موسم الهجرة إلى فرنسا

موسم الهجرة إلى فرنسا

متاحف ومقابر وإسطبلات... هذه عروض الكروز لعام 2019
الخميس - 23 شهر رمضان 1439 هـ - 07 يونيو 2018 مـ رقم العدد [ 14436]
لندن: جميلة حلفيشي
جرت العادة أن يأخذنا صناع الموضة في عروضهم الخاصة بـ«الكروز» إلى أماكن بعيدة. فالهدف منها أن تدغدغ الخيال وترسّخ في أذهاننا أن هذا الخط «الكروز» يرتبط ببحار لازوردية ويخوت فخمة وما شابه من أمور. هذا العام، يبدو أن معظمهم اكتفوا بفرنسا. من «شانيل» التي عرضت تشكيلتها المستوحاة من فيلا «لابوزا» التي عاشت فيها المؤسِّسة كوكو شانيل بجنوب فرنسا، إلى «ديور» التي أخذت ضيوفها إلى منطقة «شانتيلي» على بُعد ساعتين تقريباً من باريس و«لويس فويتون» إلى سانت بول دي فانس بالريفييرا الفرنسية، وأخيراً وليس آخراً «غوتشي» الإيطالية التي اختارت بدورها منطقة «لي زارل» بجنوب فرنسا.

لكل من هذه الأسماء أسبابها ومبرراتها، وقد يكون الأمر بالنسبة إلى البعض مجرد صدفة، لكن تجمعها كلها في نفس البلد لا بد أن يثير بعض التساؤلات، لا سيما أن الإمكانات لا تنقص أياً منهم للسفر بعيداً. فـ«شانيل» تحقق مبيعات عالية وأرباحاً لا تُحصى، كذلك «لويس فويتون» و«ديور» اللتان تنضويان تحت جناحي مجموعة «إل في إم إتش»، و«غوتشي» التي تملكها مجموعة «كيرينغ». ثم إنهم أخذوا في السابق ضيوفهم إلى وجهات خيالية مثل هافانا بكوبا، وسيول بكوريا بالنسبة لـ«شانيل». كذلك الأمر بالنسبة إلى «ديور» التي سافرت بهم إلى شانغهاي والولايات المتحدة الأميركية، و«لويس فويتون» التي كانت وجهتها في العام الماضي كيوتو باليابان وقبلها بالم سبرينغز بالولايات المتحدة وهكذا.

كل هذا يجعل إجماعهم على فرنسا هذا العام أكثر من مجرد صدفة. بحسبة بسيطة يمكن ربطه بتولي مانويل ماكرون رئاسة البلد، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن علاقته بصناع المال والترف على أحسن ما يرام على عكس ما كانت عليه في عهد الرئيس السابق فرنسوا هولاند. فلا يخفى على أحد أنها كانت متشنجة. ففي عهده عانى الاقتصاد الفرنسي من وعكة لازمته طويلاً واشتكى أصحاب الأموال من سياسات لم يروا أنها في صالحهم. كل هذا تغير حسب رأي مايكل بيرك، الرئيس التنفيذي لدار «لويس فويتون» الذي أكد أن عروض كل من دور «شانيل» و«ديور» و«لويس فويتون» و«غوتشي» في فرنسا «أكثر من مجرد صدفة... إنه نوع من الثقة بفرنسا. فهناك ديناميكية جديدة، ورغبة في التحدي وإعادة التواصل مع روح المقاولات التي تطبع فرنسا منذ قرون. والفضل يعود إلى الرئيس إيمانويل ماكرون الذي فتح لنا الطريق». ولا بد من الإشارة هنا إلى أن برنار أرنو، أغنى رجل في فرنسا وصاحب مجموعة «إل في إم إتش» كان من بين رجال الأعمال الذين دعموا حملة ماكرون الانتخابية في العام الماضي.

كل هذا يعني أن صناع الموضة يقومون بدورهم الوطني لإنعاش اقتصادهم، بما فيها دار «غوتشي» الإيطالية بحكم أن مالكها فرنسوا بينو، فرنسيٌّ.

في عرض «شانيل» استلهم المصمم كارل لاغرفيلد تشكيلته من أحد الخيوط التي نسجت منها المؤسسة كوكو شانيل حياتها. فقد بنى سفينة بحرية ضخمة وسط «لوغران باليه» تحمل اسم «لابوزا»، إشارةً إلى بيتها في جنوب فرنسا. كان عرضاً قوياً كصورة وكاقتراحات فنية من خلال قطع منفصلة وفساتين سهرة تستحضر روح غابرييل شانيل والدور الذي قامت به لتحرير المرأة من قيود الموضة كما كانت عليه قبلها. كانت السفينة ضخمة تتوفر على كل ما يمكن أن يخطر على بال مسافر من ترف، بدءاً من بيانو إلى مسبح، إلى حد أنك تشعر فيها أنك لست بحاجة إلى الإبحار إلى أي مكان.

«ديور» في المقابل، رحلت بنا إلى المكسيك من دون أن تغادر فرنسا. اختيارها قصر «شانتيلي» الذي يعود تاريخ بنائه إلى القرن الـ18 بإسطبله الذي يُعدّ الأكبر في أوروبا، لم يكن اعتباطاً بل كان تلميحاً إلى ما ستقدمه من عرض يلعب على مفهوم الفروسية. لكن لأن «شانتيلي» أيضاً عاصمة الدانتيل، فإن السخاء في استعماله كان واضحاً في العديد من القطع. ولا ننسى الإشارة إلى أن علاقة الدار بالمنطقة تعود إلى عهد كريستيان ديور الذي أطلق على فستان من مجموعته الشهيرة «ذي نيو لوك» اسم «شانتيلي».

افتتحت العرض فرقةٌ مكسيكية مكونة من 8 فارسات على صهوة جياد، وهن يرتدين فساتين بتنورات واسعة وطويلة تشدها من الخصر أحزمة عريضة. كان دخولهن المنصة المستديرة وهن يستعرضن مهاراتهن الفروسية كأنهن يؤدين رقصة باليه، مفاجأة للجميع. تبيّن في ما بعد أن مشاركتهن لم تكن بداعي الإبهار فحسب، بل كانت نوعاً من الاستمرارية للحركة النسوية التي رفعت مصممة الدار ماريا غراتزيا كيوري شعارها منذ أن دخلت «ديور» كأول مصممة في تاريخها. فالفارسات الثماني مشهورات في المكسيك، حيث حاربن بشراسة للحصول على حق المشاركة في «كاراييدا»، وهو نوع من الروديو في المكسيك كان مقتصراً على الرجال من قبل. عندما قابلتهن المصممة أول مرة خلال زيارة لها للمكسيك، انبهرت بصلابتهن وأنوثتهن في الوقت ذاته، حسب قولها. وأكثر ما شد انتباهها تمسكهن بارتداء ملابسهن الأنثوية التقليدية الملونة.

قبلهن لم يكن وارداً أن تشارك المرأة في أيٍّ من هذه الأنشطة، وكان حضورها فيها لتشجيع زوجها أو أحد أفراد عائلتها لا أقل ولا أكثر. ثم قلبت هؤلاء النسوة كل المتعارف عليه حين قررن دخول حلبة المنافسة والتفوق على أعتى الرجال. وكأن هذا لا يكفي، فقد قررن عدم التمويه على أنوثتهن، بارتداء ملابسهن التقليدية المتوهجة الألوان والغنية بالتطريزات، كنوع من التحدي ولسان حالهن يقول إنهن غير مُلزمات بتغيير أنفسهن حتى يتقبلهن الآخر. من كل هذا استلهمت المصممة كيوري تشكيلتها لعام 2019. على الأقل من خلال الألوان والأحزمة العريضة والجلود والتطريزات الإثنية وما شابه من تفاصيل. الفرق طبعاً كان في الأقمشة المترفة والخطوط الأنثوية التي ترتبط بـ«ديور» منذ تأسيسها إلى الآن. فقد ترجمت المصممة توهج ألوان الملابس المكسيكية التقليدية بدرجات باريسية هادئة لوّنت تنورات طويلة وجاكيتات مفصلة ومحددة عند الخصر، وأمتار سخية من الدانتيل والتول والقطن. كان كل شيء مُبهراً ومحسوباً، حتى تكاد تشعر بأن الدار تواطأت مع الطقس لكي تُمطر السماء مع بداية العرض. فالأمطار التي هطلت فجأة لم تؤثر عليه بقدر ما أضفت عليه جواً رومانسياً.

أما بالنسبة إلى «لويس فويتون» فإن الريفيير الفرنسية كانت خياراً فنياً، عدا أن علاقتها بالمنطقة تعود إلى عام 1908 حين افتتحت أول محل لها في مدينة نيس. فهذه المدينة والمناطق المجاورة لها كانت مرتعاً للأدباء من أمثال الكاتب فرانسيس سكوت فيزتجرالد وفرنسواز ساغان وويليم سومرست موغام، ممن كانوا من زبائن الدار الأوفياء في بداية القرن الماضي.

ورغم أن المنطقة ليست غريبة على العديد من الضيوف، بحكم أن بعضهم يمتلك فيها إما بيوتاً وإما يخوتاً، فإن الأغلبية منهم لم تزر متحف مايغت، وهذا ما تعنيه عروض «الكروز» عموماً: السفر والترحال بمفهوم الاكتشاف.

بالنسبة إلى «لويس فويتون»، التي أقامت عرضها في كيوتو اليابانية العام الماضي، وريو دي جانيرو وبالم سبرينغز قبلها، فإن اختيارها للريفييرا الفرنسية، وتحديداً متحف «مايغت Maeght» للفنون المعاصرة، له مبرراته. والصورة التي واجهت الحضور منذ أول لحظة أن نجوم من أمثال إيما ستون، وجينفر كونولي، وليا سايدو، وجاستين ثيرو وغيرهم، وجدوا منافسة كبيرة على الأضواء مع الفنانين مارك شاغال وألبرتو جياكوميتي اللذين تناثرت أعمالهما حول الحديقة. لا شك أن هذا ما كان يطمح إليه المصمم الشاب نيكولا غيسكيير الذي أكد حبه للفن المعاصر في عدة مناسبات. فأغلب عروض الدار، إن لم نقل كلها، تجري في أهم المتاحف العالمية. من متحف «اللوفر» ومنظمة «لويس فويتون»، إلى متحف «ميهو» في كيوتو، ومتحف «ريو» للفنون المعاصرة قبله، وأخيراً وليس آخراً متحف «مايغت». هذا الأخير يقع فوق تلة عالية تطل على مدينة «سان بول دي فانس» القديمة محاطاً بغابة وارفة من الأشجار. لم تكن هناك علاقة بين المكان والأزياء، فهو مجرد خلفية تعزز مكانة الدار الفنية، فالصبغة التي طبعت الأزياء كانت نوعاً من الشقاوة، التي تجسدت في التنسيق الذي يخاطب شابة صغيرة، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار بعض التنورات القصيرة جداً. وحسب شرح المصمم فإنه يوجهها إلى «شخص يتمتع بأسلوب خاص وعصري». هذا تماماً ما جسده من خلال تنسيقه قطعاً متعددة، قد لا يمتّ بعضها إلى بعض بِصلة، لكن المفاجأة أنها لا تبدو نشازاً، بل العكس تماماً. ربما أكثر جرأة مما قدمه سابقاً، وهو ما يمكن رده إلى ثقته المتزايدة بنفسه وبمكانته في الدار. ففي مرحلة تمر بها صناعة الموضة بعدة تغييرات تأتي على رؤوس مصممين بعد موسم أو موسمين فقط، نجح نيكولا غيسكيير في الاستمرار. فبعد 5 سنوات، جدد عقده مع «لويس فويتون» مؤخراً لمدة 5 سنوات أخرى، وهو ما قل حدوثه في عالم الموضة مؤخراً.

أما دار «غوتشي» الإيطالية، فقد أنهت هذه الجولة الفرنسية في منطقة «لي زارل» جنوب فرنسا أيضاً، وتحديداً في «Alyscamps» وهي مقبرة رومانية قديمة مدرجة ضمن قائمة مواقع التراث العالمي.

وهي نفس المقبرة التي أشار إليها دانتي في كتابه «الجحيم» ورسم فيها كلٌّ من فان جوغ وبول غوغان بعض لوحاتهما.

غنيّ عن القول: إن المكان خلق أجواء غريبة، أضفت عليها الشموع المتناثرة والدخان المتصاعد في ظلمة الليل، رهبة. الأزياء في المقابل كانت قوية بالألوان المتضاربة وطبعات الورود والتطريزات التي عوّدنا عليها المصمم وأصبحت ماركته المسجلة إلى حد ما، لتأتي الصورة قوية بإيحاءاتها التي لعب فيها على القديم والحديث. أما إذا كانت فكرة أليساندرو ميكيلي هي الغوص في معنى الموت، باختياره مقبرةٍ كمسرح لعرضه، فإن النتيجة كانت أنه نجح في إضفاء الكثير من الرومانسية عليه. فالمبالغة في الألوان والجمع بين التناقضات خلقت نوعاً من التناغم الذي أكد حتى الآن أنْ لا أحد يمكن يُتقنه مثله. الدليل أن أرقام المبيعات ارتفعت بمجرد دخوله الدار، ولا تزال في نمو مستمر رغم الأزمة الاقتصادية.
فرنسا موضة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة