الأسد في روسيا للمرة الثالثة... هل بدأ بوتين رسم ملامح التسوية؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى استقباله رئيس النظام السوري بشار الأسد في سوشي (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى استقباله رئيس النظام السوري بشار الأسد في سوشي (أ.ف.ب)
TT

الأسد في روسيا للمرة الثالثة... هل بدأ بوتين رسم ملامح التسوية؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى استقباله رئيس النظام السوري بشار الأسد في سوشي (أ.ف.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لدى استقباله رئيس النظام السوري بشار الأسد في سوشي (أ.ف.ب)

بدا الفارق واضحا هذه المرة، إذ منحت روسيا صفة رسمية للزيارة الثالثة التي يقوم بها رئيس النظام السوري بشار الأسد إلى روسيا منذ اندلاع الأزمة وتفجر الحرب الأهلية الطاحنة في بلاده.
أحيطت ترتيبات الزيارة التي تم تحضيرها على عجل بالتكتم، مثل سابقتيها. تم نقل الأسد على متن طائرة عسكرية روسية، وحيدا من دون مرافقين عدا مترجم انشغل أمام كاميرات الصحافيين بكتابة محضر اللقاء.
لكن، خلافا للمشهد في أول زيارة في 20 أكتوبر (تشرين الأول) 2015، عندما بدا الأسد ضعيفا متعثر الكلمات، مشتت الذهن، ومذعورا بعض الشيء. وغابت عن المكان رموز الدولة السورية، وتبين لاحقا أنه نقل على متن طائرة شحن، ولم يسمح له بإبلاغ حتى بعض المقربين منه بوجهته، تعمدت موسكو هذه المرة أن تستدرك الثغرات في المشهد السابق. إذ وقف الرئيس فلاديمير بوتين بانتظار الأسد على باب قاعة الاجتماعات في القصر الرئاسي في سوتشي، وبرز العلمان الروسي والسوري خلفهما أثناء المحادثات، وتم إدخال الصحافيين المعتمدين في مقدمة اللقاء عملا ببروتوكولات استقبال الرؤساء.
لكن الأهم من هذا كله أن روسيا أطلقت اسم «زيارة عمل» على اللقاء الثالث. صحيح أن الأسد لم يكن يحلم أن يطلق على زيارته لقب «زيارة دولة»، لكن منحها تسمية رسمية شكل تعويضا رمزيا عن «الإهانات» التي تعرض لها في أوقات سابقة خلال لقاءاته مع بوتين. كما أنه عكس رسالة مهمة من جانب موسكو توحي ببعض تصوراتها للمرحلة المقبلة.
ولا شك أن الزيارات الثلاث للأسد إلى روسيا شكلت منعطفات، في كل مرحلة من مراحل الصراع في بلاده، ناهيك من اللقاء الرابع بين الرئيسين الذي كانت له ظروف وملابسات خاصة لأنه جرى في قاعدة حميميم الروسية نهاية العام الماضي، وترافق مع أجواء تعمدها الجانب الروسي الذي أعلن «انتهاء العمليات العسكرية في الجزء النشط منها وإطلاق عملية تقليص الوجود العسكري في سوريا» ليظهر للعالم أنه المسيطر في المنطقة وصاحب قرار الحرب والسلام.
أهم ما ميز اللقاء الأول بعد مرور عشرين يوما فقط على بدء التدخل العسكري المباشر والنشط في سوريا، هو عنصر المفاجأة الطاغية فيه. كان لظهور الأسد في أكتوبر 2005 (رغم غياب رموز السيادة) أن ينقل للعالم رسالة واضحة بأن التدخل العسكري المباشر لن يحمل تغييرات في الموقف الروسي توحي بصفقة ثمنها رأس الأسد، كما راهنت طويلا أطراف عدة.
بعد ذلك اللقاء بدأت أطراف عدة تعيد ترتيب حساباتها في التعامل مع ملف الدخول الروسي إلى سوريا. أما من جانب الأسد فقد كان المطلوب إعطاء الشرعية الكاملة لهذا التدخل ومنحه الزخم السياسي والإعلامي القوي، على المستوى الدولي، وهو أمر حصلت عليه موسكو.
أيضا كان من المهم وضع استراتيجية التحرك الروسي في سوريا بعد قرار التدخل. ويقول العارفون بآلية تفكير الرئيس الروسي إنه غالبا لا يثق كثيرا بالتقارير المقدمة إليه، ويفضل أن يفحص دقتها بشكل مباشر. لذلك كان من الطبيعي أن يرغب في لقاء الرجل الذي يطالب العالم برحيله، وجها لوجه، وأن يبلغه مباشرة بالرؤية الروسية لإبعاد التدخل وماذا تريد موسكو في المقابل.
بعد الزيارة مباشرة تسارعت وتيرة وضع الأسس القانونية للوجود الروسي الدائم في سوريا، عبر اتفاقية حميميم التي اشتملت على عناصر توحي بأنها اتفاق على وجود أوسع بكثير من حدود القاعدة العسكرية.
وطبيعي أن استراتيجية العمليات العسكرية لم تكن لتناقش بالتفصيل على مستوى الرئيسين، لكن المهم كان وضع الملامح العامة لها في ظروف القناعة الروسية آنذاك بأن الجيش السوري غير قادر على تنفيذ اختراقات مهمة. وعمد اللقاء إلى تحفيز همم العسكريين السوريين الذين كانوا منهكين وجربوا على مدى سنوات تلقي الخسائر واحدة تلو الأخرى. هذا أمر كان حيويا جدا لبوتين كما كشف لاحقا مسؤولون عسكريون. ولوحظ أنه بعد اللقاء مباشرة بدأت موسكو تصعد ضرباتها العسكرية بشكل عنيف وتم فتح عدة جبهات قتالية في آن واحد.
أما الزيارة الثانية في سوتشي في 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 فقد كان لها وقع مختلف. ويكفي تتبع عدد المرات التي أطلق فيها الأسد عبارات الشكر والثناء لروسيا وجيشها.
كانت قوات الأسد باتت تسيطر بفضل النشاط العسكري الروسي والتعاون مع «الحلفاء» الإيرانيين على نحو نصف أراضي سوريا، و«الجزء الأكبر من السكان» (الباقين فيها) كما يحلو لوزارة الدفاع الروسية أن تكرر.
ورغم كل الإشارات التي أحاطت بالأسد في ذلك الوقت بأنه لم يعد يسيطر على القرار في بلاده وأن روسيا أخذت مع إيران وتركيا مفاتيح القرار منه. لكن تعمد الكرملين أن يتم ترتيب اللقاء مباشرة قبل القمة الروسية الإيرانية التركية التي كانت مقررة في سوتشي لبحث الخطط اللاحقة في سوريا، أوحى بأن بوتين أراد مجددا توجيه رسالة إلى المجتمع الدولي بأن الإنجازات التي تمت في سوريا على الصعيد الميداني لا يمكن ترجمتها سياسيا من دون التعامل مع الأسد.
بهذا المعنى، فإن زيارة الأسد الثانية كان الهدف منها استجلاء فرص نقل المعركة الكبرى إلى الحلبة السياسية، على أبواب جنيف 8 وفي إطار تفاهمات الضامنين الثلاثة، وبالتوازي مع استعداد المعارضة لعقد جولة مفاوضات حاسمة في «الرياض 2».
في تلك الأجواء كانت موسكو تحضر بنشاط لمؤتمر الحوار السوري في سوتشي، وسط تباينات واسعة في الآراء داخل مراكز صنع القرار الروسي أسفرت عن تغيير موعده مرات، وعن تغيير شكله أيضا، من مؤتمر لـ«الشعوب السورية» إلى مؤتمر حوار تدعى إليه الأطراف السياسية وممثلي الكيانات القومية والأقليات المختلفة والعشائر.
كانت المعضلة التي تواجه بوتين وهو يستعد للقاء نظيريه التركي والإيراني لوضع سيناريوهات المرحلة المقبلة، أن إشارات عدة جاءت من دمشق توحي بتحفظ الأسد على فكرة سوتشي، لأنه خشي من أن يتحول المؤتمر نقطة عبور نحو تنفيذ الشق المتعلق بالانتقال السياسي في قرارات مجلس الأمن.
لذلك طلبت دمشق وفقا لدبلوماسيين روس وسوريين كشفوا بعض تفاصيل الخلاف في وقت لاحق، أن يقتصر نقاش المؤتمر على ملفي المصالحات وإنهاء الحصار الاقتصادي وإطلاق برامج إعادة الأعمار. وهما ملفان رحبت موسكو بإدراجهما على جدول أعمال سوتشي لاحقا، لكنها أصرت في الوقت ذاته على أن يكون ملف الإصلاح الدستوري محوريا. لذلك كان من الضروري أن يأتي الأسد ويعلن من سوتشي استعداد دمشق للانخراط في الجهد الروسي.
ولفت الأنظار إلى أن بوتين تعمد خلال اللقاء مع الرئيسين التركي والإيراني بعد ذلك مباشرة الإشارة إلى أنه «من أجل إطلاق تسوية جدية لا بد من تقديم تنازلات من كل الأطراف بما فيها الحكومة السورية».
حصل بوتين في الزيارة الثانية على ما أراد، وألزم الأسد بحضور مؤتمر سوتشي الذي عولت عليه موسكو لتقديم بديل لفشلها في ترجمة إنجازاتها العسكرية سياسيا في جنيف، ومنح الأسد في الوقت ذاته غطاء روسيا واسعا يعزز مكانته في الظروف الجديدة، لكنه يحمل هذه المرة صفة مختلفة، إذ لم تعد إيران تمثل الأسد في اللقاءات الثلاثية بل باتت موسكو تحدد ملامح التحرك للنظام السوري.
وتوحي ملابسات الزيارة الثالثة، وتعمد موسكو منحها صفة رسمية، أن موسكو باتت تستعد لإطلاق مرحلة جديدة، محاطة بتعقيدات واسعة. إذ فتح التغير الذي أحدثته الضربة العسكرية الغربية على مواقع في سوريا ثم التراشق الصاروخي الإسرائيلي الإيراني والتهديد بتحوله إلى مواجهة شاملة على مرحلة صعبة لموسكو، القلقة من فقدان جزء كبير من الإنجازات التي حققتها في سوريا على مدى عامين ونصف العام. وصحيح أن الضربة الغربية كانت محدودة ميدانيا لكن موسكو تقر بأنها بالغة التأثير سياسيا. وهذا يفسر تحذير الوزير سيرغي لافروف أكثر من مرة من أن «الهجوم الثلاثي عقد التسوية السياسية». وتراقب موسكو بدقة التحركات الفرنسية والأميركية وترى فيها محاولة لكسر الاحتكار الروسي للملف السوري.
أما الاشتباك الإسرائيلي الإيراني فلدى موسكو قناعة أنه لن يتطور إلى مواجهة واسعة، وهي أقامت خطا ساخنا مع الطرفين وعملت على تطويق الموقف وحصلت على تطمينات من طهران وتل أبيب في هذا الشأن. لكن الخشية الأساسية سببها تداخل المصالح بين الأطراف الإقليمية والدولية في سوريا، ما يساعد على تواصل تأجيج الموقف بهدف توسيع مساحات التأثير والنفوذ.
ينطلق الكرملين وفقا لرأي خبراء مقربين منه من أن المشهد الميداني الحالي لن يتعرض لتغييرات كبرى جديدة، وأن ما تم إنجازه لجهة توسيع مساحة السيطرة على الأرض هو الحد الأقصى الممكن تنفيذه عبر عمليات عسكرية، بالإضافة إلى عنصر ثالث مهم يقوم على أن موسكو حققت عمليا كل ما كانت تسعى إليه عبر تدخلها العسكري المباشر، وأي تصعيد جديد سوف يؤدي إلى نتائج عكسية.
لذلك حملت الزيارة الثالثة للأسد أهمية خاصة بالنسبة إلى الكرملين. إذ لا بد من تفعيل العملية السياسية استباقا للتحركات الغربية، ولا بد أن يعلن الأسد بشكل واضح وعلني أنه ملتزم بالعملية التي تقودها موسكو.
وهذا ما عكسه حرص الكرملين على نقل تفاصيل الحديث بين الطرفين. وخصوصا الشق المتعلق بالتزام الأسد بإرسال لائحة اللجنة الدستورية عن الحكومة السورية إلى المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا، والانخراط في العملية السياسية، وأيضا إشارة بوتين إلى أن إطلاق قطار التسوية سوف يترافق مع خروج القوات الأجنبية من سوريا. هذه الإشارة ليست جديدة ولكنها حملت مغزى مباشرا هذه المرة على خلفية الضغوط المتواصلة لتقليص الوجود الإيراني في سوريا، وعلى خلفية رسالتين مهمتين وجهتهما روسيا مؤخرا، أولهما تراجع موسكو عن قرار تزويد الأسد بصواريخ «إس 300» والثاني أن موسكو اكتفت بعبارات القلق والدعوات إلى ضبط النفس لكنها لم تعلن أي إدانة لقصف أراضي سوريا من جانب إسرائيل.

تفاصيل الزيارة الثالثة:
قال الناطق الرئاسي ديمتري بيسكوف، أن الطرفين أجريا «مباحثات مفصلة» حول تطورات الوضع في سوريا.
وفي إشارة إلى أن هدف اللقاء كان دفع النظام السوري لإعلان تأييده العملية السياسية، قال بيسكوف إن «الأسد أكد لبوتين استعداداه لتسوية الأزمة في سوريا سياسيا»، ونقل عنه عبارة: «دمشق دائما تدعم بحماسة العملية السياسية، التي يجب أن تجري بالتوازي مع محاربة الإرهاب».
وقال الناطق الروسي إن بوتين ركز على ضرورة تهيئة ظروف إضافية لإعادة إطلاق عملية سياسية شاملة في إطار النتائج التي جرى تحقيقها عبر منصة آستانة وفي مؤتمر الحوار الوطني السوري الذي عقد في سوتشي. مضيفا أن الطرفين تطرقا إلى «الخطوات المشتركة اللاحقة» التي يمكن اتخاذها لتحقيق هذا الهدف.
ورأى الكرملين أن «النتيجة بالغة الأهمية للقاء اليوم تكمن في اتخاذ الرئيس السوري قرارا بتوجيه وفد من ممثليه إلى الأمم المتحدة لتشكيل اللجنة الدستورية، المعنية بالعمل على صياغة القانون الأساسي في سوريا على أساس عملية جنيف».
وكان بوتين أكد في ختام اللقاء ارتياحه لسير المناقشات وقال إنه تناول مع الأسد الخطوات المشتركة اللاحقة بشأن متابعة مكافحة الإرهاب في سوريا، والانتصارات والنجاحات التي حققها الجيش العربي السوري في حربه على الإرهاب وإعادة الاستقرار في البلاد الأمر الذي وفر الظروف المواتية لمتابعة العملية السياسية.
وشدد بوتين على أن الأسد تعهد بأنه سيرسل لائحة بأسماء المرشحين لعضوية لجنة مناقشة الدستور في قائمة الحكومة السورية في أقرب وقت ممكن إلى الأمم المتحدة، وزاد أن روسيا رحبت بهذا القرار وتدعمه كل الدعم. وأضاف بوتين أنه إلى جانب تفعيل العملية السياسية من الضروري اتخاذ الخطوات اللازمة لدعم الاقتصاد في سوريا... وأيضا ضرورة حل القضايا الإنسانية المعقدة... و«نتطلع إلى دعم الأمم المتحدة وجميع الدول المعنية بحل الأزمة في سوريا».
كما شدد بوتين في ختام المحادثات على أنه «مع تحقيق الانتصارات الكبرى والنجاحات الملحوظة من قبل الجيش العربي السوري في الحرب على الإرهاب، ومع تفعيل العملية السياسية، لا بد من سحب كل القوات الأجنبية من أراضي الجمهورية العربية السورية».
من جانبه، اعتبر الأسد اللقاء «مثمرا بكل ما تعنيه الكلمة»، ووجه الشكر إلى بوتين والحكومة الروسية التي «لم تتوقف خلال مراحل الأزمة المختلفة عن تقديم الدعم الإنساني للمواطنين السوريين الذين نزحوا من المناطق المختلفة بسبب الإرهاب».
وقال إن الطرفين أجريا تقويما للعملية السياسية خلال الأشهر الماضية، خاصة بعد مؤتمر سوتشي، وبعد عدة جولات لمؤتمر آستانة، و«تحدثنا بالخطوات المطلوبة لدفع هذه العملية، طبعا ركزنا بشكل أساسي على لجنة مناقشة الدستور المنبثقة عن مؤتمر سوتشي، التي ستبدأ أعمالها بمشاركة الأمم المتحدة، واتفقنا أنا والرئيس بوتين على أن ترسل سوريا مرشحيها لهذه اللجنة للبدء بمناقشة الدستور الحالي في أقرب فرصة».
وكان بوتين استهل اللقاء بالتأكيد على أنه «بفضل النجاحات العسكرية تم خلق ظروف إضافية مناسبة لاستئناف مسار العملية السياسية الكاملة، وقد تم إحراز تقدم كبير في إطار عملية آستانة، كما تم إحراز تقدم واضح أثناء مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي، والآن بإمكاننا الإقدام على الخطوات التالية بشكل مشترك، والهدف المنشود الآن هو إعادة إعمار الاقتصاد وتقديم المساعدات الإنسانية للسكان المحتاجين، وكما تعلمون: «نحن على تواصل مع جميع الأطراف المعنية بهذه العملية المعقدة بما في ذلك الأمم المتحدة والمبعوث الأممي السيد دي مستورا، وأود أن أناقش معكم كل هذه الاتجاهات لعملنا المشترك».
بينما أشار الأسد إلى «أن كثيرا من التغيرات الإيجابية تمت بعد لقائنا السابق في سوتشي خاصة فيما يتعلق أولا بمكافحة الإرهاب، فساحة الإرهابيين في سوريا أصبحت أصغر بكثير وخلال الأسابيع الأخيرة فقط، مئات آلاف السوريين عادوا إلى منازلهم وهناك ملايين أيضا في طريقهم إلى العودة وهذا يعني المزيد من الاستقرار، وهذا الاستقرار باب واسع للعملية السياسية التي بدأت منذ سنوات». وشدد على أنه «كما أعلنا سابقاً نعلن اليوم أيضا مرة أخرى أننا دائما ندعم ولدينا كثير من الحماس لهذه العملية وهذا اللقاء اليوم هو فرصة لوضع رؤية مشتركة للمرحلة القادمة بالنسبة لمحادثات السلام سواء في آستانة أو في سوتشي».



اندماج «قوات حماية حضرموت» في قوام الداخلية اليمنية

تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)
تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)
TT

اندماج «قوات حماية حضرموت» في قوام الداخلية اليمنية

تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)
تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)

في خطوةٍ تأتي ضمن مسار إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية في المحافظات اليمنية المحررة، والتي تشرف عليها قيادة القوات المشتركة في تحالف دعم الشرعية، أعلنت قوات حماية حضرموت اندماجها رسمياً في قوام القوات الحكومية التابعة لوزارة الداخلية، لتكون أول تشكيل مسلح يُنجز هذه الخطوة بشكل كامل، في تطور يُنظر إليه بوصفه مرحلة مهمة في جهود توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة الدولة.

وجاءت هذه الخطوة في وقت تواصل فيه قيادة القوات المشتركة في تحالف دعم الشرعية، الذي تقوده السعودية، الإشراف على عملية إعادة الهيكلة، ودمج التشكيلات المختلفة، وتوحيدها تحت سلطة وزارتي الدفاع، والداخلية.

وفي هذا السياق أعلنت قوات حماية حضرموت، التي يقودها عمر بن حبريش، رئيس حلف قبائل حضرموت ووكيل أول المحافظة، تأييدها الكامل، ومباركتها للقرارات الصادرة عن القيادة السياسية والعسكرية في البلاد، ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي القائد الأعلى للقوات المسلحة رشاد العليمي، وذلك بدعم وتنسيق مع التحالف، وبما يهدف إلى توحيد القوات المسلحة، والأجهزة الأمنية بمختلف تشكيلاتها، وتعزيز منظومة الأمن والاستقرار في محافظة حضرموت، ساحلاً، ووادياً.

قوات حماية حضرموت ساهمت في تأمين المكلا خلال الاضطرابات الأخيرة (إعلام عسكري)

القوات التي تشكلت منتصف العام الماضي، ولعبت دوراً مهماً في الأحداث الأخيرة التي شهدتها المحافظة، خصوصاً في تأمين حقول النفط، وعاصمة المحافظة (المكلا)، أعلنت دعمها لخطوات تنظيم ودمج القوات الأمنية، بما في ذلك قوات النخبة الحضرمية، تحت مظلة وزارة الداخلية، بما يسهم في توحيد الجهود الأمنية، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي، ورفد الأجهزة الأمنية بالكفاءات المدربة، والمؤهلة وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة.

ووفق بيان قوات حماية حضرموت، فإنها باشرت بالفعل اتخاذ الإجراءات الإدارية اللازمة لتنفيذ عملية الضم، وبالتنسيق مع القيادة السياسية والعسكرية العليا، وقيادة التحالف الداعم للشرعية في المحافظة، ووزارتي الدفاع، والداخلية، على أن تتبعها خطوات ميدانية خلال الأيام القليلة المقبلة، بما يعزز جاهزية القوات الأمنية، ويرسخ دعائم الأمن والاستقرار في مختلف مديريات ساحل ووادي حضرموت.

إشادة بالأداء

أكدت القوات في بيانها أن ما تحقق من إنجازات خلال المرحلة الماضية يعكس مستوى عالياً من الولاء الوطني، والانضباط المؤسسي لدى منتسبيها، حيث قدمت نموذجاً متميزاً في أداء الواجب، وأسهمت بفاعلية في تثبيت الأمن، ومكافحة الجريمة، وحماية المنشآت الحيوية في مختلف مراحل العمل الميداني.

قوات حماية حضرموت أول تشكيل مسلح يندمج في إطار القوات الحكومية (إعلام عسكري)

وأضافت أن هذا الرصيد يمثل قاعدة صلبة لمواصلة العمل بروح وطنية مسؤولة في إطار مؤسسات الدولة، وبما يخدم مصلحة الوطن والمواطن.

كما تعهد هذا التشكيل المسلح بالعمل تحت قيادة الدولة اليمنية، والتحالف العربي، والمضي قدماً في تنفيذ المهام الموكلة إليه بكفاءة، بما يعزز وحدة الصف الوطني، ويحقق تطلعات أبناء حضرموت في الأمن والاستقرار والتنمية، في ظل تحديات أمنية واقتصادية مستمرة تشهدها البلاد.

ترتيبات لإعادة الانتشار

وفق مصادر محلية، فإن قوام المنطقة العسكرية الثانية، الخاضعة لإشراف وزارة الدفاع، سيشمل لواء الريان، ولواء حضرموت، ولواء شبام، ولواء الدفاع الساحلي، ولواء الأحقاف، بالإضافة إلى لواء بارشيد المرتقب اعتماده، على أن تتمركز هذه القوات خارج المدن لأداء مهامها العسكرية، في إطار فصل المهام بين القوات العسكرية والأمنية.

وبحسب المصادر، سيتم إنشاء قوة أمنية تتبع وزارة الداخلية تكون مساندة للأجهزة الأمنية داخل المدن، وتتولى مهام التدخل السريع، وحفظ الأمن، على غرار قوات الأمن المركزي سابقاً.

قوات حماية حضرموت تولت تأمين حقول النفط (إعلام عسكري)

كما أوضحت أن التشكيلات التي سيتم دمجها ضمن قوات الأمن هي في الأساس وحدات لم تكن تتبع سابقاً قيادة المنطقة العسكرية الثانية، وكانت تعمل خارج هذا الإطار، وتشمل أجزاء من قوات معسكر الربوة، وقوات الدعم الأمني، وقوات حماية حضرموت، حيث سيتم دمجها ضمن الإطار الرسمي لوزارة الداخلية.

وبيّنت المصادر أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي سيصدر لاحقاً قرارات بإنشاء عدد من الألوية العسكرية الجديدة من أفراد قوات حماية حضرموت، وقوات أخرى، لتغطية كامل جغرافيا حضرموت ضمن المنطقتين العسكريتين الأولى (وادي حضرموت)، والثانية (الساحل)، والتي تمتد مهامها لتشمل أيضاً محافظتي المهرة، وأرخبيل سقطرى، في خطوة تهدف إلى تعزيز الانتشار الأمني والعسكري، وتحقيق الاستقرار المستدام.


غروندبرغ يكثف لقاءاته في عدن لدعم جهود الحكومة اليمنية

مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)
مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)
TT

غروندبرغ يكثف لقاءاته في عدن لدعم جهود الحكومة اليمنية

مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)
مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)

تكثّف الأمم المتحدة تحركاتها في اليمن في مسعى لدعم الاستقرار الاقتصادي، بالتوازي مع جهود إحياء العملية السياسية، في ظل بيئة إقليمية مضطربة تلقي بظلالها الثقيلة على بلد يعاني أصلاً من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم.

في هذا السياق، أجرى المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، سلسلة لقاءات رفيعة في العاصمة المؤقتة عدن مع مسؤولين حكوميين، تناولت مجمل التحديات المالية والاقتصادية، وآفاق التخفيف من تداعيات الصراع المستمر.

وشملت اللقاءات محافظ البنك المركزي اليمني، ووزراء المالية والنفط والمعادن، إضافةً إلى وزيرة الدولة لشؤون المرأة، في إطار مقاربة شاملة تربط بين الاستقرار الاقتصادي والتقدم السياسي، مع التركيز على القطاعات الحيوية التي تشكل عصب الاقتصاد الوطني.

تأتي هذه اللقاءات ضمن زيارة يُجريها المبعوث الأممي إلى عدن، في إطار جهوده المستمرة لدفع عملية سياسية شاملة بقيادة يمنية، وسط مخاوف متزايدة من تداعيات التصعيد الإقليمي، خصوصاً مع انخراط الحوثيين في صراعات أوسع في المنطقة.

وتسعى الأمم المتحدة -حسب مراقبين- إلى تعزيز التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، لضمان تكامل الجهود الداعمة لليمن، وتجنب تشتت المبادرات، بما يسهم في إعادة بناء الثقة بين الأطراف اليمنية، وتهيئة الظروف الملائمة لإحياء مسار السلام.

الضغوط الاقتصادية

في لقائه مع محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، استعرض المبعوث الأممي مستجدات الأوضاع المالية والنقدية، في ظل استمرار الضغوط على الاقتصاد اليمني نتيجة الحرب والانقسامات المؤسسية.

وناقش الجانبان -وفق المصادر الرسمية- تأثير التطورات الإقليمية، بما في ذلك اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، فضلاً عن تقلبات أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وهي عوامل زادت من هشاشة الاقتصاد اليمني.

غروندبرغ التقى في عدن محافظ البنك المركزي اليمني (سبأ)

وأكد اللقاء أن هذه المتغيرات العالمية تضاعف من معاناة الدول التي تعاني نزاعات طويلة، وعلى رأسها اليمن، حيث تنعكس بشكل مباشر على أسعار الغذاء والوقود، مما يفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين. كما جرى تأكيد أهمية تكثيف التنسيق الدولي والإقليمي لاحتواء التوترات في منطقة تعد من أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

واستعرض اللقاء الإجراءات المتخَذة لتأمين احتياجات السوق المحلية من السلع الأساسية، من خلال اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات، لضمان انسيابية تدفق الغذاء والدواء والوقود إلى جميع المحافظات دون استثناء، رغم التحديات اللوجيستية والمالية.

النفط والغاز

في محور آخر، برز قطاع النفط والغاز بوصفه أحد أبرز الملفات التي ناقشها المبعوث الأممي مع وزير النفط والمعادن محمد بامقاء، حيث تم التأكيد أن هذا القطاع يمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد اليمني، في وقت لا تزال صادراته متوقفة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022 نتيجة الهجمات التي استهدفت موانئ التصدير.

وأشار الوزير إلى أن توقف تصدير النفط والغاز المسال أدى إلى تراجع حاد في الإيرادات العامة، مما انعكس سلباً على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، بما في ذلك صرف رواتب الموظفين وتمويل الخدمات الأساسية. كما لفت إلى الجهود المبذولة لضمان استقرار إمدادات المشتقات النفطية والغاز المنزلي في المناطق المحررة، رغم التحديات القائمة.

المبعوث الأممي التقى في عدن وزير النفط والمعادن في الحكومة اليمنية (سبأ)

وتطرّق النقاش إلى الاختلالات السعرية التي تشهدها الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين، وما وصفته الحكومة باستخدام العائدات لأغراض تهدد الاستقرار الاقتصادي. وفي المقابل، شدد المبعوث الأممي على أهمية استئناف التصدير بوصفه خطوة محورية لدعم التعافي الاقتصادي، داعياً إلى تعزيز التنسيق لإيجاد حلول عملية ومستدامة.

إصلاحات مالية وتمكين المرأة

اقتصادياً، ناقش وزير المالية اليمني مروان بن غانم، مع المبعوث الأممي أولويات الحكومة في استعادة الاستقرار المالي، بما يشمل تعزيز الانضباط المالي، وإدارة النقد الأجنبي، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية. كما جرى التطرق إلى ملامح موازنة 2026، التي تركز على ترشيد الإنفاق، وإعطاء الأولوية للرواتب والخدمات، وتحسين كفاءة إدارة الموارد.

المبعوث غروندبرغ خلال لقائه وزير المالية في الحكومة اليمنية (سبأ)

وسلَّط اللقاء الضوء على استئناف مشاورات المادة الرابعة مع صندوق النقد الدولي بعد انقطاع دام أكثر من عقد، بوصفها خطوة مهمة نحو تنفيذ إصلاحات اقتصادية شاملة، تشمل تحسين تحصيل الإيرادات، وإلغاء الرسوم غير القانونية، وتعزيز الشفافية المالية.

في سياق متصل، بحثت وزيرة الدولة لشؤون المرأة، عهد جعسوس، مع المبعوث الأممي، سبل تعزيز تمكين المرأة، بوصفه عنصراً أساسياً في تحقيق التنمية والاستقرار. وشددت على أهمية إشراك المرأة في مواقع صنع القرار، ودعم مشاركتها في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية، فيما أكد غروندبرغ التزام الأمم المتحدة بدعم هذا التوجه.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


إدانة يمنية لتصعيد الحوثيين ضد القطاع التجاري

مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

إدانة يمنية لتصعيد الحوثيين ضد القطاع التجاري

مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

حذر وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، من تداعيات قرار الجماعة الحوثية شطب آلاف الوكالات التجارية في مناطق سيطرتها، عادّاً الخطوة تصعيداً خطيراً يندرج ضمن ما وصفه بـ«تفكيك ممنهج» لما تبقى من القطاع الخاص، في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة تشهدها البلاد منذ سنوات.

وقال الإرياني في تصريح صحافي إن إقدام الجماعة على شطب السجل التجاري والتراخيص لأكثر من 4225 وكالة تجارية محلية ودولية دفعة واحدة، يمثل «مجزرة اقتصادية» تستهدف البنية التجارية، وتقوض ما تبقى من النشاط الاقتصادي المنظم. وأوضح أن هذه الإجراءات تشكل «ضربة مباشرة لآخر أعمدة السوق، وتفاقم من حدة الانهيار الاقتصادي» الذي تعانيه مناطق سيطرة الحوثيين.

وأشار الوزير إلى أن هذه الخطوة تأتي «ضمن مسار متواصل منذ انقلاب الجماعة، لإعادة تشكيل سوق الوكالات التجارية بما يخدم مصالحها، عبر إقصاء الوكلاء الشرعيين، وفتح المجال أمام كيانات تابعة لها للاستحواذ على التوكيلات الحصرية». وعدّ أن ما يجري يعكس توجهاً واضحاً نحو إحكام السيطرة على مفاصل الاقتصاد، في امتداد لسياسات المصادرة وإعادة توزيع الموارد خارج الأطر القانونية.

وأضاف الإرياني أن الجماعة تعمل على ترسيخ نموذج «اقتصاد موازٍ» يقوم على «الاحتكار والجباية، ويعتمد على شبكات مغلقة تديرها عناصر موالية لها؛ مما يؤدي إلى تهميش القطاع الخاص التقليدي، وإضعاف بيئة الأعمال». ولفت إلى أن هذه السياسات أسهمت في «إفلاس عدد كبير من التجار، وإغلاق شركات ومصانع، فضلاً عن تسارع وتيرة خروج رؤوس الأموال إلى الخارج».

وأكد أن الانعكاسات الاجتماعية لهذه الإجراءات كانت قاسية، «حيث فقد عشرات الآلاف من العمال مصادر دخلهم، في ظل غياب أي شبكات أمان أو بدائل اقتصادية، الأمر الذي فاقم من مستويات الفقر والبطالة».

وجدد الوزير التأكيد على أن قرارات شطب الوكالات «تفتقر إلى أي أساس قانوني، وتمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد العمل التجاري»، داعياً رجال الأعمال والشركات المتضررة إلى نقل أنشطتهم إلى المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، حيث تتوفر - وفق قوله - بيئة أكبر استقراراً وضمانات قانونية لممارسة الأعمال بعيداً من الضغوط والممارسات التعسفية.