«ليالي أوجيني»... حين تسرق «النوستالجيا» قلوب المشاهدين

«ليالي أوجيني»... حين تسرق «النوستالجيا» قلوب المشاهدين

ثراء الشخصيات واختيار مدينة بورسعيد مسرحاً للأحداث أضفيا مصداقية على العمل
الخميس - 24 شهر رمضان 1439 هـ - 07 يونيو 2018 مـ رقم العدد [ 14436]
أمينة خليل وظافر العابدين - أمينة خليل في لقطة من المسلسل
القاهرة: داليا عاصم
في ظل الزخم الدرامي لرمضان 2018 تمكّن مسلسل «ليالي أوجيني» من جذب المشاهدين بل أخذهم لمصر الأربعينات بتنوعها ورقيّها الفني والفكري والاجتماعي. تدور أحداث المسلسل حول تفاصيل الحياة الاجتماعية لطبقة أرستقراطية تعيش في مدينة بورسعيد، كبطل مكاني في العمل الدرامي كما يلعب «تياترو أوجيني» دوراً في تطور أحداث الدراما. نجح صناع العمل والمخرج هاني خليفة في اختيار مواقع التصوير بعناية فائقة، ففي تلك المدينة الساحلية النائية يعيش بطل القصة «فريد» الذي يلعب دوره الفنان التونسي ظافر العابدين مع زوجته اللبنانية عايدة «أرملة شقيقه» وابنتهما نادية بعد زواج تقليدي من دون حب. لتلعب الصدفة دوراً في لقائه بـ«كاريمان» التي تلعب دورها باقتدار الفنانة المصرية أمينة خليل، وهي هاربة من القاهرة في محاولة منها للحاق بالباخرة التي تقل ابنتها الرضيعة إلى باريس بعد أن قتلت زوجها الذي كان يعاملها بقسوة بالغة وحرمها من ابنتها مرسلاً إياها إلى فرنسا مع شقيقته. كاريمان تفقد الوعي أمام «تياترو أوجيني» وتلتقي مع «فريد» وتنشأ بينهما قصة حب تدريجياً وتتداخل مع قصتهما حكايات غرام أخرى، تعاني من الفكر الطبقي الذي كان سائداً في تلك الفترة، حيث كان المجتمع لا يرحب بزواج أبناء الطبقة الفقيرة من أبناء الطبقة الأرستقراطية.

استطاع المسلسل منذ عتبته الأولى «شارة المسلسل» التي تغنّت بها المطربة المميزة نسمة محجوب، أن يمهد للمشاهد أنه على موعد مع الرومانسية الخالصة بعيداً عن صخب أحداث العنف والقتل والسرقة والإرهاب التي تسيطر على أحداث المسلسلات الأخرى، لتسير يومياً بتناغم جميل، ولا يخفى أن كاتبتَي المسلسل، سماء عبد الخالق وإنجي القاسم، قامتا بجهد كبير في مراحل البحث وكتابة تتابع العمل الدرامي بدقة، ففي كل مشهد لا بد أن يخرج المشاهد بشيء جديد يجذبه للمتابعة وكل حلقة غنية بالأحداث، أيضاً كل شخصية تم تحديد مرجعيتها وخلفيتها وصراعها النفسي بعناية فائقة جعلت أداء الممثلين صادقاً لدرجة كبيرة لم نعهدها في الدراما المصرية في الآونة الأخيرة. وتجري أحداث الحلقات الآن بتسارع ممزوج بالتشويق، حيث اعترف «فريد» لـ«كاريمان» بحبه، رغم أنه لا يعرف عنها الكثير ولا يعلم قصتها وأنها تستعد للبحث عن ابنتها.

كل ممثل استطاع ببراعة أن يجعل الجمهور يصدقه ويعيش مشاعره، بدءاً من الممثل البارع ظافر العابدين، الذي يبدو بالفعل كرجل من أربعينات القرن الماضي، تنافسه في الأداء الفنانة أمينة خليل التي استطاعت أن تعكس المشاعر المتناقضة والحزن الدفين لسيدة فقدت ابنتها وتصارع لكبح قصة حب تأخذها عنوة من أحزانها، فضلاً عن اهتمامها بكل التفاصيل في الحركة والحديث لتخرج الشخصية بكامل مصداقيتها. أيضاً أداء الفنانة إنجي المقدم كان جيداً، مع أداء راقٍ كذلك من الفنانة اللبنانية كارمن بصبيص، وأيضاً الفنانة ليلى عز العرب التي تلعب دور الأم المتسلطة التي تفسد حياة ابنها وتقتل قصة حبه. من المبهر حقاً في هذا العمل الديكورات والدقة في اختيارها لتلائم الحقبة الزمنية، أما تصميم الملابس والأزياء فقد تم باحترافية عالية أصبحت مرتبطة باسم مصممة الأزياء ياسمين القاضي التي صممت أيضاً أعمالاً مهمة مثل «جراند أوتيل» و«لا تطفيء الشمس».

الحقيقة أن هناك روائع درامية مصرية تناولت تعدد الجاليات الأجنبية في مصر منها «زيزينيا» و«لا أحد ينام في الإسكندرية» وكلها تركت أثراً كبيراً في قلوب المشاهدين، مما يثير تساؤلاً: هل تميُّز المسلسل ناجم عن اللعب على وتر الحنين إلى الماضي أم أن سر النجاح كون الحبكة الدرامية مأخوذة من مسلسل إسباني «فورمات إسباني» كما حدث العام الماضي مع مسلسل «جراند أوتيل»؟

«ربما يكون السر في العاملين معاً»، هكذا أوضح الناقد الفني محمد قناوي، لـ«الشرق الأوسط»، قائلاً: «هذه الحقبة الزمنية اتسمت بالثراء ليس في مصر فقط، بل عالمياً وكانت من أهم الحقب التاريخية المكتظة بالأحداث».

وأكد قناوي أن الديكورات جسّدت العظمة والفخامة في مدينة بورسعيد، وأن قصص الحب والرومانسية في العمل جعلته يغرد خارج السرب الرمضاني هذا العام، والذي أُغرق في أعمال العنف والقتل. وأضاف: «للأسف 70% من الأعمال هذا العام تناسخت أفكارها بل تكاد تكون متطابقة، وذلك يرجع لعدم وجود رؤية إنتاجية شاملة بعد أن خرجت الدولة من خريطة الإنتاج، وقد استطاع (ليالي أوجيني) أن ينجو من نمطية أعمال هذا العام».

وتابع: «عناصر العمل كلها متكاملة من سيناريو وإخراج وقد استطاع هاني خليفة أن يقدم نفسه ورؤيته باقتدار كبير».

وحول الخطأ في أحد المشاهد التي ظهرت فيها الفنانة الشابة مريم الخشت «نبيلة» تنظر إلى صورة والدتها الراحلة، لكن الصورة لم تكن صورة لأحد الممثلين بالعمل، بل كانت الملكة ناريمان الزوجة الثانية للملك فاروق، يقول قناوي: «السبب الرئيسي هو ضيق الوقت وضغط المنتج لفريق العمل، وهي أصبحت حالة سائدة بين المنتجين في مصر، فلم تعد الأعمال تأخذ حقها في المراجعة والتصحيح والمونتاج، بل يتم الانتهاء من الحلقات الساعة الخامسة وترسل إلى القنوات بعدها لتُعرض، وهذا يؤدي إلى أخطاء فادحة في أعمال بُذل فيها جهد كبير».

ويتفق الناقد الفني نادر عدلي حول رأيه في سر نجاح «ليالي أوجيني» مع قناوي، قائلاً: «نجاحه واضح، لأنه عمل مختلف يتناول حقبة تاريخية غنية لم يكن هناك اهتمام بها من قبل؛ لأنها مكلفة إنتاجياً، واعتقاداً من المؤلفين والمنتجين أنها لا تلائم الجيل الحالي، لكن ثبت أن (ليالي أوجيني) استطاع أن يؤكد ميل المشاهد إلى هذه النوعية من الأعمال».

وأكد عدلي أن «الاقتباس من العمل الإسباني غير ظاهر، واختيار صناع العمل لمدينة بورسعيد موفق للغاية، وهناك اهتمام بشكل الطبقة التي كانت تعيش في تلك الحقبة في هذه المدينة». وعلق عدلي لافتاً إلى أن اختيار الممثلين كان رائعاً: «كل ممثل يبدو كأن الدور قد كُتب له خصيصاً»، وأشاد بدور كل من أسماء أبو اليزيد «المنولوجيست»، والفنانة اللبنانية كارمن بصبيص.

وذهب عدلي إلى أن تصميم الملابس أضفى الكثير من الصدق على الأداء الباهر للممثلين. وأشار إلى أن المخرج هاني خليفة يعد أكثر المخرجين تميزاً هذا العام «فقد نجح في خلق حالة خاصة جداً في الدراما المصرية»، معتبراً أنه البطل الحقيقي في هذا العمل.

أخبار ذات صلة



اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة