النقد في العراق... أجراس الحضور وأسرار الغيبة

أكثر ما كان يعول عليه الشعراء

بدر شاكر السياب - عبد الوهاب البياتي - شجاع العاني - علي جواد الطاهر
بدر شاكر السياب - عبد الوهاب البياتي - شجاع العاني - علي جواد الطاهر
TT

النقد في العراق... أجراس الحضور وأسرار الغيبة

بدر شاكر السياب - عبد الوهاب البياتي - شجاع العاني - علي جواد الطاهر
بدر شاكر السياب - عبد الوهاب البياتي - شجاع العاني - علي جواد الطاهر

تحدثنا في مقالة سابقة نشرتها صحيفة «الشرق الأوسط» عن أهمية النقد الأدبي، شبهّت فيها بعض النقاد الأدبيين بالملحنين الموسيقيين، الذين يخرج من عباءتهم الفنانون، بحيث ارتبط بعض الفنانين ببعض الملحنين مثل ارتباط المطرب عبد الحليم حافظ بالملحن بليغ حمدي في مصر، وفي العراق ارتبط الملحن طالب القرغولي بالمطرب ياس خضر، ومحمد جواد أموري بحسين نعمة، ومحسن فرحان بالمطرب قحطان العطار، وهكذا نجد نوعاً من المتلازمة التي تربط بين نوعين إبداعيين.
وحين نعكس هذا الأمر على النقد الأدبي، والشعر أو السرد، تذهب الذاكرة بنا إلى متلازمة الناقد إحسان عباس، وبدر شاكر السياب والبياتي، فقد كتب عن كل واحد منهما كتاباً مستقلاً، وهما لم يطبعا إلا عملاً أو عملين شعريين، ولكن كتابته شكلت جوازاً للعبور عربياً، ونذكر ما كتبه الدكتور شجاع العاني عن القاص محمد خضير، حيث عُدّت كتابته فاتحة مهمة لانطلاق محمد خضير قاصّاً عراقياً، ومن ثم عربياً، حظي بمباركة نقدية مهمة، ولدينا نموذج آخر، وهو الكتابة عن الجيل كاملاً، فقد كتب حاتم الصكر كتابه «مواجهات الصوت القادم»، وهو كتاب مخصَّص عن الجيل السبعيني في العراق، حيث أخذ نماذج من معظم شعرائه، وكتب عنهم واحداً واحداً، مما شكّل مدخلاً رئيسياً لهؤلاء الشعراء، الذين لم يكتمل عودهم في وقتهم، ولكن كتابة الناقد هي التي أخرجتهم للضوء أو أسهمت بإخراجهم.
وقد سبقه وبالطريقة ذاتها كتاب مشترك لفاضل ثامر وياسين النصير «معالم في الطريق» عن القصص العراقي في جيل الستينات، وهو كتاب عرَّف الوسط الثقافي بأن جيلاً قصصياً قادماً من خلال هذا الكتاب المشترك، وهذا ما فعله علي جعفر العلاق في جمعه لبعض الشعراء وكتابة مقدمة ودراسة طويلة عنهم، وكذلك صنع طراد الكبيسي ومحمد الجزائري، ونقاد آخرون.
إنّ هذه الطريقة في الكتابة هي أشبه بالسنة النقدية التي يشعر النقاد إزاءها بالمسؤولية، فكل جيل يظهر وينتشر ويبدأ بالتشكل، تكون مسؤولية تشذيبه مناطة بالنقاد الذين عليهم أنْ يقولوا كلمة الفصل في اندفاعات الشباب، وهذا ما نفتقد معظمه هذه الأيام.
الطريقة الأخرى التي كانت سائدة هي كتابة المقالات النقدية في الصحف العراقية، وهي ظاهرة مهمة جداً، حيث يتابع النقاد ما يكتبه الشعراء، أو القصاصون، أو الروائيون، فيرون نتاجهم في عيون النقد العراقي، وهو جزء من الاعتراف بهم أولاً، والجزء الآخر الالتفات للمشروع الفني، من خلال التصحيحات الرصينة التي ينبه لها هؤلاء النقاد.
وما زلتُ أذكر المقالة التي كتبها الناقد الراحل عبد الجبار داود البصري عن ديوان الشاعر عماد جبار «وكانت هناك أغانٍ» 1998 على ما أذكر، وقد كان أول ديوان يُطبع بين مجموعتنا الشبابية آنذاك.
إن تلك اللحظة واحدة من اللحظات المهمة بالنسبة لعماد جبار ولنا أيضاً، إنها لحظة اعتراف مختلفة من ناقد كرَّس جل اهتمامه لجيل «الريادة» ونتاجهم، وإذا به يكتب عن شاب لم يطبع إلا عملاً واحداً، وهذا ما فعله الناقد الراحل د. علي جواد الطاهر مع الشاعر وليد الصراف حيث كتب مقالة مهمة، وتبشيرية، بوليد من خلال نصٍّ واحدٍ قرأه له.
وهنا أتذكر جيداً أواسط التسعينات، عندما كان يطبع الشعراء الشباب آنذاك مجموعاتهم الشعرية، بطريقة الاستنساخ، وهي طريقة انتشرت أيام الحصار على العراق في تسعينات القرن الماضي، فما على الشباب إلا أن يطبعوا مجموعاتهم في «مكاتب الاستنساخ»، بطريقة بسيطة، وإلى الآن تحتفظ مكتبتي بعدد لا بأس به من كتب أصدقائي المطبوعة بطريقة الاستنساخ في ذلك الوقت، لأن لها قيمة تاريخية وفنية أيضاً.
أعود إلى الأصدقاء الذين كانوا يطبعون أعمالهم البسيطة من «قصيدة النثر» في الاستنساخ، كانوا ينتظرون بشغف عجيب ما يكتبه الناقد والشاعر خالد علي مصطفى على صفحات جريدة «الثورة»، حيث تكفَّل بمراجعة هذه الأعمال نقدياً، علماً بأنَّ له موقفاً مضاداً في معظم ما كتب عن منجز هؤلاء الشباب، ولكن للأمانة كان الشعراء ينتظرون بلهفة مقالاته! ويتداولونها كمنشور إيماناً منهم بأهمية الكتابة النقدية، وأنه على الرغم من حدة قلمه فإنه كان يفتح لهم بوابة الاعتراف، والدخول لهذا الوسط الصلد في ذلك الوقت.
إنَّ الكتابة من النقاد هي أكثر ما كان يعول عليه الشعراء، لأن الشعراء على ما يبدو لا يكتبون عن بعضهم البعض، بل لا يعترفون ببعضهم، لذلك ينتظر الشعراء كلمة الفصل من النقاد، حتى إن هناك مقولة متداولة هي أقرب إلى الضحك تُروى عن الشاعر خزعل الماجدي، يقول فيها: «إننا أبناء الجيل السبعيني وصلت أعمارنا وتعدت الخمسين عاماً، وما زال الشاعر الستيني حميد سعيد يسمينا بـ(الشعراء الشباب)!»، والشعراء الشباب هي كلمة تصغيرية على ما يبدو ومصادرة للمنجز الذي يكتبه هؤلاء الشعراء، لذلك فعيونهم دائما باتجاه ما يكتبه النقاد لا الشعراء.
أما الآن، فيكاد يختفي ذلك الهاجس، وتنطفئ تلك الشهوة، شهوة المتابعة والكتابة عن كل جديد، وعلى ما يبدو فإن تعدد الصحف والمجلات، كان سبباً مهماً في هذا الاختفاء، لأن الكتابة سابقاً في عدد محدد من الصحف، يضمن لك آلاف القراء والمتابعين، وكذلك الرقابة الحادة، والصارمة، أشبه بالغربال، الذي لا ينشر إلا ما يصمد فيه، بينما هذه الأيام، نجد الصحف التي لا تُعد ولا تُحصى، كما أن «السوشيال ميديا» عوضت كثيراً ثقافة الصحف التقليدية، فتعددت منابع النشر ومنابره، وكل ذلك حوَّل عدداً كبيراً من النقاد إلى التقاعد عن الكتابة، واكتفوا بمراقبة المشهد الذي يظهر لهم فقط دون أن يكلفوا أنفسهم بمتابعة المشهد الثقافي، كما أن شهوة الشعراء في الكتابة عن منجزهم، انطفأت على ما يبدو فلم يعد الشعراء مشغولين كثيراً باعتراف النقاد، والإعلان عنهم، لأن صفحة واحدة في «فيسبوك»، وبإعلان ممول تتكفل بالوصول إلى مئات الآلاف من المتابعين.
السؤال هو، هل ستعوض «اللايكات» والتعليقات السريعة، ما كان يكتبه علي جواد الطاهر وعبد الجبار داود البصري؟



كشف أثري فريد يسلط الضوء على عواصم مصر التاريخية بالدلتا

نقوش وكتابات هيروغليفية بالموقع (وزارة السياحة والآثار)
نقوش وكتابات هيروغليفية بالموقع (وزارة السياحة والآثار)
TT

كشف أثري فريد يسلط الضوء على عواصم مصر التاريخية بالدلتا

نقوش وكتابات هيروغليفية بالموقع (وزارة السياحة والآثار)
نقوش وكتابات هيروغليفية بالموقع (وزارة السياحة والآثار)

أعاد كشف أثري فريد من نوعه بدلتا مصر تسليط الضوء على عواصم تاريخية قديمة، بعد أن كشفت البعثة الأثرية المصرية التابعة للمجلس الأعلى للآثار، خلال أعمال حفائر الإنقاذ بقرية بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية، عن بقايا تمثالين ملكيين ضخمين، أحدهما للملك رمسيس الثاني، ويُرجح أن الآخر للملك نفسه، وكذلك كتلة جرانيت عليها نقوش بالخط الهيروغليفي تتضمن عدداً من الألقاب الملكية لرمسيس الثاني.

وجاء هذا الكشف عقب عثور مواطنين بقرية بهبيت الحجارة، على كتلة حجرية تحمل نقوشاً، وذلك أثناء عمله بقطعة أرض يمتلكها، فبادر بإبلاغ التفتيش الأثري المختص، الذي انتقل على الفور إلى الموقع وأجرى معاينة أشارت إلى أثرية الكتلة المكتشفة. وأسفرت الأعمال عن الكشف عن بقايا التمثالين والكتلة الجرانيتية.

وتضم محافظات دلتا مصر العديد من المواقع الأثرية بعضها كانت لعواصم أسرات مصرية قديمة من بينها تل بسطة بمحافظة الشرقية وكانت عاصمة البلاد في عهد الأسرة الثانية والعشرين، وصا الحجر بمحافظة الغربية وكانت عاصمة البلاد في عصر الأسرة السادسة والعشرين. بينما تضم محافظة القليوبية موقع «تل اليهودية» الذي يعود تاريخه لزمن الهكسوس.

آثار صان الحجر بالشرقية ضمن العواصم القديمة بالدلتا (وزارة السياحة والآثار)

الكشف الجديد عدّه وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي إضافة مهمة للاكتشافات الأثرية التي تشهدها مصر، ويسهم في إلقاء مزيد من الضوء على تاريخ منطقة بهبيت الحجارة وأهميتها الأثرية والحضارية.

وأشار، في بيان للوزارة، إلى «الحرص على مواصلة أعمال البحث والتنقيب الأثري بمختلف المواقع على مستوى الجمهورية، بالتوازي مع جهود حماية التراث الأثري والحفاظ عليه»، وثمّن الوزير وعي المواطن الذي بادر بالإبلاغ عن الكتلة الحجرية فور العثور عليها، مؤكداً أن ذلك يعكس أهمية دور المجتمع في حماية التراث الحضاري المصري.

وقال الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إن الكشف الأول يتمثل في رأس ضخم لتمثال الملك رمسيس الثاني، يبلغ ارتفاعه نحو 1.60 متر، ويظهر الملك مرتدياً التاج المزدوج، الذي يرمز إلى توحيد مصر العليا والسفلى.

أما الكشف الثاني، فيتمثل في الجزء الأكبر من تمثال ملكي يبلغ طوله نحو مترين ونصف المتر، يُرجح أنه أيضاً للملك رمسيس الثاني، ويفتقد ساقيه وقاعدته، ويظهر الملك مرتدياً غطاء الرأس الملكي المعروف باسم «النمس».

أما الكتلة المكتشفة وعليها نقوش قديمة، فهي مصنوعة من الجرانيت الوردي، ويبلغ طولها نحو 1.30 متر، وتقع على مسافة متر واحد تقريباً إلى الشمال من التمثال الثاني، وتحمل بقايا نقوش هيروغليفية تتضمن لقبين للملك رمسيس الثاني.

وتعدّ منطقة بهبيت الحجارة بمحافظة الغربية من المواقع الأثرية المهمة في دلتا مصر، وتشتهر ببقايا معبد ضخم مكرس لعبادة الإله «إيزيس»، فضلاً عما تضمه من كتل وعناصر معمارية من الجرانيت، تعكس الأهمية الدينية والمعمارية التي حظيت بها المنطقة في مصر القديمة. وتضم محافظة الغربية أيضاً موقعاً مهماً كان عاصمة لإحدى الأسرات القديمة في منطقة صا الحجر.

ويرى عالم المصريات الدكتور حسين عبد البصير، مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، أن اكتشاف تمثالين ضخمين للملك رمسيس الثاني يذكرنا بأن مصر لا تزال تخبئ تحت ترابها صفحات لم تُقرأ بعد من تاريخها العظيم. ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «اللافت في هذا الحدث أن مواطناً مصرياً عثر على الموقع الأثري بالصدفة وقام بإبلاغ الجهات المختصة، في واقعة تؤكد أن حماية التراث مسؤولية مشتركة، وأن وعي المواطن قد يكون بداية لاكتشاف يضيف الكثير إلى معرفتنا بالماضي».

وأكد أن «لهذه الاكتشافات أهمية خاصة في دلتا النيل التي ما زالت تبوح بأسرارها، تلك المنطقة التي شهدت قيام مدن ومراكز دينية وسياسية كبرى في العصور القديمة، ثم تغيرت معالمها بفعل تحولات مجاري النهر وتراكم الرواسب والتوسع العمراني».

وقال الخبير الآثاري والمتخصص في علم المصريات أحمد عامر إن ظهور آثار في منطقة بهبيت الحجارة يعد بداية لمرحلة جديدة في هذه المنطقة الأثرية المهمة، لاكتشاف مزيد من أسرارها، كما أنه يؤكد امتداد نفوذ الملك «رمسيس الثاني» في جميع ربوع الدولة المصرية.

جانب من الكشف الأثري (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الكشف يشير إلى جانب من أبعاد الحياة الدينية في هذه المنطقة الآثرية بالإشارة لمعبد إيزيس، حيث يعد من أهم المعابد المخصصة لعبادتها في دلتا مصر»، ويلفت إلى أن بهبيت الحجارة اشتق اسمها من «بر حبيبت» والتي تعني «بيت الأعياد»، وأبرز ملامح المعبد كانت في العصر المتأخر، متوقعاً أن «يؤدي هذا الكشف لاكتشاف المزيد من أسرار هذه المنطقة في عصورها المختلفة».


ترمب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي وهو يصارع نمراً تسبب في مقتل رجل بريطاني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
TT

ترمب ينشر فيديو بالذكاء الاصطناعي وهو يصارع نمراً تسبب في مقتل رجل بريطاني

الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو
الرئيس الأميركي دونالد ترمب كما ظهر في مقطع الفيديو

شارك الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقطع فيديو مُنشأً بواسطة الذكاء الاصطناعي، يظهر فيه وهو يصارع النمر الذي تسبب في مقتل رجل بريطاني في حديقة حيوان بجنوب يوركشاير.

وفي المقطع، يظهر الرئيس الأميركي مرتدياً بدلة وربطة عنق وهو يطارد النمر ويطرحه أرضاً، قبل أن يبدأ الاثنان في التعانق. وتحاكي بداية مقطع الفيديو -الذي تبلغ مدته 23 ثانية- لقطات حقيقية للحظات الأخيرة في حياة ويليام تشابمان، قبل أن يلقى حتفه إثر هجوم النمر عليه يوم السبت.

وفي مقطع الذكاء الاصطناعي الذي نُشر أمس (الثلاثاء) على منصة «تروث سوشيال» (Truth Social) التابعة للرئيس، يظهر ترمب جالساً على الأرض محاولاً صدّ «ألتاي»، وهو نمر سيبيري يزن 440 رطلاً (نحو 200 كيلوغرام)، بينما يقوم الحيوان بتوجيه ضربات بمخلبه.

ويظهر ترمب في الفيديو المُعدّل وهو يقفز ويركض خلف السنور الكبير، وقد أُرفق الفيديو بأغنية «The Lion Sleeps Tonight» لفرقة «The Tokens».

وشارك الرئيس الأميركي اللقطات الحقيقية للهجوم عبر منصته «Truth Social»، حيث أظهرت اللقطات اللحظات التي سبقت مقتل «تشابمان» إثر تعرضه لهجوم وحشي من النمر في حديقة «يوركشاير» للحياة البرية خلال عطلة نهاية الأسبوع.

بعد دقيقة واحدة من نشر لقطات الهجوم الحقيقية، نشر ترمب مقطع فيديو مُجمّعاً لحيوانات مفترسة كبيرة تهاجم البشر. وتضمن الفيديو مقطعاً مُولّداً بالذكاء الاصطناعي لأسد يحطم زجاج قفصه لمهاجمة حارس حديقة حيوانات.

وطلبت شرطة جنوب يوركشاير من الجمهور عدم مشاركة «لقطات مؤلمة» لوفاة تشابمان.

تم استدعاء خدمات الطوارئ بعد الساعة 1:30 ظهراً بقليل يوم 10 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد أن تسلق تشابمان إلى قفص النمر وتعرض للهجوم. وأُعلن عن وفاته في مكان الحادث بعد ذلك بوقت قصير.

نعت عائلة تشابمان فقيدها مساء أمس (الثلاثاء)، واصفةً إياه بأنه «ذكي، وودود، وجذاب». وفي بيانٍ لها، قالت العائلة إنه كان يعاني من «مرض نفسي حاد» لسنوات عديدة، وكان يتناول «أدوية قوية». وتابع البيان: «إن العائلة مفجوعة تماماً بفقدانه، وتكافح لاستيعاب ما حدث». وأعرب والدا تشابمان عن أملهما في أن «تبذل السلطات المختصة قصارى جهدها لكشف ملابسات ما فعله ابننا الرائع».

كان تشابمان قد نشر مقطع فيديو على صفحته في «إنستغرام» من داخل حظيرة الحيوان قبل لحظات من الهجوم، حيث صوّر نفسه وهو يقترب ببطء من السنور الضخم، وكان يُسمع صوت تنفسه الثقيل بوضوح.

وتشير المعلومات التي حصلت عليها صحيفة «التلغراف» إلى أن تشابمان كان ممثلاً طفلاً سابقاً، وقد درس في «مدرسة جاكي بالمر للمسرح» (Jackie Palmer Stage School) في منطقة «هاي ويكومب» بمقاطعة باكينغهامشير.


مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
TT

مسرحية «بعدك»... لماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح؟

في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)
في أداء متناغم... يقدّم معتوق ويمنى بو حنّا عملاً إنسانياً (رالف معتوق)

الحبّ في مسرحية «بعدك» لرالف معتوق ليس مجرّد قصة رومانسية عابرة. فالمخرج يذهب إلى ما هو أعمق من معنى الحبّ، ويؤكد أنّ الحبّ وحده لا يكفي، وأنّ العلاقة السليمة بين الشريكين ترتكز على المصارحة. من هذا المنطلق، ينسج معتوق، كاتب العمل ومنتجه وبطله أيضاً، نصّاً إنسانياً مؤثّراً يضيء على موضوعات تشكّل الظلّ الذي يرافق أيّ علاقة بين اثنين. فكما تنطبق تعقيدات الحبّ على العلاقات بين الأم والأب والابن والأخ، تنسحب على العلاقة بين الشريكين والحبيبين أيضاً. ومن خلال معالجة هذه الموضوعات، يفتح العمل نافذة على علاقات تتصدّع لأسباب مختلفة، وعلى تجارب انفصال تتعدّد وجوهها، ويبقى الموت أقساها.

تتقلّب أحداث المسرحية بين تفاصيل صغيرة ومحطّات أساسية في حياة زوجين، اختار أحدهما الرحيل بقرار ذاتي. فنحن أمام قصة يُغلّفها الحبّ، بينما تختبئ تحت طبقاتها مشاعر الألم والصراع والهواجس والعُقَد. وبأسلوب مباشر، يأخذنا معتوق إلى موضوع أساسي هو الصحة النفسية، ويطرح تساؤلات عن قدرتنا على مواجهة ما يؤلمنا والتعبير عمّا يدور في داخلنا. فلماذا ننتظر الفقدان كي نتصارح ونعترف ونضع النقاط على الحروف، في محاولة لإنقاذ علاقة ما؟ أليس الأجدى أن نلجأ إلى المصارحة والحوار والاعتراف، لنرتقي بمشاعرنا إلى فضاء أكثر وعياً ونضجاً؟

«بعدك»... تجربة مسرحية مختلفة (رالف معتوق)

تستضيف خشبة مسرح «ديستريكت 7» في بيروت هذا العمل، من بطولة رالف معتوق ويمنى بو حنّا. ويجسّد الاثنان، بأداء متناغم ونبض شبابي، قصة حبّ رومانسية تحمل في طيّاتها خلفيات وأبعاداً طالما غضضنا النظر عنها.

وتدور أحداث العمل حول يمنى التي تعاني فقدان زوجها عاصي. فقد عاشا معاً 7 سنوات قبل أن يقرّر وضع حدّ لحياته بين عشية وضحاها. وبعد مرور 3 سنوات على رحيله، تقرّر العودة إلى الغناء، وهي هواية رغبت في ممارستها إلى جانب مهنتها الأساسية مهندسةً داخلية. لكنّ التوتر والقلق يسكنانها؛ فهي لم تعتلِ الخشبة منذ غيابه، وكانت تحتاج إلى دعمه الدائم. فتستحضره في حوار يميل إلى البوح والفضفضة، ويستعيدان معاً شريط حياتهما، طارحين أسئلة لطالما شغلت تفكيرهما، لكنّ أياً منهما لم يتجرّأ على تناولها، لاعتقادهما أنّ كلاً منهما يعرف الآخر. ومع تقدّم الأحداث، نكتشف معهما عُقَداً رافقت زواجهما، وأسراراً كبتاها في أعماقهما، ولو تمكّنا معاً من فتح صفحاتها، لربما استطاعا إنقاذ علاقتهما من الفقدان.

يقول المخرج وكاتب العمل رالف معتوق إنّ فكرة المسرحية وُلدت من أسئلة كان يطرحها على نفسه كلّما سمع بخبر فقدان أحد الشريكين للآخر. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتخيّل لقاءهما، وعمّا يمكن أن يتحدّثا، وما الذي قد يعترف به كلّ منهما للآخر. فالناس عادةً ما تتناول هذه المواضيع من باب النميمة وتأليف الأخبار، لكنها لا تغوص في العمق، ولا تبحث عمّا وراء كلّ قصة فقدان ووحدة».

تخيّل معتوق الموقف برمّته انطلاقاً من تصوّره الشخصي له، وكتبه بقلم تسيل منه المشاعر قبل الحبر. وكان هدفه أن يلامس الناس بصدق، ويدفعهم إلى الاهتمام بالحبّ قولاً وفعلاً. واختار أن يعالج العلاقة الثنائية، مشدّداً على أهمية الصحة النفسية، وفاتحاً الباب أمام تفاصيل صغيرة قد لا يعيرها المرء اهتماماً.

ويطلّ على موضوعات اجتماعية وعائلية، متوقّفاً بصورة رئيسية عند الطفولة، إذ إنّ ما نحمله من تعقيدات ومخاوف وصراعات يبدأ في تلك المرحلة. فالزوج الراحل في المسرحية كان يعاني ترسّبات نفسية، وخضع لجلسات علاج نفسي، لكنه توقّف عنها، ممّا أعاده إلى حالة من الصراع مع الذات.

وانطلق معتوق في قصته من واقع يعيشه اللبنانيون، إذ إنّ 65 في المائة منهم يعانون اضطراباً نفسياً، وإنّ شخصاً واحداً يُقدم على الانتحار كلّ يومين. وهي أرقام موثّقة، وفق النص، من جمعية «إمبرايس» (Embrace)، التي تهدف إلى تقديم الدعم النفسي والوقاية من الانتحار. وقد استند إليها معتوق في كتابة نصّ العمل.

يضيف مسرح «ديستريكت 7» بُعداً حميمياً إلى القصة. فمساحته التي لا تتجاوز 4 أمتار تولّد تفاعلاً لا شعورياً بين الممثلين والحضور، وهو ما شجّع معتوق على اختياره، لأنه يناسب قصة من هذا النوع، وكذلك تفادياً لتشتّت انتباه المشاهد. ويوضح: «اختياري (ديستريكت 7) لم يأتِ مصادفة. فالقرب من الجمهور، ومن مسافة مختصرة جداً، يزيد من متابعة العمل بدقّة».

تحضر يمنى بو حنّا في المسرحية بمواهب متعدّدة من بينها الغناء (رالف معتوق)

وتترك المسرحية أثرها في مشاهديها، إذ توقظ لديهم وعياً بأهمية العلاقات الإنسانية عموماً. وهو ما يؤكده معتوق، قائلاً: «سعدتُ بهذه النتيجة، إذ تلقّيت ردود فعل مباشرة من الحضور. فقد أكّدت لي إحدى السيدات أنها، ما إن تصل إلى بيتها بعد العرض، حتى تذهب لتقبيل أطفالها النائمين، كي لا يفوتها التعبير عن حبّها لهم. واعترفت سيدة أخرى بأنّها لن تؤجّل بعد اليوم احتضان أخيها وشقيقتها ومعانقتهما. فالحبّ يكون بالقول والفعل، ويأتي قبل الخبز أحياناً». أمّا عن أهمية المسرحية من الناحية المهنية في مشوار رالف معتوق، فيوجزها: «لا تشبه أيّ عمل آخر سبق أن كتبته أو أخرجته. انطلقتُ من موضوع حميم ودافئ، ليشكّل العمل تجربة خاصة لكلّ مَن يشاهده».