في الوقت ذاته الذي كان فيه رئيس الحكومة الإيطالية الجديد، الذي كُلِّف مرة أخرى بعد أسبوع من فشل المحاولة الأولى، يعلن أسماء أعضاء حكومته من مقر رئاسة الجمهورية في قصر الكويرينالي بروما، كان الستار يُرفَع في البرلمان الإسباني عن المشهد ما قبل الأخير في مأساة سقوط حكومة ماريانو راخوي المحافظة، بعد أن ضمن زعيم الحزب الاشتراكي بيدرو سانشيز الأصوات الكافية لتأييد طلبه سحب الثقة من حكومة الحزب الشعبي الذي تنخره الصراعات الداخلية، وتتآكل شعبيته تحت ضغط فضائح الفساد المالي منذ سنوات.
وما إن تأكد التأييد الكافي لطلب سحب الثقة حتى بدأت تظهر البوادر الأولى لاندلاع الحرب المفتوحة بين أجنحة الحزب الشعبي، وتياراته حول بقاء راخوي زعيماً للمعارضة بعد سقوطه، أو استقالته من رئاسة الحزب وتجديد قيادته استعداداً للانتخابات المقبلة التي يُخشى أن يمنى فيها بهزيمة أخرى مدّوية قد تؤدي إلى انهياره نهائياً لصالح حزب «مواطنون».
وفي تلك الأثناء، كان راخوي يتناول طعام الغداء مع عدد من وزرائه في مطعم بالقرب من مقر البرلمان لم يخرج منه قبل ثماني ساعات متجاهلاً النقاش الدائر في جلسة الثقة حيث كانت حكومته تتعرض لوابل انتقادات المعارضة.
وكان النقاش حول بقاء راخوي في زعامة الحزب قد بدأ في اللحظة التي أعلن الناطق بلسان الحزب القومي الباسكي تأييد سحب الثقة المقدّم من سانشيز الذي كان يتلقّى التهاني من خصمه ومنافسه على قيادة المشهد اليساري، الأمين العام لحزب «بإمكاننا» اليساري الراديكالي بابلو ايغليسياس، الذي عبر عن ارتياحه الخميس قائلاً: «أخيراً سنخرجه (الحزب الشعبي) من الحكومة».
يصل سانشيز إلى رئاسة الحكومة وفي الوقت الذي تراجعت شعبية الحزب الاشتراكي إلى أدنى مستوياتها في العقود الأربعة الأخيرة.
وإلى جانب أعضاء الحزب الاشتراكي الـ84، أيد حزب «يونيدوس بوديموس» اليساري الذي يمتلك 67 مقعدا وعدة أحزاب إقليمية أخرى حجب الثقة عن راخوي. وجاء التصويت نتيجة تورط حزب الشعب اليميني الوسطي المنتمي إليه راخوي في فضيحة أدت إلى صدور أحكام بالسجن بحق أعضاء من الحزب، لدورهم في قضية الفساد «أوبراسيون جورتل» المستمرة منذ وقت طويل.
وتتعلق الفضيحة بضلوع رجال أعمال إسبان في دفع رشى إلى سياسيين من حزب الشعب مقابل الحصول على عقود عامة مربحة. وهذا هو رابع تصويت بحجب الثقة منذ انتهاء القيادة الديكتاتورية برئاسة فرانكو في عام 1975، والأولى التي يُقال فيها رئيس وزراء.
ويُعتبر وصول سانشيز انتصاراً شخصيّاً، فيه لذّة طعم الانتقام، بعد أن استعاد زعامة حزبه من رحم الصراعات الداخلية وضدّ إرادة القيادات التاريخية النافذة مثل رئيس الوزراء الأسبق فيليبي غونثاليث، ورغم الحملة القاسية التي شنّتها عليها صحيفة «الباييس» - كبرى الصحف الإسبانية وأوسعها تأثيرا - بهدف إقصائه وتدميره.
وقال سانشيز، 46 عاماً، أستاذ الاقتصاد السابق الذي يوصف بأنه «رجل إسبانيا الوسيم»، أمس (الجمعة): «اليوم نكتب صفحة جديدة من تاريخ الديمقراطية في بلدنا».
عاد سانشيز إلى قمة السلطة بعد عشرين شهراً من إنزاله عن زعامة الحزب فيما يشبه مؤامرات المافيا. تنازل عن مقعده في البرلمان رافضاً قرار حزبه منح الثقة لحكومة راخوي، ثم عاد الآن إلى مسرح الجريمة ليطلق بيده رصاصة الرحمة على ألدّ خصومه ويخرجه من هرم السلطة.
لم يسبق أن تولّى قيادة الحكومة الإسبانية رئيس من خارج البرلمان انهزم حزبه في الانتخابات، على صهوة الثقة المسحوبة من الحكومة في أصعب المراحل السياسية منذ وفاة الديكتاتور فرانكو. يدخل سانشيز قصر مونكلوا عارفاً أنه سيكون حبيس مزاج الخصوم الذين لا يريدونه بقدر من يريدون التخلص من راخوي، ورهينة الابتزاز المعلن للأحزاب القومية والانفصالية.
ولإقناع الباسكيين، تعهد سانشيز لهم بعدم المساس بالميزانية التي تتضمن مخصصات كبيرة لمنطقة الباسك. كما وعد انفصاليي كاتالونيا بأنه سيحاول «بناء جسور الحوار» مع حكومة كيم تورا. ووصل في النهاية حيث كان دائماً يسعى إلى الوصول.
وقال رافايل ايرناندو زعيم كتلة نواب الحزب الشعبي الذي يقوده راخوي، كما نقلت عنه الصحافة الفرنسية، إن «سانشيز يريد أن يصبح رئيساً للحكومة بأي ثمن» لكنه «سيدخل إلى لامونكلوا (مقر رئاسة الحكومة) من الباب الخلفي».
لم يقطع سانشيز أي وعد بالدعوة إلى إجراء انتخابات، لا يطالب بها سوى الحزب الوحيد الذي لم يؤيد سحب الثقة، «مواطنون» الذي يتحيّن الفرصة للقضاء على ما تبقّى من ركام الحزب الشعبي الواقف على باب المذبحة.
عاد ليحكم بالميزانية التي وضعها الحزب الشعبي ورفض حزبه تأييدها، وحرص على عدم الإفصاح عن الوصفة التي يحملها في جعبته لمعالجة سرطان الانفصال في كاتالونيا. عاد سانشيز العنيد والمثابر ليعيد إلى الاشتراكيين في عشرة أيام ما كانوا قد خسروه في السنوات الخمس الماضية. عاد بفضل براعته في افتراس اللحظة المناسبة للانقضاض على الخصم المثخن بالطعنات، على أنقاض حكومة تكلّس الفساد في مفاصلها وشُلّت معها المؤسسات وانسدّت قنوات الحوار بين القوى السياسية. عاد وفي نيته أن يستمرّ حتى نهاية ولاية البرلمان من غير أن يدعو إلى إجراء انتخابات مبكرة تطالب بها قطاعات واسعة من الرأي العام.
رئيس يذهب لأنه رفض الاستقالة بعد أن خسر الأغلبية، وآخر يأتي رافضاً أن يطلب الحصول على الأغلبية في الانتخابات، ولا يضمن سوى تأييد نواب حزبه الذين يشكّلون 24 في المائة في البرلمان.
كان ثمّة إجماع على ضرورة إزاحة حكومة راخوي لأسباب أخلاقية وسياسية، وتجاوب واسع مع الخطوة التي أقدم عليها سانشيز لاستعادة الثقة بالمؤسسات وقدرتها على مواجهة الاستحقاقات الكبرى. لكن إصرار هذا الأخير على عدم الدعوة إلى إجراء انتخابات في ظل التوزيع الراهن للقوى السياسية في البرلمان، فيه قدر كبير من المجازفة يضفي عنصراً آخر يضاعف من خطورة أزمة النظام الديمقراطي في إسبانيا.
سقوط حكومة راخوي الإسبانية المحافظة
https://aawsat.com/home/article/1287256/%D8%B3%D9%82%D9%88%D8%B7-%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%B1%D8%A7%D8%AE%D9%88%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%B8%D8%A9
سقوط حكومة راخوي الإسبانية المحافظة
الاشتراكي «الضعيف» سانشيز رهينة ابتزاز الأحزاب القومية والانفصالية
ماريانو راخوي المهزوم (يمين) يصافح ويهنِّئ خصمه السياسي الاشتراكي المنتصر بيدرو سانشيز بعد تمرير مشروع سحب الثقة في البرلمان (رويترز)
- مدريد: شوقي الريّس
- مدريد: شوقي الريّس
سقوط حكومة راخوي الإسبانية المحافظة
ماريانو راخوي المهزوم (يمين) يصافح ويهنِّئ خصمه السياسي الاشتراكي المنتصر بيدرو سانشيز بعد تمرير مشروع سحب الثقة في البرلمان (رويترز)
مواضيع
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




