إعلانات تلفزيونية تبرز {تمييزاً طبقياً} في مصر

إعلانات تلفزيونية تبرز {تمييزاً طبقياً} في مصر

الثلاثاء - 29 شهر رمضان 1439 هـ - 12 يونيو 2018 مـ رقم العدد [ 14441]
القاهرة: محمود هاشم
أبرزت الإعلانات التلفزيونية في مصر خصوصاً في شهر رمضان، تمييزاً طبقياً في مصر، بين إعلانات المجمعات السكنية الفاخرة، وبين إعلانات التبرع للمستشفيات ومؤسسات المجتمع المدني المعنية بمساعدة الفقراء والمرضى. وارتفع حجم السوق الإعلانية في مصر بشكل ملحوظ هذا العام عن الموسم الماضي، ولوحظ أنه لم يعد يُرَكز بشكل كبير على الأغذية، التي انتهي موسمها مع بداية الشهر الكريم، بعدما اشترت الأسر معظم احتياجاتها، ومهّد ذلك الطريق أمام ظهور نوعين من الإعلانات بكثافة، هما إعلانات «الكومباوند» وإعلانات «التبرعات».
وامتلأت الشاشة في الأسبوعيين الماضيين بالعديد من هذه الأمثلة، فأطلقت مؤسسات «57357»، و«500500»، و«مركز مجدي يعقوب للقلب»، و«مصر الخير»، و«رسالة»، و«مستشفى أهل مصر»، و«بنك الطعام»، وغيرها، حملات إعلانية تدعو المشاهدين للتبرع لمساعدتها في أنشطتها، حتى باتت تتنافس فيما بينها على المشاهدين، أو (المتبرعين المحتملين)، مستعينين في الوقت نفسه بنجوم الفن وكرة القدم، نجومهم المفضلين، أو بأغانٍ مبهجة. وتعرضت تلك الإعلانات لانتقادات من رواد التواصل الاجتماعي، واصفين إياها بالبذخ والإسراف، داعين تلك المؤسسات إلى عدم إنفاق الملايين على الإعلانات، وتوفير تلك النفقات لاستكمال الإنشاءات وعلاج المرضى. وفق ما قاله شريف بديع، إعلامي وصحافي مصري على صفحته على موقع «فيسبوك».
جدير بالذكر أن معظم المؤسسات والهيئات المعلنة، أسندت فقراتها الإعلانية إلى وكالات إعلانية كبرى متخصصة في مصر، لضمان التعاطف مع المرضى أو المصابين أو الفقراء، إذ يعيش نحو 30% في مصر تحت خط الفقر حسب الإحصائيات الرسمية، الصادرة من جهاز التعبئة والإحصاء الحكومي.
وفي سياق متناقض، ظهرت بشكل لافت إعلانات المجمعات السكنية المعروفة في مصر باسم «كومباوند»، والتي تدعو المقتدرين في مصر، إلى السكن والإقامة في فيلات وشقق فاخرة، بملايين الجنيهات، وتسببت الفواصل الإعلانية خلال الحلقات الدرامية في إبراز هذا التناقض أو التمييز الطبقي وفق ما قاله متابعون. وحضر الفنانون ولاعبو الكرة بكثرة في تلك الإعلانات، فظهر اللاعب البرازيلي الشهير، نيمار في إعلان ترويجي لـ«كومباوند» في الساحل الشمالي، وماجد الكدواني ودنيا سمير غانم في سلسلة «فوازير» لمنتجع سكني، وهاني سلامة مروّجاً لأكبر مبنى سكني في العالم، وكذلك يسرا، هذا بخلاف إعلانات البنوك.
من جانبها أرجعت دينا فاروق، نائب مدير شركة «ميديا لاين للخدمات الإعلامية والإعلانية»، سبب انتشار هذه الفئة من الإعلانات إلى أن فترة الصيف تشهد ذروة الاستثمار في مجال العقارات لذا تنشط فيها حركة البيع، كما تحظى القنوات بنسب مشاهدات عالية خلال رمضان، ما يعد فرصة مواتية للتسويق للمنتج، في الوقت ذاته هي فرصة أيضاً لاستعطاف قلوب المشاهدين لإعلانات التبرعات، اعتماداً على كثرة أعمال الخير والزكاة والصدقات به، وزيادة عدد القنوات والشركات المنتجة يزيد المنافسة بينها، ما يجعلها تخرج بهذا الحجم أمام المشاهد. وحسبما توضح نائب مدير شركة «ميديا لاين»، يختلف سعر الإعلان من قناة إلى أخرى ومن معلن إلى آخر، حيث يحظى صاحب العقد المستمر بعروض تحفيزية وتخفيضات، خصوصاً في المواسم، بخلاف غيره، كما يتم التعامل مع مؤسسات التبرعات والجمعيات الخيرية بأسعار خاصة -وليست مجانية- تختلف عن معلني منتجات الأغذية أو الاتصالات على سبيل المثال، فتخفّّض النسبة لها بحجم معين حسب القناة والمؤسسة المعلنة، فالأمر خاضع بشكل أكبر لـ«النسبة والتناسب».
وخلال العام الحالي، أنفقت القنوات مئات الملايين من الجنيهات لشراء المسلسلات وعرضها خلال رمضان، بأسعار مستمرة في التضاعف خلال الأعوام الأخيرة، لا سيما مع ارتفاع أجور الممثلين، وتحرير سعر صرف الجنيه المصري، الأمر الذي أجبرها على زيادة مساحة الفواصل الإعلانية بشكل بات يثير انتباه الكثير من المشاهدين. فحسب المعدل العالمي، تأخذ الإعلانات ما يعادل 12 دقيقة كل ساعة، وهو ما يزيد بأضعاف هذا الوقت على الشاشات العربية، حسبما يوضح أستاذ التسويق في الجامعة الأميركية عمر قيس لـ«الشرق الأوسط».
ويرى قيس أن الإعلان في أساسه استثمار، لخلق طلب على السلعة، فإذا لم يأخذ حظه من المشاهدة، بسبب عزوف الجمهور عن القنوات بسبب الإفراط في الفواصل، لن تكون هناك فرص بيعية، ما يعني تحميل نفقته للمستهلك لتعويض خسارة صاحب المنتج، ما قد تنتج عنه أزمة تضخم، خصوصاً مع الإفراط الشديد في تقييم أجور الممثلين في ظل تهافت القنوات عليهم.
الإشكالية في الإعلانات الاجتماعية أنها تدور في فلك التبرعات، حسبما يرى قيس، حيث تكتفي بمخاطبة المشاهد للتبرع لمرضى فيروس سي والسرطان والكبد وغيرها، مغفلة دور إعلانات التوعية المطلوبة للوقاية من هذه الأمراض وتجنب الإصابة بها. «نحن نصرف مليارات الجنيهات على العلاج، فلماذا لا نخصص جزءاً منها للتوعية، منعاً لإهدارها، ولعلاج المشكلة في مهدها»، يقول قيس، ويتابع: «هناك انفصام تام بين الأهداف التنموية للدولة وتوجهها وبين الخريطة الإعلانية، فطوال أيام الشهر لم نجد إعلاناً واحداً يتحدث عن أزمة الزيادة السكانية أو مخالفات المرور وحوادث الطرق أو حتى أي رسائل تهتم ببناء الإنسان المصري».

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة