«الشرق الأوسط» في مهرجان كان السينمائي 9: لارس فون ترايير يتعمد الإساءة إلى المرأة في عامها

عودة المخرج المشاغب... وغير التائب

مات ديلون في «المنزل الذي بناه جاك»  -  المخرج لارس فون ترايير
مات ديلون في «المنزل الذي بناه جاك» - المخرج لارس فون ترايير
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان كان السينمائي 9: لارس فون ترايير يتعمد الإساءة إلى المرأة في عامها

مات ديلون في «المنزل الذي بناه جاك»  -  المخرج لارس فون ترايير
مات ديلون في «المنزل الذي بناه جاك» - المخرج لارس فون ترايير

مات ديمون ومات ديلون من جيل واحد‪.‬ الأول (47 سنة) نجم معروف مثّل أول فيلم له سنة 1988 بعنوان «ميستيك بيتزا». الثاني (54 سنة) ممثل معروف معين ظهر في أول فيلم سنة 1979 بفيلم عنوانه «فوق الحافة» (Over the Edge). كلاهما مثّلا للأسطوري فرنسيس فورد كوبولا. ديمون في «صانع المطر» سنة 1997 وديلون في فيلمين متعاقبين هما «المنبوذون» (The Outsiders) و«رامبل فيش» (Rumble Fish)، وذلك في عام واحد هو 1983.
كلاهما جيد، لكن الأول محظوظ أكثر من الثاني ويمكن أن يلعب سوء الاختيار دوراً كبيراً في هذا المجال. ديمون ليس لديه فيلم هنا في «كان»، لكن ديلون لديه فيلم يجسد سوء الاختيار في شكل مثالي.
الفيلم هو The House That Jack Built («المنزل الذي بناه جاك») للمخرج لارس فون ترايير تكسّرت موهبته على صخور سنة 2000 عندما قدّم آخر فيلم يستحق حيزاً كبيراً من التقدير هو «راقصة في الظلام».
بعد ذلك التاريخ حقق جولات غير مفيدة في طي أفلام لا معنى لها أو ذات قيمة سينمائية فعلية منها «دوغفيل» و«نيمفومانياك 1و2». الجزء الثاني من «نيمفومانياك» شهد عرضه في «كان» سنة 2013 وبعد العرض قام، خلال المؤتمر الصحافي، بإبداء إعجابه بهتلر فأثار ضجة كبيرة (سلبية) أدت إلى قيام المهرجان بشخص مديره العام تييري فريمو بإصدار قرار بمنعه من حضور «كان»، وبالطبع منع أفلامه كتحصيل حاصل. هنا أيضاً إشارات لهتلر وموسوليني وماووتسي تونغ كما لو أنه يرفض الاعتراف بالذنب.
- توازن مفقود
هذا المنع انتهى مع قبول عرض فيلم فون ترايير الجديد (والأول له بعد ذلك الفيلم الغير اللائق) «المنزل الذي بناه جاك»، ويا ليته لم يفعل. الفيلم، الذي يدور حول قاتل مسلسل (يؤديه مات ديلون الذي ربما اعتقد أنه سيساعد مهنته عالمياً) له حسنة فنية واحدة تكمن في التصوير (للتشيلي مانويل ألبرتو كلارو) ولا شيء يُذكر عدا ذلك باستثناء أن ديلون يؤدي المطلوب منه جيداً كونه موهوباً وصادقاً في ممارسة مهنته كممثل. للأسف، لا الشخصية التي يقوم بها قادرة على تجسيد تلك الموهبة طوال الوقت، ولا الدور الذي يؤديه كقاتل لا يرتدع عن قتل النساء والأطفال بعنف واضح يمكن له أن يمنحه أي عذر إذا ما أراد ذات يوم تبرير قبوله تمثيل هذا الفيلم.
فون ترايير اختار للفيلم لونه ونبرته ومنهجه ودرجة عنفه. هو من كتب السيناريو وحمل فيه على المرأة والعائلة والأطفال أيضاً وتييري فريمو هو من اختاره في سنة احتلت فيه القضايا النسوية العادلة (حركة «مي تو» وخط هاتفي مباشر للشكوى ضد المتحرشين، وكايت بلانشيت وحملتها المطالبة بتوازن الاختيار الجنسي للمهرجان)؛ ما يجعله متهماً بسوء الاختيار في أسوأ الأحوال.
جاك (ديلون) يقتل طفلين ثم يجبر والدتهما على ركوب سيارته، وعندما لا تتوقف عن النحيب لما حدث لطفليها يرفع مسدسه ويطلق النار عليها أيضاً. ما لا ينجزه المخرج هنا هو أي قدر يُذكر من الرهافة. فعندما قام سام بكنباه بتحقيق أفلامه العنيفة (والتي بدورها لم تكن رقيقة المعالجة حيال المرأة) لم يتخل عن قدر لافت وضروري من الفن المحلّـى بشعرية المكان أو الحدث الماثل.
الحبكة تكتفي، على مدى 155 دقيقة قاتلة، باثنتي عشرة سنة من حياة قاتل يستند إلى نفسه الداكنة والمعقدة ويرتكب جرائم متوالية في مواقع ساحلية غير مسماة، ولو أن الأحداث تدعي أنها أميركية خلال تلك «الدزينة» من السنين سنتابع جاك وهو يرتكب نصف «دزينة» من النساء اللواتي يتعرضن للقتل على يديه وبطرق مختلفة. القبعة ترتفع للفيلم المنسي «أميركان سايكو» للمنسية (بدورها) ماري هارون (2000)، ليس فقط لإتقان كرستيان بايل دوراً مماثلاً لما يؤديه هنا مات ديلون، بل لقدرة ذلك الفيلم على الفصل بين تشخيص الجريمة ودوافع مرتكبها بحيث تنسج عملاً نقدياً لمجتمع غير متكامل، وإلا لما أدّى إلى وجود مثل هؤلاء القتلة أو سواهم.
- كرهه للمرأة
فيلم فون ترايير يتيح لبطله جاك أن يكره من دون تردد، وأن يقتل من دون الشعور بالذنب، ولا يفيد كثيراً أن يقوم الألماني برونو غانز بتوفير طاولة البينغ بونغ بينه، كمرشد اجتماعي (على ما أظن) وبين القاتل جاك. في الجدال الساخر القائم بينهما يقوم تاريير بتوفير معلومات إضافية حول البواعث وبعض التحليل النفسي الذي قد يكون صائباً أو لا يكون.
خلال ذلك يحاول المخرج منح عمله بعض الصدى الواقعي والنقد لأميركا عبر مشاهد تذكّر ببعض العنف الذي ساد (ويسود من حين لآخر) مثل مقتل شارون تايت على أيدي جماعة تشارلز مانسون (الذي مات أخيراً في سجنه)، أو مثل حادثة السحل التي قام بها عنصريون بيض في بلدة تكساسية سنة 1998 لشاب أسود.
لكن ذلك لا علاقة له بالماثل هنا ولا يستطيع أن يشكل تبريراً لا لجاك ولا لوجود ذلك الكره الشديد صوب المرأة.
هذا الكره ساد أفلام تاريير السابقة. فقط الذين فاتهم التمعن في الشخصيات النسائية وأدوارها في أفلام هذا المخرج الدنماركي هم الذين لم يلحظوا أن دور نيكول كيدمان في «دوغفيل» كان معادياً للمرأة. كذلك دور المغنية بيورك في «راقصة في الظلام». أما تعاونه مع تشارلوت غينزبيرغ فحدّث به من دون حرج. «نيمفومانياك» (الذي قامت ببطولته) لا علاقة له بسينما الفن، ولا برغبة المخرج تقديم فيلم يحتل مكاناً خالداً في قائمة أفضل أفلام التاريخ.
هنا يسأل، من بقي في الصالة التي شهدت خروج نحو 100 متفرج، أن يتمتع بمشاهدة سوء أفعال جاك. هذا المراد كان من مفاتيح أفلام ألفرد هيتشكوك التي مارسها بسخريته السوداء وبأسلوبه المنظم والمنضوي تحت شروط التهذيب. هنا هو مجال مفتوح (ومنشود) لجعل البعض يشعر بما يشعر به بطل الفيلم من اللامبالاة لأفعاله، وفي الوقت الذي يتابع فيه ما يحدث للنساء من دون أي شعور بالشفقة.
في حفلة «جمعية مراسلي هوليوود الأجانب» التقيت بتييري فريمو ودار بيننا حديث عابر كان من بينه سبب قبول الفيلم ومخرجه بعد سنوات المنع. لم يكن الفيلم قد عُرض بعد؛ لذلك لم يشمل الحديث شيئاً عن تداعياته. قال: «ما قاله فون ترايير قبل سبع سنوات كان لا يغتفر وقد دفع ثمنه ممتنعاً عن العمل طوال تلك الفترة. والآن لا بد من إعادة الاعتبار إليه كفنان».
يا ليته بقي ممتنعاً.


مقالات ذات صلة

ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

سينما توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)

ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

في الـ11 من الشهر المقبل، يُطلق المخرج والمنتج ستيفن سبيلبرغ فيلمه الجديد «يوم الكشف» (Disclosure Day)، وهو الفيلم السينمائي الـ40 له.

محمد رُضا (كان)
سينما من «رماد» (ملف مهرجان «كان»)

شاشة الناقد: أفلام تتأرجح بين الغموض والتأمُّل في «كان»

القلب في المكان الصحيح، لكنّ هذا الفيلم يفتقد القدرة التي تجعله أكثر تأثيراً مما هو عليه.

محمد رُضا (كان)
ثقافة وفنون كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

محمد رُضا (كان)
سينما مشكلات المرأة العربية عبر فيلمين جديدين في «كان»

مشكلات المرأة العربية عبر فيلمين جديدين في «كان»

في نهاية فيلم «البارح العين ما نامت»، تسير بطلة الفيلم، ريم، في الحقول الممتدة رغم نداء شقيقها للتوقف والعودة إليه.

محمد رُضا (كان - فرنسا)
سينما شاشة الناقد: أفلام المهرجانات الجديدة... بين المراقبة الشخصية والتاريخ الواقعي

شاشة الناقد: أفلام المهرجانات الجديدة... بين المراقبة الشخصية والتاريخ الواقعي

يقول المثل: «من راقب الناس مات همّاً»، لكن عند المخرج الإيراني أصغر فرهادي، الذي يُنجز أفلامه في أوروبا، هذه المراقبة «بصبصة» تتيح للكاتبة الروائية سيلفي...

محمد رُضا (كان - فرنسا)

أفلام من فلسطين ولبنان تُعزِّز السينما العربية في «فينيسيا»

الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (ملف مهرجان فينيسيا)
الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (ملف مهرجان فينيسيا)
TT

أفلام من فلسطين ولبنان تُعزِّز السينما العربية في «فينيسيا»

الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (ملف مهرجان فينيسيا)
الفيلم الفلسطيني «المواطن أسامة» (ملف مهرجان فينيسيا)

بات مألوفاً أن نجد في برامج المهرجانات العالمية أفلاماً عربية، سواء أكانت عربية الإنتاج، أم ممولة أجنبياً، أم ثمرة مساهمات إنتاجية مشتركة.

من «فينيسيا» إلى «تورنتو»، ومن «كان» و«لندن» و«كارلوفي فاري» و«لوكارنو» و«روتردام» في أوروبا، إلى «صندانس» و«نيويورك» و«شيكاغو و«بالم سبرينغز» في الولايات المتحدة، ثمة زخم سنوي من الأفلام الموقّعة بأسماء مخرجين ومخرجات عرب.

هنا، في الدورة الـ83 من هذا الحدث الكبير، نجد أفلاماً من لبنان ومصر والأردن وفلسطين والعراق، إلى جانب أفلام لمخرجين عرب اعتمدوا على تمويل خارجي، أو على تمويل مختلط بين جهات أجنبية وصناديق دعم عربية.

إنه احتفاء يأتي في وقته بسينما عربية زاد عمرها على 100 عام؛ نشأت في مصر وانتشرت في دول عربية أخرى، من تونس إلى سوريا، ومن لبنان إلى العراق والأردن والمغرب والجزائر، ثم شملت السعودية والكويت والبحرين، من دون أن ننسى السينما الفلسطينية.

لا يمكن اعتبار اعتماد فيلم ما في إنتاجه على تمويل أجنبي ضرباً من اللجوء إلى الغرب، أو استحضاراً لسلبيات علاقته بالشرق العربي أو دوره في شأن أو آخر. فالفيلم لغة عالمية، ولا ضير في أن يبحث صنّاعه عن منفذ تمويلي من أي مكان، خصوصاً أن التمويل العربي الخالص ليس متوفراً في غالبية البلدان العربية، إلا ضمن نطاق إنتاجات تجارية لا تهدف أساساً إلى تحقيق نجاح مهرجاني.

ولا بد من الإشارة كذلك إلى أن الدول العربية ليست متساوية على صعيد الإنتاج السينمائي؛ فهو مرتفع في بعضها ضمن الحدود الممكنة، ومنخفض أو قليل في بعضها الآخر، بينما قلّما ينتج بعضها الثالث فيلماً واحداً خلال 5 سنوات، إما بسبب حرب أهلية وإما نتيجة تجاهل حكوماتها دعم السينما وفنانيها.

الفيلم اللبناني «غضب» (ملف مهرجان فينيسيا)

لم تعد هامشية

يعود إلى زمن بعيد تاريخ توجّه السينما العربية إلى المهرجانات العالمية. وقد تمّت الخطوات الأولى عبر أفلام من مصر ولبنان. فقد قدّم المخرج اللبناني جورج نصر فيلمين في مهرجان «كان»، أواخر الخمسينات ومطلع الستينات، وسبقه إلى الحضور في ذلك المهرجان صلاح أبو سيف ويوسف شاهين وكمال الشيخ، من بين آخرين في تلك الفترة.

وساد غياب شبه كامل في النصف الثاني من الستينات وصولاً إلى الثمانينات قبل أن تعاود السينما العربية فتح نوافذها المطلّة على المهرجانات الكبرى الثلاثة «برلين» و«كان» و«فينيسيا». في التسعينات اتسعت الدائرة لتشمل مهرجانات أخرى، ثم ازدادت اتساعاً مع مطلع القرن الحالي، قبل أن يتحوَّل حضورها اليوم إلى ظاهرة متجددة في العديد من المهرجانات حول العالم.

من بين العوامل التي أخّرت دوران عجلة الأفلام العربية في المهرجانات العالمية أن كثيراً من تلك المهرجانات لم يرغب في زجّ نفسه في القضايا التي عادةً ما تطرحها هذه الأفلام. ولم يكن القائمون عليها يدركون أن هذه القضايا، سواء أكانت سياسية أم اجتماعية، ستستقطب الاهتمام والحضور.

يضاف إلى ذلك أن شركات الإنتاج والتوزيع الغربية نظرت، حتى منتصف العقد الأول من القرن الحالي، إلى الأفلام العربية بعين متشككة. فقد رأت أنها غير مؤهلة لتحقيق نجاح تسويقي، وتساءلت عن جدوى الاهتمام بها، ما لم تكن ممهورة بتوقيع واحد من عدد محدود من المخرجين العرب، أمثال يوسف شاهين ومحمد لخضر حمينة ورضا الباهي.

أما بالنسبة إلى الأفلام التي تتناول فلسطين، فلم يكن الاهتمام الغربي منصبّاً على «القضية الفلسطينية»، بل على ما يمكن وصفه بـ«القضية الإسرائيلية». لكن سياسات بنيامين نتنياهو أسهمت، من حيث لم يرد، في تحويل الدفة لمصلحة القضية الفلسطينية.

ويعود التحوّل التدريجي أيضاً إلى أن الأحداث التي يمر بها العالم العربي، والوضع الفلسطيني على وجه الخصوص، لم تعد شؤوناً محلية. فالعالم يريد الاطلاع على إنتاجات روائية أو وثائقية تساعده على الاقتراب أكثر مما يجري. والأخبار الصحافية، مقروءة كانت أم مصوّرة، تنقل الحدث غالباً، لكن أسبابه وخلفياته تبقى مغلّفة بالمشهد الآني، مما يدفع الجمهور إلى البحث عن عمق في المضامين وصدق في الحكايات.

والسينما العربية الجديدة تؤمّن ذلك غالباً؛ فقد أسهمت أفلام ميشيل خليفي ومي مصري وكوثر بن هنية ورشيد مشهراوي في توسيع دائرة المعرفة، ومنحت مشاهديها رؤى جديدة.

امتلاء القاعات في عروض 7 أفلام عربية يؤكد تنامي اهتمام الجمهور

أصوات جديدة

لا يخفى تأثير الأحداث السياسية في توجّه المهرجانات نحو السينما الناطقة بالعربية. ولم يعد ممكناً تجاهل هذه السينما، نظراً إلى الإقبال الجماهيري على أفلامها. وقد امتلأت القاعات خلال عروض الأفلام العربية السبعة هنا.

وفي أحد تلك العروض، وهو فيلم «المواطن أسامة»، وقف الجمهور مصفقاً بحرارة لفيلم لم يتمكن مخرجه أحمد حسّونة من الحضور، بسبب الكم الكبير من العراقيل التي تضعها إسرائيل أمام الفلسطينيين؛ فهي تطالبهم بالرحيل، وإذا رفضوا كان الحصار، فضلاً عن القصف، هو الرد الظالم عليهم.

الفيلم من إنتاج رشيد مشهراوي، صاحب الباع الطويل في ترسيخ حضور السينما الفلسطينية مخرجاً ومنتجاً على مدى عقود.

يتابع «المواطن أسامة» (رسمياً خارج المسابقة) حياة المصوِّر الصحافي أسامة العشّي، الذي يتحرك يومياً لتوثيق الأحداث على الأرض تحت لهيب القذائف، وما تخلّفه من دمار يطول الإنسان ووطنه، بالتوازي مع سعيه إلى رعاية عائلته. لا يسعى الفيلم إلى رفع شعارات مباشرة، بل إلى نقل صورة واقعية، كتلك التي قدمتها كوثر بن هنية في فيلمها المدوي «صوت هند رجب».

وعُرض فيلم فلسطيني ثانٍ لصوت سينمائي جديد ضمن قسم «سبوتلايت»، هو «حوار مع البحر» لمؤيد عليان. لا يتناول الفيلم الحرب نفسها، بل تكمن أهمية الفيلم في تناوله حالةً ممتدة عبر أجيال من الفلسطينيين، يختصرها رجل يبحث عن الحقيقة.

وسبق للمخرج اللبناني رامي قديح أن خاض تجارب سينمائية متعددة، قبل أن يقدّم، بنجاح لافت في القسم نفسه، فيلمه «غضب»؛ عن شقيقتين تثوران على امتناع المصارف عن رد أموال المودعين، ما يدفعهما لسرقة المصرف في سلسلة من الأحداث التشويقية المتلاحقة.

أما الوضع اللبناني خلال الحرب الأهلية، فيتناوله فيلم «لحظات قليلة من السعادة»، من خلال امرأة تعيش في باريس وتتابع أخبار الحرب الدائرة بكثير من الشجن والقلق. والفيلم قصير، من إخراج شادن صفي الدين، وهو إنتاج بريطاني - فرنسي مشترك.

من «لا جنة لمن تقتله امرأة» (ملف مهرجان فينيسيا)

وعلى صعيد الإنتاجات المشتركة أيضاً، عُرض فيلم «لا جنة لمن تقتله امرأة» للمخرج هلكوت مصطفى، وهو كردي عراقي، يتناول قصة قنّاصة كردية تبحث عن شقيقتها التي اختفت خلال الحرب ضد تنظيم «داعش» في العراق، في منتصف العقد الماضي.


شاشة الناقد: فيلم فلسطيني يُثير التعاطف رغم هنّاته

كمال الباشا في «حوار مع البحر» (ملف مهرجان فينيسيا)
كمال الباشا في «حوار مع البحر» (ملف مهرجان فينيسيا)
TT

شاشة الناقد: فيلم فلسطيني يُثير التعاطف رغم هنّاته

كمال الباشا في «حوار مع البحر» (ملف مهرجان فينيسيا)
كمال الباشا في «حوار مع البحر» (ملف مهرجان فينيسيا)

حوار مع البحر★★★

إخراج: مؤيد عليان

السعودية، قطر، فلسطين (2025)

تبدأ أحداث فيلم «حوار مع البحر» بمشاهد لمظاهرة فلسطينية سلمية تواجهها قوات الأمن الإسرائيلية بالعنف: اعتقال المتظاهرين، وضربهم بالعصي وأعقاب البنادق، وإلقاء قنابل الغاز عليهم، والانقضاض عليهم وزجّهم في سيارات الاعتقال. ومع نهاية هذا الفصل، الذي يستغرق نحو 3 دقائق، ينطلق التصفيق في القاعة تضامناً مع المضطهدين.

إنه رد فعل مفهوم ويحظى اليوم بتأييد واسع في الغرب. ويبدو أن المخرج وكاتب السيناريو مؤيد عليان اختار هذه البداية لكسب جولة أولى لمصلحة الفيلم، قبل الشروع في سرد أحداثه.

لكن ما إن يبدأ الفيلم حكايته حتى نكتشف أن العلاقة بين ذلك التمهيد والأحداث ضعيفة. تبدأ القصة فعلياً بتسلُّم كمال (كمال الباشا) قراراً من المحكمة يلزمه بدفع ديون ابنه وائل، المتأخرة منذ نحو 20 عاماً، وإلا فسيُستولى على منزله. المشكلة أن الربط بين وضع عام نراه في صورة قمع مظاهرة وبين القصة نفسها ليس مبرراً تماماً. فالمظاهرة ناجمة عن وضع شعبي عام، في حين أن الأحداث التي يواجهها كمال ليست وثيقة الصلة به، بل هي نتيجة قرار قد يؤدي إلى الاستيلاء على المنازل، لكن مبرراته مختلفة. صحيح أنها تقع على خلفية لا تخلو من الاضطهاد، لكنها شخصية إلى حد بعيد.

ابن كمال، الذي لن نراه، مات غرقاً قبل 20 عاماً، لكن السلطات القضائية لا تملك شهادة تثبت وفاته، مما يدفع الأب إلى البحث عن الحقيقة: هل الجثة المشوّهة التي انتُشلت من الماء هي بالفعل جثة ابنه؟

يُؤخذ على السيناريو وجود ثغرات تُضعف قدرته على الإقناع. وكان الأجدى أن يكون الأب واثقاً من وفاة ابنه، وأن ينحصر همّه في إثبات ذلك في السجلات الإسرائيلية، لإنقاذ نفسه من خسارة منزله ومحتوياته. وكان يمكن الربط بين بحثه في هذا الاتجاه وبين الشخصيات التي يلتقي بها، من دون تغيير طبيعة تلك اللقاءات والمواقف المتضامنة معه أو المعادية له.

كذلك، فإن التبرير المقدَّم لرفض ابنته التحدث إليه، والمتمثل في تهوّره في قراراته المالية، مما جعل حياتها وحياة والدتها جحيماً، لا يبدو كافياً، خصوصاً أن المشاهد يدرك أن الابنة ستعود إلى حنان أبيها.

يثير الفيلم شعوراً بأنه يدخل من الباب نفسه الذي يخرج منه، رغم تعدد أحداثه.

أفضل ما فيه فكرة البحث عن الحقيقة من خلال الرغبة في مقابلة الفتاة الإسرائيلية التي قيل إنها كانت برفقة الابن. لكن حقيقة أنها لم تكن آخر من رآه تفضي إلى معلومات لاحقة تكشف عن علاقة حب جمعت بين الابن وفتاة فلسطينية. ومن المؤكد أن هذا التتابع كان يمكن أن يأتي أكثر سلاسة، لو لم ينشغل الفيلم باستعراض مواقف شخصيات يهودية، بعضها متعاطف وبعضها الآخر عدائي.

ثمة صلات بين هذه الأحداث والوضع الفلسطيني القائم، لكنها تظل استنتاجية. وما كان ينقص الفيلم هو حبكة مختلفة ومبررات أكثر تماسكاً. ومع ذلك، فإن تنفيذ المخرج عليان على المستويين الفني والتقني، تصويراً ومونتاجاً، جيد بلا ريب، كما أن إدارته ممثليه جيدة، رغم وجود نزعة عاطفية واضحة في بعض المواضع.

ويُذكر أن كمال الباشا نال جائزة أفضل ممثل في مهرجان فينيسيا عام 2017.

إلى ذلك، ينجح الفيلم بوصفه قصة عن البحث عن شخص مفقود وإجابات عن أسئلة معلّقة، أكثر مما ينجح في محاولته تسييس الحكاية وربطها بوضع عام وقضية كبرى.

وينجح «حوار مع البحر» كذلك في بناء حالة من التعاطف مع القضية المطروحة، بصرف النظر عن هنّاته. ويعود جزء كبير من ذلك التعاطف إلى أداء كمال الباشا، الذي يجسّد شخصية رجل مثقل بإحباط عميق حيال واقعه والوضع العام في وطنه، من دون أن يتحدث عنهما مباشرة. ويكسبه ذلك تعاطف المشاهد، رغم أن المخرج لا يقدّمه بوصفه شخصاً منزّهاً عن الأخطاء.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


السياسة حاضرة... والمخرجات شبه غائبات في «فينيسيا»

جورج كلوني يتلقَّى تحية نادرة في ليلة الافتتاح برفقة زوجته أمل (رويترز)
جورج كلوني يتلقَّى تحية نادرة في ليلة الافتتاح برفقة زوجته أمل (رويترز)
TT

السياسة حاضرة... والمخرجات شبه غائبات في «فينيسيا»

جورج كلوني يتلقَّى تحية نادرة في ليلة الافتتاح برفقة زوجته أمل (رويترز)
جورج كلوني يتلقَّى تحية نادرة في ليلة الافتتاح برفقة زوجته أمل (رويترز)

اكتظت قاعة المؤتمرات الكبيرة في مقر مهرجان «فينيسيا» السينمائي بعدد من الحضور فاق المعتاد. واضطر كثير من الصحافيين والنقاد إلى الوقوف على جانبي القاعة للاستماع إلى رئيسة لجنة التحكيم، الممثلة والمخرجة ماغي جيلنهال، في المؤتمر الصحافي الذي عقدته مع باقي أعضاء اللجنة.

كانت المناسبة تقليداً راسخاً في كل دورة وفي كل مهرجان: على رئيس لجنة التحكيم تقديم رؤيته المسبقة للمهمة التي هو (أو هي) بصددها مع أفراد لجنته. لكن هذا التقليد تعرّض في السنوات القليلة الماضية لمحاولات من الإعلام لطرح أسئلة عن رأي اللجنة في القضايا السياسية الساخنة. حدث هذا في «برلين»، «لوكارنو» وكذلك في «فينيسيا».

ألبرتو باربيرا وماغي جيلنهال في مهرجان «فينيسيا» (رويترز)

لم تُضيِّع جيلنهال وقتاً في التصدِّي لهذا الموضوع، فقالت مباشرة: «الأفلام، على نحو لا يمكن تجنّبه، سياسية أساساً. نستطيع أن نتساءل: كيف نحتفي بالسينما هنا في حين أن العالم في حالة طوارئ؟ بالنسبة إليَّ، يتطلب الجواب موقفاً تعاطفياً. أعتقد أن الفيلم (أي فيلم) يتيح لنا فرصة لإيقاظ التعاطف في ذواتنا». وأضافت: «علينا أن نتحدَّى أنفسنا بالسماح لصانع الفيلم بأن يقول ما يرغب في قوله».

السؤال الآخر الذي بات يتردد، مثل أسطوانة مشروخة، في كل مناسبة، هو عن «قلة عدد الأفلام النسائية الإخراج في المسابقة الرسمية».

ما لم يكن متوقعاً هو رد جيلنهال على هذا السؤال. وعوض أن تقول شيئاً مثل إن المهرجان يختار أفلامه تبعاً لقيمتها، وليس لجنس صانعيها، أو إنها كانت تأمل أن تكون هناك أفلام نسائية الإخراج أكثر، قالت بجدية: «أعتقد أن الأمر بات أخيراً واضحاً: الرجال يصنعون أفلاماً أفضل من النساء». وشرحت ما تعنيه متحدثة عن «منظومة» على المرأة أن تمر عبرها. وحمل بعض تعليقها تلميحاً ساخراً إلى عدم وجود أفلام نسائية الإخراج في المسابقة الرئيسية، باستثناء فيلم واحد.

من «امرأة مجهولة» (نورديسك فيلم برودكشن)

امرأة وحيدة

وضع جواب رئيسة لجنة التحكيم بعض النقاط على الحروف. فالمشكلات التي تواجه المرأة، وقناعاتها والمسائل التي تحيط بها، ليست المادة التي يتوجَّه إليها الجمهور الكبير؛ ذاك الذي يفضِّل، تلقائياً، مخرجين لديهم أسماء رنَّانة، أو يجري وراء أفلام دارجة تحتوي على ذلك الخليط من المغامرة والمطاردات والعنف. وليس معنى ذلك أن بعض المخرجات لا يتمتعن بالقدرة على توظيف هذه العناصر على النحو الذي يتطلبه الإنتاج، بل إن غالبيتهن لديهن موضوعات أكثر أهمية بالنسبة إليهن.

تقوم شركات الإنتاج، الأميركية خصوصاً، غالباً على مبدأ واحد هو الإيراد. ويختلف الوضع في أوروبا، حيث هناك مُتَّسع أكبر لمشاركة المرأة في إخراج أفلام تعكس اهتماماتها. على الرغم من ذلك، تصل نسبة المخرجين الرجال إلى الثلثين، وأحياناً أكثر.

وعندما يواجه مهرجان «فينيسيا» حالة كهذه، فإنه يفضِّل الحُكم على النتائج المرئية، لا على جنس المخرج أو أي عامل آخر.

ومن المثير حقاً أن الفيلم النسائي الوحيد في المسابقة هذا العام هو «امرأة مجهولة» لمي الطوخي، وهي مخرجة دنماركية من أصول مصرية تعيش في الدنمارك منذ سنوات. والفيلم إنتاج دنماركي، مع مساهمة إيطالية.

تكريم جورج كلوني في ليلة الافتتاح

فيلمان عن الإعلام

كان حفل الافتتاح نفسه حافلاً بالنجوم وكبار السينمائيين الذين حضروا المناسبة. ووقف رئيس المهرجان، ألبرتو باربيرا، مستقبلاً ضيوفه كالعادة، ومن بين من استقبلهم رئيس مهرجان «كان» تييري فريمو. وتعانق الاثنان، متناسيين، ربما للحظات، المنافسة الحامية بين المهرجانين.

كان جورج كلوني المُحتفى به في ليلة الافتتاح. وصل برفقة زوجته اللبنانية، وحظي بالترحيب الكبير الذي يستحقه.

فيلم الافتتاح هذا العام، «حبر» (Ink) لداني بويل، يتناول موضوعاً لا يبتعد عن تاريخ صناعة الإعلام وواقعها الراهن. وهو عمل بيوغرافي جزئي عن لاري لامب، الذي ترأس تحرير صحيفة «ذَ صن» حين اشتراها المليونير روبرت مردوخ (الفيلم في «شاشة الناقد» اليوم). ولا يتحدث عن وضع سياسي، لكنه يعرض لمحات خاطفة وذكية عن الفترة التي تدور فيها الأحداث، وينتهي بربط الماضي بالحاضر على صعيد الإعلام.

لاحقاً، وفي عداد ما سيُعرض في المسابقة هنا، سنشاهد فيلماً آخر عن الإعلام والإعلاميين، هو «برايمتايم» للمخرج لانس أوبنهايم، ومن بطولة روبرت باتنسون، الذي يؤدي دور مراسل شبكة «NBC» الأميركية كريس هنسن.

كان فيلم الافتتاح، من حيث نوعيته وجدواه، أفضل من فيلمي افتتاح المهرجانين الكبيرين المنافسين، «برلين»، و«كان».

افتُتح مهرجان «برلين» العام الحالي بفيلم «لا رجال صالحون» (No Good Men) لشهربانو سادات، وهي إحدى عضوات لجنة التحكيم هنا، فيما أُسندت المهمة في مهرجان «كان» إلى الفيلم الفرنسي «قبلة كهربائية». وقد أخفق كلاهما في تقديم تبرير حقيقي لاختيارهما في هذا النطاق.