ليبيا: {الشريعة} أولا.. أم الدستور؟

قرار البرلمان بجعل القوانين الإسلامية مصدرا وحيدا للتشريع بين القبول والرفض

ليبيا: {الشريعة} أولا.. أم الدستور؟
TT

ليبيا: {الشريعة} أولا.. أم الدستور؟

ليبيا: {الشريعة} أولا.. أم الدستور؟

تشتعل في ليبيا.. عدة حروب.. فعلى الأرض قتال ومعارك بين ميليشيات من أجل النفوذ والقوة والسلطة، وفي قاعات السياسة، تشتعل حرب أخرى من أجل، الهوية، والدستور، والتشريعات والقوانين. فالبرلمان الليبي اتخذ خطوة جريئة ومثيرة للجدل الأسبوع الماضي، تنص على أن «الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع الوحيد في ليبيا.. وأنه يقع باطلا كل ما يخالف أحكامها من التشريعات.. وكل مؤسسات الدولة ملزمة بذلك». وأثارت هذه الخطوة جدلا كبيرا بين القبول والرفض.. وسيعزز القرار، بقوة، التأثير على قوانين البلاد خاصة المصرفية التي بدأ العمل الفعلي لتعديل طريقة تعاملها بالفوائد. يقول منتقدو القرار، هذا عمل باطل، ولا يجوز للبرلمان أن يقرره. ومحاولة من البرلمان لمصادرة أعمال هيئة صياغة الدستور التي ستنتخب الشهر المقبل. لكن الشيخ بشير الكبتي، المسؤول العام لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، قال إن «الشيء الوحيد الذي يتفق عليه الليبيون هو المرجعية الشرعية للقوانين.. فهي ليست محل خلاف». وبات التساؤل الآن أيهما أولا.. أحكام الشريعة.. أم الدستور؟

يقول إبراهيم عميش رئيس حزب الجبهة الديمقراطية الليبية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «البرلمان يتخذ قرارات مطعونا فيها.. وهذا لا يجوز دستوريا». وأضاف قائلا، إن «الإجراءات التي يقوم بها البرلمان يبدو منها أنه يحاول استرضاء جماعات متشددة، ويحاول في نفس الوقت أن يضع يده على أعمال هيئة تأسيس الدستور مستقبلا».
إبراهيم صهد، عضو البرلمان الليبي، دافع عن القرار، وشدد على أنه جاء ليعيد التأكيد على أن «أي تشريع أو قانون مخالف للشريعة الإسلامية لن يكون قانونيا ولا دستوريا». وردا على اتهامات للبرلمان بأنه اتخذ قراره بشأن الشريعة لاسترضاء جماعات متشددة ومسلحة، قال صهد لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك من يطالب بالشريعة ونحن نقول لهم إن هذا الأمر موجود في الإعلان الدستوري ونحن (بالقرار الذي صدر أخيرا) نؤكد عليه».
ويلاحظ قطاع من المراقبين داخل ليبيا وخارجها أن جماعة الإخوان يبدو أنها تهيمن على توجهات وقرارات البرلمان، رغم أنها لا تملك الأغلبية المطلقة فيه. ويشير أحد النواب المستقلين إلى أن هناك الكثير من المؤشرات عن تحالف الجماعة مع نواب من تيارات إسلامية توصف بالمتشددة. ويقول أحد المحللين الأميركيين ممن زاروا طرابلس وبنغازي أخيرا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «هذا يحدث بالفعل رغم ضعف قدرات البرلمان في مواجهة الصراعات المسلحة الحالية هناك».
وعاد البرلمان للواجهة مجددا بإصداره قرارا ينص على أن «الشريعة الإسلامية هي مصدر التشريع في ليبيا»، وما تضمنه من تفاصيل أخرى يشدد من خلالها على أن كل القوانين والتشريعات التي تخالف أحكام الشريعة ستكون باطلة، كما ألزم جميع مؤسسات الدولة بتطبيق هذا الأمر. والغريب في الأمر أن الجماعات المتشددة في ليبيا لم يعجبها قرار البرلمان، وأعلنت جماعة أنصار الشريعة أن الحكومة والتمثيل النيابي والديمقراطية «كفر».
ومع ذلك قالت مصادر مصرفية وسياسية ليبية، إن «موضوع تطبيق الشريعة يجري الضغط لإنفاذه والعمل به من أجل إرضاء بعض التيارات المتشددة، وبتواطؤ من بعض الكتل السياسية في البرلمان، وبصمت حكومي»، مشيرا إلى أن هذه الإجراءات بدأت بالفعل من خلال مطالبة البنوك بوضع مراجعات لأعمالها المصرفية وإلغاء نظام الفوائد المعمول به في دول العالم لكن لم يستقر الرأي على النظام الجديد، بسبب خلافات في الرؤى والتفسير في هذا الشأن، لدى عدد من المتشددين.
ويترأس عميش الحزب الذي مر عليه غالبية القيادات الجديدة في ليبيا منذ أسسه في الثمانينات في المنفى وزير الخارجية منصور الكيخيا الذي اختطف من القاهرة في التسعينات وعثر على جثته في ليبيا بعد سقوط نظام القذافي. كما يعد عميش أحد المرشحين لعضوية الهيئة التأسيسية لصياغة دستور البلاد، وهي هيئة ستتكون من 60 عضوا منتخبين بشكل مباشر من الشعب خلال الشهر المقبل.
وقال عميش تعليقا على قرار البرلمان العمل بالشريعة الإسلامية، وعن سبب صدوره في هذا التوقيت: «دستوريا لا يجوز». كما اتهم البرلمان بأنه «يتخذ قرارات مطعونا فيها». وأضاف قائلا، إن «الإجراءات التي يقوم بها البرلمان يبدو منها أنه يحاول استرضاء جماعات متشددة ويحاول في نفس الوقت أن يضع يده على أعمال هيئة تأسيس الدستور مستقبلا».
وأوضح أنه لا يجوز للبرلمان أن يقيد أعمال الهيئة التأسيسية للدستور، ولا أن يتدخل في صياغة الدستور ولا في صياغة أي مادة.. «هذا لا يجوز، لا شرعا، ولا قانونا، ولا عرفا. أعتقد أن القرار اتخذ من أجل محاولة إرضاء الجماعات المتطرفة».
وعن قول أعضاء في المؤتمر بأن قرار الشريعة جاء مجرد «تحصيل حاصل، لأن الشريعة الإسلامية منصوص عليها في الإعلان الدستوري»، رد عميش قائلا، إنه «حتى بالنسبة للإعلان الدستوري، لا ينبغي على أي جهة أن تتحكم في أعمال الهيئة التأسيسية للدستور المقبل، ولا تتدخل في أعمالها، ولا يسيطر عليها المؤتمر الوطني أو أن يحاول توجيهها».
وطرح عميش سؤالا لمح من خلاله إلى وجود ما اعتبره توجهات من البعض في البرلمان لتحقيق مصالح سياسية آنية ووقتية. وقال: «أريد أن أسأل سؤالا، لماذا لم يكتب في القرار (الذي صدر بشأن الشريعة الإسلامية) أن ليبيا دولة عربية أيضا». وأجاب قائلا: «لا يستطيع البرلمان أن يفعل هذا لأنه يخشى من الأمازيغ وغير الأمازيغ. هو، بقرار الشريعة، يعكس خوفه من الإسلاميين، ويريد أن يطمئنهم بأن هذا الأمر سيجري فرضه مقابل أن يبتعدوا هم قليلا عن الواجهة.. يبدو ذلك».
ويشار للإسلاميين المتشددين، وبعض الشخصيات الإخوانية، وجماعات من المسلحين الآخرين، بأنهم وقفوا أمام البرلمان لأيام للضغط عليه من أجل إصدار قانون العزل السياسي، في مايو (أيار) الماضي، ما أدى لإبعاد شخصيات سياسية مدنية، أشهرهم محمود جبريل. وأدى خروج جبريل من اللعبة السياسية، ظاهريا على الأقل، لإضعاف رئيس الحكومة الحالي علي زيدان، الذي جاء تعيينه على رأس السلطة التنفيذية العام الماضي بـ«اتفاق مضمر» بين جبهة جبريل وقطاع من الإسلاميين في البرلمان.
ويقول عميش، إنه «حتى الرغبة في إرضاء المتشددين المشتبه في صلتهم بتنظيم القاعدة لم تتحقق». ويضيف موضحا: «الإسلاميون أصدروا بيانا يعبرون فيه عن عدم رضاهم عن النص الذي ورد في قرار المؤتمر الوطني العام». وعن السبب من وجهة نظره أجاب أن الإسلاميين «خاصة الموالين لـ(القاعدة) ممن يطلقون على أنفسهم (أنصار الشريعة)، قالوا إن هذا لا يرضينا وأن هذا ليس المطلوب»، مشيرا إلى أن هؤلاء الإسلاميين «كانوا يريدون النص في القرار على أن الشريعة الإسلامية مصدر وحيد للتشريع في ليبيا».
وعما إذا كان قرار البرلمان يمكن أن يؤثر على أعمال الهيئة التأسيسية لوضع الدستور، قال عميش، إن «هذا لن يؤثر، خصوصا لو كان في اللجنة أناس جيدون.. هنا أعتقد أنهم سوف يرفضون هذا الأمر، وسيرفضون أيضا قانون الانتخابات.. سيتم إلغاء بعض المواد منه. المؤتمر العام لا ينبغي عليه أن يسيطر على أعمال الهيئة التأسيسية، ودستوريا هذا لا يجب».
ولم تتمكن ليبيا من تحقيق استقرار يذكر منذ بداية أحداث ثورة 17 فبراير (شباط) 2011 حتى الآن، بسبب الفشل في تفكيك الكتائب والميليشيات المسلحة، وعدم قدرة الجيش والشرطة على مواجهة تلك الجماعات المتباينة في توجهاتها. لكن الكثير من المحللين يقولون، إن «الخطر يأتي من المسلحين الموالين لتنظيمات متشددة نفذت عمليات في عدة مدن منذ قتل السفير الأميركي وثلاثة من رفاقه في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، حتى سلسلة التفجيرات التي تشهدها مدن بنغازي ودرنة وطرابلس وغيرها».
ومع ذلك يتخوف البعض من أن يستغل أعضاء البرلمان، ومن بينهم إسلاميون أيضا، هذه الأرضية الخطرة لفرض سطوتهم على نظام الحكم في ليبيا خلال الأشهر المقبلة، كما لمح عميش، الذي قال، إن «البرلمان يبدو أنه يريد أن يخفف من حدة أعمال القتل الرهيبة التي تمر بها ليبيا»، وأضاف: «ومع ذلك أعود وأقول إن المؤتمر الوطني لم يكن يجوز له إصدار مثل ذلك القرار. كما أن أطرافا في المؤتمر أصدروا تعليماتهم للمفوضية العليا للانتخابات لعمل استطلاع رأي عام حول شكل نظام الحكم واللغة الرسمية للدولة».
ولا يوجد تفسير لدى عدد من السياسيين الليبيين لتدخل البرلمان في مثل هذه الأمور.. «هذا لا يجوز للمؤتمر الوطني. هذه مهمة الهيئة التأسيسية لعمل الدستور فيما بعد». كما يقول عميش.. والذي أضاف موضحا أن «البعض يقول إن هذه الإجراءات مجرد استئناس.. أي استئناس هذا الذي تقوم به اليوم، لتفرضه غدا؟ الكثير من أعضاء المؤتمر يحاولون فرض أنفسهم على مثل هذه الأمور لأنهم يخشون من أن تكون الهيئة التأسيسية للدستور، بعد انتخابها، بديلا لهم بالكامل».
ومن جانبه رفض الشيخ بشير الكبتي، مسؤول «الإخوان» في البلاد، التهم الموجهة للجماعة خاصة بشأن استفادتها من قرار البرلمان أو تعاونها مع تنظيم القاعدة أو المتشددين الآخرين. وطرحت «الشرق الأوسط» ما يتردد في الأوساط الليبية بخصوص قرار البرلمان، على الشيخ الكبتي، وهي أن البعض يرى أن القوانين والتشريعات القائمة في ليبيا سيتم تعديلها لتكون وفقا للشريعة الإسلامية، وأن قطاعا آخر يرى أن هذا الأمر مذكور في الإعلان الدستوري، وبالتالي كان يجب الانتظار إلى حين صياغة دستور دائم للبلاد، وأن جانبا ثالثا يرى أن القرار جاء بضغوط من متشددين إسلاميين.
ورد المسؤول العام لجماعة الإخوان في ليبيا على هذه الآراء بقوله: «بصرف النظر عن تعددها، والتي قد تكون صحيحة، لكن الشيء الذي يوجد عليه اتفاق بين الليبيين أن قضية المرجعية الشرعية للقوانين ليست محل اختلاف لدينا. يوجد اتفاق عليها سواء وردت في دستور أو في قانون من المؤتمر الوطني العام. هذا لا يمثل إشكالية لدينا والحمد لله».
لكن هل يمكن أن يؤدي هذا إلى تعديل قوانين قائمة، بالفعل؟ هنا أجاب الشيخ الكبتي عن السؤال موضحا أن «السيد وزير العدل أصدر قرارا بتشكيل لجنة، من قبل، على أساس أن تراجع كل القوانين وينظر في مدى بعدها أو قربها من الشريعة الإسلامية. والحمد لله رب العالمين، أن الشريعة الإسلامية فيها سعة لكثرة مذاهبها. وأصلا القوانين الليبية في معظمها ليس فيها الإشكالية الكبيرة التي قد تحتاج إلى نوع من الحراك الكبير لتغييرها، لكن يوجد توافق.. جهود الحكومة وجهود المؤتمر الوطني، إضافة لجهود مؤسسات المجتمع المدني، كلها تسير في (هذا) الاتجاه».
هل مثلا سيتم إلغاء مسألة الإقراض بالفوائد، التي يعدها بعض الإسلاميين ربا؟ يجيب الشيخ الكبتي: «موضوع المصارف صدر فيها قانون، وهو الآن في محل التطبيق على أساس إلغاء الفوائد الربوية، وأن المصارف تتجه لتعديل أعمالها حسب الشريعة سواء في المضاربة أو المرابحة أو أي صور أخرى يمكن ألا تتعارض مع الشريعة». وقال: «نحن في ليبيا نسير في هذا الاتجاه، وأعتقد أن هناك قوانين صدرت في هذا الأمر. وأعتقد أنه مع بداية السنة القادمة لا بد أن تكون جميع المصارف في ليبيا تعمل وفقا للشريعة الإسلامية».
وعن اتهام أحد قادة جماعة الجهاد في مصر لجماعة الإخوان في ليبيا بأنها تتعاون مع تنظيم القاعدة في ليبيا، قال الشيخ الكبتي: «نحن، كـ(إخوان)، ننفي هذا.. ومن باب أن أهل مكة أدرى بشعابها، فنحن لا نعرف أن هناك تنظيم قاعدة له جهد أو عمل (في ليبيا).. توجد بعض المجموعات لها عمل في (مدينة) درنة وبعضها له توجه تكفيري أو توجه جهادي، لكن بمعنى التنظيم (الموالي للقاعدة) فهذا ليس عندنا في ليبيا حتى نتعاون معه. فليس لنا أي تعاون مع هؤلاء إن وجدوا، وهو كلام غير صحيح».
كما نفى المسؤول العام لجماعة الإخوان في ليبيا ما تردد عن وجود تعاون مع بعض الجماعات الإسلامية المسلحة الأخرى والمتهمة بممارسة الإرهاب في البلاد، قائلا، إن «هذا غير صحيح أيضا. نحن ليس لدينا إرهاب في ليبيا. يوجد فقط اغتيالات».
ووجه الكبتي اللوم للحكومة بشأن استمرار أعمال الاغتيالات في البلاد، وقال: «نحن دائما نلوم الحكومة التي تقول دائما إنها وضعت يدها على المنفذ الحقيقي، ولكن لم يكن هناك شفافية من جانبها في أن تعلن من هم هؤلاء ولم يكن لها دور في قضية كبح جماح هؤلاء المجرمين. هذا في الحقيقة تقصير واضح من الحكومة، ووزارة الداخلية بالذات، في القضاء على مثل هذه الظواهر، سواء في مدينة بنغازي أو في مدينة درنة أو غيرهما».
وفي رده على ما يتحدث به بعض المحللين من أن جماعة الإخوان تضغط من أجل إقالة حكومة زيدان، قال الكبتي: «نحن، كجماعة الإخوان في ليبيا، لنا وضعية تختلف عن الوضع في مصر. نحن معتمدين كمؤسسة من مؤسسات المجتمع المدني، وبالتالي نطالب منذ فترة بأن يكون مستوى أداء الحكومة هو الذي يحكم على بقائها من عدمه»، مشيرا إلى أن «كثيرا من الشرائح في المجتمع تظاهروا لأن الحكومة، بدلا من أن تكون جزءا من الحل، أصبحت جزءا من المشكلة، لأنها لم تقم بدورها كما يجب على الأقل في الجانب الأمني، في الحد الأدنى».
ولم تتوقف أعمال القتل والتفجيرات رغم إصدار البرلمان لقراره بشأن الشريعة. ووصل عدد القتلى من جراء أعمال العنف في بنغازي وحدها إلى أكثر من مائة شخص خلال الأشهر الأخيرة، وعطلت جماعات أخرى عملية تصدير النفط والغاز، ما كلف الدولة خسائر وصلت إلى نحو سبعة مليارات دولار. ولا يثق كثير من الليبيين في قدرة أي تشريعات على كبح جماح العنف. ويرى البعض أن الدولة تحتاج إلى حوار جدي وواقعي بعيدا عن لغة السلاح والتخوين والتوجس. لكن يظل الهاجس الأمني في الواجهة.
وقال الكبتي، إن «معظم أعمال القتل في بنغازي تقيد (في التحقيقات) ضد مجهول، إعلاميا على الأقل. وإلى الآن ليس لدينا وزير داخلية، والقائم بعمل وزارة الداخلية هو نائب رئيس الوزراء.. هذه إشكالية»، لافتا إلى وجود 18 ألف شرطي في بنغازي «تصرف لهم رواتب شهرية لكن لا يأتون لممارسة عملهم، ولتأدية دورهم.. الحقيقة مثل هذه الأشياء لم تعد سرا اليوم.. الشعب الليبي يتحدث عنها، ويرى أن الحكومة عاجزة بل مساهمة في هذا التدهور الأمني الحالي».
ويشير الشيخ بشير الكبتي إلى أحد مظاهر الفوضى، قائلا: «أنت ترى الآن.. لدينا موانئ نفطية وغاز يغلقها حاليا مجموعة من الشباب، وهذه إشكالية لأن الحكومة لم تحرك ساكنا والليبيون يخسرون كل يوم وكل شهر ملايين بل مليارات الدولارات.. من هذا الباب قيمت الحكومة، ومن هذا الباب طلب تغييرها، وهي مسؤولية المؤتمر الوطني وهو المسؤول عن هذا الجهاز التنفيذي الفاشل».
وعلى صعيد جماعات المتشددين الإسلاميين، لا توجد إجابات قاطعة بشأن موالاة البعض منها لتنظيم القاعدة. وتقول جماعة أنصار الشريعة في بنغازي، على لسان قائدها محمد الزهاوي، إنهم «لا علاقة لهم بالقاعدة ولا بعمليات الاغتيالات»، مضيفا في لقاء تلفزيوني إن «جماعته تطالب فقط بدولة إسلامية تحكمها الشريعة». لكن قياديا آخر في الجماعة، يدعى محمود البرعصي، قال لقناة «ليبيا الأحرار» إن «تنظيم القاعدة هو قدوة الجماعة، وأنه لا يعترف بالبرلمان ولا بالحكومة لأنها كافرة ولا بالديمقراطية لأنها كفر».
وبعد إصدار البرلمان لقرار تطبيق الشريعة أصدرت اللجنة الشرعية لجماعة أنصار الشريعة بيانا اعتبرت فيه أن الغاية من قرار البرلمان «الالتفاف على مطالب من ينادون بحاكمية الشريعة الإسلامية»، وطالبت بإقامة «المحاكم الشرعية» و «القصاص ممن أجرم في حق المسلمين في ليبيا قبل الثورة وبعدها» و«الالتزام بأحكام الشريعة في جميع مناحي الحياة»، رافضة «المبادئ التي تتعارض مع الإسلام وعلى رأسها الديمقراطية».
ومن جانبها تقول الحكومة إنها تحاول التغلب على التركة الثقيلة التي تسلمتها، وإنه من الصعب الضغط على زر لإخفاء الميليشيات المسلحة أو القضاء على المتشددين بين يوم وليلة، وهي، وفقا لأحد الوزراء المقربين من زيدان، تحتاج لوقت، وإن الإطاحة بها أو تغييرها في هذا التوقيت يمكن أن يتسبب في حالة فراغ سياسي في البلاد. وفي تعليقه على قرار البرلمان بخصوص الشريعة قال الوزير طالبا عدم ذكر اسمه: «فلننتظر ونر.. نحن مع أي قرار يخفف حدة الاحتقان، ولو مرحليا». ومن جانبه رفض النائب إبراهيم صهد، الذي يشغل أيضا عضوية حزب الجبهة الوطنية اللغط الدائر حول قرار البرلمان بخصوص الشريعة الإسلامية واصفا إياه بأنه مجرد «تحصيل حاصل» لأن النص على الشريعة موجود في الإعلان الدستوري، حسب قوله، مشيرا إلى أن «هذا القرار جاء تأكيدا للإعلان الدستوري الحالي».
حسنا.. طالما هو موجود في الإعلان الدستوري، فلماذا قام المؤتمر الوطني باتخاذ قرار بهذا الشأن؟ يجيب صهد قائلا، إن «هذا لأنه ما زال هناك أناس يطالبون بموضوع الشريعة، ونحن نقول للجميع إن هذا موجود في الإعلان الدستوري، ونحن نؤكد عليه وننوه به، وإن أي قانون مخالف للشريعة لن يكون دستوريا ولن يكون قانونيا».
وفي سؤال بشأن الموقف من القوانين القائمة بالفعل، خصوصا القوانين التي تتعلق بالمعاملات المالية، قال صهد إنه «لا يريد أن يتطرق لهذه التفاصيل في هذا الوقت، لأن باقي التفسيرات توجد لها لجان متخصصة في هذا الأمر». وعما إذا كان يخشى أن يؤدي هذا القرار إلى التأثير على الاستقرار وعلى نظرة المجتمع الدولي للوضع في البلاد، أوضح قائلا: «بالعكس المجتمع الدولي يحترم ليبيا ويحترم نواب الشعب في ليبيا».



مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
TT

مرجعية جنوب لبنان تنتقل تدريجياً من الأمم المتحدة إلى واشنطن

ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)
ممثلو لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة يوقّعون اتفاق الإطار في مقر وزارة الخارجية الأميركية الجمعة (رويترز)

فتح تنامي الدور الأميركي في جنوب لبنان، بالتوازي مع الترتيبات التي أعقبت الاتفاق الإطاري بين لبنان وإسرائيل، نقاشاً سياسياً وقانونياً حول الجهة التي تتولى إدارة هذا الملف في المرحلة المقبلة. وبينما تتمسك قراءات قانونية بأن الأمم المتحدة لا تزال المرجعية التي تستند إليها قرارات مجلس الأمن واتفاقية الهدنة، يرى آخرون أن واشنطن تحوّلت عملياً إلى المرجعية الفعلية بعد انتقالها من موقع الوسيط إلى موقع المشرف على آليات التنفيذ والضمان.

يكتسب هذا الجدل أهمية خاصة مع استمرار البحث في تطوير «الميكانيزم» الذي أُنشئ بعد حرب عام 2024، والحديث عن صيغ جديدة لتعزيز الحضور الدولي في الجنوب، سواء عبر توسيع الدور الأميركي أو إدخال شركاء دوليين إضافيين لدعم تنفيذ التفاهمات الأمنية ومواكبة انتشار الجيش اللبناني. ويعيد ذلك إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز الترتيبات الأمنية إلى طبيعة المرجعية التي تدير الجنوب اللبناني، وما إذا كانت التطورات الأخيرة تمثل تحولاً في الأساس القانوني الذي يحكم النزاع، أم أنها تقتصر على تطوير أدوات تنفيذ القرارات الدولية.

وتعود المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي إلى اتفاقية الهدنة الموقعة عام 1949، التي أرست الإطار القانوني للعلاقة بين الطرفين، قبل أن يتعزز الدور الأممي مع صدور القرار 425 عام 1978 الذي أنشأ قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، ثم القرار 1701 بعد حرب يوليو (تموز) 2006، الذي رسّخ دور الأمم المتحدة في مراقبة وقف الأعمال العدائية ودعم انتشار الجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، وإنشاء لجنة ثلاثية لمعالجة الخروقات. إلا أن محدودية تنفيذ هذه القرارات خلال السنوات الماضية، واستمرار الانتهاكات الإسرائيلية، دفعا إلى استحداث آليات تنفيذية جديدة، كان أبرزها «الميكانيزم»، لتسهيل تطبيق التفاهمات الأمنية، وهو ما أعاد طرح السؤال حول ما إذا كانت المرجعية الدولية بقيت على حالها أم أن إدارة الملف انتقلت عملياً إلى الولايات المتحدة.

المرجعية القانونية لا تزال أممية

في هذا السياق، يرفض الوزير السابق رشيد درباس اعتبار أن تنامي الدور الأميركي يعني انتقال المرجعية القانونية والسياسية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة، مؤكداً أن ما تغير هو أدوات التنفيذ، فيما بقي الأساس القانوني الذي يحكم النزاع على حاله.

وقال درباس لـ«الشرق الأوسط»: «من حيث المبدأ، المرجعية لا تزال واضحة، وهي قرارات مجلس الأمن الدولي. وإذا اضطلعت الولايات المتحدة بدور، سواء عبر آلية المراقبة (الميكانيزم) أو أي إطار آخر، فإن هذا الدور يستند إلى هذه المرجعية الدولية، لأن لبنان لا يملك مرجعية أخرى يستند إليها سوى القرارات الصادرة عن مجلس الأمن».

وأوضح أن وجود الأمم المتحدة لم يتغير من الناحية القانونية، مضيفاً: «قد يكون دور قوات الأمم المتحدة خلال المراحل السابقة محدود التأثير، لكن هذا لا يعني أن الأمم المتحدة خرجت من المشهد. فالمرجعية القانونية والسياسية لا تزال قائمة، وأي خلاف بين لبنان وإسرائيل حول تنفيذ الاتفاقات يبقى مرجعه قرارات الأمم المتحدة، بغض النظر عن الجهة التي تتولى التنفيذ أو المساعدة في تطبيقها».

ورأى أن الحديث عن إمكان مشاركة قوات من دول حلف شمال الأطلسي أو دول أوروبية يجب أن يُفهم في إطار تعزيز قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ مهامه، وليس بوصفه بديلاً عن المرجعية الدولية، قائلاً: «إذا جاءت قوى إضافية لمساندة الجيش اللبناني، فإن ذلك يهدف إلى ضبط الوضع بصورة أفضل، لكنه لا يغيّر المرجعية التي تبقى أممية».

الدور الأميركي... تنفيذ وضغط لا استبدال

ويربط درباس اتساع الحضور الأميركي في الجنوب بالسياق الإقليمي الأوسع، معتبراً أن واشنطن تتولى اليوم أدواراً متشابكة في ملفات المنطقة، ما يجعل انخراطها في الملف اللبناني جزءاً من مقاربة أشمل لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي.

وقال: «الولايات المتحدة منخرطة اليوم في ملفات المنطقة كلها، من غزة إلى إيران وصولاً إلى لبنان، وهي تعمل ضمن رؤية لإعادة رسم المشهد الإقليمي. لذلك من الطبيعي أن يكون لها حضور أكبر في الملف اللبناني أيضاً».

وأضاف: «النفوذ الأميركي في لبنان ليس جديداً، بل هو نفوذ متجذر منذ عقود، إلا أن ما نشهده اليوم يتميز بحضور أكثر وضوحاً، وبعلاقة مباشرة وصريحة مع الدولة اللبنانية».

واعتبر أن هذا النفوذ قد يصب في مصلحة لبنان، موضحاً: «قد يكون من مصلحة اللبنانيين أن يكون للولايات المتحدة هذا الدور، لأنها الجهة الوحيدة القادرة، إذا أرادت، على ممارسة ضغط فعلي على إسرائيل وكبح اندفاعها».

وربط مستقبل الوضع في الجنوب بعاملين أساسيين، هما «مدى جدية الولايات المتحدة في وضع حد للتجاوزات الإسرائيلية، ومدى قدرة الجيش اللبناني على تثبيت سيطرته الكاملة على المناطق التي ينتشر فيها ومنع أي خروق أو تسلل، بما يسقط أي ذرائع قد تستخدمها إسرائيل للاستمرار في عملياتها».

وأكد أن أي حضور أميركي مباشر يمكن أن يشكل ضمانة إضافية لتنفيذ التفاهمات، قائلاً: «وجود الولايات المتحدة يمنح لبنان جهة تستطيع أن تسأل إسرائيل: ماذا تفعلون؟ وما الذي تسمحون به أو تمنعونه؟ وهذا بحد ذاته عنصر ضغط».

بين المرجعية القانونية وآليات التنفيذ

ويجد هذا الطرح ما يدعمه لدى متخصصين في القانون الدولي، الذين يميزون بين المرجعية القانونية التي تحكم النزاع، والآليات التنفيذية التي تُستحدث لتسهيل تطبيقها. وبحسب هذه المقاربة، فإن اتساع الدور الأميركي لا يعني نسخ المرجعية الأممية، بل يعكس محاولة لتفعيل تنفيذ قرارات بقيت لعقود تصطدم بالاعتبارات السياسية والميدانية، سواء نتيجة ضعف الدولة اللبنانية أو استمرار الخروقات الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، يقدم أستاذ القانون والسياسات الخارجية في باريس الدكتور محيي الدين الشحيمي قراءة قانونية تنطلق من اتفاقية الهدنة وقرارات مجلس الأمن، وتخلص إلى أن المرجعية الدولية ما زالت قائمة، وأن ما تغير هو أدوات التنفيذ والضمان، لا الإطار القانوني الذي يحكم النزاع.

وقال الشحيمي لـ«الشرق الأوسط»: إن «المرجعية القانونية للنزاع اللبناني - الإسرائيلي تبدأ باتفاقية الهدنة لعام 1949، مروراً بسلسلة القرارات الدولية التي صدرت تباعاً مع تطور طبيعة النزاع والاعتداءات الإسرائيلية، وصولاً إلى القرار 1701 وما أعقبه من تعزيز دور قوات (اليونيفيل)، فضلاً عن القرارات المرتبطة باستعادة لبنان سيادته الكاملة على أراضيه. وهذه المنظومة القانونية والدولية لا تزال هي المرجع الصالح والأساس الذي يحكم الوضع في الجنوب».

وأوضح أن «الوساطة الأميركية والمفاوضات الجارية اليوم ليست بديلاً عن هذه المرجعية، بل هي جزء من الآليات التنفيذية التي تساعد على استكمال أهداف القرارات الدولية والوصول إلى مرحلة الاستقرار التي نصّت عليها تلك القرارات»، مضيفاً أن «ما يجري اليوم هو (ميكانيزم) مستقل وجزئي لإدارة الأزمة اللبنانية، لكنه لا يبتلع القضية بكاملها ولا يلغي الإطار الأممي الذي يحكمها».

وأشار إلى أن «الورقة الحالية ليست اتفاقية دولية ولا معاهدة، بل هي أقرب إلى وثيقة نيات أو إطار لربط النزاع واستكمال مراحل الحل، وبالتالي فهي أدنى مرتبة من الاتفاقيات الدولية ولا ترتقي إلى مستوى المعاهدات الملزمة».

ورأى الشحيمي أن «لبنان لم يتمكن خلال العقود الماضية من تنفيذ أي من القرارات الدولية بصورة كاملة، بما فيها القرار 1701، سواء بسبب ضعف الدولة وأزماتها الداخلية أو بسبب رفض إسرائيل الالتزام الكامل بتلك القرارات»، معتبراً أن «هذا الواقع استدعى إنشاء آليات تنفيذية خاصة ووساطات دولية لدفع عملية التطبيق قدماً».

وكشف أن «النقاش الدائر حالياً لا يتعلق بإلغاء دور الأمم المتحدة، بل بإعادة صياغة نموذج جديد للشراكة الدولية في الجنوب اللبناني، قد يشمل تمديد مهمة (اليونيفيل) مع إدخال قوات أوروبية إضافية، وربما مشاركة عربية، مع تنسيق أكبر مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في إطار دعم الاستقرار وتنفيذ القرارات الدولية».

وشدد على أن «أي وجود أميركي لن يكون وجوداً عسكرياً قتالياً على غرار قوات (المارينز) في الثمانينات، وإنما سيقتصر على التدريب والدعم اللوجستي وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، وهو أمر يندرج أساساً ضمن اتفاقيات التعاون العسكري القائمة بين بيروت وواشنطن». مؤكداً أنّ «المرجعية الأممية ستبقى المرجعية القانونية الصالحة والصريحة والمستدامة لإدارة النزاع اللبناني، أما المرجعية الأميركية فهي مرجعية سياسية وتنفيذية وجزئية، هدفها ضمان حسن تنفيذ الآليات المتفق عليها وتوفير الضمانات اللازمة لإنجاحها».

وأضاف أن «الوساطة الأميركية تخلق ضغطاً عملياً على الأرض وتوفر الضمانات التي لا تستطيع الدول الأوروبية أو غيرها توفيرها، خصوصاً أن إسرائيل تستجيب عملياً للضغط الأميركي أكثر من استجابتها لأي وسيط آخر».

وأكد أن «الولايات المتحدة تؤدي اليوم دور الضامن لتنفيذ القرارات الدولية، لأن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى تفاهمات، بل في ضمان تنفيذها. ومن هنا تأتي أهمية الدور الأميركي في تعزيز إجراءات بناء الثقة وحسن النيات بين الأطراف، وصولاً إلى تثبيت الاستقرار».

انتقال تدريجي للمرجعية

وفي مقابل هذه القراءة القانونية، يطرح اللواء الركن المتقاعد الدكتور عبد الرحمن شحيتلي مقاربة مختلفة تنطلق من الوقائع السياسية والميدانية أكثر مما تنطلق من النصوص القانونية، معتبراً أن الجهة التي تدير الملف عملياً هي التي تحدد المرجعية الفعلية، بصرف النظر عن استمرار قرارات مجلس الأمن كإطار قانوني للنزاع.

ويستند شحيتلي في قراءته إلى التطور الذي شهدته آليات إدارة الجنوب خلال السنوات الماضية، معتبراً أن الانتقال من اللجنة الثلاثية برئاسة «اليونيفيل» إلى «الميكانيزم»، ثم الحديث عن ترتيبات جديدة بقيادة أميركية، يعكس تحولاً تدريجياً في مركز إدارة الملف.

وقال شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» إن ما يجري اليوم في جنوب لبنان يتجاوز مجرد ترتيبات أمنية أو اتفاقات ميدانية، معتبراً أن لبنان يشهد «تحولاً في المرجعية التي تدير ملفه، ولا سيما في الجنوب».

وقال إن لبنان، «منذ عام 1860، كان يُدار دائماً ضمن توازنات إقليمية تحظى بغطاء دولي، موضحاً أن النفوذ على لبنان تعاقبت عليه قوى مختلفة وفق مراحل تاريخية، بدءاً من الدولة العثمانية، ثم فرنسا، مروراً بمصر وسوريا وإسرائيل، وصولاً إلى تفاهمات دولية وإقليمية شاركت فيها الولايات المتحدة وفرنسا وغيرها». وأضاف: «كان هناك دائماً توافق إقليمي يمتلك امتداداً دولياً لإدارة هذا البلد، فيما بقيت فرنسا، بعد عام 1920، محوراً أساسياً في هذه التفاهمات، مع تبدل القوى الإقليمية الشريكة بحسب موازين القوى في المنطقة».

واعتبر أن التحول الأخطر يتمثل في انتقال الولايات المتحدة إلى موقع المرجعية المباشرة، قائلاً: «منذ صدور القرار 425 عام 1978 أصبحت الأمم المتحدة، عبر قوات اليونيفيل وهيئة مراقبة الهدنة، المرجعية الأساسية في جنوب لبنان. أما اليوم، فإن الولايات المتحدة ألغت عملياً دور الأمم المتحدة، كما همّشت الأدوار الفرنسية والعربية والمصرية، وانفردت بإدارة هذا الملف».

وأضاف أن واشنطن «لم تعد تؤدي دور الوسيط بين لبنان وإسرائيل، بل باتت تفرض بنفسها آليات العمل على الطرفين، ما يعني عملياً انتقال المرجعية من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة». معتبراً أن هذا التطور لا يقتصر على إنهاء النفوذ الإيراني في جنوب لبنان، بل يشمل أيضاً تقليص أدوار جميع القوى التي كانت تاريخياً شريكة في إدارة الملف اللبناني، سواء فرنسا أو الدول العربية أو الأمم المتحدة.

ورداً على سؤال عما إذا كانت الولايات المتحدة أصبحت المرجعية بدلاً من المرجعية الدولية، قال شحيتلي: «الولايات المتحدة أصبحت المرجعية الفعلية، حتى وإن لم يكن هذا الأمر يحظى بموافقة فرنسا أو الدول العربية أو لبنان، إلا أنه الواقع الذي يجري تكريسه».

ورأى أن هذا المسار لم يبدأ مع تشكيل «الميكانيزم» بعد حرب 2024، بل جاء نتيجة تطور تدريجي، موضحاً أن القرار 1701 نصّ على لجنة برئاسة قائد قوات «اليونيفيل» لمعالجة الخروقات بصورة دائمة، «ثم جرى استبدال هذه اللجنة وجاءت بدلاً منها آلية الميكانيزم، واليوم يجري استبدال الميكانيزم لتحل محلها لجنة ثلاثية برئاسة أميركية تضم لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، بما يؤكد انتقال إدارة الملف تدريجياً من الأمم المتحدة إلى الولايات المتحدة».


كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو
TT

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري... «قافلة ترمب» اليمينية تحط رحالها في البيرو

كيكو فوجيموري، 51 عاماً، ستصبح الرئيسة التاسعة للبيرو في أقل من عشر سنوات، وستتولى مهامها يوم الاحتفال بالعيد الوطني، في 28 يوليو (تموز) الحالي. ويأتي توليها الحكم بعدما أعلنت الهيئة الانتخابية النتائج الرسمية النهائية للجولة الثانية من الاقتراع والتي أجريت في السابع يونيو (حزيران) الفائت بين فوجيموري والمرشح اليساري روبرتو سانشيز. وحصلت فوجيموري على 50.135 في المائة من أصوات الناخبين في جولة الإعادة، مقابل 49.865 في المائة لسانشيز، وهو فارق يقل عن 50 ألف صوت، وفق الأرقام التي صدّقت عليها المحكمة الانتخابية في البيرو.

كانت هذه المرة الرابعة التي تترشح فيها فوجيموري للرئاسة تحت راية إرث والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، الشخصية التي دمغت المشهد السياسي في البيرو بالاستقطاب الحاد والعنف وفضائح الفساد خلال العقود الأربعة المنصرمة. وهي سترأس بلداً مشطوراً بشكل حاد إلى معسكرين متناحرين سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، ويعاني من ضعف في المؤسسات، ومن انعدام الاستقرار بعد الاضطرابات والصدمات السياسية التي مر بها. لكن في رصيدها صمودها الطويل في وجه التيّار المناهض لتركة والدها الثقيلة التي رفضت النأي عنها.

وقد لعبت أصوات المهاجرين في الخارج دوراً حاسماً في فوزها، خاصة أولئك الذين يعيشون في الولايات المتحدة حيث توجد أكبر جالية من البيروفيين. ولم تنفع الطعون التي تقدم بها منافسها روبرتو سانشيز في نتائج فرز أقلام المهجر، علماً بأنه هدد برفض الاعتراف بها والدعوة إلى تحركات شعبية. لكن المحكمة الانتخابية رفضت طعونه، وارتفعت أصوات كثيرة منددة بموقفه الذي يشبه الموقف الذي اتخذته فوجيموري عندما انهزمت في انتخابات عام 2021 ضد اليساري بيدرو كاستيّو الموجود حالياً في السجن بعد إدانته بالقيام بمحاولة انقلاب ذاتي قال إن بعض مساعديه نصبوها فخاً له.

شخصية مثيرة للجدل... كوالدها

وعلى غرار والدها الرئيس الأسبق ألبرتو فوجيموري، تتمتع كيكو بشخصية مثيرة للجدل في الأوساط السياسية والاجتماعية، علماً بأنها قامت خلال سنوات حكمه مقام السيدة الأولى بعد خلافات عميقة بين رئيس البلاد وزوجته انتهت بالطلاق.

وكيكو فوجيموري متخرجة بتفوق من أرقى الجامعات الأميركية، وانتُخبت عضواً في البرلمان للمرة الأولى عام 2006 حيث حصدت أعلى عدد من الأصوات في تاريخ الانتخابات الاشتراعية في البيرو، قبل أن تترشح للانتخابات الرئاسية عام 2011، ثم في عامي 2016 و2021 حيث كانت تُهزم دائماً في الدورة الثانية. إلى جانب ذلك، تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد وغسل الأموال، وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر. ورغم ذلك، يعتبرها أنصارها ضمانة للاستقرار الاقتصادي والأمني في البلاد، بينما يرى فيها خصومها استمراراً لإرث والدها الذي حكم البيرو عشر سنوات حافلة بالفساد المالي والتجاوزات.

في تصريحاتها الأولى بعد ضمان فوزها، قالت فوجيموري: «أدرك جيداً أن البلاد في حال من الانقسام العميق، لذلك سأحرص على نيل ثقة الذين لم يصوتوا لي في هذه الانتخابات، وستكون حكومتي ممثلة لجميع مكونات المشهد السياسي، تعتمد على الكفاءة والنزاهة».

وبفوزها تنضمّ كيكو فوجيموري إلى قافلة الزعماء اليمينيين الذين يجاهرون بولائهم لخط الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أميركا اللاتينية. وكان من أوائل مهنئيها البرازيلي فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جاير بولسونارو الذي يقضي عقوبة بالسجن حالياً بعد إدانته بمحاولة انقلاب عسكري ضد الرئيس الحالي إيغناسيو لولا. وقال فلافيو بولسونارو الذي سينافس لولا في الانتخابات الرئاسية مطلع الخريف المقبل، إن فوز فوجيموري يؤكد صعود القوى اليمينية «القادرة وحدها على مكافحة الإرهاب العابر للوطن الذي يتغذّى من أموال الاتجار بالمخدرات». كما سارع إلى تهنئتها أيضاً الرئيس الكولومبي الجديد اليميني المتطرف آبيلاردو دي لا أسبريلّا الذي عرض عليها إقامة تحالف إقليمي ضد القوى والأحزاب اليسارية.

الشعار الذي رفعته فوجيموري عنواناً لحملتها الانتخابية الرئاسية «عادت كيكو ليعود النظام»، أرادت من خلاله تسليط الضوء على الشاغل الأكبر للمواطنين ومصدر قلقهم الأساسي منذ سنوات، حيث ازدادت أعمال الاغتيال بشكل ملحوظ، وتفشّى العنف والابتزاز الذي يتعرّض له صغار التجار في المدن الكبرى.

وتعهدت فوجيموري في برنامجها بتنظيم دوريات تشارك فيها القوات المسلحة لمكافحة العنف، وبطرد المهاجرين الذين يرتكبون جرائم، وإجبار المسجونين على العمل مقابل حصولهم على الطعام، بعد الاضطرابات العنيفة التي شهدتها السجون في الفترة الأخيرة على يد أفراد عصابات الاتجار بالمخدرات. وقد حرصت خلال حملتها الانتخابية على تشبيه الحملة الواسعة التي قام بها والدها لمكافحة الإرهاب في تسعينات القرن الماضي، بخطتها التي تهدف من خلالها إلى مكافحة الجريمة. لكنها رفضت دائماً انتقاد التجاوزات التي قام بها والدها، والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي وصلت إلى حد وضع خطة، بالتنسيق والتعاون مع القوات المسلحة وأجهزة المخابرات، لتعقيم السكان الأصليين منعاً لتناسلهم.

ويقول محللون إن الخطاب المتشدد الذي تميزت به حملة فوجيموري الانتخابية، كان له كبير الأثر في حشد التأييد الذي أوصلها إلى الرئاسة، وساعد على اجتذاب أصوات كثيرة بين الناخبين المترددين أو الذين لا يشاركون عادة في الانتخابات، ويعانون من تردي الأوضاع الأمنية.

لكن فوز فوجيموري وعودة سلالة والدها إلى السلطة، من شأنه أن يزيد الشرخ الاجتماعي والسياسي حدة، ليس فحسب بسبب عدم تمكن الرؤساء من إكمال ولاياتهم خلال السنوات الأخيرة، بل أيضاً بسبب الاستقطاب العميق الذي تثيره الرئيسة الجديدة التي كانت تتمتع بسلطة واسعة في البرلمان خلال السنوات الماضية، حيث كانت المحرّض الرئيسي على الأزمات التي زعزعت الاستقرار السياسي في البيرو بعد فشلها ثلاث مرات متتالية في الوصول إلى الرئاسة، وسيطرتها على أكبر كتلة نيابية في البرلمان. لكن رغم أن الحزب الذي تقوده، حزب «القوة الشعبية»، ما زال يشكّل الكتلة الأكبر في مجلس النواب، فإنها ستجد نفسها مضطرة للتوصل إلى اتفاقات مع الكتل الأخرى للموافقة على الإصلاحات التي وعدت بها في برنامجها، ولن يكون ذلك سهلاً في الأجواء المتوترة السائدة، خاصة في الأرياف الفقيرة التي تشكّل معقل اليساريين ومركز الثقل للتيار المعارض الذي كان مناهضاً لوالدها، ويهدد اليوم بالتمرد إذا أصرّت على السير في خطاه.

صعود الأحزاب اليمينية

الأضواء الإقليمية مسلّطة على فوز فوجيموري، ليس من باب قراءة هذا الفوز ضمن إطار المعادلات والتطورات الداخلية، بل في سياق التحول العميق والواسع الذي تشهده المنطقة لصعود نسخة جديدة من الأحزاب اليمينية التي لا ترى في الرئيس الأميركي دونالد ترمب مجرد حليفاً سياسياً فحسب، بل تنظر إليه باعتباره مرجعية فكرية يقتدى بها، وأسلوباً يحتذى. فالبيرو، على غرار العديد من الدول الأخرى في المنطقة، تجرّ منذ سنوات أذيال أوضاع أمنية متردية، وركود اقتصادي مديد، واستقطاب سياسي عقيم عطّل المؤسسات وأبعد المواطنين عن السياسة.

والأخطر في هذا التماهي مع الموجة الترمبية، أنه فيما تبقى المؤسسات حصناً منيعاً أمام تجاوزات الحكومة في الولايات المتحدة، تعاني معظم بلدان أميركا اللاتينية من ضعف مؤسساتها، خاصة الرقابية منها، وانعدام ثقة المواطنين بفاعليتها. ولذلك لجأت القوى اليمينية والشعبوية المتطرفة إلى شعارات تعد باستعادة النظام وفرض هيبة الدولة عن طريق تعزيز صلاحيات الحكومة، وعدم الاكتراث بالضوابط المؤسسية أو التباهي بتجاوزها. كما تلجأ هذه الأحزاب إلى استخدام المعارك الثقافية كأدوات للعمل السياسي، وإعادة النظر في الحقوق الاجتماعية والمدنية التي اكتسبتها الأقليات والطبقات الفقيرة في العقود المنصرمة، أو إلغاء بعضها، وبناء خطاب سياسي يقوم على اعتبار أي معارضة حاجزاً أمام تنفيذ الإرادة الشعبية. والأنظار، كل الأنظار، تتجه الآن إلى البرازيل حيث سيحاول فلافيو بولسونارو في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل استعادة السلطة لعائلته ولليمين المتطرف.

ولا شك أن هذا الانعطاف الواسع نحو اليمين ليس مجرد تحوّل آيديولوجي، بقدر ما هو نمط جديد لممارسة السلطة. فالديمقراطية لم تعد توازناً بين القوى السياسية الفائزة في الانتخابات، والمؤسسات، والحقوق المكرّسة في الدساتير، بل أصبحت مصدراً لشرعية بلا حدود لمن يصل إلى الحكم. وهذه الشرعية المفترضة تعتبر القضاء والصحافة المستقلة وأجهزة الرقابة ومنظمات المجتمع المدني مجرد خصوم أو أعداء، عوض أن تكون ركائز أساسية في النظام الديمقراطي، بحسب ما يقول منتقدون لليمين المتطرف أو الشعبوي. ويتساءل هؤلاء: كيف أن زعماء اليمين المتطرف والأحزاب القومية الذين يرفعون شعارات السيادة الوطنية فوق أي اعتبار، يذهبون إلى بناء شرعيتهم على التماهي مع أولويات الإدارة الأميركية وتبنيها، بل المزايدة في الدفاع عنها؟ تعرضت فوجيموري لملاحقات قانونية ومحاكمات قضائية بتهم الفساد

وغسل الأموال وخضعت للسجن الاحتياطي لفترة سبعة أشهر


فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
TT

فوجيموري... العائلة التي تضبط إيقاع المشهد السياسي

مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)
مؤيدون لكيكو فوجيموري رفعون صورتها وصورة والدها البرتو أمام منزلها في ليما يوم 3 يوليو (أ.ب)

لا شيء يحصل في الخفاء عند عائلة فوجيموري؛ فقد تعوّد أهل البيرو على حروب هذه الأسرة، لا بل يبدو أحياناً أنهم يتابعون فصولها بما يشبه الشغف بالأفلام السينمائية أو المسلسلات التلفزيونية.

ونادراً ما تخلو وسائل الإعلام في البيرو من أخبار الصراعات التي تدور بين أفراد هذه العائلة التي تُعتبر من بين الأغنى والأوسع نفوذاً في البلاد. كانت البداية مع «الأب المؤسس» ألبرتو، المولود من أبوين يابانيين هاجرا إلى البيرو سعياً وراء الرزق إبان سنوات الفقر التي كانت تعيشها اليابان بعد هزيمتها القاسية في الحرب العالمية الثانية. كان ألبرتو تلميذاً ناجحاً أنهى دراسته الجامعية متخرجاً بتفوق مهندساً زراعياً من جامعة ليما، ثم أصبح عميداً لكلية العلوم، ورئيساً للجامعة، ومقدماً لبرنامج تلفزيوني علمي شهير.

أواخر ثمانينات القرن الفائت، وضعت القوات المسلحة في البيرو برنامجاً سرياً بعنوان «الخطة الخضراء» يهدف إلى تعقيم الفقراء والسكان الأصليين، ومراقبة الصحافة الوطنية، وإقامة منظومة اقتصادية نيوليبرالية موازية تحت سيطرة الزمرة العسكرية الحاكمة. عندما أسس ألبرتو فوجيموري حزب «التغيير» في عام 1989 كان سياسياً مغموراً، لكنه عندما ترشّح للانتخابات الرئاسية في العام التالي، نال تأييداً واسعاً في أوساط رجال الأعمال وبعض الكنائس الإنجيلية، وأيضاً الدعم من حكومة آلن غارسيا الذي كان يتمتع بشعبية واسعة ونفوذ كبير. وتجاوز فوجيموري الدورة الأولى ليتنافس في الدورة الثانية مع الكاتب المعروف ماريو فارغاس يوسا. وكان للدعم الذي قدمته الحكومة وأجهزة المخابرات التابعة لها، كبير الأثر في الفوز الذي حققه بنسبة تجاوزت 62 في المائة من الأصوات.

لكن ألبرتو فوجيموري سارع بُعيد فوزه إلى التخلي عن برنامجه الانتخابي ونهج سياسة اقتصادية تجاوزت بليبراليتها تلك التي كان منافسه يدعو إليها، وراح يتقرّب من القوات المسلحة التي كان يخشى انقلابها عليه، ويتبنّى بنود «الخطة الخضراء» مخصصاً لبعض كبار الضباط مناصب عليا في الدولة.

وخلال ولايته الرئاسية الأولى شهدت البيرو ما كان يعرف بالمعجزة الاقتصادية التي فتحت أبواب الاستثمارات الخارجية، وتدفقت القروض من المؤسسات المالية الدولية بعد خصخصة معظم المؤسسات العامة وتقييد النشاط النقابي، وتراجعت نسبة التضخم إلى أن حققت البيرو نمواً اقتصادياً بلغ 13 في المائة في عام 1994.

في ولايته الثانية، جنح فوجيموري نحو ممارسة أسلوب استبدادي فيما كانت تحوم حوله شبهات بفضائح فساد مالي ضخمة، وكانت بدأت تحاصره ملاحقات الأجهزة القضائية والبرلمان الذي لم يعد يسيطر على أغلبية أعضائه. في تلك الفترة ظهر إلى العلن خلاف عميق مع زوجته التي اتهمته بالمشاركة في أعمال الفساد وتغطيتها وهددت بمقاضاته، فانفصل عنها بعد أن دبّر تهمة ضدها بمساعدة أجهزة المخابرات. وفيما وقف معظم أبنائه بجانب والدتهم، كانت كيكو الوحيدة التي دعمت والدها وبقيت إلى جانبه حتى النهاية.

في عام 1992 قامت مجموعة من الضباط بمحاولة انقلابية ضد فوجيموري الذي كان بدوره يحاول حل البرلمان وتعطيل السلطة القضائية، فلجأ إلى السفارة اليابانية في ليما إلى أن فشل الانقلاب واستعاد مقاليد السلطة، قبل أن يُحال لاحقاً أمام القضاء بتهم الفساد المالي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وعند صدور الحكم بسجنه، فرّ إلى اليابان التي رفضت التجاوب مع طلب سلطات البيرو بتسليمه. وبعد أن انتقل سراً إلى سانتياغو (تشيلي)، تم القبض عليه هناك واقتيد إلى البيرو حيث أودع السجن حتى وفاته في عام 2024.