إيطاليا تقدم سفناً لمساعدة 629 مهاجراً في الوصول إلى البر الإسباني

قسم من المهاجرين تقلهم سفينة لحرس السواحل الإيطالي سترافق السفينة «إكواريوس» إلى فالنسيا في إسبانيا حسب الخطة التي سلمها مركز التنسيق في روما لمنظمة «إس أو إس المتوسط» (أ.ب)
قسم من المهاجرين تقلهم سفينة لحرس السواحل الإيطالي سترافق السفينة «إكواريوس» إلى فالنسيا في إسبانيا حسب الخطة التي سلمها مركز التنسيق في روما لمنظمة «إس أو إس المتوسط» (أ.ب)
TT

إيطاليا تقدم سفناً لمساعدة 629 مهاجراً في الوصول إلى البر الإسباني

قسم من المهاجرين تقلهم سفينة لحرس السواحل الإيطالي سترافق السفينة «إكواريوس» إلى فالنسيا في إسبانيا حسب الخطة التي سلمها مركز التنسيق في روما لمنظمة «إس أو إس المتوسط» (أ.ب)
قسم من المهاجرين تقلهم سفينة لحرس السواحل الإيطالي سترافق السفينة «إكواريوس» إلى فالنسيا في إسبانيا حسب الخطة التي سلمها مركز التنسيق في روما لمنظمة «إس أو إس المتوسط» (أ.ب)

بعد 36 ساعة ساد خلالها غموض حول مصير 629 مهاجراً أنقذتهم قبالة سواحل ليبيا السفينة إكواريوس، اقترح المسؤولون في كورسيكا، الجزيرة الفرنسية في البحر المتوسط، صباح أمس (الثلاثاء) استقبال السفينة، قبل أن تكشف السلطات الإيطالية خطة جديدة.
إذ سيتمكن هؤلاء من الوصول أخيراً إلى إسبانيا بمساعدة سفينتين إيطاليتين، ويمكن أن ينهي هذا الحل خلافاً بدأ في نهاية الأسبوع بين إيطاليا ومالطة. وسينقل قسم من المهاجرين إلى سفينة لحرس السواحل الإيطاليين وأخرى للبحرية الإيطالية، على أن ترافقا إكواريوس إلى فالنسيا في إسبانيا، كما تفيد الخطة التي سلمها في وقت مبكر صباح أمس (الثلاثاء) مركز التنسيق في روما لمنظمة «إس أو إس المتوسط»، كما قالت لوكالة الصحافة الفرنسية لورا غارل المتحدثة باسم المنظمة الفرنسية غير الحكومية في مارسيليا. وأضافت: «لا تتوافر لنا معلومات بعد عن موعد الانطلاق»، موضحة أن السفر من السواحل المالطية إلى فالنسيا يستغرق «على الأقل 3 أيام من الملاحة» لاجتياز 1300 كلم. وفي صباح أمس (الثلاثاء)، زودت إكواريوس بالوقود بواسطة سفينة إيطالية.
وفي مدريد، بعد 10 أيام من وصوله إلى الحكم، أعلن الاشتراكي بيدرو سانشيز، أن من واجب إسبانيا الوفاء بـ«التزاماتها الدولية على صعيد الأزمة الإنسانية». وكتب الاثنين على «تويتر»: «أصدرت تعليمات حتى تستضيف إسبانيا السفينة إكواريوس في مرفأ فالنسيا» (شرق).
وشدد وزير الخارجية الإسباني الجديد جوزيب بوريل على «ضرورة أن يواجه الأوروبيون... بطريقة متضامنة ومنسقة مشكلة تعني الجميع، وليست طوال عام مشكلة اليونان، وفي السنة التالية مشكلة إيطاليا». وأضاف أن «إيطاليا استقبلت عدداً كبيراً من المهاجرين، ولم يحصل حتى الآن ما يكفي من التضامن من جانب البلدان الأوروبية الأخرى». وشكر رئيس الوزراء المالطي جوزف موسكات مدريد أمس (الثلاثاء). واتهمت إيطاليا التي وصل نحو 700 ألف مهاجر إلى شواطئها منذ 2013، الأوروبيين بغض الطرف وتركها وحيدة في مواجهة أزمة الهجرة.
وكانت «إس أو إس المتوسط» رفضت الاثنين في مرحلة أولى الاقتراح الإسباني. والسفينة التي يمكنها نقل 500 مسافر، واجهت على الأرجح صعوبة كما يقول المسؤولون عنها جراء أمواج يفوق ارتفاعها مترين، وعلى متنها هذا العدد من الأشخاص، الذي يفوق قدرة استيعابها.
وكان وزير الداخلية الإيطالي الجديد ماتيو سالفيني، عميد حزب الرابطة اليميني المتطرف أكد من جانبه مساء الاثنين، أن إكواريوس ستنطلق «في أقرب وقت». وكان سالفيني قام بحملة قبل الانتخابات التشريعية حول موضوع إقفال الحدود أمام المهاجرين، متعهداً القيام بكل ما في وسعه في حال انتخابه لمنع هذه العمليات، خصوصاً عندما تقوم بها منظمات غير حكومية تنشط قبالة سواحل ليبيا. وقال على «تويتر» إن «إنقاذ حياة أشخاص واجب، و(لكن) كلا لتحويل إيطاليا إلى معسكر كبير للاجئين. إيطاليا لن تنصاع بعد اليوم، وهذه المرة، ثمة من يقول لا».
وبغض النظر عن اقتراح السلطات الكورسيكية، لم تتخذ فرنسا رسمياً موقفاً من هذا الجدال. ورداً على سؤال صباح الثلاثاء، رأى جان - باتيست ليموين سكرتير الدولة لدى وزارة أوروبا والشؤون الخارجية، أن موقف رئيس السلطة التنفيذية الكورسيكية جيل سيموني «سهل»، ما دام أنه «لا يتحمل المسؤولية». وأضاف في مقابلة إذاعية: «ماذا يقول القانون الدولي؟ يجب الذهاب نحو أكثر المرافئ أماناً وقرباً. ونرى أن كورسيكا ليست المرفأ الأكثر أماناً والأقرب». وتابع أن «فرنسا تأخذ أكثر من حصتها، بمعنى أنها تعمل على المسرح الليبي لتثبيت الوضع، وهذا يعني أننا ملتزمون باستقبال 10 آلاف شخص خلال 3 سنوات مؤهلين للحصول على اللجوء... لتجنيبهم محنة الموت هذه».
ومن جانب آخر، أطلقت اللجنة الدولية حول الأشخاص المفقودين مبادرة مع مندوبين من إيطاليا ومالطة واليونان وقبرص، لإحصاء المهاجرين المفقودين في البحر المتوسط. وقالت كاثرين بومبربر، المديرة العامة للجنة الدولية: «إنها المرة الأولى في التاريخ التي توحد فيها حكومات جهودها حول هذا الملف». وأضافت أن «بلداً واحداً غير قادر على التعامل مع هذه المشكلة، نظراً لضخامة المشكلة وحجمها، ولأن المهاجرين يختفون في كل أنحاء البحر المتوسط». وأوضحت بومبربر: «لذلك من المهم فعلاً أن تتعاون الحكومات لإحصاء هؤلاء المفقودين، وأن تقوم أيضاً بواجباتها القانونية على صعيد التحقيق حول مصير هؤلاء المفقودين». واعترفت المسؤولة بأن الأرقام المتوافرة لديها قليلة اليوم. وقالت: «نعرف على سبيل المثال أن إيطاليا عثرت في العقد الأخير على 8 آلاف مهاجر في البحر، البحر المتوسط الذي يتحول إلى مقبرة جماعية».
وأشار المشاركون في اجتماع روما في بيان، كما نقلت عنه الصحافة الفرنسية، إلى أن نحو 27 ألف مهاجر اختفوا على الأرجح في العالم منذ 2014، منهم 16 ألفاً في البحر المتوسط. وقضى أكثر من 3 آلاف مهاجر في البحر في 2017، و600 حتى الآن هذه السنة. ولا يمكن تحديد أماكن وجود عدد كبير من الأطفال بعد وصولهم إلى أوروبا.
وقالت المديرة العامة للجنة الدولية للمفقودين إن «من المهم ألا نسيس هذه العملية وأن نعمل معاً لإيجاد حلول عملية».
واللجنة هي منظمة بين الحكومات أنشئت بعد حروب التسعينات في يوغوسلافيا السابقة، وأسهمت في كشف هويات نحو 70 في المائة من 40 ألف شخص اعتبروا مفقودين في البلقان بسبب النزاعات. وانتقلت اللجنة منذ ذلك الحين من ساراييفو إلى لاهاي، وتناول عملها أيضاً قضية المفقودين في العراق وسوريا وكولومبيا.


مقالات ذات صلة

ميرتس يعلن في مؤتمر صحافي مع الشرع سعيه لإعادة 80% من اللاجئين السوريين

المشرق العربي لقاء الرئيس أحمد الشرع والمستشار الاتحادي الألماني فريدريش ميرتس في مقر المستشارية الاتحادية الألمانية (سانا)

ميرتس يعلن في مؤتمر صحافي مع الشرع سعيه لإعادة 80% من اللاجئين السوريين

أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس، اليوم الاثنين، خلال زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع أنه يسعى إلى إعادة 80% من السوريين المقيمين في ألمانيا.

«الشرق الأوسط» (برلين) «الشرق الأوسط» (برلين - لندن)
أوروبا الرئيس الألماني فرنك-فالتر شتاينماير يستقبل الرئيس السوري أحمد الشرع أمام قصر بيلفيو في برلين (أ.ب)

ميرتس: برلين ودمشق تتعاونان في ملف إعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم

يُجري الرئيس السوري أحمد الشرع، اليوم، لقاءات مع مسؤولين ألمان، في أول زيارة لهذا البلد، لبحث حرب الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (برلين)
شمال افريقيا حفتر خلال استقبال وزير الخارجية اليوناني في بنغازي السبت (إعلام القيادة العامة)

ليبيا: «الهجرة غير النظامية» تتصدر محادثات حفتر ووزير خارجية اليونان

تصدر ملف الهجرة غير النظامية محادثات قائد «الجيش الوطني» في شرق ليبيا المشير خليفة حفتر مع وزير الخارجية اليوناني جورج جيرابيتريتيس، السبت.

خالد محمود (القاهرة)
المشرق العربي خيام لنازحين من الجنوب اللبناني في وسط بيروت (رويترز)

مفوضية اللاجئين تحذر من «كارثة إنسانية» في لبنان بسبب حرب الشرق الأوسط

حذرت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة، اليوم الجمعة، من أن لبنان يواجه أزمة إنسانية متفاقمة تنذر بالتحول إلى كارثة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شؤون إقليمية موظفون يفرِّغون شحنة مساعدات مقدَّمة من صندوق الأمم المتحدة للسكان ومنظمة الصحة العالمية بمطار بيروت الدولي بلبنان 23 مارس 2026 (إ.ب.أ)

حرب إيران تُعقّد مسارات الإمداد الطبي الطارئ لمنظمة الصحة العالمية

قال مسؤول إن منظمة الصحة العالمية تعمل على إيجاد طرق بديلة لنقل الإمدادات الطبية الطارئة من مركزها في دبي إلى مناطق الأزمات، مثل لبنان، عبر رحلات برية طويلة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».