ارتباط اللغة بالمكان والهُوية في شعر محمود درويش

بصفته فعلاً مضاداً للمشروع الاستيطاني

محمود درويش
محمود درويش
TT

ارتباط اللغة بالمكان والهُوية في شعر محمود درويش

محمود درويش
محمود درويش

كثيرة هي الدراسات التي تناولت شعر محمود درويش منذ بداياته الأولى، مروراً بتحولاته اللاحقة، والتي جعلت من إنتاجه الشعري عنواناً جمالياً وفكرياً وروحياً للفلسطينيين، سواء في أماكن الشتات أو على أرض الوطن. ولكن نادراً ما يجمع الدارس لتجليات درويش الشعرية بين الرصد العلمي المنهجي الموثق من جانب، وروح المبدع المتأججة وراء الكتابة من جانب ثانٍ، تلك الروح تلتقط نبض الإبداع الحي، وترى ما لا يراه العقل الأكاديمي المحايد. الجمع بين القراءتين هو ما نجده في كتاب «تغريدة الشاعر - أثر المكان على الهُوية في أعمال محمود درويش» تأليف الروائية الفلسطينية ليانة بدر.
الكتاب مأخوذ عن رسالة ماجستير قدمتها ليانة بدر لقسم الدراسات العربية المعاصرة في «جامعة بيرزيت» عام 2012، أي أنها تصدر في قراءة المكان من موقعها الفلسطيني، وصداقتها للشاعر - كما يظهر في إهداء الكتاب - مضافاً إلى ذلك خلفيتها الإبداعية، وحسها النقدي المرهف، وانضباطها العلمي.
يتناول الجانب النظري في الكتاب العلاقة بين المكان والهُوية، ويُبرز أهمية التركيز على دراسة علاقة الهُوية في تفاعلاتها مع المكان المفقود - المستحضر في شعر محمود درويش، وتتبع إمكانية الوصول إلى صياغات معرفية حول الهُوية والمكان في نتاجات الشاعر، بما يجاوز النظرة السائدة التي فرضتها معظم الدراسات التي عالجت الشعر الفلسطيني على أنه شعر «سياسي» و«نضالي» في المقام الأول والأخير، والتي قامت بعرضه بالتالي عبر سياق سياسي وتاريخي مباشر، منقطع عن أرضياته الجمالية والفكرية. لهذا السبب تولي الباحثة أهمية كبرى لمسألة الجانبين الجمالي والمعرفي في ظل النظر إلى تغييرات الأمكنة عبر حقب متعددة من حياة درويش، وحياة الفلسطينيين في أشعاره. كذلك تهتم بدر برصد سمات الهُوية في تغيراتها، بالنظر إلى علاقتها بمفهوم المكان عبر نتاجات الشاعر التي رسمت أشكالاً متعددة للهُوية الفلسطينية، بأبعادها الجمالية والتعددية، بعيداً عن القراءات السياسية المتعجلة، ذات البعد الواحد.
إن تتبع شعر محمود درويش من خلال رحلة الشاعر مع المكان (داخل الوطن - خارج الوطن - الرجوع - داخل الوطن وخارجه) سيكشف تعريفاً للمكان- الأمكنة من وجهة نظر أهله وأصحابه تعبر عن معاناة الفلسطينيين وإصرارهم على صياغة ذاكرتهم وصونها؛ وهو ما أدى بدوره إلى صياغة هُوية متعددة الأبعاد، تمثلها درويش وعبّر عنها باقتدار في أشعاره، خصوصاً في قصائده الأخيرة، وصولاً إلى الهُوية الكونية الأعم والأشمل. وفي هذه المرحلة استطاع درويش الوصول إلى محاورة تجربتي الوجود والعدم الإنسانيتين على المستوى الشخصي، لكي يصل إلى الانفتاح الدلالي الأشمل بمعناه الكوني.
وفي فصل بعنوان «تحولات الهُوية بالتوازي مع المكان عند الشاعر داخل الوطن» تُبرز الكاتبة ارتباط اللغة بالمكان والهُوية، فقد عمل درويش على بناء المكان الفلسطيني داخل النص عن طريق الاحتفاء باللغة العربية التي أراد الاحتلال محوها؛ لأنها تمثل قلب الهُوية النابض.
لقد شحذ هذا الشاعر طاقته الإبداعية كلها من أجل امتلاك المكان باللغة، وذلك بصفته فعلاً مضاداً للمشروع الاستيطاني، حتى تصبح الذات الشاعرة مقيمة في اللغة، وداخل جغرافيا المدن المسلوبة في آن معاً. لهذا السبب تمثل قصائد درويش الأولى جزءاً من الذاكرة الجماعية، وتقترن بالمكان الأول الذي توحد به في دواوينه المبكرة مثل: «أوراق الزيتون»، «عاشق من فلسطين»، «آخر الليل»، «العصافير تموت في الجليل»، «حبيبتي تنهض من نومها»، «محاولة رقم 7»، ففي هذه الأعمال لا نكاد نبصر الفرق بين الشاعر والمكان؛ إذ يلجأ الشاعر إلى المكان ويتوحد به لبناء ما تهدم من أشكال الحياة الفلسطينية الأولى.
وقد مثلت المرحلة البيروتية - حتى عام 1982 وما بعده بقليل - استمراراً للتركيز على الهُوية البطولية للفدائي على نحو ما يظهر في قصيدة «مديح الظل العالي» وغيرها، بينما تَبرز أيضاً الهُوية الفلسطينية المتحدية التي لا تذعن للجوء، وإنما تحاور الأمكنة الغائبة وتفاصيلها، وهي تفيض حياة في حضورها الشعري. ويَعتبر بعض النقاد أن بيروت مكان ثانٍ لولادة القصيدة الدرويشية، فقد كانت بيروت - في تلك الآونة - عاصمة للثقافة العربية التي حملت الثورة مع نشيد الحداثة، وتفاعل معها الشاعر، فأنجب حينها بعضاً من أعظم الملاحم في تاريخ الشعر العربي خلال سنوات السبعينات ومطالع الثمانينات من القرن الماضي، مثل: «أحمد الزعتر»، «قصيدة الأرض»، «قصيدة بيروت»، «مديح الظل العالي».
كما تُعتبر مرحلة الإقامة في باريس مكاناً ثالثاً لتطور القصيدة الدرويشية؛ فقد ساعد تفرد المدينة الحضاري – بصفتها عاصمةً للكتابة والأدب والفنون - على الاندماج في سوية الحياة الموجودة هناك، بما أعطى أشعاره خلال تلك المرحلة عبقاً وجمالية وتميزاً له خصوصيته، بينما واصل فيها ملحمته الغنائية التي وظّف فيها أفقاً عريضاً لاستكشاف تجارب إنسانية متعددة، بدءاً من تكثيف استخدام رموز الأساطير اليونانية التي استخدمها سابقاً أو التركيز على الرموز المتعلقة بالتاريخ العربي أو مزجها معاً كما شاء، وكما شاءت له موهبته اللامعة.
أما الإقامة بين رام الله وعمان، فتمثل مكان القصيدة الرابع، غير أن درويش لم يكن ينتظر عودة منقوصة إلى الوطن؛ إذ رفضت السلطات الإسرائيلية إقامته في فلسطين 1948، لذلك أصبح كأنه عاد ولم يعد. وذلك بالإضافة إلى إدراكه أن كل لاجئ يكتشف بقلبه أنه من المستحيل أن يعود، وحتى لو استطاع العودة جسدياً؛ فهو قد تغيّر بعمق خلال منفاه.
وتشير أشعار درويش التي كتبت في المنفى بعد الخروج من بيروت إلى ذائقة جمالية مغايرة، حافلة بالتفاصيل الدقيقة التي تُظهر أن المنفى أثّر في تأسيس هوية مختلفة لأصحابه، تبعدهم عن تقشف الموضوع النضالي الخالص. ويظهر هذا بوضوح في أعماله الصادرة بين الخروج من بيروت وإلى ما قبل العودة إلى فلسطين. أما في أعماله الأخيرة، إثر عودته إلى فلسطين، فقد سجلت تغيُّر صورة المقاتل الفدائي الذي عاد إلى وطنه ليصير إنساناً عادياً، يتحكم القدر في مصيره، فهو ليس سوى «لاعب النرد» مثله في ذلك مثل الآخرين. كذلك برزت في قصائده خلال تلك المرحلة خيارات السيرة التي هي جزء من الجدل المعقد بين خيارات ثقافية وفكرية وجمالية كبرى، لم تنفصل عن بداياتها، بل أعادته إلى أغوار أعمق من تاريخه الشخصي، وتاريخ فلسطين المكان والعناصر، لكي يضيف إليها قدرات أكبر على النفاذ إلى الواقع الفلسطيني في تجلياته العربية والعالمية. هكذا اقترن سؤال الهُوية بالسيرة الذاتية، وظل في تغيّر دائم بعد ما خرج من المكان الأول.
ويعبّر الشاعر بشكل دقيق عن سؤال الهُوية المتغيرة خلال مقابلة أجريت معه حول كتاباته الشعرية بقوله:
«هذه فعلاً رحلة بحث عن الأنا المنقسمة والموزعة. البحث عن المكان أسهل؛ لأن المكان تغيّر بوضوح، وليس هناك سؤال فلسفي كبير عند البحث عن مكان مفقود أو لدى التغيّر في شكل المكان، هناك صورة بصرّية (على الأقل) لا تحتاج إلى استقراء استشرافي، ولا إلى بصيرة، فالمكان تغيّر عياناً. الصعب هو علاقة تغيُّر المكان بتغيُّر الأنا أو تغيُّر الأنا وعلاقتها بتغيُّر المكان. من الذي غيَّر الآخر؟ هذا إشكال لم أجد له حلاً».
ويبدو هذا السؤال نفسه حاضراً في قصائد درويش، ولا سيما في آخر أشعاره في ديوانه الأخير «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي» (2009) خصوصاً في قصيدة بعنوان «على محطة قطار سقط عن الخريطة». والجواب عند الشاعر يتكرر في إعادة للسؤال الوجودي عن كيفية تشكيل المكان الضائع، ومعناه، وانعكاسه على هُوية الإنسان. فالوقوف على المحطة لا يرتبط بانتظار القادم، ولا البحث عن جماليات ما، بل هو محاولة لإدراك موضع الذات في الكون، ومحاولة لتقصي أسباب النفي والإبعاد:
«وقفت على المحطة... لا لأنتظر القطار- ولا عواطفي الخبيثة في جماليات شيء ما بعيد- بل لأعرف كيف جُنّ البحر وانكسر المكان- كجرة خزفية، ومتى ولدت وأين عشت...».
يتمركز السؤال الحيوي في القصيدة حول فعل الولادة، أي الوجود، مترافقاً مع فعل تموضع الإنسان في حياة المكان، أي تحديد المكان الشخصي داخل المكان العام من أجل قراءة الهُوية. يحدد الشاعر علاقته بالمكان مجيباً عن سؤاله الأول في القصيدة نفسها بإعادة اكتشاف انتمائه إلى تفاصيل أرضه الأولى، محافظاً على علاقته الجسدية، وعلى أسمائه المتعددة التي تحيلنا إلى هويات متعددة، لا تكف عن التواجد في المكان الأصلي؛ ذلك أن الوجود الإنساني لأصحاب الأرض داخل المكان لا ينمحي، وهو وجود عضوي لا بديل له:
«أرى مكاني كله حولي - أراني في المكان بكل أعضائي وأسمائي».
تلك هي الهُوية- الهُويات المتعددة التي لم يتوقف عن تأكيدها في أشعاره كلها، حيث لا يمكن للاحتلال أن ينتزع منه علاقته بالأرض الأولى، حتى لو تشظت الأمكنة وانبثقت منها الهُويات المتحولة التي تجعله لاجئاً طريداً.
وفي هذا السياق، يُثْنِي درويش على إدوارد سعيد، لأنه ظل مخلصاً لصوته الأساسي بوصفه ضحيةً تقاوم الاستعمار الاستيطاني بحيث توحي قصيدته «طباق»- المهداة لسعيد - وكأنه يحاور توأمه الروحي حول أسئلة البقاء والوجود، هو الأليف الذي لا يألف المنفى، ويمتلك الحنين إلى حياة عادية مستقبلية، لها بساطة الاعتيادي، على الرغم من الرؤية المركبة. يقول درويش في هذه القصيدة:
«والهوية؟ قلتُ- فقال: دفاع عن الذات...- إن الهوية بنتُ الولادة، لكنها- في النهاية إبداعُ صاحبها، لا- وراثة ماضٍ. أنا المتعدّد. في- داخلي خارجي المتجدّدُ... لكنني- أنتمي لسؤال الضحيّة».
لقد نجح درويش في بناء منظومة جمالية كاملة، وامتلك القدرة المعرفية والموهبة الشعرية على فرض نماذج من اللغة والرؤيا والخيال على الساحة الشعرية العربية، والعالمية أيضاً من خلال الترجمة. وباختصار، ابتكر منظومة من القيم هي في وقت واحد جمالية وأخلاقية وضرورية، مثّلت برهة تاريخية وأدبية استثنائية، عاشها درويش، وهو يعلم أنه مكلف بمهمة كبرى، تمثلت في التقاط الوجدان الجمعي للأمة، وتحويل الشعر إلى قوة وطنية وثقافية، روحية ومادية، جمالية ومعرفية. وقد فعل.
* كاتبة وناقدة مصرية



«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
TT

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)
تطور قراءات الكتب (المصدر ويكيبيديا)

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار ولا يريد أحد العودة إليها، كل النتائج تثبت العكس. يتبين بالأرقام، أن الكتاب الورقي يحافظ على مكانته في الصدارة، ويربح المعركة في أميركا وأوروبا والعالم العربي أيضاً، وأن الكتب الرقمية توقف سوقها عن النمو، وهي تصارع من أجل أن تتقدم دون كبير جدوى. ما الذي فرمل حيويتها الأولى؟ وهل المستقبل سيكون مختلفاً؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه.

10 أعوام من الجمود

تحدثت دول غربية عن نمو كبير في عدد قراء الكتب الرقمية ابتداءً من عام 2011 حيث ازدادت نسبة قراءة الكتب الإلكترونية بين الأميركيين 11 نقطة مئوية خلال 3 سنوات فقط، أي أنها قفزت من 17 في المائة عام 2011 إلى 28 في المائة عام 2014. لكن للغرابة فإن هذه النسبة لم تشهد بعد ذلك تزايداً يذكر، لا في أميركا عقر دار التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولا في دول أوروبية، رصدت أحوال القراء، ورغباتهم. وبدل أن يفقد الكتاب الورقي مكانته بسرعة كما كان متوقعاً، توقف مدّ الكتاب الإلكتروني، طوال السنوات العشر الماضية، واحتفظ كل شكل من أشكال القراءة، بنسبة محددة لا تتزحزح.

أميركا تقرأ ورقياً

في دراسة أصدرها «مركز بيو للأبحاث»، في أبريل (نيسان) من العام الحالي، تبين أن الكتب الورقية لا تزال هي المفضلة لدى الأميركيين، وأن ثلث القراء فقط هم من قرأوا كتاباً إلكترونياً واحداً على الأقل خلال السنة الماضية، فيما وصل عدد الذين قرأوا كتاباً ورقياً إلى 64 في المائة، أي بانخفاض 10 في المائة فقط عن النسبة قبل 14 عاماً، بينما لجأ 26 في المائة إلى كتاب صوتي واحد على الأقل العام الماضي.

الدراسة تثبت أن الكتب الورقية هي الصيغة الوحيدة التي يستخدمها أغلبية الأميركيين، وأن النمو الرقمي جاء مكملاً لها ولم يحلّ مكانها. وهذه ملاحظة عامة في دول أوروبية عديدة، حيث أن نسبة قراء الكتاب الرقمي تجمدت بالفعل في السنوات الأخيرة. بالتالي، وبعكس التوقعات الأولى، فإن قارئ الكتاب الإلكتروني يجد فيه مكملاً لدور الكتاب الورقي، ولم يعتبره بديلاً عنه، خصوصاً في ما يتعلق بكتب الروايات والمغامرات والكتب المخصصة للأطفال، فيما الكتب الأكاديمية لها شأن آخر.

لماذا العودة إلى التقليدي؟

قد يكون سبب بقاء القراء مخلصين لعاداتهم الورقية متأتياً من الحاجة إلى الابتعاد عن إجهاد الشاشات الذي يرهقهم طوال اليوم، وقد أصبح استخدام الهاتف يستغرق يومنا ونحتاج إلى استراحة منه. هناك أيضاً الدراسات التي تحذر باستمرار من القراءة الإلكترونية حيث يصبح الإنسان أقرب إلى التشتت وعدم التركيز منه إلى حالة التفكر. ولا ننسى وسائل التواصل والمنصات التي لعبت دوراً إيجابياً في لفت الانتباه إلى الكتب كمنتجات مغرية، عبر مؤثرين، تمكنوا من التعريف بالمؤلفات واجتذاب المهتمين، كما لم يفعل أحد من قبل. كما يبدو أن القارئ وجد في النهاية، في كل صيغة، سواء الورقية أو الرقمية أو الصوتية، ما يناسب الظرف الذي يعيشه، إن كان مسافراً أو مسترخياً في منزله، أو يزاول رياضة المشي، فلكل حالة كتابها.

ونحن هنا لا نتحدث عن صور «بي دي إف» المقرصنة والمصورة التي يتداولها القراء بالعربية وفي شتى اللغات، بحيث يصعب معرفة عدد من يتناقلونها أو يستفيدون منها، وتبقى في منطقة من الظلال الكثيفة. إنما الدراسات تأخذ بعين الاعتبار الصيغ المختلفة للكتاب التي تباع وتشترى في سوق الكتب، ويمكن للجهات المختصة مراقبتها، ومعرفة مسارها.

بريطانيا تنتصر للنشر الكلاسيكي

في بريطانيا، بحسب الرابطة التجارية لصناعة النشر، النتائج مشابهة لما أعلنته الولايات المتحدة حيث لا تزال الطباعة الورقية هي الشكل الأقوى للنشر الاستهلاكي، وقد بلغت إيراداتها 2.1 مليار جنيه إسترليني من إجمالي 2.6 مليار جنيه إسترليني، بزيادة قدرها 2 في المائة عن العام الماضي. وحققت الصيغ الرقمية إيرادات لم تصل إلى أكثر من 558 مليون جنيه إسترليني، بينما بلغت إيرادات الكتب الصوتية 255 مليون جنيه. ما يعطي الورق تقدماً كبيراً على كل ما عداه.

العرب غياب للتوثيق الدقيق

أما العرب، ورغم غياب الإحصاءات الشاملة والموثوقة، فإن تقارير معارض الكتب والناشرين، تتحدث عن بيع ملايين النسخ الورقية. وهبوط القدرة الشرائية التي أثرت على سوق الكتب لا يوازيه ارتفاع في بيع الكتاب الإلكتروني، لأسباب تتجاوز تلك التي نراها في الغرب، على رأسها تعثر النشر الإلكتروني العربي تقنياً خاصة في البدايات، في الوقت الذي كانت فيه الكتب باللغات الأجنبية في عزّ انطلاقتها. ولا بد من التذكير بأن تطويع الخط العربي ليصبح مناسباً للنشر الإلكتروني والقراءة على الشاشات تأخر، عن باقي اللغات، ولا تزال المشاكل التقنية حاضرة ولم تذلل جميعها. كما أن ضعف البنية التحتية لحماية حقوق الملكية الفكرية الرقمية لم يشجع على الاستثمار في منصات النشر. وحسب إحدى الدراسات، فإن سوق النشر بكليته في العالم العربي يقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار من هذا المبلغ، ما يدل على أنه لا يزال ضعيفاً جداً، بل أضعف من معدله في أماكن أخرى في العالم.

أوروبا لا تشذّ عن القاعدة

أوروبا لا تشذ عن غيرها، ففي فرنسا وإسبانيا لا تزال الكتب الورقية في المقدمة، وفي ألمانيا القراءة بخير، حيث إن أكثر من نصف الألمان يشترون الكتب الورقية ولا يستعيرونها فقط. والأمر نفسه من حيث الإقبال على النشر الورقي في الهند وكوريا الجنوبية.

وتسجل الصين اختلافاً بيناً في صفوف قرائها، إذ إن الصينيين هم من أكثر المستهلكين للكتب الإلكترونية، نسبة إلى الشعوب الأخرى. عدد قراء الكتب الورقية يكاد يوازي عندهم عدد قراء الكتب الرقمية، يليهم في ذلك اليابانيون، مع فارق كبير بين الشعبين لصالح الصينيين. هذا النوع من الإحصاءات يأخذ بعين الاعتبار إجابات من يتم طرح السؤال عليهم، وعدد الكتب المباعة بصيغها المختلفة. وغالباً ما يكون القراء أنفسهم هم الذين يلجأون إلى الوسيلتين معاً، مع ملاحظة أن الشباب أميل قليلاً إلى الكتاب الإلكتروني من الأكبر سناً.

سوق النشر بكليته في العالم العربي تقدر بنحو 13.4 مليار دولار، أما النشر الإلكتروني فلا يشغل سوى 791 مليون دولار

دراسة

مشاكل رقمية غير مشجعة

الكتاب الورقي يقاوم ويثبت مكانته، رغم أن مغريات الكتاب الإلكتروني أصبحت كثيرة، منها ارتفاع سعر الحبر والطباعة والورق، ما جعل سعر الكتاب التقليدي باهظاً بالنسبة للبعض، كما أن الحصول عليه يحتاج وقتاً أطول حتى لو طلب من منصة، إضافة على أن الاحتفاظ بالكتب يشكل عبئاً على أصحابها في المنازل الصغيرة. لكنه في المقابل يبقى عملياً بعد الحصول عليه، فلا يحتاج كهرباء ولا تشريجاً أو جهازاً للعودة إليه، كما يسهل التعليق على هوامشه والتعامل مع معلوماته.

ومن العوائق، التي لا تزال ترجّح الرغبة في الحصول على الكتب ورقياً، أنها بعد شرائها تصبح ملكية لا يمكن استردادها، بينما تدفع ثمن كتاب إلكتروني وتشعر أنه لديك على سبيل الإعارة. كما تحدد بعض المنصات للمكتبات العامة عند شراء الكتب الرقمية عدداً محدداً للإعارات المسموح بها والمدة الزمنية المتاحة، وهناك قيود أخرى بدأت تزعج القراء وتشعرهم بأنها تحدّ من حريتهم، بل ملكيتهم.

من هنا، لا غرابة، ليس بالبقاء على الكتاب الورقي للشعور بالأمان فقط، ولكن هناك أيضاً عودة إلى الكتب القديمة بطبعات محفوظة في المخازن لأنها لم تبع في حينه.

الكتب المستعملة ذخائر للمستقبل

وقد قُدّر نمو سوق الكتب المستعملة عالمياً بأنه ارتفع من 25.32 مليار دولار عام 2024 إلى 27.13 مليار دولار عام 2025، بسبب تراجع أسعار هذه الكتب، وتوسع المنصات الإلكترونية التي تتيح وتعرض هذا النوع من المطبوعات، كما أن المغرب لديه معرض خاص للكتب المستعملة، ما يدلّ على نمو جمهورها.

إن ميل «المستجد» يشجع أصحاب المكتبات على إخراج قديمهم وعرضه للبيع، كما شراء المكتبات الشخصية التي تعرض بعد رحيل أصحابها. فهذه الكنوز، بحسب ما أخبرني صاحب أحد المكتبات في لبنان، تتيح كتباً بأسعار خيالية، وطبعات نادرة أو نافدة من السوق. تخزين هذه المقتنيات لدى أصحاب المكتبات بات شائعاً، إذ ثمة رهان على أن الكتب الورقية ستكون غداً أغلى من اليوم، وأكثر أهمية وقيمة مما كنا نتصور.


«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان
TT

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»، وقد افتتحه بالاقتباس التالي: «إذا كانت المفكرة تنادي الكتابة والكتاب، فليكن للأرواح أن تخفق بالمحبة والصداقة والفقدان، وبالثقافة».

وجاء في تقديم الناشر: لا يكتب نبيل سليمان مراثيَ تقليدية، بل ينسجُ خيوطاً مضيئةً من الذاكرة لأسماءٍ سكنت وجدانه وأعماله قبل أن تسكن صفحات هذا الكتاب. إنه ليس مجرد كتابٍ عن الراحلين، بل هو معرضٌ حيٌّ لـ«أقمارٍ» من الثقافة والأدب العربي والعالمي؛ من ممدوح عدوان وبوعلي ياسين، إلى نزار قباني وعبد الرحمن منيف، وصولاً إلى إبراهيم أصلان، وأديب غنم، وأروى صالح، وغيرهم الكثير ممن تركوا بصمة لا تُمحى في المشهد الثقافي.

يأخذنا سليمان في رحلةٍ وجدانية، يتنقل فيها بين أضرحةٍ صارت منارات، وبين لقاءاتٍ عابرةٍ تحوّلت إلى صداقاتٍ أبدية. الكتاب يتجاوز حدود الرثاء إلى «الاحتفاء» الفلسفي والإنساني. إنها مفكرةٌ لا تحفظ الأسماء فحسب، بل تحفظ «الحرارة» التي تركتها تلك الأرواح في عالمنا. يكتب سليمان بلغةٍ تتقطر شجناً وعمقاً، يمزج فيها بين تفاصيل الحياة اليومية: ضحكاتٍ، جلساتِ مقاهٍ، لحظاتِ انكسار، وبين قراءات نقدية رصينة لتجارب هؤلاء المبدعين. ما يجعل الكتاب مشوقاً هو صدقُ الألمِ وعمقُ الحب. سليمان لا يستعرضُ سِيراً ذاتيةً باردة، بل يفتحُ أبوابَ قلبهِ ليُرينا كيف يتفاعلُ المثقفُ مع فجيعة الفقدان. هو يتساءل: كيف نعيشُ بعد رحيلهم؟ كيف نحمي إرثهم من النسيان؟ الكتاب دعوةٌ للتأمل في جوهر الكتابة، وفي قوة الكلمة التي تقهرُ الموتَ وتجعلُ الغائبين حاضرين في وعينا، في كل سطرٍ وفي كل حكاية.

الكتاب هو تذكرةٌ لكل قارئٍ بأن الكتابة ليست مجرّد حرفٍ على ورق، بل هي محاولةٌ يائسةٌ ونبيلةٌ لتخليد اللحظاتِ النادرةِ التي تمنحنا إياها الحياة. حين تقرأ هذا الكتاب، ستشعرُ أنك تجلسُ مع كل هؤلاء العظماء، تسمعُ أصواتهم، وتتقاسمُ مع الكاتبِ مرارةَ الغيابِ وحلاوةَ الذكرى.


مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
TT

مخرج فلسطيني يصوّر معاناة أهالي غزة في فيلم بمهرجان تورونتو

صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)
صيادون فلسطينيون يعملون على شباك صيدهم صباح الأحد 13 سبتمبر 2026 في ميناء مدينة غزة المتضرر من جراء الحرب (أ.ب)

قال المخرج حسام أبو دان، إن فيلماً درامياً فلسطينياً صُوّر بالكامل في غزة يهدف إلى إطلاع العالم على الصعوبات اليومية التي يواجهها الفلسطينيون، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويروي فيلم «غزة 13»، الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم الثلاثاء، قصة رغد، وهي فتاة عمرها 13 عاماً بلغت حديثاً مرحلة البلوغ، وتحاول التأقلم مع الحياة برفقة والدها في قطاع غزة، سعياً إلى العثور على مساحة آمنة وسط حيرتها وحاجتها الماسة إلى الرعاية والدعم.

وقال المخرج أبو دان إن من المهم بالنسبة له أن تُروى القصة من منظور شخص عاش تجربة الحياة في غزة.

وأضاف في مقابلة مع «رويترز»: «كنت أقول دائماً إن الناس يمكنهم أن يرووا قصتك، لكن عندما ترويها أنت بطريقتك الخاصة وبلغتك الخاصة، يصبح الأمر مختلفاً. وهذا مهم جداً».

قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، معظمهم مدنيون، في الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي دمّر أجزاء واسعة من القطاع، وتسبب في أزمة جوع ونزوح جميع سكان غزة داخل القطاع.

واندلعت الحرب عقب الهجوم الذي شنته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي أسفر عن مقتل 1200 شخص، معظمهم مدنيون.

وقال المخرج الفلسطيني إن التصوير استغرق 12 يوماً واعتمد على طاقم صغير بسبب قيود لوجستية.

وأضاف: «عادة ما يكون طاقم التصوير كبيراً، لكننا تعمدنا إبقاء طاقمنا صغيراً جداً حتى نتمكن جميعاً من التنقل في سيارة واحدة والتحرك بسهولة».

ولم يتمكن أبو دان، الذي تحدث إلى «رويترز» من منزله في غزة، من السفر إلى تورونتو لحضور المهرجان بسبب استمرار القيود المفروضة على السفر الدولي.

ورغم أنه كان يتمنى المشاركة شخصياً في الاحتفال بالفيلم، قال إنه فخور بصنع فيلم ذي مغزى.

وقال: «ربما يعتقد كثيرون أن غزة لم يعد لديها ما تقدّمه، لذا علينا أن نذكرهم باستمرار بأننا نستحق الحياة ولدينا أحلام ولدينا كل شيء. كل ما نريده حقاً هو أن نعيش حياة طبيعية، تماماً كما يعيش الآخرون في العالم».