سباق بين الأهالي وأنصار النظام إلى جنوب دمشق... وأثاث المنازل المدمرة

معارضون يتهمون ميليشيات بعرقلة وصول أصحاب البيوت

TT

سباق بين الأهالي وأنصار النظام إلى جنوب دمشق... وأثاث المنازل المدمرة

دخل الأهالي من جهة، وعناصر موالية للنظام السوري من جهة ثانية، في سباق بعد سيطرة دمشق على الجزء الجنوبي من حي التضامن، حيث إن الأهالي يريدون الظفر بأي قطعة أثاث من منازلهم، في وقت يريد «العفيشية» سرقة ما تبقى من حاجات، وسط أنباء عن عرقلتهم وصول الأهالي إلى منازلهم.
ومنذ اليوم الأول لاستعادة النظام السيطرة بشكل كامل على مناطق انتشار تنظيم داعش في جنوب دمشق (مدينة الحجر الأسود، ومخيم اليرموك، والجزء الجنوبي من حي التضامن، والجزء الشرقي من حي القدم) قبل نحو 20 يوماً، تدفق الأهالي إلى الجزء الجنوبي من حي التضامن لتفقد منازلهم وحاجاتهم.
ولم تكن رحلة الأهالي للوصول إلى جادتهم ومنازلهم سهلة بسبب الدمار الكبير الذي لحق بالمنطقة وأكوام الركام الكبيرة الموجودة في الطرقات، وتطلب الأمر منهم تكبد عناء السير فوق الركام في طرق ضيقة جداً جرى تمهيدها نوعاً ما لتتسع لشخصين أو ثلاثة على الأكثر، وكذلك في سراديب تم فتحها في داخل منازل ملاصقة لبعضها بعضاً، ويمكن منها الوصول إلى منازلهم.
ويتبع حي التضامن محافظة دمشق، ويعتبر ذا أهمية استراتيجية كونه بوابة دمشق الجنوبية الفاصلة بين المدينة وريفها، ويلاصقه مخيم اليرموك من الغرب، وبلدة يلدا من الشرق والجنوب على التوالي، أما من الشمال فتحده منطقتي الزاهرة ودف الشوك. وكان أعداد قاطنيه قبل بداية الحراك السلمي تقدر بـ200 ألف يشكلون نسيجاً اجتماعياً متفاوتاً في العادات والتقاليد، فجل سكانه من نازحي هضبة الجولان العرب والتركمان، ومن محافظات السويداء وإدلب ودير الزور ودرعا واللاذقية وطرطوس، إضافة إلى قسم لا بأس به من اللاجئين الفلسطينيين.
وشكل المنحدرون من محافظات درعا ودير الزور وإدلب، الذين يتجمعون في الجزء الجنوبي من الحي، وتقدر مساحته بنصف مساحة الحي، نواة الحراك السلمي في عامه الأولى، في وقت يوجد في الجزء الشمالي المقابل شوارع الجلاء ونسرين والغفاري على التوالي، التي يوجد فيها أيضاً تنوع في النسيج الاجتماعي للسكان، لكن تسليح النظام للموالين جعل لهم سطوة كبيرة على باقي السكان من الطوائف الأخرى، ليبقى هذا الجزء من الحي تحت سيطرتهم.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2012، وبعد عسكرة الحراك، اجتاحت فصائل من «الجيش الحر»، أبرزها «أبابيل حوران» الجزء الجنوبي من الحي وسيطرت عليه، مما أدى إلى نزوح غالبية سكانه، على حين شكل الجزء الشمالي من الحي منطلقاً لعمليات جيش النظام وميليشياته ضد الفصائل المعارضة في الجزء الجنوبي، ومركزاً كبيراً لاعتقال وتعذيب سكان المناطق المجاورة المناوئين للنظام.
وبعد سيطرة «داعش» على القسم الأكبر من مخيم اليرموك في أبريل (نيسان) عام 2016، قام أيضاً بالسيطرة على الجزء الجنوبي من حي التضامن، بينما تراجعت الفصائل التي كانت توجد فيه إلى بلدات يلدا وببيلا وبيت سحم، حيث كانت تسيطر حينها فصائل إسلامية وأخرى من الجيش الحر.
وعمد النظام إلى تدمير منازل الأهالي بشكل شبه كامل في حي زليخة، التابع إدارياً لبلدة يلدا، ويحاذي القسم الجنوبي من حي التضامن من الجهة الشرقية، وذلك عبر تفخيخها، ومن ثم تفجيرها، في أثناء عمليات الكر والفر خلال المعارك التي كانت تحصل في الحي في بدايات الأحداث، بحسب قول نشطاء معارضين.
ويقسم القسم الجنوبي من حي التضامن إلى قسمين: غربي، يمتد من دوار فلسطين جنوباً حتى سينما النجوم شمالاً، بمسافة تصل إلى نحو 400 متر، ومن شارع فلسطين التابع إدارياً لمخيم اليرموك غرباً حتى منطقة الطبب شرقاً، بمسافة تصل إلى أكثر من 250 متراً؛ بينما القسم الشرقي يمتد من منطقة الطبب غرباً حتى شارع دعبول المحاذي لحي زليخة التابع ليلدا شرقاً، بمسافة تصل إلى نحو 200 متر، ومن قوس يلدا جنوباً حتى جامع سيدنا علي شمالاً، بمسافة تصل إلى نحو 400 متر.
وبعد وصول كثير من الأهالي إلى مشارف هذا القسم من الحي، بدت الصدمة كبيرة على وجوههم بسبب حجم الدمار الكبير شبه الكامل الذي لحق بجاداتهم ومنازلهم، خصوصاً في القسم الجنوبي الشرقي.
وفضل كثير من الأهالي بعد العناء الكبير الذي تكبدوه للوصول إلى مشارف الحي العودة إلى مناطق نزوحهم، وعدم الذهاب إلى منازلهم. ويقول رجل في العقد الرابع من العمر في دردشة مع آخر يقف إلى جانبه وقد تملكهما اليأس: «المشهد أكثر من واضح! ماذا سنتفقد؟ جبال من الركام؟»، بينما يوضح آخرون أن «عدم الوصول إلى منازلهم أفضل» لأن الدمار «طمس معالم الشوارع والأزقة»، وبالتالي لن يتمكنوا من التعرف على منازلهم.
وبتدمير القسم الجنوبي الشرقي من الحي، تتسع رقعة المنطقة المدمرة، كون هذا القسم يتصل بحي زليخة التابع إدارياً لبلدة يلدا، ويحاذي القسم الجنوبي من حي التضامن من الجهة الشرقية، الذي كان النظام وشبيحته قد دمروا منازله في بداية الأحداث عبر تفخيخها، ومن ثم تفجيرها، في أثناء عمليات الكر والفر خلال المعارك التي كانت تحصل في الحي.
وبدا حجم الدمار في القسم الجنوبي الغربي من الحي، الذي كان أغلب سكانه من اللاجئين الفلسطينيين وأهالي محافظات السويداء واللاذقية وطرطوس والقنيطرة، أقل منه في القسم الجنوبي الشرقي، وذلك أن هناك عدداً من منازل ما زال قائماً، وإن تعرضت غالبيتها إلى القذائف والتصدع جراء عمليات القصف.
وظهرت ملامح شيء من الفرح على وجوه الأهالي الذين وصلوا إلى بيوتهم في هذا القسم من الحي، على اعتبار أن منازلهم ما زالت قائمة، وكثير من أثاثها وحاجاتهم ما زال موجوداً فيها، لكن التحدي الأكبر بات أمامهم هو كيفية نقل هذه الحاجات منها إلى أماكن نزوحهم، مع حجم الركام الكبير وإغلاق غالبية الطرق بالسواتر الترابية.
وإن سمح عناصر جيش النظام وشبيحته للأهالي بنقل أثاثهم وحاجاتهم، بعد حصولهم على وثيقة ممهورة من الضابط المسؤول عن أمن المنطقة ومختار الحي، فإن عملية النقل بدت شاقة مكلفة للغاية مادياً.
ويتطلب إخراج تلك الحاجات وقطع الأثاث (من غسالات، وأفران، وبرادات، وتلفزيونات، وصوفيات، وطاولات، وأدوات كهربائية، وغرف نوم وسفرة،...) نقلها بشكل فردي على عربة صغيرة في طرق وعرة للغاية لمسافة 200 إلى 300 متر، حيث يجري تجميعها في ساحة عند أول حاجز لقوات النظام والشبيحة، ومن ثم يجري نقلها من هناك بسيارات.
وفي حين يصل إيجار نقل القطعة الواحدة على العربة من المنزل إلى ساحة التجميع ما بين 10 و15 ألف ليرة سورية، ويقوم بها شبان أغلبيتهم من سكان الحي والأحياء المجاورة، يبلغ إيجار نقل الحمل الواحد في سيارة شاحنة صغيرة إلى أكثر من 25 ألف ليرة (الدولار الأميركي يساوي نحو 435 ليرة)، بينما يتطلب الأمر دفع مبلغ من 10 إلى 15 ألف عن كل حمل لحواجز النظام والشبيحة المنتشرة على الطرق.
ونتيجة الغلاء غير المسبوق الذي طرأ على الأدوات المنزلية والكهربائية وعموم الحاجات منذ اندلاع الحرب في البلاد منذ أكثر من 7 سنوات، بدا أن هناك إصراراً من الأهالي على إخراج حاجاتهم من الحي.
سيدة في العقد الخامس من العمر، وفي أثناء وجودها مع أولادها الثلاثة أمام منزلهم ونقلهم لحاجاتهم، تقول لأولادها والعرق يتصبب منها ومنهم: «لا تتركوا شيئاً، اخرجوا كل شيء... هي أغراضنا، ومهما دفعنا أفضل من شراء الجديد».
ويصل سعر الغسالة الجديدة حالياً إلى نحو 200 ألف ليرة سورية، بعد أن كان قبل الحرب لا يتجاوز 30 ألفاً، والبراد إلى 250 ألف ليرة، والفرن 150 ألف ليرة، بينما يصل سعر طقم الكنبات إلى 400 ألف ليرة، وغرفة النوم إلى نصف مليون ليرة.
ووصل الأمر ببعض الأهالي إلى تفكيك أبواب وواجهات الألمنيوم الموجودة، وكذلك مفاتيح الكهرباء ولمبات الإنارة، وخلاطات المياه، ويقول أحدهم: «إن تُركت إلى الغد، فلن نجدها، وبالتالي يفترض أخذها، فهي من حقنا... من تعبنا».
وفي مقابل إصرار الأهالي على إخراج حاجاتهم وأثاث منازلهم، عمد عناصر النظام وشبيحته إلى المماطلة بمنح الأهالي الوثائق اللازمة لذلك، وعدم إزالة الركام والدمار من الطرقات، ومنع أصحاب العربات من العمل، من أجل إفساح المجال لأنفسهم لـ«تعفيش» (سرقة) ما يستطيعون.
وصادف كثير من الأهالي وجود عناصر من جيش النظام و«شبيحة» و«حرامية» في منازلهم، يقومون بعمليات «التعفيش» للحاجات وقطع الأثاث الموجودة في منازلهم، إلا أن كثيراً منهم لم يستطع منع هؤلاء، كونهم مسلحين وذوي سطوة. ويقول أحد الأهالي: «أي جدال مع هؤلاء سيدفعهم إلى إحراق المنزل وتدميره».
ولوحظ منذ سيطرة النظام وشبيحته على مناطق جنوب دمشق انتعاش أسواق «التعفيش» في المناطق المجاورة لها، مثل حي دف الشوك وجرمانا، وتراجع الأسعار فيها، ذلك أن سعر أي غسالة أو فرن أو براد لا يتجاوز 50 ألف ليرة.



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».