مسرحية «الاعتراف» طلب اعتذار غير مباشر ممن يسيئون إلى سوريا

مسرحية «الاعتراف» طلب اعتذار غير مباشر ممن يسيئون إلى سوريا

ضمن 9 مشاهد تبرز ضرورة إقرار الجلاد بظلمه للضحية
الاثنين - 21 شهر رمضان 1439 هـ - 04 يونيو 2018 مـ رقم العدد [ 14433]
مسرحية «الاعتراف» تطلب اعتذار الجلاد من ضحيته ضمن رسائل مبطنة

في منزل صغير بدمشق يعيش ضابط أمني سابق، يلفّ محيطه حراك شعبي ينقلنا إلى عام 2012، إذ تدور أحداثه في سياق يوم واحد فقط، تجري فيه مشاهد مسرحية «الاعتراف» التي كتبها وائل قدور وأخرجها عبد الله الكفري. يرتكز هذا العمل المنوي عرضه على خشبة مسرح «دوار الشمس» في 9 و10 يونيو (حزيران) الحالي في العاصمة اللبنانية بيروت، على تقديم عملين أدبيين في وقت واحد.
فطبيعة القصة ومحورها شخصية الضابط المتقاعد جلال الذي يُطلب منه العودة للخدمة بعد اندلاع الحراك المذكور، يولّد مقاربة ما بينه وبين بطل عمل مسرحي يحضّر له ابن شقيقته عمر، بعنوان «الموت والعذراء» للكاتب التشيلي آرييل دروفمان. فالتمرينات التي كان يتدرب عليها هذا الأخير في المنزل نفسه، توقظ لدى خاله (الضابط الأمني) ذكريات قديمة؛ هو الذي يرغب في استعادة امتلاكه القوة التي اعتاد على ممارستها لسنوات طويلة، لا سيما أنّ العمل يقوم على لقاء ملتبس بين سجين وجلاد سابقين.
تأخذنا مسرحية «الاعتراف» إلى وقائع يوم واحد من حياة جلال الذي يقف أمام ماضيه وخياراته الجديدة، طارحة أسئلة مختلفة تتعلّق بفكرة تطبيق العدالة واعتراف الجلاد بالظّلم الذي مارسه تجاه ضحاياه. وبغض النظر عمّن سيكون المنتصر في ختام المسرحية فهي تؤكد ضمن نص محبوك يُقدّم في أجواء المسرح المؤسلب بضرورة تقدّم الظّالم بالاعتذار ممن أساء إليهم واعترافه بخطئه علناً. أمّا الموسيقى المقتبسة عن مقطوعة قديمة لشوبرت بعنوان «موت العذراء» المرافقة للعمل، فتلعب دوراً أساسياً فيه، يأخذنا مؤلفها عبد قبيسي إلى منطق التّكرار مشيراً بذلك إلى الألم الذي عانت منه إحدى الفتيات إثر اغتصابها 14 مرة من قبل طبيبها. فالمقاربة التي تعتمدها المسرحية ما بين ضرورة «الاعتراف» من قبل الضابط الأمني بذنوبه وقصة الطبيب في «الموت والعذراء» المتشابهين بأدائهما الظالم تولّد أجواء بيئتين متشابهتين بالمغزى والروح ومختلفتين بالزمن.
ويشير مخرج المسرحية عبد الله الكفري إلى أنه يحاول تقديم عمل يرتكز على نص واقعي ترصد حواراته ما يدور في كنف بيت مغلق تلفه مواجهات مع الذات. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «التوتر الذي كان يخيم على تلك الحقبة في سوريا حاولت نقله إلى خشبة المسرح من دون أن يتأثّر بخطاب أو تحليل سياسي مباشر. كما يشكّل الضابط الأمني شخصية حقيقية تصاب بالخوف والهلع عندما تكتشف مرآة ذاتها من جراء أحداث المسرحية التي يتمرّن عليها ابن أخته، فتفتح الأبواب أمامه على أسئلة كثيرة يحاول أن يجد لها أجوبة شافية».
يُبرز النّص ملامح كل شخصية تشارك فيه وتتألف من خمسة ممثلين (أسامة حلال وجمال سلوم ووحزة حمادة وسهى نادر وشادي مقرش)، ضمن حوارات تدور حول الخوف والعدالة والضحية. هذا الخوف الذي يراه المشاهد على وجوه الممثلين جميعاً باستثناء الضابط، هو العنوان العريض للمسرحية التي لا تقدّم أجوبة بل تكتفي بعرض واقع مؤلم.
وبين محاسبة الفتاة لمغتصبها التي وبعد مرور 15 سنة على تعرضه إليها تتعرف إليه من صوته كونها كانت معصوبة العينين طيلة مدة اغتصابها، ومحاسبة الضابط لنفسه أمام أخطاء ارتكبها في الماضي، نشاهد شريطاً ينقل طبيعة العلاقات بين الشّخصيات الخمس التي تعرف في قرارة نفسها بأنّها تقوم بأداء تمثيلي محترف تكتنفه طلعات ونزلات تضفي في خلفيتها الثقل على المشاهد التسعة للمسرحية. فتحاول مرات أن تحمي خلاله شخصية أخرى أو تتجنب وقوع مشكلة ما، وأحيانا أخرى إيجاد الحل المناسب لها. وانطلاقاً من المقاربة بين الوضعين (وضع الضابط ووضع الفتاة)، يعيش مشاهدها تجربة فنية جديدة من نوعها تدمج ما بين أدب أميركا اللاتينية وآخر سوري الهوية والطابع.
«الاعتراف» مسرحية تروي من خلال مجريات مسرحية أخرى، الصراع ما بين القيم الإنسانية ومتعة السّلطة ضمن قالب فني يجزئ وضوح المنطق في صور مغبشة أحياناً، لإثارة مبدأ العدالة الذي يجب أن يطبّق في عالم يمارس الظلم على شعوب أنهكها أداء حكامها تجاهها.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة