حياتها وحياة والدتها جحيماً، لا يبدو كافياً، خصوصاً أن المشاهد يدرك أن الابنة ستعود إلى حنان أبيها.

يثير الفيلم شعوراً بأنه يدخل من الباب نفسه الذي يخرج منه، رغم تعدد أحداثه.

أفضل ما فيه فكرة البحث عن الحقيقة من خلال الرغبة في مقابلة الفتاة الإسرائيلية التي قيل إنها كانت برفقة الابن. لكن حقيقة أنها لم تكن آخر من رآه تفضي إلى معلومات لاحقة تكشف عن علاقة حب جمعت بين الابن وفتاة فلسطينية. ومن المؤكد أن هذا التتابع كان يمكن أن يأتي أكثر سلاسة، لو لم ينشغل الفيلم باستعراض مواقف شخصيات يهودية، بعضها متعاطف وبعضها الآخر عدائي.

ثمة صلات بين هذه الأحداث والوضع الفلسطيني القائم، لكنها تظل استنتاجية. وما كان ينقص الفيلم هو حبكة مختلفة ومبررات أكثر تماسكاً. ومع ذلك، فإن تنفيذ المخرج عليان على المستويين الفني والتقني، تصويراً ومونتاجاً، جيد بلا ريب، كما أن إدارته ممثليه جيدة، رغم وجود نزعة عاطفية واضحة في بعض المواضع.

ويُذكر أن كمال الباشا نال جائزة أفضل ممثل في مهرجان فينيسيا عام 2017.

إلى ذلك، ينجح الفيلم بوصفه قصة عن البحث عن شخص مفقود وإجابات عن أسئلة معلّقة، أكثر مما ينجح في محاولته تسييس الحكاية وربطها بوضع عام وقضية كبرى.

وينجح «حوار مع البحر» كذلك في بناء حالة من التعاطف مع القضية المطروحة، بصرف النظر عن هنّاته. ويعود جزء كبير من ذلك التعاطف إلى أداء كمال الباشا، الذي يجسّد شخصية رجل مثقل بإحباط عميق حيال واقعه والوضع العام في وطنه، من دون أن يتحدث عنهما مباشرة. ويكسبه ذلك تعاطف المشاهد، رغم أن المخرج لا يقدّمه بوصفه شخصاً منزّهاً عن الأخطاء.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


السياسة حاضرة... والمخرجات شبه غائبات في «فينيسيا»

جورج كلوني يتلقَّى تحية نادرة في ليلة الافتتاح برفقة زوجته أمل (رويترز)
جورج كلوني يتلقَّى تحية نادرة في ليلة الافتتاح برفقة زوجته أمل (رويترز)
TT

السياسة حاضرة... والمخرجات شبه غائبات في «فينيسيا»

جورج كلوني يتلقَّى تحية نادرة في ليلة الافتتاح برفقة زوجته أمل (رويترز)
جورج كلوني يتلقَّى تحية نادرة في ليلة الافتتاح برفقة زوجته أمل (رويترز)

اكتظت قاعة المؤتمرات الكبيرة في مقر مهرجان «فينيسيا» السينمائي بعدد من الحضور فاق المعتاد. واضطر كثير من الصحافيين والنقاد إلى الوقوف على جانبي القاعة للاستماع إلى رئيسة لجنة التحكيم، الممثلة والمخرجة ماغي جيلنهال، في المؤتمر الصحافي الذي عقدته مع باقي أعضاء اللجنة.

كانت المناسبة تقليداً راسخاً في كل دورة وفي كل مهرجان: على رئيس لجنة التحكيم تقديم رؤيته المسبقة للمهمة التي هو (أو هي) بصددها مع أفراد لجنته. لكن هذا التقليد تعرّض في السنوات القليلة الماضية لمحاولات من الإعلام لطرح أسئلة عن رأي اللجنة في القضايا السياسية الساخنة. حدث هذا في «برلين»، «لوكارنو» وكذلك في «فينيسيا».

ألبرتو باربيرا وماغي جيلنهال في مهرجان «فينيسيا» (رويترز)

لم تُضيِّع جيلنهال وقتاً في التصدِّي لهذا الموضوع، فقالت مباشرة: «الأفلام، على نحو لا يمكن تجنّبه، سياسية أساساً. نستطيع أن نتساءل: كيف نحتفي بالسينما هنا في حين أن العالم في حالة طوارئ؟ بالنسبة إليَّ، يتطلب الجواب موقفاً تعاطفياً. أعتقد أن الفيلم (أي فيلم) يتيح لنا فرصة لإيقاظ التعاطف في ذواتنا». وأضافت: «علينا أن نتحدَّى أنفسنا بالسماح لصانع الفيلم بأن يقول ما يرغب في قوله».

السؤال الآخر الذي بات يتردد، مثل أسطوانة مشروخة، في كل مناسبة، هو عن «قلة عدد الأفلام النسائية الإخراج في المسابقة الرسمية».

ما لم يكن متوقعاً هو رد جيلنهال على هذا السؤال. وعوض أن تقول شيئاً مثل إن المهرجان يختار أفلامه تبعاً لقيمتها، وليس لجنس صانعيها، أو إنها كانت تأمل أن تكون هناك أفلام نسائية الإخراج أكثر، قالت بجدية: «أعتقد أن الأمر بات أخيراً واضحاً: الرجال يصنعون أفلاماً أفضل من النساء». وشرحت ما تعنيه متحدثة عن «منظومة» على المرأة أن تمر عبرها. وحمل بعض تعليقها تلميحاً ساخراً إلى عدم وجود أفلام نسائية الإخراج في المسابقة الرئيسية، باستثناء فيلم واحد.

من «امرأة مجهولة» (نورديسك فيلم برودكشن)

امرأة وحيدة

وضع جواب رئيسة لجنة التحكيم بعض النقاط على الحروف. فالمشكلات التي تواجه المرأة، وقناعاتها والمسائل التي تحيط بها، ليست المادة التي يتوجَّه إليها الجمهور الكبير؛ ذاك الذي يفضِّل، تلقائياً، مخرجين لديهم أسماء رنَّانة، أو يجري وراء أفلام دارجة تحتوي على ذلك الخليط من المغامرة والمطاردات والعنف. وليس معنى ذلك أن بعض المخرجات لا يتمتعن بالقدرة على توظيف هذه العناصر على النحو الذي يتطلبه الإنتاج، بل إن غالبيتهن لديهن موضوعات أكثر أهمية بالنسبة إليهن.

تقوم شركات الإنتاج، الأميركية خصوصاً، غالباً على مبدأ واحد هو الإيراد. ويختلف الوضع في أوروبا، حيث هناك مُتَّسع أكبر لمشاركة المرأة في إخراج أفلام تعكس اهتماماتها. على الرغم من ذلك، تصل نسبة المخرجين الرجال إلى الثلثين، وأحياناً أكثر.

وعندما يواجه مهرجان «فينيسيا» حالة كهذه، فإنه يفضِّل الحُكم على النتائج المرئية، لا على جنس المخرج أو أي عامل آخر.

ومن المثير حقاً أن الفيلم النسائي الوحيد في المسابقة هذا العام هو «امرأة مجهولة» لمي الطوخي، وهي مخرجة دنماركية من أصول مصرية تعيش في الدنمارك منذ سنوات. والفيلم إنتاج دنماركي، مع مساهمة إيطالية.

تكريم جورج كلوني في ليلة الافتتاح

فيلمان عن الإعلام

كان حفل الافتتاح نفسه حافلاً بالنجوم وكبار السينمائيين الذين حضروا المناسبة. ووقف رئيس المهرجان، ألبرتو باربيرا، مستقبلاً ضيوفه كالعادة، ومن بين من استقبلهم رئيس مهرجان «كان» تييري فريمو. وتعانق الاثنان، متناسيين، ربما للحظات، المنافسة الحامية بين المهرجانين.

كان جورج كلوني المُحتفى به في ليلة الافتتاح. وصل برفقة زوجته اللبنانية، وحظي بالترحيب الكبير الذي يستحقه.

فيلم الافتتاح هذا العام، «حبر» (Ink) لداني بويل، يتناول موضوعاً لا يبتعد عن تاريخ صناعة الإعلام وواقعها الراهن. وهو عمل بيوغرافي جزئي عن لاري لامب، الذي ترأس تحرير صحيفة «ذَ صن» حين اشتراها المليونير روبرت مردوخ (الفيلم في «شاشة الناقد» اليوم). ولا يتحدث عن وضع سياسي، لكنه يعرض لمحات خاطفة وذكية عن الفترة التي تدور فيها الأحداث، وينتهي بربط الماضي بالحاضر على صعيد الإعلام.

لاحقاً، وفي عداد ما سيُعرض في المسابقة هنا، سنشاهد فيلماً آخر عن الإعلام والإعلاميين، هو «برايمتايم» للمخرج لانس أوبنهايم، ومن بطولة روبرت باتنسون، الذي يؤدي دور مراسل شبكة «NBC» الأميركية كريس هنسن.

كان فيلم الافتتاح، من حيث نوعيته وجدواه، أفضل من فيلمي افتتاح المهرجانين الكبيرين المنافسين، «برلين»، و«كان».

افتُتح مهرجان «برلين» العام الحالي بفيلم «لا رجال صالحون» (No Good Men) لشهربانو سادات، وهي إحدى عضوات لجنة التحكيم هنا، فيما أُسندت المهمة في مهرجان «كان» إلى الفيلم الفرنسي «قبلة كهربائية». وقد أخفق كلاهما في تقديم تبرير حقيقي لاختيارهما في هذا النطاق.