جمهورية محمود الجوهري الأولى

جمهورية محمود الجوهري الأولى

مدرب مصري وطني قاد ثورة رياضية لتبلغ بلاده المونديال في أخر ظهور لها قبل 2018
الأربعاء - 30 شهر رمضان 1439 هـ - 13 يونيو 2018 مـ

قاعات المغادرة في مطار جدة عادة ما تبدو ضئيلة الحجم ، وكأنها تقيم مراسم توديع خجولة للراحلين عنها ، كانت تبدو في صيف ١٩٨٨ أكثر ضيقاً، شبه فارغة ، فكل المواسم المهمة لم تأت بعد ، وكل مواسم الماضي قد فاتت ، العشر الأيام الأخيرة من رمضان ، الأعياد ، المدارس ، دوري وكأس المملكة ، قاعات المغادرة تبدو أكثر ضيقاً بدون تدخين ، مستعيناً بعلكة فقط ، ولكنها لا تعوض عملية الغسيل الداخلي التي يقوم بها النيكوتين لكل شكوك اليوم السابق ، الشهر الفائت ، أو الموسم الفاشل ، ومع سن الخمسين تبدو قاعات المغادرة أضيق ، ومع سن الخمسين وهو مجبر على البدء من السفر مجدداً تصبح القاعات كقبو انتظار تمهيداً لتنفيذ الأحكام على الشخص المدان ، العلكات لا يمكنها أن تنقذ محمود الجوهري من سماع أصوات المطالبة بالرحيل القادمة من مدرجات مشجعي اتحاد جدة ، وأًصوات الاحتفاء بأسماء منتخب هولندا بطل أوروبا القادمة من أجهزة تلفاز في مكاتب موظفي المطار شبه الفارغة ، في قاعات المغادرة كثير من النهايات وحفنة قليلة من البدايات.

في قلب نهاية مشوار الجوهري في جدة كانت النهايات في ١٩٨٨ تبدو عاصفة ، نهاية حرب الخليج الأولى ، نهايات مقاومة أنظمة الكتلة الشرقية في أوروبا ، نهاية سطوة أندية الكرة المصرية على بطولات الأندية الأفريقية خلال حقبة الثمانينات كلها ، نهاية عصر الممالك الفردية برحيل الخطيب وفاروق جعفر ومصطفى عبده وابراهيم يوسف ومحمد حازم ومحمد صلاح (ظهير الزمالك). كل العلامات تشير إلى سفح جبل سيزيف بالنسبة لمدير فني عائد إلى وطن رحل عنه ملفوظاً في آخر مرة قبلها بثلاث سنوات في أعقاب تمرد حمل اسمه في النادي الأهلي ، في ما يعتقد بأنها أبرز حركة احتجاجية نفذها لاعبون مصريون من أجل مدربهم في تاريخ الكرة المصرية. كهل سيقضي عامه الخمسين في قاهرة تشهد عمليات لفصيل ”الناجون من النار“ ، قاهرة يغزو مزاجها اليومي أغنية لولاكي ، وتبحث عن مدير فني جديد لمنتخب وطني يهرب من تولي تدريبه الجميع ، فيما يتوقع بأن القادم سيكون لواحد من أكثر أجيال الكرة المصرية تواضعاً في المستوى الفني.

كل ما أعقب الفشل في اتحاد جدة كان أشبه بثورة ثقافية تتجاوز المباريات التي تقام بين طياتها ، كانت أشبه بمشروع الجوهري الذي رغب في تطبيقه منذ توليه فريق الأمل في براعم النادي الأهلي في مطلع السبعينات ، انتقام لكل تنكيل تعرض له كل مدير فني مصري للمنتخب على مدار العقدين السابقين ، آخرهم عبده صالح الوحش الذي عانى الأمرين من عشوائية اتحاد اللعبة وقتها ، وألعاب القوة والنفوذ التي كان عليه خوضها ضد سطوة الأهلي والزمالك والنجومية الطاغية للأسماء الرنانة. ”وصول“ الجوهري إلى المنتخب المصير كان أشبه برحالة وصل إلى جزيرة قاحلة ليجعل منها جمهوريات خاصة ، الفارق الوحيد بينها وبين امبراطوريات روبنسون كروزو ، أن الجوهري أحدث ثورة حقيقية في الثقافة اليومية للمصريين على مدار عامين.


أسس قيام الجمهورية

النظام الغذائي الصارم ، الأحمال البدنية القاسية ، المعسكرات طويلة الأجل ، توزيع الأدوار الفنية والإدارية بين اللاعبين الكبار والشباب ، برامج الإعداد المستقبلية ل١٠ مباريات تالية مع فرق آسيوية وأوروبية ، إلغاء لعبة التوازنات بين الأهلي والزمالك ، الإفراط في البعد القومي للفريق ، استقدام لاعبي الفرق الأقل شأنا في المحيط المحلي وربما تغيير مراكزهم ، الاستعانة بهشام عبد الرسول من المنيا وأحمد الكاس من الأوليمبي في التشكيلة الأساسية رغم سابق خبرتهما في القسم الثاني مع أنديتهما ، أسماء مثل خالد عيد ، ياسر فاروق ، فوزي جمال ، استقدام مراهق لا يلعب أساسياً مع الأهلي مثل هاني رمزي ، ليصبح ليبرو الفريق ، فهم نموذجي لنجاح طريقة ٥ - ٣ - ٢ بمشتقاتها برفقة الألماني ديتريتش فايتسا مع الأهلي ، وابل من التفاصيل التي أرسى بها الجوهري جمهوريته الخاصة ”الأولى“.

إلا أن الفارق الحقيقي الذي صنعته تلك الجمهورية كان في الثقافة الشعبية لجمهور مصري، كان فقد ثقته تماماً في أي مجموعة تسمي نفسها منتخباً ، لا سيما بعد الفشل أمام تونس في التأهل لألعاب سول الأوليمبية ومن قبلها كأس الأمم الأفريقية في المغرب. مصطلحات مثل ”الارتداد الدفاعي“ أو ”تنفيذ الواجبات الهجومية“ أضحت جزءاً من القاموس الذي يتخذه جمهور الكرة المصري منذ تولي الجوهري مهمة قيادة الفريق ، إلا أن التأثير الأكبر لذلك الكهل بتدخينه الشره كان في استخدام البطاقة النفسية في التعامل مع فريقه وجماهيره ، مجموعة من الألعاب الذهنية التحفيزية المتواصلة ، تجعل منه الشخصية الاستحواذية الأهم في المجال العام المصري خلال الخمسين العام الماضية ، والتي جعلت من لاعبيه جنود شطرنج على قدر كبير من المرونة لم تعده الملاعب من قبل ، جعلت منه أول شخصية غير سياسية عقب ثورة ١٩٥٢ تحظى بهتاف شعبي جماعي خاص ، وأعطته دفعات هامة لاتخاذ قرارات سياسية هامة ، مثل عدم المشاركة بالمنتخب الأول في كأس أمم أفريقيا ١٩٩٠ ، أو إلغاء ما تبقى من موسم ٨٩ - ٩٠ ، وتسخير نصف عام كامل للتحضير لكأس العالم.

كل ما يتعلق بحمهورية الجوهري الأولى له علاقة بالرحلة وليس بالمقصد ، رحلة لا تخلو من كسر القوالب ، مثل النجاح في التعامل مع فرق الشمال الأفريقي ، صلابة الدفاع (ميزة لم تتمتع بها الفرق المصرية على مدار تاريخها) ، التماسك البدني لنحو عام كامل من التصفيات (وهو أمر لم يكن مسبوقاً أيضاً لدي المنتخبات المصرية).


نظام دفاعي صارم

رحلة لا تخلو من صناعة أساطير مثل أنه مدرب دفاعي صارم (الرجاء العودة لشريط أفضل ثلاث مباربات على المستوى الهجومي في تلك الحقبة: الجزائر ذهاباً في قسنطينية - كولومبيا ودياً - هولندا في كأس العالم) ، أساطير عن ما كان سيفعله هشام عبد الرسول (هداف التصفيات) لو لم يكن ضحية حادث سيارة مريع عقب التأهل ب٤٠ يوماً فقط؟ ما هو مصير المنتخب في كأس العالم لو كانت العلاقة أقل توتراً بين الجوهري وتلميذ عمره طاهر أبو زيد؟ عن ما يمكن أن يحدث لو كان جمال عبد الحميد قد نجح في تسجيل التعادل من مسافة ستة امتار في مرمى شيلتون في مباراة انجلترا الأخيرة؟ (في حال تسجيله كان سيتم اللجوء للمرة الأولى في تاريخ كأس العالم إلى القرعة بين فرق المجموعة الأربعة مع إنجلترا - هولندا - إيرلندا لتحديد المتأهل إلى الدور الثاني). ما الذي كان سيحدث لو لم يسقط المطر في مباراة الخسارة ودياً بالستة في أكتوبر ١٩٩٠ أمام اليونان ، ماذا كان سيحدث لو لم يمثل مجمود الجوهري أمام مجلس الشعب بتهمة إهدار المال العام ، وتشويه صورة مصر في ديسمبر من العام نفسه؟

جمهورية الجوهري الأولى لا تتعلق فقط بتخطي الجزائر أو الفوز ودياً على اسكتلندا وتشيكوسلوفاكيا والتعادل مع هولندا وإيرلندا ، أكثر من تعلقها ببلد كامل تغيرت ثقافته خلال تلك الفترة ، وكأنه استعاد مذاق شراب ما لم يمكن له تذوقه طيلة عمره ، الرعاة ، وكالات الإعلان ، مكافآت صاحب هدف التأهل ، دويلات مجلتي الأهرام الرياضي وأخبار الرياضة ، كاريكاتير الرسام شريف عليش بتصوير المعلقين بكر والجويني في أزياء ريا وسكينة ، تطبيق نظام العقود الاحترافية بين اللاعبين والأندية ، كل قصص حسام وإبراهيم حسن المثيرة للعقدين التاليين ، ومعه جيل كامل من المؤسسات المتنقلة التابعة لجيل ٩٠ ، كتب كاملة من عصائر النوستالجيا التي تم تقديمها بشكل دوري لجمهور عاشر الإحباط ، كل اعلانات مجدي عبد الغني الابتزازية.

إنها جمهورية كاملة أجهزت على ما سبقها ، صنعت إمبراطوريات خلفها وعصفت بحياة أطرافها- سلباً او إيجاباً، ولكنها لم تترك حياة المصريين نفسها ، الجوهري نفسه لم يصبح مدرباً ، بل كما وصفه الكاتب الإنجليزي ستيف بلومفيلد في كتابه ”أفريكا يوناتيد“ بانه أصبح مثل الأب السكير ، الذي يثير ضحكنا وامتعاضنا أو خوفنا ، ولكننا لا نتوقف عن حبه دوماً ، أو إعادة انتاجه دون كلل. الجوهري ترك قاعات المغادرة في مطار جدة خلفه ، كل أصوات منتخب هولندا التي سمعها من المكاتب المفتوحة هناك ، ليصل في رحلته إلى نهاية العالم ، وهو المقصد الذي لا يحوي النهايات السعيدة دوماً.

————————————————————————————-
”هل تقومون بالاحتفال بي الآن؟ من الصعب ان أنضم إليكم فقد قمتم بتعليق المشانق لي ثلاث مرات من قبل“.

*محمود الجوهري في المؤتمر الصحفي الذي أعقب فوز منتخب مصر على الجزائر ٥ - ٢ في تصفيات كأس العالم ٢٠٠٢ ، في الحقبة الرابعة والأخيرة التي تولى فيها قيادة المنتخب خلال أقل من ١٥ عاماً.


مصر كأس العالم

أخبار ذات صلة



الوسائط المتعددة