ينوع الشاعر أحمد الشهاوي مناخات رسائله الشعرية، ويصطفيها كحالة من الوجد والعشق، في ديوانه «لا أراني» الصادر حديثاً عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة، فتبدو كأنها تلخيص لخبرة الشعر والحياة معاً.
تنداح الرسائل على مدار صفحات الديوان (217 صفحة) من القطع الكبير، مفعمة بأصوات الماضي والحاضر، لا يحدها غرض معين أو معنى محدد، بل تبدو تجسيداً للحظة خاصة، يوسعها الشعر في فضاء الذات وعلاقتها بالبشر والأمكنة والأزمنة وأجواء الطفولة، ومشاغل الروح والجسد.
تراوح الرسائل بين التصريح وبين التلميح، فأحياناً توسع المسافة بينهما لنجد نزوحاً للبوح والمكاشفة مشرباً بلطشة صوفية، وأحياناً أخرى تختزلها وكأنها تنطوي على سر ما. ما يتيح للذات الشاعرة التعامل بحيوية مع اللغة، والتخفف من حمولتها المجازية، وإفساح المجال لشطح الخيال مع الواقع، الأمر الذي يجعل الرسالة بمثابة علامة لإثارة الانتباه، وتحريك جدل الحلم والذاكرة في فضاء النصوص، وفضاء الذات أيضاً الذي يوهم كثيراً بأنه منغلق علي نفسه، اتقاء لفوضى العالم وشروره، أو التعبير عن عدم الثقة فيه. وهو ما يوحي به عنوان الديوان، في دلالة النفي العارض «لا أراني»، فالشاعر لا يرى نفسه، ليس لأن ثمة حواجز مادية تحول دون ذلك، وإنما لأنه لا يثق في قدرة الآخرين على ذلك، بشكل أكثر صدقاً وواقعية، لذلك يمارس مراوغته مع اللغة، متخذاً من التخفي طريقة لملامسة الذات والوجود، قائلاً بضمير أنا المتكلم الصريح:
«لست متاحاً طوال الوقت
رغم أنني ميت في غرفة النوم
أحياناً أراني
وأحايين كثيرة لا أعثر عليّ
أحب أن أبقى مخفياً عني
وعن أعين تثقبني عبر الحوائط والسقوف»
ويشكل هاجس الموت دالاً رئيسياً في نصوص الديوان، لكنه ليس في صراع مع الحياة، إنما تتخذه الذات غطاء للتمويه على حضورها وغيابها، مفسحة المجال لحضور أعمق في النص وعبر ما ينطوي عليه من رسائل. وأيضاً اللافت هنا أن رسائل الشهاوي لا تنتظر أحداً هنا وهناك، فوق أرصفة الذهاب والإياب، إنما تؤكد على حالة من السفر الدائم، فالموت يتناثر على المحطات وفي الشوارع والأرصفة والذكريات والأحلام. إنه موت المعنى، حين لا يجد إناء يحتويه، أو يدل عليه، ربما لذلك يصبح الموت محطة من محطات الحياة، لكنها محطة مفتوحة على شتى الأزمنة والأمكنة، لكن لا مواعيد محددة فيها على لحظات الوصول أو الرحيل. فقط الذات وحدها تمارس لعبة مغوية، تتأرجح فيها بين أقصى ما هو معلوم وما هو مجهول... يطالعنا هذا القلق على نحو بارز في نص بعنوان «ارسمْ دائرة ونم فيها»، حيث تنقسم الذات على نفسها، ويدور الحوار بين صوتين، أحدهما ظاهر معلوم، يتشبث بجمرة الأمل، والآخر متخف تحت قشرة اليأس والضجر من الواقع والحياة، لكن كلا الصوتين يكمل الآخر، في لحظات الضعف والقوة، لحظات الأمل واليأس... يقول الشاعر في هذا النص:
«لا مانع من أن تهجرَ الظلال
تتخيَّلَ أنكَ تكملُ الحياة وحدكَ
ولا تلتفتْ إلى فرشاة صافحتْ وجهكَ
وارسم دائرة ونَمْ فيها
فربما تلمسُ العتمة دون ذراع تسندُ اليأسَ
ولا تخفْ إذا سألكَ شَعْبُ الدائرة عن الشّرحِ،
اصمتْ وقُلْ جملة واحدة:
المرآة تكسَّرتْ».
لا تخلو الرسائل من الإحساس بالعزلة والوحشة والفقد، لكنه يظل إحساساً عابراً، مجرد هاجس يلون مناخات الكتابة داخل النص، تضعه الذات الشاعرة فوق رف الذاكرة، وتستدعيه، لتوسيع دائرة التأمل في فحوى الوجود، وجر الرسالة كحالة مشهدية إلى تخوم الواقع اليومي، بعيداً عن عباءة التصوف التي هيمنت على أغلب أعمال الشاعر الشعرية السابقة، ورغم أنها صنعت تميزاً فنياً للتجربة، إلا أنها في المجمل وقفت حائلاً دون أن يحقق النص الشعري صوفيته الخاصة المستقاة من تجربته الشخصية ورؤيته لذاته وسط تحولات العالم والعناصر والأشياء، وغيرها مما يحمله رف الذاكرة، ويكاد ينأى بثقل الذات وخفّتها أيضاً... نجد أصداء كل هذا في نص بعنوان «ينزل الآن من وقته»، حيث يحيل الشاعر إلى الرف، أشياء كثيرة، تعلق بها رائحة الماضي والحاضر وروح الطبيعة والبشر والأشياء، وكما يقول في هذا النص:
«على الرفّ
أحلامٌ وأدها الليلُ
رسائلُ منسيّة
وراديو قديم؟
...
على الرفّ - أيضاً -
إبرٌ كنت أرتقُ بها جرحَ المسافات
واسم مستعارٌ
وآخرُ استخدمته
...
وعلى الرفّ
كلامٌ هاربٌ
وقفلٌ لبيت من الصور البعيدة»
في هذا الديوان لم يبق من هذه العباءة سوى ظل الروح، بينما جسد النص أصبح مشغولاً أكثر باللغة التداولية البسيطة المغموسة في حركة الحياة، تراجعت دلالات الاستعارة والمجاز الصوفي، واللعب على أوتار العرفانية، كمفهوم أعلى محلّق في فضاء الذات والوجود، وأصبح الواقع الحي بكل تشابكاته وتقاطعاته إنسانياً واجتماعياً محور الرؤية، وبؤرة مدها وجذرها في النص، إنه رهان الشاعر والشعر معاً... مثلما يقول، في أحد النصوص، الذي يبدو تجسيداً لمفارقات هذه اللحظة الشائكة:
«أخيراً
وجدتُ القصيدة
ووجدتُ اللغة
كانت نائمة على بعد خطوتين من مكتبي
لكنني كنت ساعتها شاعراً
وكنت لا أرى
ولا أحدسُ بالقرنفل
ولا بالأمل
فقط كنتُ شاعراً
يحبس اللغة في إنائها
ويمسح الأرضَ بالقصيدة
ولا يصدق أن الفيل في منديل نائمٌ
كأن عليه أن يطرق الأبواب».
يلخص هذا النص صراع الذات الشاعرة مع ماضيها وحاضرها، فرغم أنها لا تكف عن التمويه على ذلك، ولو بلمسه من المزاح الشعبي في خرافة «الفيل في المنديل»، إلا أنها تكشف عن صورتين أو صوتين للشاعر، الأول موظف لدى القصيدة، التي تنام على بعد خطوتين من مكتبه، ومع ذلك لا يستطيع أن يقبض عليها، بل لا يراها، والثاني هو شاعر الشعر، الذي يرفض أن يحبسه في إطار ما، ليظل كينونة منفتحة بحرية على الذات والوجود، وشتي حدوسات المعرفة الإنسانية، حينئذ كان على الشاعر أن يطرق الأبواب، وهي أبواب قصية وبعيدة، غالباً ما تتراءى في نقطة تشبه المجهول الغامض، وليس المعلوم العابر المؤقت.
من الأشياء اللافتة في الديوان، الاعتماد على آلية السؤال لتوسيع رقعة الرؤية وتحريكها في زوايا ونوافذ معرفية متنوعة... تعمل هذه الآلية في خطوط متوازية على مستويي الداخل والخارج معاً، فتسائِل لحظة الميلاد، والجغرافيا والريح والبحر، والسموات، وخيوط النسج في المصنع، والهدهد، والصبار، والقمر. وفي كل ذلك، تبدو هموم الذات الداخلية، وهموم الخارج، وكأنهما صدى لحلم مفقود، يتوحدان ويفترقان أيضاً، من أجل الإمساك به. إن النص يتحول هنا إلى شكل من أشكال الاختبار للذات وللخارج معاً، إنه إجابة ناقصة، على سؤال لا يملك يقين لحظته، بل يظل معلقاً بين ما هو كائن بالفعل، وما يجب أن يكون... تطالعنا هذه الآلية ببساطة لغوية سلسة في نص بعنوان «ما الفائدة» يقول فيه الشاعر متسائلاً:
«ما فائدة الحبل السري في مادة العلوم
إن لم يكن واضع المنهج يقصدني أنا؟
وإن لم يكن في يدي من أحب؟
ما فائدة الجغرافيا
إن لم أكن أحتلُّ الخريطة كاملة
وأفردُ ظلّي عليها
وتعبر الأفيالُ بحري دون إصابتها بالبلل؟
ما فائدة الرياح
إن لم يكن صفيرها
يؤذنُ بقدومك من براري النساء البعيدة؟»
تبقى من الرسائل المهمة في هذا الديوان، رسالة الشاعر إلى نفسه، ومحاولة الخلوص لها، وتنقيتها من شوائب الغير، وفي ظني هي الرسالة الأمتع والأجمل، فطاقة اللعب مع الوجود والعناصر والأشياء، تتفجر من أبسط الأشياء ألفة وحميمة، من اسم الشاعر نفسه، وكيف يصبح بمثابة صيرورة، يمتزج فيها الحضور والغياب، الوصل والقطع، لكن في داخل الذات الشاعرة، حيث الدفء والأمان الكل يتكلم لغة واحدة، وبضمير المتكلم، ضمير الذات نفسها.
9:11 دقيقه
الشعر فوق رفّ الطفولة
https://aawsat.com/home/article/1274566/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%B1-%D9%81%D9%88%D9%82-%D8%B1%D9%81%D9%91-%D8%A7%D9%84%D8%B7%D9%81%D9%88%D9%84%D8%A9
الشعر فوق رفّ الطفولة
- القاهرة: جمال القصاص
- القاهرة: جمال القصاص
الشعر فوق رفّ الطفولة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


