يكشف الفم الكثير عن صحة الإنسان، والأمراض التي تؤثر على كيفية تقدمنا في العمر. ولفهم هذه الروابط بشكل أفضل، يدرس العلماء كيف يمكن للمشكلات التي تبدأ في الفم أن تُسهم في الالتهابات المزمنة في أجزاء أخرى من الجسم.
وبشكل خاص، يدرس الأطباء كيف يمكن للبكتيريا الموجودة في اللثة المريضة، والاستجابة المناعية التي تحفزها، أن تُسهم في حالات مرضية مثل أمراض القلب، والسكري، والتدهور المعرفي، والتهاب المفاصل، وأمراض الجهاز التنفسي، وأمراض الكبد المزمنة.
تأثير أمراض الفم على باقي أجزاء الجسم
وفي هذا الصدد، تقول الدكتورة جيسيكا ليدرهاوزن، طبيبة أسنان ومؤلفة كتاب «الفم»، الذي يستكشف دور نمط الحياة في صحة الفم، في تقرير سابق لصحيفة «وول ستريت جورنال»: «يتم تدريب أطباء الأسنان تقليدياً على التفكير في صحة الجسم ككل فيما يتعلق بالفم».
لكن هذا الوضع آخذ في التغير. فكليات طب الأسنان، التي كانت تُدرّس كيفية تأثير أمراض مثل السكري على الفم، تُولي اهتماماً أكبر لكيفية تأثير أمراض الفم على باقي أجزاء الجسم. وقد دعا قادة التعليم الطبي كليات الطب إلى دمج صحة الفم بشكل أفضل في تدريب الأطباء.
يقول الباحث في علم الأحياء الدقيقة الفموية، رئيس معهد فورسيث التابع لجمعية طب الأسنان الأميركية، وينيوان شي: «نتصور مستقبلاً يسأل فيه طبيب القلب مرضاه عما إذا كانوا يراجعون طبيب أسنانهم بانتظام، وما إذا كانوا يدركون أن أمراض اللثة لديهم قد تُؤدي إلى تفاقم حالة القلب لديهم».
وقد يُحيل أطباء الرعاية الأولية بشكل متزايد مرضى السكري أو المعرضين لخطر الإصابة بأمراض القلب إلى طبيب أسنان أو اختصاصي أمراض اللثة لتقييم وعلاج أمراض اللثة. وقد يتمكن المزيد من أطباء الأسنان من رصد علامات داء السكري غير المُسيطر عليه، والتنسيق مع طبيب المريض بشأن الرعاية.
علاقة تنظيف الأسنان يومياً بصحة القلب والشرايين
تكمن علاقة تنظيف الأسنان بانتظام بصحة القلب في الحد من انتقال البكتيريا الفموية المسببة لالتهابات اللثة إلى مجرى الدم ، مما يقلّل خطر الإصابة بتصلب الشرايين وأمراض القلب والأوعية الدموية.
آلية التأثير
تسرب البكتيريا: إهمال تنظيف الأسنان يسبب التهابات اللثة، مما يسمح للبكتيريا بدخول مجرى الدم والوصول إلى القلب لتستقر في بطانته أو صماماته (التهاب الشغاف).
تصلب الشرايين: تؤدي السموم والالتهابات المزمنة الناتجة عن بكتيريا الفم إلى تحفيز تراكم الترسبات الدهنية وتضيق الأوعية الدموية.
الوقاية الفعالة: أظهرت الدراسات أن تنظيف الأسنان بالفرشاة مرتين يومياً على الأقل لمدة دقيقتين يرتبط بانخفاض خطر الإصابة بالنوبات القلبية وقصور القلب بأكثر من 30 في المائة.
العلاقة بين صحة الفم والجسم
يؤدي الفهم المتزايد للعلاقة بين صحة الفم والجسم إلى ظهور أدوات تشخيصية جديدة، واستراتيجيات وقائية، وعلاجات مبتكرة. كما يُكثّف هذا الفهم الدعوات إلى توفير تغطية أوسع لإجراءات طب الأسنان الوقائية، لا سيما لكبار السن الأكثر عرضة للخطر.
ووفقاً لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، يُعاني ما يقرب من نصف البالغين الذين تبلغ أعمارهم 30 عاماً فأكثر من التهاب دواعم السن، وهو النوع الأكثر خطورة من أمراض اللثة الذي يُسبب فقدان العظام المحيطة بالأسنان. وتظهر البيانات أن انتشار المرض يزداد مع التقدم في السن، حيث يُعاني ما يقرب من 60 في المائة ممن تبلغ أعمارهم 65 عاماً فأكثر من مستوى ما من هذا المرض، في الوقت الذي يصبح فيه الناس أكثر عرضة لحالات صحية قد تؤثر بشكل كبير على متوسط العمر المتوقع. وبدورها، قد تُؤدي حالات مثل داء السكري إلى تفاقم أمراض اللثة أو صعوبة علاجها.
وخلصت مراجعة نُشرت عام 2023 في مجلة علم الشيخوخة البيولوجية إلى أن صحة الفم تلعب دوراً مهماً في بلوغ «عمر مديد استثنائي»، ويعود ذلك جزئياً إلى ارتباطها بالالتهابات. وقد أظهرت الأبحاث التي أُجريت على البالغين من عمر 65 عاماً فأكثر أن أمراض الفم، بما في ذلك أمراض اللثة وتسوس الأسنان وفقدانها، لا تزال تُشكّل سبباً رئيسياً لسنوات العيش مع الإعاقة، مما يُشير إلى أن صحة الفم تُؤثر على جودة الحياة في مراحلها المتقدمة، وليس فقط على طولها.
سبل الوقاية والحماية
تنظيف الأسنان بانتظام: اغسل أسنانك مرتين يومياً على الأقل لمدة دقيقتين باستخدام معجون يحتوي على الفلورايد.
استخدام خيط الأسنان: نظّف ما بين الأسنان يومياً لإزالة طبقة البلاك والبكتيريا المتراكمة التي تعجز الفرشاة عن الوصول إليها.
زيارة طبيب الأسنان دورياً: احرص على إجراء فحوصات وتنظيف دوري للأسنان كل 6 أشهر للكشف المبكر عن التهابات اللثة وعلاجها.
اتباع نظام غذائي صحي: قلل تناول السكريات والكربوهيدرات المكررة التي تغذي بكتيريا الفم.
الإقلاع عن التدخين: يُعد التبغ من أبرز العوامل المدمرة لصحة اللثة والشرايين على حد سواء.
