تشبثنا بالجذور مكسب وليس مأخذاً

فنجان قهوة مع المصمم السعودي حاتم العقيل

لقطة تظهر فيها بنان لنجاوي وهي تقود سيارة
لقطة تظهر فيها بنان لنجاوي وهي تقود سيارة
TT

تشبثنا بالجذور مكسب وليس مأخذاً

لقطة تظهر فيها بنان لنجاوي وهي تقود سيارة
لقطة تظهر فيها بنان لنجاوي وهي تقود سيارة

مثل الكثير من المصممين، سرقت الموضة السعودي حاتم العقيل من مجال المال والأعمال. نقلته جاءت بتدرج، فمن العمل في بنك عمل في مجال الإعلانات قبل أن يبدأ في تصميم الثوب السعودي وتطعيمه بلمسات شبابية. في وقت وجيز استطاع أن يستقطب شرائح كبيرة من الرجال الذين كانوا تواقين للتغيير من دون التنازل عن تقاليدهم وجذورهم. استقطب أيضاً مشاهير عالميين من أمثال سنوبي دوغ، والمصمم كريستيان لوبوتان ممن عشقوا أثوابه. لكن قبل أن يكون حاتم العقيل مصمماً فهو سعودي يعرف أنه يعيش فترة مهمة في تاريخ المملكة، ويريد أن يسجلها حتى تبقى راسخة. ومن هنا جاءته فكرة تسجيل فيلم قصير بعنوان «سأقود» قال، إنه من أجل تمكين المرأة السعودية، لكن يمكن اعتباره أيضاً بمثابة حملة ترويجية ذكية بحكم أن لنجاوي ظهرت فيه بأزياء من تصميمه... مع المصمم الشاب كان لـ«الشرق الأوسط» هذه الدردشة التي شرح فيها وجهة نظره بصفته مصمماً وطموحاته وتوقعاته للموضة السعودية والأسباب وراء تصويره فيلم «سأقود»:
- هو فيلم قصير عن تمكين المرأة السعودية المعاصرة؛ لهذا اخترت له شخصية مؤثرة وناجحة من جيل الألفية هي بيان لنجاوي. بصفتي مصمم أزياء وشخصية عامة شعرت بأنه من واجبي أن أسلط الضوء على مفاهيم تعكس مجتمعنا وثقافته.
فعملية التصميم والإبداع بكل مراحلها ما هي إلا انعكاس للزمن الذي نعيشه والإنجازات التي حققناها. وهذا ما شجعني على تصوير الفيلم: أن احتفل بما حققته المرأة، وما اكتسبته من حق في القيادة، كما احتفل فيه بالعهد الجديد والتطورات التي نعيشها. كلمة «سأقود» لا تحتاج إلى شرح؛ فهي تعتبر عن قدرة المرأة على القيادة، بالمعنين الحرفي والمجازي.
- لا أرى أن العملية الإبداعية يجب أن تقتصر على مجال واحد، فكما أعشق التصميم أعشق تصوير الأفلام، فلِمَ لا أجمع بين الاثنين، ولا سيما أن الصورة التي أريد أن أوصلها إلى العالم تهمني على المستوى الشخصي. أعتقد أن لكل مصمم الحق في أن يكتب رسالته بيده ولغته وأدواته، سواء كانت هذه الأدوات مقصاً أو كاميرا أو غيرهما. الأفلام في الوقت الحالي أكثر تأثيراً من عروض الأزياء التقليدية؛ كونها تمنح المصمم كامل الحرية لكي يتحكم في الصورة التي يريد أن يوصلها. المسألة تحتاج فقط إلى مضمون قوي، وتوفير قاعدة جيدة تصل إلى أكبر عدد من الناس عبر وسائل التواصل الاجتماعي. لكن دائماً أضع في بالي أنه عندما استعمل أي منبر لأخاطب به الغير، عليّ أن أستعمله باحترام وذكاء في الوقت ذاته.
- أسلوبي في التصميم يعتمد على البساطة التي تحترم التقاليد، فأنا أؤمن بأن القليل كثير على شرط أن يكون مميزاً. فاحترام التقاليد لا يعني التقيد بها، بقدر ما يعني الارتقاء بها. فقد تأثرت في مسيرتي بالجماليات الأوروبية؛ لأني قضيت سنوات عدة في صباي في المعهد الفرنسي. لكن عوض أن أتنصل من جذوري وأركب موجة الغرب، كان هدفي دائماً أن أحقق المعادلة بين تصميم الثوب السعودي وأي قطعة أخرى بشكل مفصل على طريقة «سافيل رو»، وبمفهوم الأزياء الجاهزة ودائماً ببصمتي الخاصة.
- عايشت تغيرات عدة في السعودية فيما يتعلق بالموضة، وهناك حالياً تطورات إيجابية تُثلج الصدر. لكن مع ذلك لا بد من الاعتراف بأنه لا يزال ينقصنا الكثير من إمكانات الإنتاج والتصنيع. علينا أن نبدأ في التأسيس لبنية تحتية تدعم هذه الصناعة إذا كنا نريد أن نرفع شعار «صُنع في السعودية» عوض الاتكال على الغير لتصنيعها. أنا شخصياً أشعر بأننا لا يمكن أن نحقق كل ما نأمل فيه ونطمح إليه من دون هذه اللوجيستيات. فنحن لا نفتقد إلى القدرة على الابتكار والعطاء، بل إلى هذا الجانب الصناعي.
- أنا سعيد أنه أصبح لنا أسبوع موضة بالرياض؛ لأنه سيكون منبراً قوياً يفتح الأبواب أمام المصممين ويُشجعهم على إخراج مهاراتهم، فضلاً عن التنافس البناء بينهم على تقديم الأفضل. لكن لا بد من توفير مشترين من محال عالمية. فأي أسبوع موضة لا يقوم على الابتكار وحده، بل يجب أن يتوفر فيه جانب التسويق أيضاً. فقط، عندما يبدأ المشترون في حضور الأسبوع يمكننا القول إنه حقق المراد. هذه نقطة أعتقد أن الكثير من المنظمين يتجاهلونها أو يجهلونها. ومع ذلك، أنا متفائل، وأتمنى أن ينجح أسبوعنا أكثر، فكما يقولون «روما لم تُبنى في يوم واحد». فهو مشروع رائع ولا يزال في بدايته، وبالتالي أمامه الكثير من التحديات.
- السعودية تحتضن عدداً كبيراً من المواهب. القاسم المشترك بين أغلبهم، إن لم نقل كلهم، حلمهم بالعالمية وإتقانهم لغة الغرب مع تشبثهم بجذورهم الثقافية والحضارية، وهذا ما أراه مكسباً وليس مأخذاً عليهم. فعندما تكون لأي مصمم هويته ولا يتنكر لأصله وجذوره فإنه يزيد ثقة وقوة؛ لأنه يخط لنفسه خطاً يختلف به عن غيره. لكن بصفتنا مصممين محليين علينا أن نفهم أهمية التنويع، بمعنى عدم تقديس هذا الإرث والتشبث بكل تفاصيله، بل علينا أن نطوعه بلغة يفهمها الآخر. ولا يجب أن نستهين هنا بأهمية التنسيق وكيف نوصل هذه التصاميم بطريقة أنيقة وجذابة يمكن أن تناسب أي مكان وزمان. فمهما قضى الواحد منا سنوات يدرس الموضة في المعاهد فإنه لن ينجح إذا لم تكن له عين تلقط الجمال وحس فني. ربما تولد الموهبة مع الإنسان، إلا أنه من الممكن أيضاً صقلها بالتجربة والدراسة.
- العنصر الذي أراه عائقاً في وجه اختراقنا للعالمية حتى الآن عدم توفرنا على صناعة موضة، أي بنية تحتية صلبة، لكن في ظل التغيرات الحالية، أشعر بأننا سنؤسس لها قريباً. فأنا ألاحظ أن أسلوبنا يتم تقليده من قبل علامات عالمية في بعض الأحيان، وهذا يؤكد أنه لدينا القدرة على تقديم تصاميم يمكن تسويقها في الخارج.
- كانت السعودية ولا تزال سوقاً مهمة بالنسبة للغرب، ونحن لا ننكر ذلك، لكن كنت أتمنى لو أن بيوت الأزياء العالمية أظهرت المزيد من التفهم والاحترام للمنطقة بعقد شراكات وتعاونات مع علامات محلية عوض أن يطرحوا أزياء تقليدية مأخوذة من المنطقة، من دون الاستعانة بخبرات الصناع المحليين. فنحن كما قلت لا نفتقد إلى مصممين موهوبين وكل ما نحتاج إليه أن نمنحهم فرصة ونوفر لهم منبراً.


مقالات ذات صلة

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

لمسات الموضة هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

عهد جديد يكتبه ويليام كوستيلو الابن بعد وفاة والده

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد…

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

استمرارية الدار لم تكن نتيجة التمسك بالماضي، بل نتيجة القدرة على قراءة التحولات، وتقديم رؤية جديدة في كل مرحلة

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

تزامن توقيت عيد الحب ورمضان الكريم أربك العملية التسويقية لبيوت الأزياء لكنه كان فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان.

جميلة حلفيشي (لندن)

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
TT

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً. سبب الضجة لا يعود إلى حضوره بقدر ما يعود إلى التوقيت. فقد كان بعد ساعات من توقيف شقيقه أندرو لدى الشرطة البريطانية بشبهة ارتكاب مخالفات، فيما يمكن اعتباره أول انتكاسة من نوعها للعائلة الملكية.

الملك تشارلز الثالث خلال زيارته للمعرض يستمع لمجموعة من المصممين الصاعدين (رويترز)

الأمر الذي جعل البعض يُفسر هذا الحضور بأنه رسالة رمزية عن الاستقرار واستمرار الحياة، بينما الحقيقة أبسط من ذلك. فالزيارة كان مخططاً لها مسبقاً كجزء من جدول ارتباطاته الرسمية، وليس «ظهوراً مفاجئاً» كما نشرت مجلة «فوغ». ربما يكون المفاجئ في الأمر جلوسه في الصف الأمامي لمتابعة عرض المصممة تولو كوكر، لا سيما وأن هذه الأخيرة، وهي واحدة من الذين تلقوا دعماً من مؤسسة تشارلز الثالث The Prince’s Trust التي أسسها عندما كان ولياً للعهد، لم يكن لديها أدنى علم أنه سيحضر عرضها. صرّحت لمجلة «فوغ» بأنها «سمعت شائعة» في وقت سابق من الأسبوع تفيد بأنه «قد يُشرّف عرضها بحضوره» لكن لا أحد أخبرها رسمياً.

الملك مع المصممة ستيلا ماكارتني خلال زيارته للمعرض (رويترز)

من جهة أخرى، لا بأس من التنويه بأن الملك تشارلز ليس غريباً على الموضة. فقد صنَّفته عدة مجلات رجالية ضمن أكثر رجال العالم أناقة عدة مرات نظراً لاهتمامه بأدق التفاصيل وإطلالاته الكلاسيكية الراقية. كما أنه من أكثر الداعمين للبيئة والتدوير واستعمال مواد عضوية وما شابه من أمور تصب في مجال «الموضة المستدامة» قبل أن تُصبح وسماً رائجاً على وسائل التواصل الاجتماعي. معروف عنه أيضاً رعايته لعدة مبادرات تدعم الحرف اليدوية المحلية.

تجدر الإشارة إلى أن هذه ثاني مرة يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً ومباشراً. سبقته إلى ذلك والدته الراحلة إليزابيث الثانية في عام 2018، عندما حضرت عرض ريتشارد كوين بعد فوزه بجائزة تحمل اسمها، تم إطلاقها لأول مرة في ذلك التاريخ.

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

ومع ذلك لا يختلف اثنان على أن هذا الحضور لم يكن عبثياً. فالموضة صناعة تتقاطع فيها السياسة مع الثقافة والاقتصاد إلى جانب الاستدامة والهوية، ووراء التصفيق والابتسامات المتبادلة تكمن طبقات من الرمزية الهادئة بأن الحياة العامة مستمرة بسلاسة.


في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.