العالم بعد قمتي «السبع الكبار» و«منظمة شنغهاي»

«الشرق الأوسط» تنشر ثلاث قراءات أميركية وروسية وأوروبية

المستشارة الألمانية انجيلا ميركل تتحدث الى الرئيس ترمب خلال قمة «السبع الكبار» في كيبيك. (رويترز)
المستشارة الألمانية انجيلا ميركل تتحدث الى الرئيس ترمب خلال قمة «السبع الكبار» في كيبيك. (رويترز)
TT

العالم بعد قمتي «السبع الكبار» و«منظمة شنغهاي»

المستشارة الألمانية انجيلا ميركل تتحدث الى الرئيس ترمب خلال قمة «السبع الكبار» في كيبيك. (رويترز)
المستشارة الألمانية انجيلا ميركل تتحدث الى الرئيس ترمب خلال قمة «السبع الكبار» في كيبيك. (رويترز)

تزامن انعقاد قمة «السبع الكبار» في كيبيك الكندية مع قمة «منظمة شنغهاي» في مدينة تشينغداو الصينية الأسبوع الماضي وما جرى فيهما، قد يكون مؤشرا للمرحلة الجديدة التي دخل فيها العالم والقوى الكبرى.
وخيمت على قمة كيبك الخلافات بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وحلفائه الآخرين حول أمور كثيرة بينها دعوته إلى إعادة روسيا إلى نادي الكبار ومسائل المناخ والعلاقات التجارية، إضافة إلى الموقف من الاتفاق النووي الإيراني.
في المقابل، نوه الرئيس الصيني شي جينبينغ في قمة «منظمة شنغهاي» بالتعاون والمستقبل الواعد و«وحدة دول التكتل» الذي يضم روسيا وأربع جمهوريات سوفياتية سابقة وعضوين جديدين هما باكستان والهند. كما التقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره الإيراني حسن روحاني على هامش القمة وعبر له عن دعمه لانضمام طهران إلى المنظمة.
«الشرق الأوسط» سألت السفير الأميركي الأسبق في سوريا والجزائر روبرت فورد والسفير الفرنسي الأسبق في دمشق ميشال دوكلو ورئيس «معهد الاستشراق» التابع لأكاديمية العلوم الروسية فيتالي نعومكين عن رأيهم بقمتي «السبع الكبار» و«منظمة شنغهاي». وهنا آراؤهم:
> هل نتفاءل بقمة ترمب ـ كيم؟
روبرت فورد

شهد الثلاثاء الماضي العرض السياسي الكبير المتمثل في اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون في سنغافورة. وقبل عام كامل، كان الزعيمان الأميركي والكوري الشمالي يهددان بشن الحرب النووية كلاهما ضد الآخر. والآن يجتمعان ويبتسمان ويتصافحان ويتحادثان لساعات. لقد شهدنا للتو قمة الدول الغربية الكبرى في كندا التي كان من المفترض أن يسهل خروجها عن الأطوار. فماذا حدث في القمة الأكثر صعوبة بين الرئيس ترمب والرئيس كيم؟
تملك الولايات المتحدة بالفعل خبرة ممتدة وسجلا طويلا من التفاوض غير المجدي وغير المثمر مع كوريا الشمالية. وطرح السفير الأميركي الأسبق لدى روسيا مايكل ماكفول المقرب من الرئيس السابق باراك أوباما، سؤالا على حسابه في «تويتر» قال فيه: «كيف يتسنى لترمب التوصل إلى اتفاق بشأن الأسلحة النووية في كوريا الشمالية إن كان لا يستطيع مجرد التفاوض على صفقة بسيطة بشأن تجارة منتجات الألبان مع أصدقائنا في كندا؟».
بيد أن اجتماع القمة في سنغافورة لا علاقة له بالاتفاق النهائي بين واشنطن وبيونغ يانغ على أي حال. وصرح الرئيس الأميركي بأنه لم يتجهز بدرجة كبيرة لهذا الاجتماع. وبعض من الرؤساء الآخرين الذين عرفتهم كانوا يحملون مجلدات ضخمة مليئة بالمستندات الكثيرة ذات التفاصيل المعقدة، غير أن السيد دونالد ترمب غير مولع بالتفاصيل الصغيرة. وبالنسبة له، فإن اجتماع القمة يتعلق بعلاقته الشخصية مع زعيم كوريا الشمالية. وصرح الرئيس ترمب لوسائل الإعلام الأميركية بأنه يعمل بشكل رئيسي عن طريق حدسه وغريزته. وقال أيضا إنه سيدرك في غضون 5 دقائق من بدء الاجتماع ما إذا كان يمكن إبرام الاتفاق النهائي مع كيم من عدمه. وتحليله الأخير الموجه إلى الشعب الأميركي لخصه في عبارة: «سوف نرى ما سوف تسفر عنه الأمور».
فإن كان تقييم الاجتماعات الأميركية - الكورية الشمالية أنها جيدة، فسنشهد إطلاق عملية طويلة من المفاوضات بين الجانبين. والبدء في عملية التفاوض هذه من الخطوات الجيدة، نظرا لأن تواصل المفاوضات واستمرار الاتصالات بين الخبراء والدبلوماسيين من شأنهما أن يسفرا عن انخفاض حدة التوتر في شبه الجزيرة الكورية.
يخشى رئيس كوريا الشمالية أن تشن الولايات المتحدة هجوما ضد نظامه. ومن شأن الضمانات الأمنية التي يريدها كيم أن تتسق مع معاهدة السلام المنشودة، ولكن ما الذي تعنيه عبارتا «معاهدة السلام» و«الضمانات الأمنية» على الحقيقة. بالنسبة إلى الجانب الأميركي، فإن «معاهدة السلام» ستحل محل اتفاق الهدنة الموقع عليه في عام 1953 والذي توقفت بموجبه الحرب الكورية. وتعتقد كوريا الشمالية أن معاهدة السلام تعني رحيل كل القوات الأميركية عن كوريا الجنوبية. كما ترغب كوريا الشمالية أيضا في سحب القوات النووية الأميركية المنتشرة في آسيا، والتي يمكنها توجيه الضربات الانتقامية ضد بيونغ يانغ في حال شنها الهجوم أولا. فهل تعدّ كوريا الجنوبية، واليابان، والولايات المتحدة الأميركية على استعداد لذلك؟ وما الدور الصيني في ما يتعلق بالضمانات الأمنية المتوقعة في شبه الجزيرة الكورية؟
يريد الأميركيون القضاء النهائي والتام على الأسلحة النووية في كوريا الشمالية، بالإضافة إلى إقامة نظام قوي من التفتيش والتحقق داخل كوريا الشمالية. فهل من شأن ذلك أن يتضمن الصواريخ الباليستية؛ حيث أعلنت واشنطن من قبل أن اتفاقية الأسلحة النووية مع إيران يجب أن تشمل برنامج الصواريخ الإيراني كذلك؟ وهل كوريا الشمالية على استعداد لتدمير ترسانتها الوطنية كافة من الصواريخ الباليستية وقبول عمليات التفتيش الدولية المفاجئة، من دون إنذار مسبق، على أي موقع وفي أي وقت؟ وهل سوف تقبل كوريا الشمالية بشروط الإدارة الأميركية التي رفضتها إيران من قبل؟
ولعل الأمر الجدير بالاهتمام إن كانت هناك مفاوضات مستقبلية بين الجانبين هو: من سيكون مسؤولاً عن تقديم أول التنازلات؟ وهل ستقبل كوريا الشمالية، من حيث المبدأ، الإزالة الكاملة لبرنامج الأسلحة النووية، واتخاذ بعض الخطوات الأولية الصغيرة والملموسة على هذا المسار، أم ستصر على أن يتقدم الجانب الأميركي أولا بالتنازلات واتخاذ الخطوات الجادة في ما يتعلق بالضمانات الأمنية المنشودة؟ تلك نوعية التفاصيل المدرجة في سجلات الإحاطة السياسية التي لم يقرأها الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وتلك هي التفاصيل التي سوف يتعين على الولايات المتحدة وكوريا الشمالية التعامل معها وتلمس شتى السبل لحلها وتسويتها.
عندما كنت دبلوماسياً شاباً في أول حياتي المهنية عام 1986، التقى الرئيس الراحل رونالد ريغان مع زعيم الاتحاد السوفياتي ميخائيل غورباتشوف في العاصمة الآيسلندية ريكيافيك. وقد تم ترتيب تلك القمة في عجالة لأجل مناقشة ملف الأسلحة النووية ونزع السلاح. ولم يكن الرئيس ريغان، كمثل الرئيس ترمب، مولعا بالتفاصيل، وقبل وصوله إلى آيسلندا لم تكن هناك ترتيبات مسبقة بين المفاوضين الأميركيين والروس، وكان هناك يومان من المباحثات المكثفة والمضنية والشاقة بين الزعيمين ريغان وغورباتشوف. وانتهت أعمال القمة من دون التوصل لأي اتفاق، وألقى كل من ريغان وغورباتشوف بلائمة الفشل في ذلك كلاهما على الآخر.
لكن التاريخ يقول إن قمة ريكيافيك، في خاتمة المطاف، لم تكن فشلا بالمعنى المعروف. بدلا من ذلك، طور كل من ريغان وغورباتشوف نوعا من العلاقات الشخصية؛ فلقد تحدث كل منهما مع نظيره بكل صراحة وانفتاح ووضوح. واكتشاف أنهما يرغبان فعلا في الحد من الأسلحة النووية حتى وإن لم يتفق المفاوضون من الجانبين على التفاصيل. وفي عامي 1987 و1991 وقعت واشنطن وموسكو على اتفاقيات مهمة للغاية بشأن الأسلحة النووية كان الفضل الأول فيها يرجع إلى قمة ريكيافيك.
الرئيس دونالد ترمب ليس هو الرئيس رونالد ريغان بطبيعة الحال. ولم تكن قمة مجموعة السبع في كندا لتسفر عما أسفرت عنه يوم الأحد الماضي، كما حدث، إن كان الرئيس الأميركي الحالي هو رونالد ريغان. غير أن الرئيس ترمب يشعر بسعادة بالغة لأن يكون هو، بشخصه، مركز الجاذبية في المسرح السياسي؛ حيث ينظر إلى نفسه نظرة القائد العظيم. وسنرى ما سيحدث.
- السفير الأميركي السابق لدى سوريا والجزائر
خاص بـ«الشرق الأوسط»

> يا لها من أيام سعيدة لبوتين
ميشال دوكلو

يا لها من أيام سعيدة لفلاديمير بوتين، أيام سعيدة بالتأكيد: في كيبيك، عكست قمة مجموعة السبع صورة واضحة ومثيرة للذهول عن ازدراء الرئيس ترمب لأقرب حلفاء الولايات المتحدة، كما عكست حدة الانقسامات العميقة التي باتت جلية الآن داخل المعسكر الغربي. كيف لا يتعارض ذلك مع السلاسة التي شهدتها قمة شنغهاي للتعاون؟ وكيف يمكن للسيد بوتين، في سياق الصداقة الجديدة المثيرة للدهشة بين الرئيس الأميركي والزعيم الكوري الشمالي، ألا يتوقع المزيد من التطورات الجيدة التي تصب في صالحه، والناجمة عن البيت الأبيض؟
قبل مغادرته إلى كندا للانضمام إلى زعماء أكثر دول العالم تقدماً في الاقتصاد، أعلن الرئيس ترمب أنه على الرغم من اللياقة السياسية، فإنه يعتقد أنه تنبغي دعوة الرئيس الروسي مرة أخرى إلى ما كان عليه اسم المجموعة من قبل «مجموعة الثماني».
وأثارت هذه التصريحات غضب نظرائه الذي يتذكرون أن روسيا قد خرجت من تلك المجموعة ليس بسبب الصواب السياسي، ولكن في أعقاب غزوها لأوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم إلى سيادتها.
وعلاوة على ذلك، روسيا ليست بالاقتصاد الموجَّه نحو الأسواق في واقع الأمر، وهي ليست بالاقتصاد الكبير، وليست بالتأكيد من الدول الديمقراطية. وبالنسبة للقضايا الجوهرية في القمة، فإن الأعمال التحضيرية المعتادة جرت بطريقة عسيرة للغاية. واستحدث وزير المالية الفرنسي برونو لومير اصطلاحاً جديداً هو «مجموعة الست زائد واحد»، في إشارة إلى الثغرة الواضحة بين الولايات المتحدة الأميركية والدول الأعضاء الآخرين (كندا، وإيطاليا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وألمانيا، واليابان، ومؤسسات الاتحاد الأوروبي).
ومع ذلك، تم الوصول إلى بعض الصياغات التوافقية، على مضض كبير، للتأكيد على أهمية نظام التجارة الدولية القائمة على القواعد.
وصل الرئيس دونالد ترمب متأخراً إلى القمة، وغادر مبكراً للغاية، ومِن على متن الطائرة التي كانت تقله إلى سنغافورة (لحضور القمة مع الرئيس كيم)، تنكَّر تماماً للإعلان المشترك الذي كان قد أيده قبل دقائق معدودة. كما أعرب عن غضبه الشخصي من رئيس الوزراء الكندي، الذي ترأس أعمال القمة، وهدد بفرض الرسوم الجمركية الجديدة على كندا.
وفي الأثناء ذاتها، عقدت الصين، وروسيا، وباكستان، والهند، وأربع دول مركزية في آسيا، الاجتماع السنوي لمنظمة شنغهاي للتعاون في مدينة تقع بجنوب الصين. وكان ضيف الشرف على أعمال القمة هو الرئيس الإيراني حسن روحاني. وأدرجت التعهدات بزيادة التعاون الاقتصادي في بيان مشترك لم يتراجع عنه أحد. وأعلنت الصين وغيرها من الدول عن التزامها بالدفاع عن خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني)، في إشارة مفعمة بالتحدي ضد الولايات المتحدة الأميركية. وانتهز الرئيس الصيني الفرصة للتأكيد على دعم بلاده للاقتصاد المفتوح، ومنظمة التجارة الدولية. واستغل الرئيس الروسي الفرصة للتباهي بأنه لم يكن مهتماً فعلاً بالعودة إلى مجموعة الثماني، إن كان سوف يتم إعادة هيكلة هذه المجموعة، إذ إن منظمة شنغهاي للتعاون تحمل في الواقع ثقلاً اقتصادياً كبيراً (وهو الأمر غير الدقيق)، وأن التجمع الدولي الأهم هو مجموعة العشرين.
ومن المهم في هذا السياق أن نضع كلمات السيد بوتين في سياقها الصحيح. في واقع الأمر، ومن دون التقليل من أهمية منظمة شنغهاي للتعاون، فإن هذه المنظمة مكرَّسة بالأساس لإدارة الاختلافات وحالات التنافس المحتملة بين الدول الأعضاء في أواسط آسيا. ومع ذلك، فإن حقيقة تمكُّنِها من التوسع وضم الهند وباكستان إلى عضويتها تُعد من النجاحات الكبيرة. وطالما كانت روسيا حريصة على العثور على المجموعة القادرة على تجسيد العالم متعدد الأقطاب. وكانت الدبلوماسية الروسية جوهرية في تسهيل إضفاء الطابع المؤسسي على الاجتماع السنوي لدول «البريكس». ولبضع سنوات، شكلت هذه المجموعة تحدياً حقيقياً لمجموعة السبع المتمركزة حول الأطلسي (التي تمثل اليابان فيها الدولة غير المنتمية للعالم الغربي). وصار نجم مجموعة «البريكس» أقل سطوعاً عن ذي قبل، نظراً للأداء الاقتصادي الضعيف لبعض الدول الأعضاء، والأزمات السياسية في البرازيل وفي جنوب أفريقيا إلى حد ما. وصحيح أن صعود منظمة شنغهاي للتعاون، في السياق ذاته، يظهر بشكل خاص في الوقت المناسب.
كانت هذه الملاحظات تتعلق بالأعمال المسرحية للقمة الأخيرة. ودعونا نحاول المضي قدماً قليلاً. أولاً، إذا كان ترمب يريد فعلاً إنهاء مجموعة السبع، وليس المجموعة نفسها وإنما السياسات التي تتمخض عن هذه المجموعة (أو ما يُسمَّى بالنظام الليبرالي الدولي)، فإننا سنعيش في عالم مختلف تماماً. ولاحظ معلقون آخرون بالفعل أن «مجموعة السبع ناقص واحد» تتساوى في واقع الأمر مع المنظمة الدولية التي لا تحظى بدعم ومشاركة الولايات المتحدة، وبالتالي يبقى هناك القليل للغاية مما يمكن لمجموعة الست أن تفعله في حماية وتعزيز التعاون الدولي.
وهنا، قد يقع خلاف ما بين الصين وروسيا: في المقام الأول، روسيا على استعداد لتقويض النظام الدولي مثل الذي أقامه الأميركيون بعد الحرب العالمية الثانية. وعلى العكس من ذلك، يمكن للصين التظاهر بأن تكون القوة العظمى المهيمنة التالية في هذا النظام، ولديها المزيد من المصالح والاهتمامات للعمل ضمن هذا النظام بدلاً من تقويضه.
ثانياً، من المرجَّح تماماً الآن أن يستمر ويزيد الصدع القائم بين الولايات المتحدة وحلفائها - وحلفاء الأطلسي على الأقل الآن. وتميزت الشهور الأولى للإدارة الأميركية الجديدة تحت ظل ترمب بالخلافات حيث كانت واشنطن تنأى بنفسها جانباً عن حلفائها التقليديين - بشأن اتفاقية باريس للتغيرات المناخية بصورة خاصة - وتوجيه الانتقادات المستمرة إليهم - بشأن إسهاماتهم في الدفاع المشترك على سبيل المثال.
وبلغت واشنطن مستوى جديداً من الخلاف اتخذت فيه إجراءات لممارسة المزيد من الضغوط على الحلفاء، إن لم يكن لمعاقبتهم: وهذا هو الحال بالنسبة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، حيث يتعين على الجانب الأوروبي دعم أعباء إعادة فرض العقوبات ضد إيران، وبالطبع مواجهة حرب الرسوم الجمركية التي شنَّتها إدارة الرئيس ترمب. وفي هذا السياق الجديد، ازداد تدهور العلاقات، المتضررة بالفعل، مع ألمانيا، في حين دخلت العلاقات مع فرنسا والمملكة المتحدة إلى منطقة خطرة. وهناك مجازفة كبيرة بأن تطغى هذه المشاعر المسمومة على جوهر العلاقات عبر الأطلسي، وعلى تحالف الأطلسي ذاته.
ومن شأن قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) أن تُعقَد في بروكسل في الفترة بين 11 و12 يوليو (تموز) المقبل، ولا يجرؤ أحد على تصور قمة بمثل كارثية قمة مجموعة السبع الأخيرة، ولكن في واقع الأمر، من الممكن للغاية أن تحقق الأحلام السعيدة للقيادة الروسية.
ثالثاً، أحد الدروس المستفادة من الأحداث الأخيرة هو أن السيد ترمب يبدو أنه قد عثر على أسلوبه الخاص في الدبلوماسية: فهو يقول ما يريد، ولا يحترم الحكم التقليدية أو المحرمات، ويشعر بحرية مطلقة في تغيير آرائه وقتما يشاء وبسرعة فائقة، وهو يثمن الخصوم التقليديين بأكثر من تقديره للحلفاء القدامى، ويثق كثيراً في حدسه وغريزته أكثر من ثقته في أي شيء آخر، وهو على استعداد للانخراط في مؤتمرات القمة الشخصية إثر تجهيز وإعداد وجيز للغاية على أساس أنه سوف يعرف أفضل من أي شخص آخر إن كان يمكن الثقة في الزعيم الأجنبي، حتى الديكتاتور المستبد كيم جونغ أون، من عدمه.
والآن، وحيث إننا نتعامل مع دونالد ترمب غير المقيَّد، فمن غير المتصور أن الرئيس الأميركي، بعد قمة «حلف الناتو» الفاشلة، وزيارة العاصمة لندن التي تستلزم فنجاناً من الشاي مع جلالة الملكة، يقرر على نحو مفاجئ الذهاب إلى حفل افتتاح كأس العالم لكرة القدم في موسكو، ويعقد لقاءً كبيراً مع الرئيس فلاديمير بوتين في الكرملين.
وهذا مجرد سيناريو تصوري قد لا يتحول أبداً إلى واقع، ولكن حقيقة أنه في عالم الممكن يظهر المدى الذي ينضبط فيه المشهد الدولي بشكل كبير. وفي مثل هذا السيناريو، ينبغي على دونالد ترمب أن يعارض النفور الكلي للحزب الجمهوري والطبقة السياسية الأميركية من السياسات الحالية للقيادة الروسية. وصحيح أيضاً أنه من شأن هذه الخطوة أن تشكل طريقة شديدة الغرابة للتعامل مع الشكوك التي جسدها تساؤل موللر حول حملة ترمب الانتخابية وضلوع روسيا في مجرياتها. ولكن بعد كل شيء، مَن يدري كيف يكون رد فعل القاعدة الانتخابية للرئيس الأميركي؟ كذلك، أليس هذا هو العامل الوحيد المهم بالنسبة للسيد ترمب؟
على أية حال، في ظل قمة حلف الناتو المعقدة أم لا، ومع زيارة ترمب إلى موسكو من عدمها، فإن حلفاء الولايات المتحدة يواجهون معضلة شديدة القسوة، إثر فشل قمة مجموعة السبع الأخيرة: من ناحية، إن امتثلوا لمطالب ترمب وأذعنوا لتذمره الشديد، فإن يساهمون تلقائياً في إضعاف النظام الذي أكد سيطرة الغرب على النظام الدولي حتى اليوم، وربما هم يحفزون الرئيس الأميركي على ممارسة المزيد من الضغوط رغماً عن مصالحهم، بالنسبة للقضايا التجارية على سبيل المثال.
ومن ناحية أخرى، إن تخيروا الاتحاد فيما بينهم ومقاومة إرادة البيت الأبيض، فإنهم بالتالي يساهمون في تعميق الانقسام الذي يعاني منه الغرب. وعلى أي حال، ومرة أخرى، إنه الوقت المناسب للرئيس فلاديمير بوتين. ويا له من وقت مناسب حيث قد يتناسى أنه في خاتمة المطاف سوف يصب إضعاف الغرب في صالح الصين بصورة أساسية حسن النيات الذي سوف تعتمد روسيا عليه أكثر فأكثر.
- السفير الفرنسي الأسبق في سوريا
خاص بـ«الشرق الأوسط»

> قمتان وسياستان... ورئيسان
فيتالي نعومكين

تزامُن قمة مجموعة السبع مع قمة منظمة شنغهاي للتعاون كان رمزياً. ليس هناك ما يثير الاستغراب بأن يكون للقاء قادة الدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون معنى خاص بالنسبة لروسيا التي لا تزال تحت تأثير الضغط المتنامي من قبل دول الغرب.
لأول مرة تعقد هذه القمة بتشكيلتها الموسعة بمشاركة الهند وباكستان بصفتهما عضوين كاملَيْ الصلاحية في المنظمة. نتائج قمة «تشينغداو» استُقبِلت بحماس؛ فهي فاقت كل التوقعات رغم الإدراك تماماً في موسكو وجود مشكلات جدية بين بعض أعضاء المنظمة تفرق فيما بينهم وليس لدى أحد وَهْم بإمكانية حلها بسرعة. فهي بالدرجة الأولى تمس العضوين الجديدين في المنظمة.
أما نتائج القمة الأخرى التي عقدت في كندا فهي من جهة فاجأت بالتشدد الذي أبداه الرئيس دونالد ترمب في دفاعه عن مواقفه بالضغط غير المسبوق على حلفائه المقربين، وكذلك بعدم خوفه من عرض حجم الخلافات الموجودة بين أعضاء هذه المجموعة أمام العالم. في تعليقه على الأزمة في المجتمع العابر للأطلسي كتب الصحافي والمحلل السياسي الروسي المشهور والمقرب من الكرملين فيودور لوكيانوف في مقالته بمجلة «بروفيل»: «من الصعب التذكر متى كان قد تم تحدي الاتحاد الأوروبي بهذا الشكل الصارخ بأن رأيه لا قيمة له».
أما من جهة أخرى، فإن نتائج قمة مجموعة السبع أثارت حفيظة الكرملين، بحسب رد الفعل الرسمي الروسي، ذلك لأن الإعلان المشترك لـ«مجموعة السبع»، وكما يرون هنا، كعادته مبني على الكراهية لروسيا (فلقد تم التوافق على نصه من قبل الجميع بمن فيهم الولايات المتحدة رغم أن ترمب في نهاية المطاف لم يوقع عليه). مرة أخرى الدعوات لروسيا بـ«وقف التصرفات غير البناءة ونسف الأنظمة الديمقراطية ومساندة النظام في سوريا». مرة أخرى التهديدات بفرض عقوبات جديدة. الشروخ العميقة في التضامن بين أعضاء «مجموعة السبع» لم تمنعهم من تكرار الاتهامات التي لا أساس لها ومن دون أدلة تجاه روسيا بخصوص ضلوعها في محاولة تسميم المواطنين الروسيين في سالزبوري.
رغم أن بعض وسائل الإعلام الروسية المناهضة في توجهاتها للغرب لم تبخل في الكلام عن القمة في كندا بحديثها عن «الفضيحة» التي وقعت، وهنا المقصود مغادرة ترمب للقمة قبل اختتامها و«الانقسام» في المجتمع العابر للأطلسي، وحتى عن احتمال أن تكون هذه القمة هي الأخيرة، فإن رد الفعل الرسمي الروسي كان متزناً ولم يحمل في طياته أي نوع من الشماتة رغم وجود دافع للشعور بذلك.
هنا على ما يبدو ينطلقون من أن واشنطن بشكل أو بآخر ستتمكن من ترويض الأوروبيين ممن لا يتفقون معها حول عدد من القضايا. هذا بدا واضحاً من خلال تصرفات الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون الذي بدأ في تغيير موقفه تجاه الصفقة النووية مع إيران. لا تؤخذ هنا في الحسبان تصريحات بعض السياسيين الفرنسيين الحادة مع أن مثل هذا المزاج لا يزال موجوداً.
قبل عدة أيام قال بيار لولوش، الرئيس السابق للجمعية البرلمانية لحلف شمال الأطلسي (ناتو) والمحارب القديم في الحزب الديغولي، في خطابه من على منصة المنتدى الدولي «قراءات بريماكوف» في موسكو: «أنا لا أريد أن أعيش في عالم تملي فيه وزارة المالية للولايات المتحدة على الفرنسيين أين بإمكانهم أن يستثمروا أموالهم وأين لا يمكنهم فعل ذلك». وفي مسائل «الحرب التجارية» فسيضطر الأوروبيون بالإضافة إلى كندا والمكسيك إلى ابتلاع حبة الدواء الأميركية المُرَّة. فالشركات الأوروبية لا تريد أن تواجه العقوبات الأميركية نتيجة مواصلة تعاونها مع إيران (ترمب كان قد استعرض استعداده إلى عدم الاكتراث بآراء حلفائه). فتكلفتها أكبر. حتى إن بعض ممثلي الطبقة السياسية الروسية خلال الأحاديث الخاصة يعبرون عن إعجابهم بقدرة ترمب على الدفاع عن مصالح بلده «أميركا أولاً»، بما فيه باستخدام الأساليب الخشنة في بعض الأحيان، وفي التزامه بما تعهَّد به من وعود خلال حملته الانتخابية، ما عدا تعهداً واحداً: تسوية العلاقات مع روسيا.
جملة ترمب حول الرغبة في عودة روسيا جاءت مفاجئة بعض الشيء. لكن رد فعل موسكو على ذلك كان بارداً للغاية. ذلك أنه في موسكو، أولاً: يدركون تماماً أن هذا لن يحصل في المستقبل القريب، وثانياً: لقد غير الكرملين توجهه إلى صيغ أخرى يراها واعدة وذات أهمية أكبر، وهي بالدرجة الأولى مجموعة العشرين ومنظمة شنغهاي للتعاون.
تقييم موسكو لنتائج قمة منظمة شنغهاي للتعاون كان إيجابياً للغاية. القمة عُقِدت من دون خلافات. على أقل ما يمكن في تشينغداو لم يغادر أحد القمة قبل اختتامها. أما الوثيقة الختامية (بيان تشينغداو)، فلقد وَقَّع عليها جميع المشاركين. وبشكل عام تم التوقيع على 17 وثيقة حول نتائج المحادثات. في الوقت نفسه، كما قال أحد الصحافيين، فإن المشاركين في القمة حاولوا أن يتفقوا «قبل أن ينتقلوا من الكلام إلى الفعل». على الأغلب هذا كان مهماً بالنسبة للأعضاء الجدد في منظمة شنغهاي للتعاون، من الذين تربطهم علاقات معقدة أي الهند وباكستان.
في هذا السياق أشار المحلل السياسي ديمتري كوسيريف إلى «النشاط الماهر لرئيس الوزراء الهندي مودي في بناء علاقات متكافئة مع جميع مراكز القوى في العالم». اللقاءات الثنائية بين القادة على هامش القمة هي أيضاً كانت ذات أهمية، خصوصاً اللقاء بين الرئيس بوتين والرئيس شي جينبينغ. لقد تم توقيع عدد غير مسبوق من الاتفاقيات والعقود بين روسيا والصين بما في ذلك في مجال الطاقة النووية. الرئيس بوتين وعد، خلال حديثه مع الرئيس الإيراني حسن روحاني، بمساندته «في سعيه للتعاون في إطار منظمة شنغهاي».
في موسكو كالعادة يولون الاهتمام الأكبر لتصريحات الرئيس الصيني. رغم أن شي جينبينغ دائماً لبق وحذر في أقواله، عندما يتحدث عن الولايات المتحدة، فلقد كان واضحاً مَن يقصد حين قال: «رغم أن الهيمنة وسياسة القوة لا تزالان تجدان مكاناً لهما في العالم المعاصر، فإن دعوتي إلى نظام عالمي عقلاني وعادل تجذب الاهتمام».
وتحدث أيضاً عن القوى الهدامة في العالم قاصداً فيها بعض الدول من تلك التي وقعت على البيان الختامي لقمة «مجموعة السبع»، وليس تلك الدول التي تحدث عنها هذا البيان.
الرئيس الروسي أولى اهتماماً خاصاً بالمشروع الجديد الذي يتم تحضيره من قبل موسكو وبكين - الشراكة الاقتصادية الأوروآسيوية، التي، وكما أكد الرئيس بوتين «ستكون منفتحة لانضمام جميع دول منظمة شنغهاي». لا تزال تفاصيل هذا المشروع غير معلنة. لكن ما هو معروف أنه في إطار الاتحاد المصرفي للمنظمة ستطلق الصين برنامج اقتراض لهذا الغرض بـ30 مليار يوان (4.7 مليار دولار).
من بين فقرات البيان الختامي التي حازت على اهتمام كبير في روسيا هي تلك التي تتحدث عن التغيرات الخطيرة في الهيكلة العالمية، عن ازدياد عوامل عدم الاستقرار والضبابية في مستقبل العلاقات الاقتصادية الدولية، وعن تحديات التجارة العالمية من جهة الحمائية ونمو مخاطر تفاقم الأزمات الإقليمية، وعن نمو خطر التهديدات الإرهابية والتداول غير الشرعي للمخدرات والجريمة المنظمة... إلخ. لقد برز مصطلح جديد (روح شنغهاي)، الذي كان مخالفاً تماماً لتلك الأجواء التي خيمت على لقاء «مجموعة السبع».
فما هو المقصود بهذا المصطلح أو هذه الروح؟ هي «الثقة المتبادلة والمساواة والمنفعة المتبادلة والمساواة في الحقوق والمشاورات المتبادلة، واحترام التنوع الثقافي والسعي للتطور المشترك».
إجماع المشاركين على الدعوة لزيادة الكفاح ضد الإرهاب والفساد وتداول المخدرات والتمسك بالحرص على الفضاء السلمي وعدم انتشار الأسلحة النووية والتسوية السريعة للأزمات في أفغانستان وسوريا وشبه الجزيرة الكورية، حمل أهمية خاصة بالنسبة لموسكو. وتمت أيضاً الإشارة إلى أهمية تطبيق خطة العمل الشاملة المشتركة بشأن البرنامج النووي الإيراني. من الممكن أن الإجماع حول هذه المشكلة الأخيرة لن يرضي جميع اللاعبين الفاعلين.
أظهرت القمة نمو دور «صيغة شنغهاي» في السياسة العالمية والنظام الاقتصادي. فليس من الضروري وضعها في مواجهة مباشرة أمام الصيغ الأخرى أو أن ينظر إلى مشاريعها الطموحة (التي لا تزال مشاريع) كتحدٍّ موجَّه من قبل المحركين الأساسيين فيها (الصين وروسيا) ضد اللاعبين الدوليين الأكثر نفوذاً. لكن مما لا شك فيه هو أن هذه المنظمة ستستمر في تأثيرها في عملية تشكيل نظام عالمي جديد بصورة صحيحة.
- رئيس «معهد الاستشراق» التابع لأكاديمية العلوم الروسية - موسكو
خاص بـ«الشرق الأوسط»


مقالات ذات صلة

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
الولايات المتحدة​ باراك أوباما مع ترمب خلال جنازة الرئيس جيمي كارتر (أ.ف.ب)

ترمب ينقض قرارات أوباما المناخية بعدّها «عملية احتيال»

نقض الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات اتخذها سلفه باراك أوباما عام 2009 كأساس لجهود الولايات المتحدة في تنظيم انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

إدارة ترمب ستلغي الأساس القانوني للتشريعات الأميركية المتصلة بالمناخ

من المقرر أن يلغي الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الخميس، نصاً يُشكّل الأساس القانوني للتشريعات التي تُكافح انبعاث غازات الدفيئة في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
بيئة سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم.

«الشرق الأوسط» (باريس)

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».


من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
TT

من «نكتة سياسية» إلى قرار مصيري... هل حان وقت مغادرة أميركا؟

مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)
مارة يعبرون تحت جسر قديم في بروكلين بنيويورك بعد عاصفة ثلجية (أ.ب)

منذ عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، تحوّل سؤال «هل حان وقت المغادرة؟» من نكتة سياسية تُقال بعد كل انتخابات، إلى حديث جاد يتكرر في غرف الأخبار، وعلى منصات التواصل، وحتى في مكاتب الاستشارات الضريبية وشركات الهجرة.

لم يعد سؤال «هل نغادر؟» مجرّد انفعال انتخابي عابر أو تهديد يُطلقه نجوم الشاشة ثم يُطوى. صار السؤال جزءاً من أحاديث يومية في أوساط واسعة: عائلات تُقلّب خرائط مدارس أكثر أمناً وتبحث عن مجتمع أقل توتراً، نساء شابات يقرأن معارك الحقوق والثقافة بوصفها مؤشراً على مستقبل أكثر ضيقاً، أكاديميون يتعاملون مع العلاقة المتدهورة بين الدولة والجامعة باعتبارها اختباراً لاستقلال المعرفة، وأثرياء يتحدثون عن الضرائب والبيئة السياسية بلغة إدارة مخاطر، ويفكرون في «خطة ب» هادئة لا تنفي علاقتهم بالاقتصاد الأميركي، بقدر ما تؤمّن لهم مخرجاً من تقلبات السياسة والضرائب.

في هذا المناخ المتشنّج، تحوّلت «الهجرة المعاكسة» إلى عبارة تختصر مزاجاً أكثر مما تصف حركة سكانية كبرى. فالضجيج كبير، لكن الدقة تقتضي التفريق بين رغبة في الرحيل تُقاس بالاستطلاعات، وبين خطوات قانونية فعلية للحصول على إقامة أو تأشيرة، وبين حقيقة ديمغرافية تُقاس بصافي الهجرة وتدفّقات الداخلين والخارجين. المفارقة أن أهم ما تُظهره الأرقام في العام الأول من الولاية الثانية لا يبدو «نزوحاً أميركياً جماعياً» بقدر ما يبدو تراجعاً في الداخلين إلى الولايات المتحدة، أي في الهجرة إليها، مع آثار اقتصادية وديمغرافية ملموسة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤشراً بيده خلال لقائه عائلات فقدت أفراداً منها في جرائم ارتكبها أشخاص دخلوا البلاد بطريقة غير شرعية (رويترز)

مزاج الرحيل

اللافت في موجة الحديث الأخيرة أنها لم تعد حكراً على فئة واحدة أو سبب واحد. في مرحلة سابقة، كان الانقسام السياسي هو محرك الخطاب: «إذا انتصر خصمي فسأغادر». أما اليوم، فالسردية أكثر تركيباً: الناس لا تتحدث عن الرئيس وحده، بل عن مزيج من الاستقطاب، والإحساس بتراجع «الحد الأدنى من الاتفاق» داخل المجتمع، وارتفاع تكلفة العيش، وتراجع الثقة بالمؤسسات، والقلق من العنف المسلح، وصولاً إلى شعور متزايد لدى بعض الشرائح بأن البلد صار مساحة «مفاوضة يومية» على الحقوق والهوية واللغة. هذا ما يفسر لماذا باتت فكرة الرحيل تخرج من إطار «الرمز السياسي» إلى إطار «الخيار الحياتي».

أحد المؤشرات على ذلك هو نشوء خدمات جديدة تُحوّل القلق إلى خطة. في تقرير لمجلة «فوربس» عن شركة ناشئة تساعد الأميركيين على الانتقال، لا يقدّم الأمر بوصفه موجة هروب جماعية، بل بوصفه صناعة تُرشد الناس إلى مسارات قابلة للتطبيق، وتحديداً نحو بعض البلدان الأوروبية، عبر دعم إداري وقانوني وترتيبات معيشية. الفكرة هنا ليست أن الجميع سيغادر، بل أن عدداً متزايداً يريد أن يعرف: ما الذي يمكن فعله واقعياً؟ وما التكلفة؟ وما المسار القانوني؟

وعلى مستوى المزاج العام، جاءت أرقام «غالوب» لتكسر حاجز «الانطباع». الاستطلاع المنشور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 أظهر أن نحو واحد من كل خمسة أميركيين يقولون إنهم يرغبون في مغادرة الولايات المتحدة بشكل دائم إذا أتيحت الفرصة، وأن الدفعة الأكبر تأتي من النساء الأصغر سناً: 40 في المائة من النساء بين 15 و44 عاماً عبّرن عن رغبة في الانتقال الدائم إلى الخارج، مقابل 19 في المائة من الرجال في الفئة العمرية نفسها، مع مقارنة لافتة بأن النسبة لدى الشابات كانت أقل بكثير قبل عقد. وتنبّه «غالوب» إلى نقطة منهجية حاسمة: الاستطلاع يقيس «الرغبة» لا «الخطة» ولا «التنفيذ»، لكنه يكشف في الوقت نفسه عن أزمة ثقة عميقة لدى جيل كامل، وعن فجوة جندرية في الرضا عن المسار الأميركي.

هنا يظهر جانب من «الهجرة المعاكسة» لا يحتاج إلى «طائرة»: انسحاب نفسي من فكرة المستقبل الأميركي لدى فئات ترى أن معارك الداخل، على الأمان والحقوق والتعليم، لم تعد هامشية، بل باتت تحدد شكل الحياة اليومية. وهذا الانسحاب النفسي، حتى لو لم يتحول إلى انتقال فعلي لدى الأغلبية، يترك أثراً سياسياً واقتصادياً طويل المدى: من أين يخطط الناس لبناء حياتهم؟ وأين يريدون تربية أطفالهم؟ وأي مجتمع يثقون به؟

مارة يعبرون الطريق في تايمز سكوير بمدينة نيويورك (شاترستوك)

الأرقام الصلبة عن أميركا

حين تُذكر «الهجرة المعاكسة» في النقاش العام، يسهل الانزلاق إلى صورة درامية: أميركيون يرحلون بالملايين. لكن ما تقوله البيانات الأحدث هو أن القصة الديمغرافية الأهم في 2025–2026 ترتبط بانخفاض الهجرة إلى الولايات المتحدة، وتراجع صافي الهجرة الدولية بصورة حادة مقارنة بالعام السابق.

في يناير (كانون الثاني) 2026، نشر مكتب الإحصاء الأميركي تدوينة تحليلية عن تقديرات السكان تُظهر أن صافي الهجرة الدولية بلغ ذروة عند 2.7 مليون في 2024 ثم انخفض إلى 1.3 مليون في 2025، مع توقعات بأن يتراجع أكثر إذا استمرت الاتجاهات. ويضيف مكتب الإحصاء نقطة قد تُستخدم في غير محلها: الانخفاض الكبير نتج من تراجع الهجرة إلى الداخل وارتفاع الهجرة إلى الخارج معاً، لكن ذلك لا يعني تلقائياً «هروب مواطنين» بقدر ما يعكس تغيّرات أوسع في تدفقات السكان، بما فيها تشدد السياسات وتبدل سلوك الهجرة عموماً.

وفي قراءة أكثر تفصيلاً، تشير ورقة محدثة من معهد «بروكينغز» (يناير 2026) إلى أن صافي الهجرة في 2025 كان على الأرجح قريباً من الصفر أو سلبياً للمرة الأولى منذ نصف قرن على الأقل، ضمن نطاق تقديري بين 295 ألفاً و10 آلاف، مع توقعات بأن يبقى ضعيفاً في 2026. الورقة نفسها تعترف بتزايد عدم اليقين بسبب تراجع الشفافية في بعض البيانات، لكنها تؤكد الاتجاه العام: التغيير الأكبر هو في ميزان الداخلين والخارجين ككل، لا في «رحيل الأميركيين» وحده.

أهمية هذا التفصيل أن «الهجرة المعاكسة» تُطرح أحياناً كدليل على تراجع جاذبية أميركا، بينما الأثر الاقتصادي المباشر لتراجع صافي الهجرة يظهر غالباً عبر قنوات أخرى: نقص اليد العاملة في قطاعات محددة، وتباطؤ في نمو السكان في ولايات كبرى، وضغط على النمو والاستهلاك. وفي تحليل نشرته مؤسسة «بارونز» استناداً إلى نمذجة اقتصادية، أشار إلى أن تباطؤ نمو السكان بين 2024 و2025 يمكن أن يرتبط بخسائر اقتصادية كبيرة، مع ربط واضح بين التراجع الحاد في صافي الهجرة الدولية وبين خسارة وظائف وعائدات اقتصادية، حتى مع وجود نقاش بين الباحثين حول حجم الأثر النهائي.

بهذا المعنى، فإن العام الأول من الولاية الثانية لا يمكن اختزاله في «الناس تغادر»، بل في «أميركا تقلل الداخلين»، وهو تحوّل يغيّر تركيبة سوق العمل والجامعات والابتكار، ويعيد رسم علاقة الولايات المتحدة بالعالم ليس فقط عبر التجارة والأمن، بل عبر البشر أنفسهم.

متظاهرون ضد «أيس» بمدينة روتشستر في ولاية نيويورك (غيتي)

الجامعات العريقة في خط النار

إذا كان ملف الضرائب والأمان المجتمعي يُغذي رغبة الرحيل لدى العائلات والأفراد، فإن ملف الجامعات يفتح باباً مختلفاً: باب «هجرة العقول» وتآكل القوة الناعمة. فمنذ الاحتجاجات الواسعة في الجامعات الأميركية على خلفية حرب غزة، اتخذت المواجهة بين الإدارة الفيدرالية وبعض المؤسسات الأكاديمية الكبرى طابعاً أكثر خشونة، امتزج فيه الأمن الجامعي بالتمويل الفيدرالي وبالتحقيقات وبالخطاب السياسي حول «معاداة السامية» وحدود الاحتجاج.

في مارس (آذار) 2025، حذّر المجلس الأميركي للتعليم من قرار إلغاء 400 مليون دولار من منح وعقود فيدرالية لجامعة كولومبيا، واعتبرته سابقة خطرة تقوض الأبحاث وتلتف على العمليات القانونية المعتادة، في إشارة إلى أن التمويل بات يُستخدم كأداة ضغط سياسية يمكن أن تمتد آثارها إلى مجالات علمية وطبية لا علاقة مباشرة لها بالسجال السياسي.

ثم جاء يوليو (تموز) 2025 ليؤكد أن نموذج «العصا والجزرة» ليس نظرياً، حين توصلت جامعة كولومبيا إلى اتفاق مع الحكومة لإعادة التمويل البحثي، تضمن دفع أكثر من 220 مليون دولار، بينما قالت «رويترز» إن البيت الأبيض رأى في الاتفاق نموذجاً يمكن تكراره، في حين حذّر منتقدون من أن ذلك قد يفتح الباب لتدخلات أوسع في الحوكمة الجامعية.

أهمية هذه المعركة في سياق «الهجرة المعاكسة» أنها تمس أحد أعمدة الجاذبية الأميركية التاريخية: الجامعة بوصفها مصنعاً للنخب العالمية وحاضنة للبحث والابتكار. حين تتحول الجامعة إلى ساحة صدام مالي - سياسي، وحين يشعر الأكاديمي أو الطالب أن الحرم الجامعي بات تحت ضغط دائم، يرتفع احتمال التفكير في بيئات أخرى أقل تقلباً، حتى لو لم تكن أكثر بريقاً. وفي حالات كثيرة، لا تكون النتيجة «هجرة فورية»، بل تراجع تدريجي في قدرة الولايات المتحدة على اجتذاب أفضل الباحثين والطلاب الأجانب، وهو ما يلتقي مع ملف التأشيرات والتنافس التكنولوجي.

والأمر لا يقف عند كولومبيا. هذا الشهر رفعت وزارة العدل الأميركية دعوى ضد جامعة «هارفارد» تتهمها بعدم الامتثال لتحقيق فيدرالي بشأن سجلات القبول. وتقول الوزارة إن الدعوى تهدف إلى إجبار الجامعة على تسليم وثائق تتعلق بأي اعتبار للعرق في القبول، من دون اتهامها بتمييز فعلي. وحظيت القضية بتغطية إعلامية واسعة، ما يعكس اتساع نطاق المواجهة إلى ملفات القبول والحوكمة وسياسات التنوع، بالتوازي مع ملفات الاحتجاجات.

هنا يتشكل لدى جزء من الرأي العام الأكاديمي شعور بأن «المعركة» لم تعد حادثاً مرتبطاً بغزة وحدها، بل جزءاً من مواجهة أوسع مع المؤسسات التي تُوصف تقليدياً بأنها «نخبوية». وفي مثل هذه الأجواء، يصبح التفكير في الانتقال أو على الأقل في «تدويل» المسار المهني خياراً عقلانياً لدى بعض الأكاديميين، لا لأن أميركا فقدت ميزاتها العلمية، بل لأن تكلفة عدم اليقين ارتفعت، ولأن السياسة دخلت بحدة إلى التمويل والقبول والحوكمة.

تلامذة ترافقهم الشرطة لدخول مدرستهم بعد حادثة إطلاق نار أودت بحياة زملائهم في ولاية كاليفورنيا (أ.ب)

أوروبا تلتقط حرب التنافس مع الصين

الخط الأكثر حساسية في قصة «الهجرة المعاكسة» لا يتعلق بمن يغادر من الأميركيين، بل بمن لا يأتي إلى الولايات المتحدة، خصوصاً في مجال التعليم العالي والتكنولوجيا. فالتنافس التكنولوجي مع الصين لا يدور حول المصانع وحدها، بل حول المختبرات، والمهارات، والطلاب، والباحثين. وفي هذا السياق، يصبح ملف الطلاب الأجانب جزءاً من «حرب مواهب» عالمية، حيث تسعى الدول إلى اجتذاب العقول أو منع خصومها من الوصول إلى المعرفة.

على مستوى البيانات، أظهر تقرير معهد التعليم الدولي أن إجمالي الطلاب الدوليين في الولايات المتحدة تراجع 1 في المائة في العام الأكاديمي 2025-2026، لكن الأهم كان في «النبض المستقبلي»: انخفاض بنسبة 17 في المائة في أعداد الطلاب الدوليين الجدد. كما قالت غالبية كبيرة من المؤسسات المشاركة إن مخاوف التأشيرات كانت العائق الأول أمام الطلاب. هذه الأرقام لا تعني انهياراً فورياً، لكنها تضيء على اتجاه قد يصبح مؤلماً إذا استمر؛ لأن «الجدد» هم من يحددون ما سيكون عليه الحضور الدولي بعد سنتين أو ثلاث.

مسافر ينتظر القطار في مدينة نيويورك (أ.ف.ب)

في الوقت نفسه، اتخذت واشنطن خطوات أكثر صرامة تجاه الطلاب الصينيين. في مايو (أيار) 2025، قالت الخارجية الأميركية إنها ستعمل على «إلغاء التأشيرات بشكل هجومي» لفئات من الطلاب الصينيين، خصوصاً من لديهم صلات بالحزب الشيوعي أو يدرسون في «مجالات حرجة»، مع تشديد التدقيق على طلبات مستقبلية. وغطّت تقارير إعلامية هذه السياسة في سياق تحذير من «استغلال» الجامعات وسرقة أبحاث، بينما أشارت أخرى إلى أن الخطوة أثارت قلقاً واسعاً في الجامعات وبين الطلاب، في وقت تعتمد فيه مؤسسات كثيرة على الرسوم التي يدفعها طلاب دوليون.

هنا تتشابك خيوط القصة: تشدد التأشيرات والتنافس مع الصين يقللان من تدفق طلاب وباحثين، ومعارك الإدارة مع الجامعات على خلفية احتجاجات غزة تزيد شعور عدم اليقين داخل الحرم، فتجد دول أخرى فرصة لتقديم نفسها كبدائل «أهدأ» أو «أوضح قواعد». وليس صدفة أن تبرز وجهات أوروبية بعينها كهولندا وبريطانيا والبرتغال في خطاب الانتقال الأميركي، لا سيما أن بعضها يجمع بين جودة حياة وإمكانية قانونية قابلة للتطبيق.

في هولندا مثلاً، نقلت تقارير إعلامية محلية، استناداً إلى بيانات دائرة الهجرة، أن نحو 7 آلاف أميركي تقدموا خلال 2025 بطلبات تتعلق بتصاريح عمل أو دراسة أو لمّ شمل، وهو أعلى مستوى منذ عقد على الأقل، مع ارتفاع لافت في استخدام مسار «معاهدة الصداقة الهولندية - الأميركية» الذي يتيح للأميركي تأسيس نشاط تجاري برأسمال متواضع نسبياً. هذه ليست أرقاماً ضخمة قياساً بحجم الولايات المتحدة، لكنها كافية لإظهار أن «الخطة ب» تتحول إلى سلوك عند شريحة محددة قادرة على الحركة.

وفي المملكة المتحدة، لا يظهر المؤشر في سجلات الهجرة فقط، بل في سوق العقار. شركة «رايت موف» البريطانية قالت إن الاستفسارات من الولايات المتحدة حول منازل معروضة للبيع في بريطانيا ارتفعت 19 في المائة عن العام السابق، وهو أعلى مستوى منذ 2017، مع ملاحظة أن جزءاً كبيراً من الطلب يتركز على وحدات صغيرة، بما يوحي بأن الأمر غالباً استثمار أو منزل ثانٍ أكثر من كونه انتقالاً نهائياً لعائلات كبيرة.

أما البرتغال، فتبقى جذابة كنموذج «جودة حياة» وتكاليف أدنى نسبياً لبعض الفئات. لكنّها تقدم في الوقت نفسه درساً على أن أوروبا ليست بوفيهاً مفتوحاً. ونقلت وكالة «رويترز» في يونيو (حزيران) 2025 أن الحكومة البرتغالية اتجهت إلى تشديد قواعد التجنيس ولمّ الشمل ورفع مدة الإقامة المطلوبة لمعظم الأجانب قبل طلب الجنسية، تحت ضغط سياسي داخلي متصاعد حول الهجرة؛ أي أن من يراهن على استقرار طويل الأمد يجد أن القواعد يمكن أن تتغير بسرعة، وأن «الوجهة» ليست وعداً ثابتاً.

أحد المحاربين القدامى يحمل لافتة كُتب عليها «المهاجرون يجعلوننا عظماء» رداً على إجراءات «أيس» في البلاد (رويترز)

ما الواقعي وما المبالغ؟

بهذا المعنى، لا تعني الوجهات الأوروبية أن أميركا فقدت هيمنتها. العكس: كثير من حركة «الهجرة المعاكسة» لدى الأثرياء والمهنيين تعكس منطق إدارة المخاطر داخل اقتصاد عالمي تقوده الولايات المتحدة. فالأميركي الذي يشتري منزلاً في لندن أو يفتح باب إقامة في أمستردام لا يقطع علاقته بالهيمنة الأميركية، بل يستخدم مزاياها: الدخل، ورأس المال، والعمل عن بعد، لبناء خيار إضافي خارج المجال السياسي الداخلي. إنها مفارقة «الهيمنة»: القوة التي تمنح فرصاً هائلة هي نفسها التي تجعل السياسة داخلها أكثر صخباً وتأثيراً في حياة الفرد، فتدفع بعضه إلى توزيع حياته على أكثر من جغرافيا.

في النهاية، تبدو «الهجرة المعاكسة» أقل اتساعاً مما يوحي به ضجيجها، لكنها أكثر دلالة مما يريد البعض الاعتراف به. ليست موجة نزوح جماعي، بل تيار نوعي يقوم على ثلاث طبقات: رغبة متزايدة في الرحيل لدى فئات محددة، وخطوات عملية لبناء مخارج قانونية ومالية، وتحوّل ديمغرافي أكبر يتمثل في تراجع الداخلين إلى الولايات المتحدة. وبين هذه الطبقات تتشكل صورة بلد يزداد نفوذاً في الخارج، لكنه يخوض في الداخل معارك متزامنة على الهوية والأمان والمعرفة، وهي معارك تكفي وحدها لإنتاج سؤال الرحيل، حتى إن بقي، في معظم الأحيان، «خطة ب» أكثر منه قراراً نهائياً.


حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.

*صحافي وأكاديمي لبناني