الأسد في روسيا للمرة الثالثة... هل بدأ بوتين رسم ملامح التسوية؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى استقباله رئيس النظام السوري بشار الأسد في سوشي (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى استقباله رئيس النظام السوري بشار الأسد في سوشي (أ.ف.ب)
TT

الأسد في روسيا للمرة الثالثة... هل بدأ بوتين رسم ملامح التسوية؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى استقباله رئيس النظام السوري بشار الأسد في سوشي (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى استقباله رئيس النظام السوري بشار الأسد في سوشي (أ.ف.ب)

بدا الفارق واضحا هذه المرة، إذ منحت روسيا صفة رسمية للزيارة الثالثة التي يقوم بها رئيس النظام السوري بشار الأسد إلى روسيا منذ اندلاع الأزمة وتفجر الحرب الأهلية الطاحنة في بلاده.
أحيطت ترتيبات الزيارة التي تم تحضيرها على عجل بالتكتم، مثل سابقتيها. تم نقل الأسد على متن طائرة عسكرية روسية، وحيدا من دون مرافقين عدا مترجم انشغل أمام كاميرات الصحافيين بكتابة محضر اللقاء.
لكن، خلافا للمشهد في أول زيارة في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2015، عندما بدا الأسد ضعيفا متعثر الكلمات، مشتت الذهن، ومذعورا بعض الشيء. وغابت عن المكان رموز الدولة السورية، وتبين لاحقا أنه نقل على متن طائرة شحن، ولم يسمح له بإبلاغ حتى بعض المقربين منه بوجهته، تعمدت موسكو هذه المرة أن تستدرك الثغرات في المشهد السابق. إذ وقف الرئيس فلاديمير بوتين بانتظار الأسد على باب قاعة الاجتماعات في القصر الرئاسي في سوتشي، وبرز العلمان الروسي والسوري خلفهما أثناء المحادثات، وتم إدخال الصحافيين المعتمدين في مقدمة اللقاء عملا ببروتوكولات استقبال الرؤساء.
لكن الأهم من هذا كله أن روسيا أطلقت اسم «زيارة عمل» على اللقاء الثالث. صحيح أن الأسد لم يكن يحلم أن يطلق على زيارته لقب «زيارة دولة»، لكن منحها تسمية رسمية شكل تعويضا رمزيا عن «الإهانات» التي تعرض لها في أوقات سابقة خلال لقاءاته مع بوتين. كما أنه عكس رسالة مهمة من جانب موسكو توحي ببعض تصوراتها للمرحلة المقبلة.
ولا شك أن الزيارات الثلاث للأسد إلى روسيا شكلت منعطفات، في كل مرحلة من مراحل الصراع في بلاده، ناهيك من اللقاء الرابع بين الرئيسين الذي كانت له ظروف وملابسات خاصة لأنه جرى في قاعدة حميميم الروسية نهاية العام الماضي، وترافق مع أجواء تعمدها الجانب الروسي الذي أعلن «انتهاء العمليات العسكرية في الجزء النشط منها وإطلاق عملية تقليص الوجود العسكري في سوريا» ليظهر للعالم أنه المسيطر في المنطقة وصاحب قرار الحرب والسلام.
أهم ما ميز اللقاء الأول بعد مرور عشرين يوما فقط على بدء التدخل العسكري المباشر والنشط في سوريا، هو عنصر المفاجأة الطاغية فيه. كان لظهور الأسد في أكتوبر 2005 (رغم غياب رموز السيادة) أن ينقل للعالم رسالة واضحة بأن التدخل العسكري المباشر لن يحمل تغييرات في الموقف الروسي توحي بصفقة ثمنها رأس الأسد، كما راهنت طويلا أطراف عدة.
بعد ذلك اللقاء بدأت أطراف عدة تعيد ترتيب حساباتها في التعامل مع ملف الدخول الروسي إلى سوريا. أما من جانب الأسد فقد كان المطلوب إعطاء الشرعية الكاملة لهذا التدخل ومنحه الزخم السياسي والإعلامي القوي، على المستوى الدولي، وهو أمر حصلت عليه موسكو.
أيضا كان من المهم وضع استراتيجية التحرك الروسي في سوريا بعد قرار التدخل. ويقول العارفون بآلية تفكير الرئيس الروسي إنه غالبا لا يثق كثيرا بالتقارير المقدمة إليه، ويفضل أن يفحص دقتها بشكل مباشر. لذلك كان من الطبيعي أن يرغب في لقاء الرجل الذي يطالب العالم برحيله، وجها لوجه، وأن يبلغه مباشرة بالرؤية الروسية لإبعاد التدخل وماذا تريد موسكو في المقابل.
بعد الزيارة مباشرة تسارعت وتيرة وضع الأسس القانونية للوجود الروسي الدائم في سوريا، عبر اتفاقية حميميم التي اشتملت على عناصر توحي بأنها اتفاق على وجود أوسع بكثير من حدود القاعدة العسكرية.
وطبيعي أن استراتيجية العمليات العسكرية لم تكن لتناقش بالتفصيل على مستوى الرئيسين، لكن المهم كان وضع الملامح العامة لها في ظروف القناعة الروسية آنذاك بأن الجيش السوري غير قادر على تنفيذ اختراقات مهمة. وعمد اللقاء إلى تحفيز همم العسكريين السوريين الذين كانوا منهكين وجربوا على مدى سنوات تلقي الخسائر واحدة تلو الأخرى. هذا أمر كان حيويا جدا لبوتين كما كشف لاحقا مسؤولون عسكريون. ولوحظ أنه بعد اللقاء مباشرة بدأت موسكو تصعد ضرباتها العسكرية بشكل عنيف وتم فتح عدة جبهات قتالية في آن واحد.
أما الزيارة الثانية في سوتشي في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 فقد كان لها وقع مختلف. ويكفي تتبع عدد المرات التي أطلق فيها الأسد عبارات الشكر والثناء لروسيا وجيشها.
كانت قوات الأسد باتت تسيطر بفضل النشاط العسكري الروسي والتعاون مع «الحلفاء» الإيرانيين على نحو نصف أراضي سوريا، و«الجزء الأكبر من السكان» (الباقين فيها) كما يحلو لوزارة الدفاع الروسية أن تكرر.
ورغم كل الإشارات التي أحاطت بالأسد في ذلك الوقت بأنه لم يعد يسيطر على القرار في بلاده وأن روسيا أخذت مع إيران وتركيا مفاتيح القرار منه. لكن تعمد الكرملين أن يتم ترتيب اللقاء مباشرة قبل القمة الروسية الإيرانية التركية التي كانت مقررة في سوتشي لبحث الخطط اللاحقة في سوريا، أوحى بأن بوتين أراد مجددا توجيه رسالة إلى المجتمع الدولي بأن الإنجازات التي تمت في سوريا على الصعيد الميداني لا يمكن ترجمتها سياسيا من دون التعامل مع الأسد.
بهذا المعنى، فإن زيارة الأسد الثانية كان الهدف منها استجلاء فرص نقل المعركة الكبرى إلى الحلبة السياسية، على أبواب جنيف 8 وفي إطار تفاهمات الضامنين الثلاثة، وبالتوازي مع استعداد المعارضة لعقد جولة مفاوضات حاسمة في «الرياض 2».
في تلك الأجواء كانت موسكو تحضر بنشاط لمؤتمر الحوار السوري في سوتشي، وسط تباينات واسعة في الآراء داخل مراكز صنع القرار الروسي أسفرت عن تغيير موعده مرات، وعن تغيير شكله أيضا، من مؤتمر لـ«الشعوب السورية» إلى مؤتمر حوار تدعى إليه الأطراف السياسية وممثلي الكيانات القومية والأقليات المختلفة والعشائر.
كانت المعضلة التي تواجه بوتين وهو يستعد للقاء نظيريه التركي والإيراني لوضع سيناريوهات المرحلة المقبلة، أن إشارات عدة جاءت من دمشق توحي بتحفظ الأسد على فكرة سوتشي، لأنه خشي من أن يتحول المؤتمر نقطة عبور نحو تنفيذ الشق المتعلق بالانتقال السياسي في قرارات مجلس الأمن.
لذلك طلبت دمشق وفقا لدبلوماسيين روس وسوريين كشفوا بعض تفاصيل الخلاف في وقت لاحق، أن يقتصر نقاش المؤتمر على ملفي المصالحات وإنهاء الحصار الاقتصادي وإطلاق برامج إعادة الأعمار. وهما ملفان رحبت موسكو بإدراجهما على جدول أعمال سوتشي لاحقا، لكنها أصرت في الوقت ذاته على أن يكون ملف الإصلاح الدستوري محوريا. لذلك كان من الضروري أن يأتي الأسد ويعلن من سوتشي استعداد دمشق للانخراط في الجهد الروسي.
ولفت الأنظار إلى أن بوتين تعمد خلال اللقاء مع الرئيسين التركي والإيراني بعد ذلك مباشرة الإشارة إلى أنه «من أجل إطلاق تسوية جدية لا بد من تقديم تنازلات من كل الأطراف بما فيها الحكومة السورية».
حصل بوتين في الزيارة الثانية على ما أراد، وألزم الأسد بحضور مؤتمر سوتشي الذي عولت عليه موسكو لتقديم بديل لفشلها في ترجمة إنجازاتها العسكرية سياسيا في جنيف، ومنح الأسد في الوقت ذاته غطاء روسيا واسعا يعزز مكانته في الظروف الجديدة، لكنه يحمل هذه المرة صفة مختلفة، إذ لم تعد إيران تمثل الأسد في اللقاءات الثلاثية بل باتت موسكو تحدد ملامح التحرك للنظام السوري.
وتوحي ملابسات الزيارة الثالثة، وتعمد موسكو منحها صفة رسمية، أن موسكو باتت تستعد لإطلاق مرحلة جديدة، محاطة بتعقيدات واسعة. إذ فتح التغير الذي أحدثته الضربة العسكرية الغربية على مواقع في سوريا ثم التراشق الصاروخي الإسرائيلي الإيراني والتهديد بتحوله إلى مواجهة شاملة على مرحلة صعبة لموسكو، القلقة من فقدان جزء كبير من الإنجازات التي حققتها في سوريا على مدى عامين ونصف العام. وصحيح أن الضربة الغربية كانت محدودة ميدانيا لكن موسكو تقر بأنها بالغة التأثير سياسيا. وهذا يفسر تحذير الوزير سيرغي لافروف أكثر من مرة من أن «الهجوم الثلاثي عقد التسوية السياسية». وتراقب موسكو بدقة التحركات الفرنسية والأميركية وترى فيها محاولة لكسر الاحتكار الروسي للملف السوري.
أما الاشتباك الإسرائيلي الإيراني فلدى موسكو قناعة أنه لن يتطور إلى مواجهة واسعة، وهي أقامت خطا ساخنا مع الطرفين وعملت على تطويق الموقف وحصلت على تطمينات من طهران وتل أبيب في هذا الشأن. لكن الخشية الأساسية سببها تداخل المصالح بين الأطراف الإقليمية والدولية في سوريا، ما يساعد على تواصل تأجيج الموقف بهدف توسيع مساحات التأثير والنفوذ.
ينطلق الكرملين وفقا لرأي خبراء مقربين منه من أن المشهد الميداني الحالي لن يتعرض لتغييرات كبرى جديدة، وأن ما تم إنجازه لجهة توسيع مساحة السيطرة على الأرض هو الحد الأقصى الممكن تنفيذه عبر عمليات عسكرية، بالإضافة إلى عنصر ثالث مهم يقوم على أن موسكو حققت عمليا كل ما كانت تسعى إليه عبر تدخلها العسكري المباشر، وأي تصعيد جديد سوف يؤدي إلى نتائج عكسية.
لذلك حملت الزيارة الثالثة للأسد أهمية خاصة بالنسبة إلى الكرملين. إذ لا بد من تفعيل العملية السياسية استباقا للتحركات الغربية، ولا بد أن يعلن الأسد بشكل واضح وعلني أنه ملتزم بالعملية التي تقودها موسكو.
وهذا ما عكسه حرص الكرملين على نقل تفاصيل الحديث بين الطرفين. وخصوصا الشق المتعلق بالتزام الأسد بإرسال لائحة اللجنة الدستورية عن الحكومة السورية إلى المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، والانخراط في العملية السياسية، وأيضا إشارة بوتين إلى أن إطلاق قطار التسوية سوف يترافق مع خروج القوات الأجنبية من سوريا. هذه الإشارة ليست جديدة ولكنها حملت مغزى مباشرا هذه المرة على خلفية الضغوط المتواصلة لتقليص الوجود الإيراني في سوريا، وعلى خلفية رسالتين مهمتين وجهتهما روسيا مؤخرا، أولهما تراجع موسكو عن قرار تزويد الأسد بصواريخ «إس 300» والثاني أن موسكو اكتفت بعبارات القلق والدعوات إلى ضبط النفس لكنها لم تعلن أي إدانة لقصف أراضي سوريا من جانب إسرائيل.

تفاصيل الزيارة الثالثة:
قال الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف، أن الطرفين أجريا «مباحثات مفصلة» حول تطورات الوضع في سوريا.
وفي إشارة إلى أن هدف اللقاء كان دفع النظام السوري لإعلان تأييده العملية السياسية، قال بيسكوف إن «الأسد أكد لبوتين استعداداه لتسوية الأزمة في سوريا سياسيا»، ونقل عنه عبارة: «دمشق دائما تدعم بحماسة العملية السياسية، التي يجب أن تجري بالتوازي مع محاربة الإرهاب».
وقال الناطق الروسي إن بوتين ركز على ضرورة تهيئة ظروف إضافية لإعادة إطلاق عملية سياسية شاملة في إطار النتائج التي جرى تحقيقها عبر منصة آستانة وفي مؤتمر الحوار الوطني السوري الذي عقد في سوتشي. مضيفا أن الطرفين تطرقا إلى «الخطوات المشتركة اللاحقة» التي يمكن اتخاذها لتحقيق هذا الهدف.
ورأى الكرملين أن «النتيجة بالغة الأهمية للقاء اليوم تكمن في اتخاذ الرئيس السوري قرارا بتوجيه وفد من ممثليه إلى الأمم المتحدة لتشكيل اللجنة الدستورية، المعنية بالعمل على صياغة القانون الأساسي في سوريا على أساس عملية جنيف».
وكان بوتين أكد في ختام اللقاء ارتياحه لسير المناقشات وقال إنه تناول مع الأسد الخطوات المشتركة اللاحقة بشأن متابعة مكافحة الإرهاب في سوريا، والانتصارات والنجاحات التي حققها الجيش العربي السوري في حربه على الإرهاب وإعادة الاستقرار في البلاد الأمر الذي وفر الظروف المواتية لمتابعة العملية السياسية.
وشدد بوتين على أن الأسد تعهد بأنه سيرسل لائحة بأسماء المرشحين لعضوية لجنة مناقشة الدستور في قائمة الحكومة السورية في أقرب وقت ممكن إلى الأمم المتحدة، وزاد أن روسيا رحبت بهذا القرار وتدعمه كل الدعم. وأضاف بوتين أنه إلى جانب تفعيل العملية السياسية من الضروري اتخاذ الخطوات اللازمة لدعم الاقتصاد في سوريا... وأيضا ضرورة حل القضايا الإنسانية المعقدة... و«نتطلع إلى دعم الأمم المتحدة وجميع الدول المعنية بحل الأزمة في سوريا».
كما شدد بوتين في ختام المحادثات على أنه «مع تحقيق الانتصارات الكبرى والنجاحات الملحوظة من قبل الجيش العربي السوري في الحرب على الإرهاب، ومع تفعيل العملية السياسية، لا بد من سحب كل القوات الأجنبية من أراضي الجمهورية العربية السورية».
من جانبه، اعتبر الأسد اللقاء «مثمرا بكل ما تعنيه الكلمة»، ووجه الشكر إلى بوتين والحكومة الروسية التي «لم تتوقف خلال مراحل الأزمة المختلفة عن تقديم الدعم الإنساني للمواطنين السوريين الذين نزحوا من المناطق المختلفة بسبب الإرهاب».
وقال إن الطرفين أجريا تقويما للعملية السياسية خلال الأشهر الماضية، خاصة بعد مؤتمر سوتشي، وبعد عدة جولات لمؤتمر آستانة، و«تحدثنا بالخطوات المطلوبة لدفع هذه العملية، طبعا ركزنا بشكل أساسي على لجنة مناقشة الدستور المنبثقة عن مؤتمر سوتشي، التي ستبدأ أعمالها بمشاركة الأمم المتحدة، واتفقنا أنا والرئيس بوتين على أن ترسل سوريا مرشحيها لهذه اللجنة للبدء بمناقشة الدستور الحالي في أقرب فرصة».
وكان بوتين استهل اللقاء بالتأكيد على أنه «بفضل النجاحات العسكرية تم خلق ظروف إضافية مناسبة لاستئناف مسار العملية السياسية الكاملة، وقد تم إحراز تقدم كبير في إطار عملية آستانة، كما تم إحراز تقدم واضح أثناء مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي، والآن بإمكاننا الإقدام على الخطوات التالية بشكل مشترك، والهدف المنشود الآن هو إعادة إعمار الاقتصاد وتقديم المساعدات الإنسانية للسكان المحتاجين، وكما تعلمون: «نحن على تواصل مع جميع الأطراف المعنية بهذه العملية المعقدة بما في ذلك الأمم المتحدة والمبعوث الأممي السيد دي مستورا، وأود أن أناقش معكم كل هذه الاتجاهات لعملنا المشترك».
بينما أشار الأسد إلى «أن كثيرا من التغيرات الإيجابية تمت بعد لقائنا السابق في سوتشي خاصة فيما يتعلق أولا بمكافحة الإرهاب، فساحة الإرهابيين في سوريا أصبحت أصغر بكثير وخلال الأسابيع الأخيرة فقط، مئات آلاف السوريين عادوا إلى منازلهم وهناك ملايين أيضا في طريقهم إلى العودة وهذا يعني المزيد من الاستقرار، وهذا الاستقرار باب واسع للعملية السياسية التي بدأت منذ سنوات». وشدد على أنه «كما أعلنا سابقاً نعلن اليوم أيضا مرة أخرى أننا دائما ندعم ولدينا كثير من الحماس لهذه العملية وهذا اللقاء اليوم هو فرصة لوضع رؤية مشتركة للمرحلة القادمة بالنسبة لمحادثات السلام سواء في آستانة أو في سوتشي».



المحرّمي يدعو غروندبرغ لحضور مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب

المحرّمي مستقبلاً في الرياض المبعوث الأممي غروندبرغ (إعلام رسمي)
المحرّمي مستقبلاً في الرياض المبعوث الأممي غروندبرغ (إعلام رسمي)
TT

المحرّمي يدعو غروندبرغ لحضور مؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب

المحرّمي مستقبلاً في الرياض المبعوث الأممي غروندبرغ (إعلام رسمي)
المحرّمي مستقبلاً في الرياض المبعوث الأممي غروندبرغ (إعلام رسمي)

في وقت تتسارع فيه التطورات السياسية والأمنية في اليمن، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، في العاصمة السعودية الرياض، الخميس، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ، في لقاء حمل أبعاداً سياسية وأمنية متداخلة، عكست محاولة إعادة ترتيب المشهد اليمني من بوابة «القضية الجنوبية»، وتعزيز الاستقرار في المحافظات المُحرَّرة، وعلى رأسها العاصمة المؤقتة عدن.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش اللقاء آخر التطورات على الساحة الوطنية، والجهود الأممية والدولية الرامية إلى دفع العملية السياسية وتحقيق سلام شامل ومستدام.

واستعرض المحرّمي، خلال اللقاء، الاستعدادات الجارية لانعقاد مؤتمر الحوار الجنوبي - الجنوبي، المزمع إقامته في الرياض خلال الفترة المقبلة، بوصفه محطةً سياسيةً مفصليةً تهدف إلى معالجة «القضية الجنوبية» عبر مشاورات جامعة تضم مختلف المكونات والتيارات الجنوبية.

وأعرب عضو مجلس القيادة الرئاسي عن شكره وتقديره للسعودية على رعايتها الكريمة لهذا الحوار، عادّاً أن المبادرة تعكس حرص الرياض على وحدة الصف الجنوبي، ومساندة اليمنيين في تجاوز تعقيدات المرحلة الراهنة، وتهيئة الأرضية لحل سياسي متوازن يراعي تطلعات الجنوبيين في إطار الدولة اليمنية.

وأكد المحرّمي أن التوصُّل إلى حل عادل ومنصف للقضية الجنوبية يمثل ركيزةً أساسيةً لتعزيز الجهود الوطنية الرامية إلى إسقاط الانقلاب الحوثي في صنعاء، مشدداً على أن خروج الجنوب بمشروع سياسي موحد يعكس إرادة مكوناته المختلفة، سيشكّل قوةً دافعةً لاستعادة مؤسسات الدولة، وتحصين الجبهة الداخلية، والانطلاق نحو سلام مستدام.

وفي هذا السياق، وجَّه المحرّمي دعوةً رسميةً للمبعوث الأممي هانس غروندبرغ للمشاركة والمساهمة الفاعلة في مؤتمر الحوار الجنوبي - الجنوبي، بما يضمن مواءمة مخرجاته مع المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، ويعزز فرص نجاح الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء النزاع.

من جانبه، أكد غروندبرغ - وفق الإعلام الرسمي - دعم الأمم المتحدة لجهود مجلس القيادة الرئاسي الرامية إلى توحيد الصفوف، مشدداً على أهمية الحوار الجنوبي – الجنوبي بوصفه خطوةً محوريةً في المسار السياسي، ومعبّراً عن تقديره للدعوة الموجهة له للمشاركة في المؤتمر، بما يعكس انفتاح القيادة اليمنية على الشراكة مع المجتمع الدولي.

الهدوء يعم عدن

بالتوازي مع الحراك السياسي، شهدت العاصمة المؤقتة عدن تحركات ميدانية واسعة، تمثلت بوصول قوات «درع الوطن» صباح الخميس، في إطار ترتيبات أمنية تهدف إلى تثبيت الاستقرار وضبط الأوضاع، عقب انسحاب قوات المجلس الانتقالي الجنوبي.

وباشرت قوات «درع الوطن»، فور وصولها، الانتشار في عدد من النقاط العسكرية والشوارع الرئيسية بمديريات عدن، إلى جانب قوات ألوية «العمالقة» التي يقودها عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، ضمن خطة أمنية مشتركة تستهدف حماية العاصمة المؤقتة، وتأمين المنشآت السيادية والحيوية.

أفراد من القوات الموالية للمجلس الانتقالي الجنوبي يديرون نقطة تفتيش في مديرية البريقة بعدن (رويترز)

وكانت قوة عسكرية كبيرة، مكوّنة من 6 ألوية تابعة لـ«درع الوطن» - الفرقة الأولى، تحركت صباح الأربعاء من منطقة العبر بمحافظة حضرموت، في إطار تعزيزات وُصفت بـ«الواسعة»، قبل أن تصل إلى عدن ضمن خطة انتشار مرحلية.

وفي وقت سابق كانت قوات «العمالقة»، تسلمت مطار عدن الدولي، وانتشرت بشكل مكثف في محيطه لتأمينه، بعد أن كانت قد تسلمت قصر معاشيق الرئاسي، والبنك المركزي، والمجمع القضائي، وعدداً من المرافق السيادية الأخرى.

وجاء هذا الانتشار عقب قرارات رئاسية أصدرها رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، شملت إقالة محافظ عدن أحمد لملس، وتعيين عبد الرحمن شيخ خلفاً له، إلى جانب إطاحة قيادات عسكرية في حضرموت والمهرة، على خلفية اتهامات بالتواطؤ مع قوات المجلس الانتقالي.

كما أعلن عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي فرض حظر تجوال ليلي في عدن، يبدأ من التاسعة مساءً حتى السادسة صباحاً، اعتباراً من مساء الأربعاء.

ويسود الهدوء في عدن، بعد هروب رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي، الذي غادر بحراً إلى إقليم أرض الصومال قبل أن يصل جواً إلى أبوظبي، في وقت لا يزال فيه وفد المجلس الانتقالي موجوداً في الرياض استعداداً للمشاركة في مؤتمر الحوار الجنوبي.

حضرموت والمهرة

وفي محافظة حضرموت، ناقش المحافظ رئيس اللجنة الأمنية قائد قوات «درع الوطن» بالمحافظة، سالم الخنبشي، في اجتماع عُقد بمدينة المكلا، مع رئيس أركان حرب المنطقة العسكرية الثانية العميد الركن سالم باسلوم، الأوضاع العامة للمنطقة العسكرية الثانية، ومستوى الجاهزية، والمهام الملقاة على عاتقها، في أعقاب الأحداث التي شهدتها المحافظة مؤخراً.

محافظ حضرموت مجتمعاً مع رئيس أركان المنطقة العسكرية الثانية غداة تعيينه (سبأ)

واستعرض الاجتماع - بحسب الإعلام الرسمي - الجهود المبذولة لتعزيز الاستقرار والحفاظ على الأمن والسكينة العامة، والدور المحوري الذي تضطلع به المنطقة العسكرية الثانية في حماية المحافظة وتأمين مؤسسات الدولة والمواطنين. وشدد المحافظ الخنبشي على أهمية اضطلاع القوات العسكرية بواجباتها الوطنية، وتعزيز الانضباط والجاهزية، ورفع مستوى التنسيق مع الأجهزة الأمنية، لمواجهة أي تهديدات تمس أمن حضرموت وسلامة سكانها.

من جانبه، ثمّن العميد باسلوم دعم قيادة السلطة المحلية، مؤكداً أن هذا الاهتمام يمثل حافزاً معنوياً لمنتسبي المنطقة العسكرية الثانية لأداء مهامهم بكفاءة ومسؤولية.

وفي المهرة، أعلنت مصادر أمنية ضبط قوات «درع الوطن»، بالتعاون مع إدارة البحث الجنائي، كمية من الذخيرة المضادة للطيران كانت بحوزة أحد العناصر، خلال توقيفه في نقطة أمنية بمديرية الغيضة.

أسلحة استعادتها القوات الحكومية في محافظة المهرة (سبأ)

وأوضحت المصادر أن المتهم أبدى مقاومة في أثناء التفتيش، قبل أن تتم السيطرة عليه وضبط 14 صفيحة ذخيرة عيار 23 ملم، إلى جانب سلاح شخصي غير مرخص ومنظار قنص.

ودعت قوات «درع الوطن» وإدارة أمن المهرة المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية وتسليم أي أسلحة غير مشروعة، مؤكدة أن الأمن والاستقرار مسؤولية مشتركة، وأن المرحلة الراهنة تتطلب تضافر الجهود لمنع الانزلاق نحو الفوضى.


إحباط تهريب سجناء في لحج واستعادة آخرين فرّوا في أبين

عربة عسكرية في عدن ضمن عملية تأمين المدينة من الفوضى التي تسبب بها «الانتقالي» (رويترز)
عربة عسكرية في عدن ضمن عملية تأمين المدينة من الفوضى التي تسبب بها «الانتقالي» (رويترز)
TT

إحباط تهريب سجناء في لحج واستعادة آخرين فرّوا في أبين

عربة عسكرية في عدن ضمن عملية تأمين المدينة من الفوضى التي تسبب بها «الانتقالي» (رويترز)
عربة عسكرية في عدن ضمن عملية تأمين المدينة من الفوضى التي تسبب بها «الانتقالي» (رويترز)

مع استمرار انتشار وحدات من قوات «درع الوطن» في المحافظات اليمنية المحررة، أكدت وزارة الداخلية التصدي لهجوم استهدف السجن المركزي في محافظة لحج (شمال عدن) بغرض تهريب سجناء، كما ضبطت سجناء فارين في محافظة أبين (شرق عدن).

رئيس مصلحة التأهيل والإصلاح اللواء صالح علي عبد الحبيب أكد أنه لم تحدث أي إخلالات أمنية خطيرة في السجون المركزية بالمحافظات المحررة، مشيراً إلى أن ما جرى في سجن محافظة لحج وسجن أبين كانت أحداثاً محدودة وتم التعامل معها والسيطرة عليها في حينها.

وقال إن قيادة المصلحة تتابع على مدار الساعة الأوضاع الأمنية في جميع السجون المركزية، وذلك بتنسيق مباشر ومستمر مع قيادة وزارة الداخلية ممثلة بوزير الداخلية اللواء إبراهيم حيدان، عبر القنوات الرسمية المعتمدة.

لم تحدث أي إخلالات خطرة في السجون المركزية بالمحافظات اليمنية المحررة (إعلام حكومي)

وحسب المسؤول اليمني، فإن عمليات رئاسة المصلحة تقوم بالتواصل الدائم مع إدارات السجون المركزية وعمليات أمن المحافظات، ورفع التقارير والبلاغات الأمنية أولاً بأول إلى غرفة القيادة والسيطرة بوزارة الداخلية ومكتب وزير الداخلية.

وأوضح أن ما حدث في سجن لحج المركزي تمثل في محاولة اقتحام نفذتها مجموعات خارجة عن النظام والقانون، مؤكداً أنه جرى إحباط المحاولة والسيطرة عليها فوراً، وتعزيز السجن بقوة أمنية من قيادة أمن المحافظة.

السيطرة على الوضع

وبشأن ما حدث بسجن أبين المركزي، فأوضح اللواء عبد الحبيب أن الحادثة نتجت من أعمال شغب وفوضى قام بها بعض السجناء عقب سماعهم إطلاق نار في منطقة مجاورة للسجن؛ ما أدى إلى تمرد محدود تمكن خلاله عدد من السجناء من الهروب، قبل أن تنجح قوات حماية السجن في السيطرة على الوضع وإلقاء القبض على السجناء الفارين.

ضبط السجناء الذين فروا من السجن المركزي في أبين (إعلام حكومي)

وكشف رئيس مصلحة السجون عن أن قيادة أمن محافظة أبين عززت السجن بقوة أمنية إضافية، ولا تزال تتابع ملاحقة من تبقى من الفارين، مشيراً إلى أن قضاياهم غير جسيمة. وجزم بأن الوضع الأمني في السجون مستقر، وأن الجهات المختصة تتعامل بحزم ومسؤولية مع أي محاولات لإثارة الفوضى أو الإخلال بالأمن.

من جهته، وجَّه المفتش العام بوزارة الداخلية اللواء فائز غلاب وكلاء الوزارة ورؤساء المصالح وقيادات قوات الأمن الخاصة ومديري العموم ومديري الشرط بالمحافظات ومديري الإدارات بالحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة، وتعزيز السكينة العامة بالتنسيق التام مع قوات «درع الوطن» وجميع الجهات ذات العلاقة لضمان استتباب الأمن.

المصالح الأمنية في المحافظات المحررة تقدم خدماتها للجمهور بشكل اعتيادي (إعلام حكومي)

وشدد المفتش العام على الالتزام بالهندام العسكري والتقيد بوضع الرتب والشارات وفقاً للرتب القانونية المستحقة خلال أداء المهام الميدانية والدوام الرسمي، وتعزيز الرقابة الميدانية وإشراف قادة الوحدات ومديري الشرط على تنفيذ التوجيهات، وتكليف مدير عام الرقابة والتفتيش متابعة مستوى التنفيذ.

وكان وزير الداخلية اليمني إبراهيم حيدان أكد عدم صحة الأنباء التي تتحدث عن هروب عدد من عناصر «القاعدة» أو العناصر الإيرانية المحتجزة في سجون المكلا. وقال إن الأمن مسيطر على السجن المركزي في المكلا سيطرة تامة.


وزير الداخلية اليمني لـ«الشرق الأوسط»: الوضع الأمني في عدن تحت السيطرة

وزير الداخلية اليمني خلال إحدى جولاته السابقة في وادي حضرموت (سبأ)
وزير الداخلية اليمني خلال إحدى جولاته السابقة في وادي حضرموت (سبأ)
TT

وزير الداخلية اليمني لـ«الشرق الأوسط»: الوضع الأمني في عدن تحت السيطرة

وزير الداخلية اليمني خلال إحدى جولاته السابقة في وادي حضرموت (سبأ)
وزير الداخلية اليمني خلال إحدى جولاته السابقة في وادي حضرموت (سبأ)

أكد وزير الداخلية اليمني اللواء الركن إبراهيم حيدان أن الأجهزة الأمنية تتابع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات باهتمام بالغ، وتعمل بكل حزم ومسؤولية للحفاظ على الأمن والاستقرار وحماية السكينة العامة.

وأوضح حيدان، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الإجراءات تأتي تنفيذاً لتوجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، التي شددت على التزام قوات العمالقة وقوات درع الوطن بواجباتها الوطنية في حماية ممتلكات المواطنين، ومنع أي أعمال نهب أو تجاوزات، وفرض النظام وسيادة القانون، بالتعاون مع مختلف الأجهزة الأمنية.

وأشار وزير الداخلية إلى أن منع نقل أو تهريب الأسلحة خارج العاصمة المؤقتة عدن يُعد أولوية أمنية قصوى، مؤكداً أن الأجهزة الأمنية ستتخذ إجراءات قانونية صارمة بحق أي جهات أو أفراد يحاولون الإخلال بالأمن أو زعزعة الاستقرار.

وفي الوقت ذاته، طمأن اللواء حيدان المواطنين بأن الوضع الأمني تحت السيطرة، وأن الدولة حريصة على عدم المساس بالمواطنين أو ممتلكاتهم، مشدداً على أن جميع القوات تعمل وفق توجيهات واضحة تحترم القانون وتحفظ كرامة المواطن.

ودعا وزير الداخلية المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، مؤكداً أن تماسك الجبهة الداخلية والتكاتف المجتمعي يشكلان ركيزة أساسية لترسيخ الأمن والاستقرار، مجدداً التزام وزارة الداخلية بمواصلة أداء واجبها في حماية الوطن والمواطن.