المكتبة... آخر حصون الصمت

في رحاب مكتبة
في رحاب مكتبة
TT

المكتبة... آخر حصون الصمت

في رحاب مكتبة
في رحاب مكتبة

في «اسم الوردة» يجعل أومبرتو إيكو من مكتبة الدير مسرحاً لسلسلة من عمليات القتل الغامضة، ثم يأتي زوران جيفكوفيتش بنوفيلا «المكتبة» يحتفي فيها بالسحر والغموض دون الرعب، وبين المؤلفين الإيطالي والصربي يقف البرازيلي ألبرتو مانغويل الذي جعل من المكتبة وفعل القراءة فرعاً معتبراً من التأليف. عشرات من الكتاب كالوا للقراءة عبارات المديح، بوصفها فعلاً لإطالة عمر البشر المحدود، لكن مانغويل يعتبرها «ممارسة للخلود» وإذا كان الأمر كذلك؛ فالطبيعي أن تكون المكتبة مكاناً للصمت وتقاليده، بما يجعل منها داراً للعبادة، بل في الواقع، فإن دور العبادة هي التي تطمح إلى صمت المكتبة الآن.
من الأساس كانت القراءة في دور العبادة علنية، لأنها قراءة للغير في الغالب ولهذا يصعب القول إنها أماكن للصمت. ومع ازدهار السياحة في العصور الحديثة لم تعد دور العبادة قادرة على توزيع وقتها بين صوت العظة وصمت التأمل فحسب.
وضعت البرامج السياحية دور العبادة على جداولها في المدن التي وصلت إليها السياحة؛ وقد وصلت السياحة إلى كل مكان مأهول في العالم، بحكم الرغبة المجنونة في «البكارة» التي تدفع بأفواج السياح إلى الأبعد عاماً بعد عام، حيث تلتهم في طريقها العديد من الأشياء، وبينها حصة الصمت التي تنطوي عليها دور العبادة.
تُبنى المعابد من أجل وظيفتها الإيمانية، عمارتها الفخمة الضخمة تستهدف تمجيد اللامرئي اللامحدود في مقابل الإنسان الضئيل، لكنها غالباً ما تتضمن الرغبة في تمجيد الباني. الفرعون، الملك، أو الرئيس المطلق اليد. وسواء تقدم تعظيم المعبود الباقي أو المعبود الفاني في أسباب بناء المعبد؛ فإن الجمال والضخامة وربما بعض الأساطير المتعلقة بالمكان وبعض الحوادث التاريخية التي جرت فيه هي الأسباب المعتادة لجعل هذا المعبد أو ذاك مقصداً سياحياً.
لا يجد السائح أدنى مشكلة في ممارسة أو تمثيل الورع لبضع دقائق من وقته المنذور للفراغ، لكن الأكثرية تدخل إلى المعابد لتتأمل عظمة العمارة، أي عظمة الإنسان، وربما للتفكر في حجم العناء البشري الذي أوجد هذا الصرح.
في كل الأحوال فقدت المعابد سطوتها. لم تعد أماكن مثل الكاتدرائية الكبيرة في غرناطة أو كنيسة نوتردام في باريس أو حتى كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان مكاناً للورع، بل لتمثيل الورع. العظة التي تلقى تحت وميض فلاشات الكاميرات تبدو فقرة في البرنامج السياحي، حيث الغرباء أغلبية.
باختصار؛ فقدت دور العبادة قدرتها على الصمت، ولحسن الحظ لم يزل هناك مكان يغفله السياح هو المكتبة!
لم تصبح المكتبة طموحاً سياحياً بعد، باستثناء المكتبات الشخصية لكبار المبدعين، وهذه مقصد سائح نوعي نادر يرغب في مزيد من التعرف على كاتبه من خلال معرفة ما كان يقرؤه. في غير هذه الحالة أفلتت المكتبة من نهم الفرجة، ونجت من الدفع بها إلى زاوية الأثر لتصبح شيئاً من الماضي، مثلما يتنبأ الكثير من المتحمسين للعصر الرقمي والخائفين منه على السواء.
لم تزل المكتبات نشطة تؤدي دورها، وعلى الأرجح سيستمر هذا الدور قياساً إلى ما يوفره الذهاب إلى السينما من متعة، على الرغم من النمو المتلاحق لمساحة شاشة التلفزيون المنزلي.
في رحلة قمت بها إلى إيطاليا مؤخراً، زرت أربع جامعات: نابولي، روما، ميلانو، وتورينو. ولأنني أُساق إلى المنصة كالمسوق إلى المقصلة، وأعتقد جازماً أن ما يمكن أن أقوله حول الكتابة قاله عشرات من قبل وبوضوح أفضل؛ فإنني أختصر من زمن لقاءاتي حول الكتابة، ويصبح لدي الكثير من الوقت الذي يمكن إنفاقه في القراءة والتلصص على أحوال القراء. هكذا تيسرت لي رؤية مكتبات الجامعات التي زرتها، بالإضافة إلى مكتبة بلدية تورينو.
هل دخول مكتبة تضم كتباً في لغة لا أعرفها يجعل مني ضرباً من سائح؟ ربما كان الأمر كذلك، لكنني أزعم قدرة الحب على الإفهام. حب الكتب جعل من رجل أمي هو محمد مدبولي ناشراً ناجحاً، يعرف الكتاب الجيد من التربيت على المخطوط. وأنا أحب الكتب، ويمكن أن أفهمهما بقلبي في أي لغة كانت، من خلال هدهدة كتاب في يدي أو قراءة السعادة على وجه قارئه المتوحد معه. لكن الفهم والقدرة على الوصول إلى الجوهر ليس السبب الذي ينزع الوجه السياحي عن المكتبة كمكان وعني كزائر. الفضل يرجع للصمت.
ما إن دخلنا إلى مكتبة قسم اللغات الشرقية بجامعة تورينو ماورو توسكو رئيس قسم اللغات الشرقية وأنا حتى لامستُ الصمت. همس البروفسور باسمي وصفتي لرجل وامرأتين على طاولة الاستقبال في مواجهة الباب، ومضينا بخطو خفيف على الأرضية الكاوتشوك التي لا يمكن أن تقص عليها أثراً لضجيج. أشار إلى المكان الذي سأترك فيه حقيبتي. وأخذ يعرفني همساً بالمكتبة ومحتوياتها، حيث تتوالى الكتب العربية والفارسية والتركية والعبرية. نحن عالقون في نزيف الدم في الشرق الأوسط، بينما تتعايش كتبنا في سلام بمكتبة في تورينو!
الكثير من الكتب والدوريات العربية عراقية تعكس مستوى من التواصل مع هذه الجامعة العريقة، كان موجوداً في ظل عراق ليبرالي مثقف قبل أن يحكمه جهل السلاح.
هناك طاولتان فقط للمطالعة بعرض المكتبة، في مواجهة نافذة في منتصف القاعة، تبدو الطاولتان مثل منخفض بين جبلين من صفوف الرفوف العالية، على الطاولتين عدد قليل من قراء وقارئات يبدون من طلاب الدراسات العليا، بينهم من يمسك كتاباً ومن يكتب على الكومبيوتر أو يطالع نصاً على شاشة.
في مكتبة البلدية بهو استقبال يضم شاشات يستخدمها المترددون للتأكد من وجود الكتاب الذي يطلبون استعارته أو مطالعته قبل أن يتقدموا إلى طاولة استقبال ضخمة باتساعها وعدد موظفيها كما في فندق كبير. يتسلم موظفو الاستقبال الطلبات من رواد المكتبة ويطلبونها بدورهم من السعاة الذين سيذهبون لجلبها من قاعة المخزن الضخمة.
قاعة المطالعة كبيرة ومزدحمة، مع ذلك لا خروج على قانون الصمت. البعض يقرأون من أجهزتهم اللوحية كما في الجامعة. نقلت ملحوظتي للصديقة نجلاء والي أستاذة اللغة والترجمة بجامعة تورينو، قالت: «المكتبة مطعم يمكن أن تزوره بساندويتشك في يدك» قالت إنها تأتي أحياناً للقراءة في هذه المكتبة من حاسوبها الخاص، حيث لم تزل قاعة المطالعة المكان الذي يشترط التخلي عن الهاتف، ويضعك داخل هذا الحماس الجماعي الصامت للقراءة.
لقائي في جامعة سابيينزا الذي نظمته المستعربة الكبيرة إيزابيلا كاميرا دو فليتو حضره الروائي فابيو ستاسي، الذي لاحظ فيما يبدو نزوعي إلى الاختصار، فأطلق نحوي عدداً من الأسئلة من قراءته لروايتي «مدينة اللذة» المترجمة إلى الإيطالية، ثم وقف إلى جانبي مؤازراً وتشعب حديثنا ليشمل غريب ألبير كامو، وغير ذلك من روايات. كنت قرأت لفابيو روايته «رقصة شابلن الأخيرة» وكان رائعاً أن أتلقى العون من كاتب أحببت عمله. وعقب المحاضرة، اصطحبنا فابيو إلى مكتبة الجامعة، التي يعمل أميناً لها.
وكانت فرصة لرؤية مكتبة مختلفة؛ فهي لا تنتمي لمخيال الغموض الذي يلف المكتبات من كليلة ودمنة إلى اسم الوردة إلى هاري بوتر (الرواية ذات المخيلة اللصة). قاعة المطالعة مهتوكة السر بنور النهار الذي يدخلها عبر واجهة زجاجية بالكامل، تمتد من الأرض إلى السقف. تحت ذات الإضاءة، في الجهة الأخرى من المساحة الكبيرة المفتوحة تقف الرفوف المعدنية متلاصقة تماماً مثل آلة عملاقة أو حاويات متراصة على سطح سفينة. الفراغ المعتاد بين كل صفين من صفوف الأرفف المتحركة لا يوجد في هذه القاعة إلا مرة واحدة. يعرف أمين المكتبة الرف الذي يقف عليه كتاب يريده. يدير عجلات قيادة الرفوف تباعاً لتتحرك على قضبان وتتجمع يميناً ويساراً بما يجعل الفسحة الوحيدة بالقاعة أمام الصف المطلوب فينطلق إلى مكان الكتاب. بهذه الطريقة تحمل القاعة أضعاف ما تحمله قاعة الرفوف الثابتة.
إلغاء الفراغات في التصميم المضغوط يتيح إخفاء قتيل في هذه المكتبة بأسهل مما يمكن في مكتبة الدير البنديكتي في «اسم الوردة» لكن النور يمنع احتمالية وقوع الجرائم، وغني عن القول أن العشاق في روما لا يحتاجون إلى الاختباء وراء رف كتب لاستراق قبلة. مكتبة من عصر الشفافية، ومع ذلك تحتفظ بتقاليد الصمت!

- كاتب مصري


مقالات ذات صلة

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

كتب فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

رحل الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه عن عالمنا في 1900، وتزامن رحيله مع انطواء صفحة القرن التاسع عشر. لكن تأثيره ما زال ممتداً حتى اليوم في مجالات الفلسفة

د. ماهر شفيق فريد
كتب مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

طرح العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو» (السابع - يوليو/ تموز 2026)، مجموعة من الملفات الثقافية، بالإضافة إلى بانوراما فكرية تجمع بين قضايا الثقافة واللغة،

ميرزا الخويلدي (الدمام - السعودية)
كتب التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

في أزقة مدينة نابولي الإيطالية، حيث تتدلى الزهور من الشرفات وتختلط رائحة البحر بدخان الأفران، وُلدت البيتزا كوجبة سريعة تسد جوع العمال والفقراء،

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق المغنية البريطانية - الألبانية دوا ليبا تزوجت وافتتحت مكتبة في الشهر ذاته (إنستغرام)

دوا ليبا... حبٌ وأدب وعريسٌ يخرج من بين صفحات كتاب

في عصر الشاشات والهواتف، تقود المغنية دوا ليبا ثورةً ناعمةً عنوانُها الكتاب. ويشاركها شغفها هذا زوجها الممثل كالوم تورنر.

كريستين حبيب (بيروت)
كتب همنغواي

أميركا الأخرى بعد 250 سنة... مكتبة كبرى

أميركا إمبراطورية وحروب وتكنولوجيا وهوليوود، لكنها أيضاً مكتبة واسعة، صاخبة، متناقضة، ومفتوحة على كل أشكال الحلم. إن النظر إلى الولايات المتحدة من زاوية القوة

ندى حطيط

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون
TT

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

فردريك نيتشه... عقل جبار انزلق إلى هاوية الجنون

رحل الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه عن عالمنا في 1900، وتزامن رحيله مع انطواء صفحة القرن التاسع عشر. لكن تأثيره ما زال ممتداً حتى اليوم في مجالات الفلسفة وعلم النفس والفكر السياسي. تشهد بذلك عشرات الدراسات الصادرة عنه بمختلف اللغات خلال القرن الماضي، وفي هذه الألفية الثالثة. وأحدث هذه الدراسات كتاب صادر في 2025 عن دار «أركتوروس للنشر»، في لندن، عنوانه «فردريك نيتشه: المفكر الذي شق درباً جديداً وأحدث ثورة في الفلسفة»

Friedrich Nietzsche: The Ground - Breaking Thinker who Revolutionized Philosophy

من تأليف توني لي مورال Tony Lee Moral.

كان لنيتشه حضور في حقلنا الثقافي منذ العقود الأولى من القرن العشرين؛ فقد كتب الرواد، من أمثال عباس محمود العقاد وعلي أدهم، مقارنين فلسفته في القوة بفلسفة المتنبي. وأخرج عبد الرحمن بدوي كتاباً عنه، وكذلك فعل فؤاد زكريا في مرحلة لاحقة. وترجم فيلكس فارس كتابه «هكذا تكلم زرادشت»، كما تجد لنيتشه ذكراً، يطول أو يقصر، في تواريخ الفلسفة، والفلسفة الوجودية خاصة، في عديد من الكتب لمؤلفين عرب.

أهم معالم الطريق في حياة نيتشه هي مولده في 1844، التحاقه بجامعة بون ليدرس اللاهوت وفِقْه اللغتين اليونانية واللاتينية، ثم التحاقه بجامعة لايبتسغ حيث تعرف على فكر أرتور شوبنهاور، أداؤه الخدمة العسكرية لعام واحد في الجيش البروسي، صداقته للموسيقار ريتشارد فاغنر (تحطمت علاقتهما فيما بعد كما تحطمت علاقته بأصدقاء آخرين)، اشتغاله أستاذاً لفقه اللغة بجامعة بازل في سويسرا، بدء مسيرته في التأليف بإصدار كتابه «مولد التراجيديا من روح الموسيقى» في 1872، هجرته إلى إيطاليا وانهيار قواه العقلية حتى وفاته بالتهاب رئوي وجلطة في سن الخامسة والخمسين. وقد تولت أخته إليزابيث إصدار مؤلفاته بعد وفاته، ولكنها للأسف تلاعبت في نصوصه بما زيَّف حقيقته، إرضاء للسلطات النازية التي تبنَّته (كما تبنت فاغنر) مع أن نيتشه من النازية براء.

وفي حياته الخاصة كان نيتشه معذّباً؛ عانى طيلة عمره من عدد من الأمراض: نوبات صداع عنيف، وآلام في العينين، واضطرابات معدية، ودفتيريا ودوسنتاريا، ونوبات اكتئاب. ولم يعرف السعادة في الحب، ولا هو تزوج. وكانت في حياته قصة حب بلا أمل للو أندرياس سالومي، وهي شابة روسية لامعة مهتمة بالفلسفة وعلم النفس والأدب كانت (مثل مي زيادة) أنثى فريدة انجذب إليها كثير من مفكري العصر وأدبائه. لقد كان نيتشه نموذجاً للمفكر المنعزل (عاش في إيطاليا بين ثلوج جبال الألب، ووصف الفلسفة بأنها طريقة للعيش بين «الجليد والجبال العالية»). وزاده انعزالاً أن أفكاره الجريئة كانت صادمة لمعاصريه، وموضع هجوم من أغلب المشتغلين بالفلسفة.

وفلسفة نيتشه في القوة رد فعل إزاء معاناته الشخصية؛ فهو من ناحية يؤكد الجانب التراجيدي في الوجود. ومن ناحية أخرى يبذل محاولة بطولية لتجاوز المعاناة وارتقاء قمم فكرية ووجدانية عالية رغم أوجاع البدن والنفس. ومن أقواله: «إن ما لا يقتلني يقويني».

بلغ من نبوغ نيتشه أنه تعلَّم أبجدية اللغة اليونانية القديمة والعزف على البيانو في سن الثالثة. وفي سنوات دراسته أُولِع بالأدب ونظم شعراً وانجذب إلى موسيقى موزار وبيتهوفن. كان أدباؤه المفضلون هم شعراء المأساة الإغريقية، إسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديز، وشعراؤه الأثيرون هم بايرون وهولدرلين. وكان قارئاً نهماً يقضي الليل كله في القراءة، وقد غمس قدميه في دلو مليء بماء مثلّج كي يظل صاحياً!

تناول نيتشه في كتاباته قضايا جوهرية، مثل معنى الحياة والحرية الفردية والمواضعات الاجتماعية. وأشاد بما دعاه الإنسان الأعلى (السوبرمان) قائلاً إنه سيعلو على الإنسان الحالي، كما علا الإنسان الحالي على القردة. وفلسفته إيجابية تقدس القوة والغلبة ولا تخلو من تعالٍ ذكوري على المرأة (له في ذلك أقوال سيئة السمعة مثل: «أذاهب أنت إلى المرأة؟ لا تنس إذن سوطك»). وهو لا يقدم إجابات جاهزة قدر ما يطرح أسئلة تحث على التفكير.

ولا يملك المرء إلا أن يشعر بالأسى؛ إذ يرى هذا الذهن الجبار ينحدر في أواخر أيامه إلى هاوية الجنون. ومن مظاهره شعور مفرط بالعظمة يجعل نيتشه يكتب أشياء من قبيل: «لماذا كنتُ حكيماً إلى هذا الحد؟»، و«لماذا كانت كتبي جيدة هكذا؟».

ويوقع رسائله باسم «دويو نيزوس» أو «المصلوب» (متقمِّصاً شخصية المسيح). ويرى بعض الباحثين أنه كان مصاباً بالزهري، مما أدى إلى شلل تدريجي وتدهور للنسيج المخي.

لكن التراث الذي خلفه يبقى من بعده. لقد تلقف منه الناقد والفيلسوف الدنماركي جورج براندز فكرة الإنسان الأعلى. واهتم به الكاتب المسرحي السويدي سترندبرغ. ورسم المصوِّر إدوارد مونج لوحته المسماة «الصرخة» من وحي كتاباته.

وعلى الصعيد الفكري، ألقى هايدغر سلسلة محاضرات عن نيتشه في جامعة فرايبورغ. وأعاد الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو في كتبه عن تاريخ الجنس ومؤسسات السجن والمدرسة والمستشفى أفكار نيتشه عن إرادة القوة والتنافس على السيطرة والعقوبة. أما الفلاسفة الوجوديون (مثل سارتر وكامو)، فقد طوروا أفكار نيتشه ومضوا بها إلى آفاق أبعد.

ونظريات فرويد عن اللاشعور تدين بالكثير لنيتشه، وكذلك الشأن مع يونغ الذي اقتبس من كتاب «هكذا تكلم زرادشت» مفهوم الفردية والتميُّز ومجاوزة الذات.

وامتد تأثيره إلى مفكري ما بعد الحداثة، مثل جاك دريدا وجول ديلوز، وذلك في نظرياتهم عن الصدق والتفسيرات وديناميات المعرفة.

ومن الأدباء الذين اهتموا بنيتشه جويس وكافكا وهرمان هسه، وتوماس مان في روايته «الجبل السحري»، ود. ه. لورنس في «نساء عاشقات»، وويليام فوكنر في «الصخب والعنف»، وصمويل بكيت في «في انتظار غودو»، ونابوكوف في «لوليتا».

هكذا يظل فكر نيتشه المثير للخلاف ولا يخلو من متناقضات قوة حيوية في الفكر المعاصر واستكشافاً راديكالياً لقضايا الأخلاق والدين والثقافة والفن، ومنصة وثب نقفز منها (سواء وافقناه أو خالفناه) إلى فهم أعمق لمعنى وجودنا ولدوافعنا ومحركات السلوك لدى الآخرين.


مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية
TT

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

مجلة «الإيسيسكو» تفتح ملف اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية

طرح العدد الجديد من مجلة «الإيسيسكو» (السابع - يوليو/ تموز 2026)، مجموعة من الملفات الثقافية، بالإضافة إلى بانوراما فكرية تجمع بين قضايا الثقافة واللغة، والتعليم، والعلوم، والتراث، والفلسفة.

وأبرزُ ملفات العدد ملفُ «اللغة العربية وأسئلة الهوية المعرفية»، الذي تناول قضايا اللغة والهوية وتعريب العلوم. فعبر مقالات عدة تتناول العلاقة بين اللغة وإنتاج المعرفة، والتحديات التي تواجه العربية في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وآفاق تجديد حضورها في البحث العلمي والتعليم والثقافة؛ يؤكد هذا الملف أن اللغة العربية ليست مجرد وسيلة تواصل، وإنما وعاء للهوية.

وبمناسبة تجديد ولاية الأمين العام لمنظمة «الإيسيسكو»، الدكتور سالم بن محمد المالك، فقد أجرت معه رئيسة التحرير الشاعرة روضة الحاج، مقابلة، تحدث فيها عن أهم عناوين المرحلة الجديدة للمنظمة، وهو «تعظيم الأثر وترسيخ الشراكات».

حمل غلاف العدد صورة مدينة قازان «عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لعام 2026»، احتفاءً بمدينة استطاعت أن تقدم نموذجاً فريداً للتفاعل الخلاق بين الحضارات، وأن تجمع بين أصالة التراث وروح العصر، لتبدو فضاءً رحباً للتعايش والتنوع الثقافي.

وفي كلمتها بافتتاحية العدد، ذكرت رئيسة التحرير أن صدور المجلة ابتداءً من هذا العدد سيكون بثلاث لغات: العربية، والفرنسية، والإنجليزية.

اللغة العربية: ثراءٌ وتغريب

تحت عنوان: «اللغة العربية... بين واقع مُغْنٍ وتغريب مُضْنٍ»، كتب أحمد سليم بن أحمد الأرمي، الأمين العام لـ«الرابطة الموريتانية لحماية اللغة العربية»، مقالاً ناقش فيه واقع اللغة العربية في العالم من زاويتين متقابلتين؛ الأولى تؤكد المكانة الدولية المتنامية للعربية، والثانية ترصد مظاهر التراجع داخل المجتمعات العربية نفسها.

مقالٌ آخر، في الملف ذاته، حمل عنوان: «تعريب التعليم الطبي: بين استعادة الهوية وتعزيز جودة التعلم»، للدكتور خالد آل عبد الرحمن، أستاذ طب الأسرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في السعودية.

في هذا المقال، يطرح الكاتب رؤية استراتيجية وتربوية غاية في الأهمية، تُفكك إشكالية لغة التدريس في كليات الطب العربية. ينطلق الكاتب من رؤية مفادها بأن اللغة هي وعاء التفكير العميق وليست مجرد أداة تواصل؛ وبالتالي؛ فإن التعليم باللغة الأم هو الركيزة الأساسية للفهم الإبداعي والتفكير النقدي وتجنب تلقين الحفظ.

وضمن الملف، جاء مقال: «تعليم العلوم لماذا بالعربية بعيداً عن الهوية؟»، للكاتبة الدكتورة ندى نور الدائم، الأستاذة المساعدة في قسم اللغة العربية بكلية الآداب - جامعة الخرطوم.

في هذا المقال، تقدم الكاتبة طرحاً تربوياً وعلمياً جريئاً يتجاوز الخطاب التقليدي المرتبط بالهوية، ليركز على «كفاءة التعلم وجودة التعليم» معياراً وحيداً لاختيار لغة التدريس.

وكتب الدكتور يوسف إسماعيلي، الخبير في «مركز الإيسيسكو للغة العربية للناطقين بغيرها» في المغرب، مقالاً بعنوان: «الدبلوماسية اللغوية وتعليم العربية عالمياً».

يقدم الكاتب تأصيلاً لمفهوم «الدبلوماسية اللغوية» بوصفها أداة استراتيجية فاعلة وصامتة في فضاء العلاقات الدولية المعاصرة وقوتها الناعمة. ويطرح المقال رؤية حديثة للعلاقة بين اللغة والسياسة الدولية، إذ يؤكد أن اللغة لم تعد مجرد وسيلة للتواصل أو وعاء للتراث، بل أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة التي تستخدمها الدول لبناء نفوذها وتعزيز حضورها العالمي.


التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»
TT

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

التاريخ الثقافي لـ«البيتزا»

في أزقة مدينة نابولي الإيطالية، حيث تتدلى الزهور من الشرفات وتختلط رائحة البحر بدخان الأفران، وُلدت البيتزا كوجبة سريعة تسد جوع العمال والفقراء، وضرورة عملية فرضها الأمر الواقع، وليست كطبق فاخر يكتسب شهرة عالمية ويوحد بين مختلف الثقافات والشعوب، ويكتب قصة مشوقة عن الهجرة والطبقات الاجتماعية والذوق الشعبي وتحولات العالم الحديث.

في كتابه «البيتزا: تاريخ وحكايات»، الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة آلاء أحمد جاد، يتتبع الباحث الإيطالي لوكا تشيزاري رحلة هذا الطعام، بعيداً عن الحكايات المكررة التي تختزلها في قصة ملكة إيطالية تسمى «مارغريتا» حملت أشهر أنواع تلك الوجبة اسمها.

ويوضح المؤلف أن البيتزا ليست اختراعاً مفاجئاً، بل ثمرة تاريخ طويل من الخبز المسطح الذي عرفته شعوب البحر المتوسط منذ قرون، فقد عرف الإغريق والرومان وغيرهم أشكالاً متعددة من العجين المخبوز الذي يُضاف إليه الزيت والأعشاب والجبن، غير أن نابولي هي التي منحت هذه الفكرة شخصيتها الحديثة.

واللافت أن الطماطم، التي تبدو اليوم عنصراً لا يمكن فصلها عن البيتزا، لم تكن جزءاً أصيلاً من المطبخ الإيطالي، فقد وصلت إلى أوروبا بعد اكتشاف القارة الأميركية، وظلت لفترة طويلة موضع شك؛ إذ اعتقد بعض الناس أنها نبات ضار غير صالح للأكل.

ومع الوقت، وجدت طريقها إلى مطابخ جنوب إيطاليا، خصوصاً بين الفقراء الذين رأوا فيها مكوناً رخيصاً ومشبعاً، هنا بدأت ملامح البيتزا «النابولية» تتشكل: خبز دائري ساخن، وطماطم، وزيت، وثوم أو جبن، يؤكل باليد في الشارع دون أطباق أو مراسم.

كانت نابولي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مدينة مكتظة، تعج بالعمال والحرفيين والباعة والبحارة، فظهرت الحاجة إلى طعام يمكن شراؤه بثمن زهيد، وتناوله أثناء العمل أو في الطريق، بل إن بعض الباعة كانوا يبيعونها بنظام الدفع المؤجل للفقراء. ولهذا ارتبطت البيتزا في بدايتها بالطبقات الشعبية، ونظر إليها كثير من أبناء الطبقات الميسورة باعتبارها طعاماً بسيطاً لا يليق بالموائد الراقية.

ومن أشهر القصص المرتبطة بها حكاية «بيتزا مارغريتا»، التي يُقال إنها صُنعت تكريماً للملكة مارغريتا عام 1889 بألوان العلم الإيطالي: الأحمر للطماطم، والأبيض للموزاريلا، والأخضر للريحان، لكن لوكا تشيزاري يدعو إلى التعامل بحذر مع هذه الرواية، فالكثير من تفاصيلها اكتسبت شهرتها لاحقاً، حين احتاجت البيتزا إلى أسطورة وطنية تمنحها مكانة أكثر رفعة، فالحقيقة الأهم أن هذا الطبق كان موجوداً قبل القصة، وأن شهرته لم تأتِ من القصور، بل من الشوارع.

التحول الأكبر حدث مع موجات الهجرة الإيطالية إلى الولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث حمل المهاجرون معهم وصفاتهم وحنينهم إلى نابولي، فظهرت مطاعم البيتزا في أحياء الإيطاليين بنيويورك وشيكاغو ومدن أخرى.

هناك تغيرت البيتزا لتلائم المكونات الجديدة والشهية الأميركية، فكبرت أحجامها، وتنوعت إضافاتها، وصارت جزءاً من ثقافة المدن الحديثة، قبل أن تعود إلى أوروبا والعالم في صورة مختلفة وأكثر انتشاراً.

وهكذا أصبحت البيتزا مرآة لثقافة الشعوب: في نابولي تحكي عن الفقر والابتكار اليومي، وفي أميركا تروي قصة الهجرة والاندماج، وفي العالم المعاصر تعكس سرعة الحياة والعولمة وقدرة الطعام على عبور الحدود.