فلاسفة مقاهٍ وصعاليك حالمون كتبوا أسطورة 1968

50 عاماً على {ثورة} الطلاب الفرنسيين التي غيَّرت شرق أوروبا لاحقاً

جانب من {ثورة} الطلبة الفرنسيين 1968
جانب من {ثورة} الطلبة الفرنسيين 1968
TT

فلاسفة مقاهٍ وصعاليك حالمون كتبوا أسطورة 1968

جانب من {ثورة} الطلبة الفرنسيين 1968
جانب من {ثورة} الطلبة الفرنسيين 1968

بينما كان العالم يترنح من ثقل صراعات الحرب الباردة انسل الفرنسيون بأناقتهم المعهودة ليصادروا العام 1968 من الآخرين، فضمّوه إلى تاريخهم أيقونة تكاد تداني في ألقها مجموعة أيقوناتهم الموروثة الأثمن: الثورة الفرنسيّة 1789 وكميونة باريس 1871 ومعركة تحرير باريس 1944 خلال الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من أن أحداث ليلة 11 - 12 مايو (أيار) من ذلك العام في باريس، عندما حاصرت قوات الأمن الفرنسيّة الطلّاب المتظاهرين في مربع حول بوليفار سانت ميشيل ليتصدى لها هؤلاء ببناء متاريس على حدود منطقة أعلنوها محررة، قد انتهت سريعاً، وأن العمال المُضربين تضامناً مع الطلاب قد توصلوا إلى اتفاق مع السلطة خلال ثلاثة أسابيع من ليلة المتاريس تلك، إلا أن المشاهد المصورّة التي وثّقت تلك المرحلة صارت كما سجلّ ذاكرة للعالم أجمع، تستدعي كلما عُرضت مشاعر متناقضة لجيل كامل عبر الكوكب استيقظ ذات صيف ليجد نفسه في مواجهة خاسرة مع هيكليات السلطة جميعاً: جيل الآباء، والطغم اليمينية الحاكمة، والثقافات الذكورية والعنصريات المتجذرة. لكن الحقيقة أن ليلة المتاريس الباريسيّة تلك لم تكن واقعاً سوى رمز اختصر عقداً كاملاً من الصراعات المحلية بين القلة وبين الأكثرية في المجتمعات الرأسمالية عبر الغرب وفي أميركا اللاتينية أيضاً، حتى عُرف عند المؤرخين بـ«العقد الأحمر».
أحداث 1968 وجدت طريقها سريعاً إلى عشرات الكتب والدراسات والمذكرات، لا سيّما أن أغلبية المنخرطين في المواجهات داخل فرنسا - وبريطانيا كذلك - كانوا طلاباً نخبويين أو فلاسفة مقاهٍ أو صعاليك حالمين، وهؤلاء كتبوا أسطورة 1968 من وجهة نظرهم المتعالية، فصارت سرديتهم عن لحظة تكوين ذهبيّة كانوا أبطالها المزعومين. لكن أغلب تلك المصادر تجاهل الغليان الموازي في ألمانيا المقسّمة حينذاك وفي شرقي أوروبا عموماً، ربما باستثناء الإضاءة المكثفة على أحداث «ربيع براغ»، بوصفها فرصة لإدانة الاتحاد السوفياتي العدو الكامل للغرب. فهناك عبر الحدود في الشمال الشرقي لفرنسا يَعتبر الألمان بدورهم عام 1968 وكأنه لحظة قطع استثنائيّة في تاريخهم المعاصر، وبداية روح جديدة سرت في الجسد المقطّع حتى بثت فيه الحياة بعد ربع قرن تقريباً أخذت صورها الأكثر رمزية لحظة سقوط الجدار الفاصل بين شطري برلين، وتوحيد الألمانيتين الشرقية والغربية.
في أجواء 1968 أشعل طلاب برلين الغربية مظاهرات عاصفة استمرت لوقت أطول بكثير من أحداث مايو الفرنسية، وربما أعمق منها تأثيراً في طرائق العيش وثقافة المجتمع الألماني بعامة، وأفرزت تجارب يسار متطرف انخرطت في نضالات عنيفة عالمية الطابع أحياناً. كما أنها وبغير تجارب دول أوروبا الغربية الأخرى، لم تشهد تضامناً فاعلاً من قبل الطبقة العاملة الألمانية أو المنظمات السياسية اليسارية التي تجنبت التورط في أي إضرابات أو احتلال مصانع، أو حتى المشاركة في مظاهرات الطلاب الفوضويين.
السلطات على الجانب الألماني الشرقي كانت تهنئ نفسها بوجود الجدار العازل (أنشأته عام 1961)، الذي كان يُفترض به أن يمنع انتقال عدوى تمرد الطلاب تلك من برلين الغربية. كما أن الطلبة الألمان الشرقيين رغم بعض التجارب المغردة ضد النسق الستاليني الصارم في الحكم كانوا يفتقدون بالفعل إلى قضية للتحرك، فهم نظرياً في الجانب الذي انتصر على الفاشية والنازية، وهو ذات الجانب الذي يتصدى للإمبرياليّة العالمية، ويدعم نضالات الشعوب، ويمنح المرأة حقوقاً لم تكن تنالها من قبل. كما ولا يمكن الادعاء حينها بوجود فجوة فكرية بين الأجيال، تتسبب في صراع أو قطيعة.
ومع ذلك فإن نوعاً مختلفاً من العقلية الثورية كان بالفعل في طور التكوّن بين الشبيبة الألمانية الشرقية تأثراً بربيع براغ 1968 أكثر من تأثره بالمتاريس الباريسيّة. فقد راقب الجميع الدبابات السوفياتية وهي تحتل العاصمة التشيكوسلوفاكية خلال ساعات، لتسحق محاولة التصحيح داخل السلطة الشيوعية في البلاد. لكن المواجهة في ألمانيا الشرقية هنا لم تكن ساحتها الجامعات والشوارع، بل كانت في ملعب الثقافة. فالشعراء والموسيقيون والأدباء والفنانون صاروا طليعة مواجهة غير معلنة ضد السلطات في فضاء البحث عن تمثيلات نقيضة للحقيقة، بديلاً عن تلك التي يسمح بها النموذج الرسمي للواقعية الاشتراكيّة الذي أرسى قواعده الأدبيّة - بدعم من الاتحاد السوفياتي - المفكر الهنغاري المعروف جورج لوكاش.
إحدى نوافذ التمرد كانت تَذوّق ما سماه بعضهم بـ«الثمرات المحرمة» للمدارس الأدبية والفنية الحديثة التي ما لبثت تتوالد في أوروبا الغربيّة، وكان على رأسها المدرسة السوريالية في الفن وأعمال الروائي اليهودي الألماني فرانز كافكا. أصابت أعمال الأخير وتراً حساساً في قلب الشباب الأوروبي الشرقي عامة الذي قرأ بشغف معالجته للصّراعات الداخلية للفرد داخل المجتمعات الصناعية المعاصرة، ووصفه لحال التغريب الذي ينتهي إليه الجميع فيها، وهجومه اللاذع على كل سلطة بيروقراطية جامدة عديمة المشاعر، إضافة إلى التوتر الدائم بين جيلي الآباء والأبناء. وتبدو المصادر التاريخية من تلك الفترة حافلة بالإشارات إلى كافكاويات شكلت جزءاً من ثقافة المتعلمين والمثقفين في أنحاء شرق أوروبا، لاسيّما ألمانيا الشرقيّة، وكانت تتداول بين الحانقين على النظام الاشتراكي وكأنها بيانات ثوريّة.
كان لوكاش واضحاً في معاداته للسورياليّة وكافكا معاً. وكانت اللجنة المركزيّة للحزب الشيوعي السوفياتي الحاكم وقتها قد توصلت إلى قناعة بأن كتابات كافكا تحديداً كانت المشترك الوحيد تقريباً بين الشباب المعارضين للحكومات الاشتراكية فوجهت بمنعها، وعقدت مؤتمراً لممثلين رسميين من دول الكتلة الاشتراكيّة - في ليبليسي قرب براغ عام 1963 - بغرض التداول في طرائق لمحاربة التأثير السيئ لأعماله على الشبيبة الاشتراكية، لكن الوفد الألماني الشرقي قلل من قيمة كتاباته، واعتبرها غير ذات تأثير على جيل الكتاب الألمان الجدد، فبقيت أعماله قيد التداول وأعيد طبعها غير مرّة. لقد تسبب هؤلاء الموظفون المثقفون البيروقراطيون بعنجهيتهم تلك وتعاليهم عن الاستماع للخبراء المختصين بالأدب الكافكاوي بفتح البوابات أمام تيار كافكا الجارف، لينتشر كما جرثومة معدية بين جيل الشباب الأوروبي الشرقي خلال «العقد الأحمر».
1968 كان العام الذي انتصر فيه كافكا على لوكاش نهائياً، رغم أن أعمال عنف رئيسية لم تندلع في أوروبا الشرقيّة وقتها ضد السلطات باستثناء العشرات الذين قضوا في أحداث ربيع براغ. كان عتاة المتمردين شرق القارة يعرفون بـ«الكافكاويين»، وكثير منهم اختار الحياة الهبيّة كاحتجاج سلبي ضد السلطات، وانخرط في حوار ندّي مع جيل الآباء حول تجربة الوجود الإنساني بعامة في مجتمع كانت سلطته الحاكمة تريد تواصلاً باتجاه واحد مع مواطنيها. هذا الجيل هو صانع المناخ الذي سمح بذلك السقوط المدوي لجدار برلين العازل دون مقاومة تذكر.
الذّكرى الخمسون لتراكم الأحداث التاريخيّة في العام 1968 ربما تمنح المؤرخين اليوم قراءة أهدأ وأكثر توازناً للتحولات التي عصفت بجيل الستينات في أوروبا والأميركيتين، بدلاً من النصوص المنفعلة والصور الرومانسية التي غلبت على الكتابات الأولى المتسرعة. قراءة مثل تلك قد تنتهي بصورة لفرانز كافكا كأيقونة للمرحلة التاريخية الساطعة بدلاً من صور الطلاب الفرنسيين وراء متاريس باريس وهم يلقون بحجارة الأرصفة على رجال الأمن، وتلك مسألة قد تعيد الاعتبار للشعوب الأخرى غير الفرنسيين، التي ترى أنها بدورها تستحق حصة وازنة من 1968، وإن كانت ستتسبب لجورج لوكاش بموجة غضب عاصف لو طال به العمر.



«أمومة» في القاهرة... الهميم الماحي يستحضر الوطن عبر صورة الأم

الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)
الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)
TT

«أمومة» في القاهرة... الهميم الماحي يستحضر الوطن عبر صورة الأم

الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)
الفن يتحوَّل ملاذاً واللوحات تعكس علاقة الفنان بوطنه المفقود (الشرق الأوسط)

لا يكتفي الفنان السوداني الهميم الماحي باستحضار صورة الأم بمعناها المباشر، بل يذهب إلى ما هو أبعد، حيث تتحوَّل الأمومة إلى استعارة للأرض والوطن في معرضه الأحدث «أمومة» الذي يستضيفه غاليري «أكسيس آرت سبيس» بوسط القاهرة.

ويقول الفنان إنه المعرض الفردي هو الثاني له في غاليري «أكسيس»، إذ سبقه معرض «طبقات من الجنوب» عام 2022، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «رغم اختلاف الثيمة، فإنّ المعرض الجديد يُعدّ امتداداً للمعرض الأول، فالأمومة أساس الحياة، وهي رمز وحدة الوطن وتماسكه ودفئه، مثلما هي الحال في الأسرة؛ وهو ما تناولته في معرضي السابق الذي احتفى بالوطن في الأساس».

سردية ممتدَّة عن السودان (الشرق الأوسط)

ويتابع: «معظم لوحاتي تنبع من الخيال أو مستمدة من البيئة السودانية؛ ولذلك فهي تتجاوز صورة الأم في دورها داخل الأسرة لتغدو العمود الفقري الذي تستند إليه الحياة اليومية بكل تفاصيلها»، مؤكداً أنّ «المرأة السودانية، أدَّت، كما هي الحال في كثير من المجتمعات، خصوصاً التي تواجه تحديات وصراعات، أدواراً مُتشعِّبة، امتدَّت من تدبير شؤون البيت إلى الإسهام في المجال العام، لتكون شريكاً أصيلاً في صياغة ملامح المجتمع وهويته».

ويوضح أنها «في لحظات الطمأنينة كانت ملاذاً للحنان والاحتواء، أما في أوقات الشدَّة، فقد برزت على هيئة قوة صلبة تحيط أسرتها بالرعاية والحماية والصمود».

يظلُّ الوطن حاضراً في تفاصيل العمل (الشرق الأوسط)

وعلى المستوى الثقافي، تلعب الأم دور الحارس الأمين للتراث؛ فهي التي تحفظ الحكايات الشعبية، وتردّد الأشعار والأمثال التي تختزن خبرات الأجيال، وإنما هذه الصورة المضيئة تواجه اليوم، في تلك المجتمعات، في ظلّ الحروب والأهوال العالمية، واقعاً بالغ القسوة، وفق ما تُبينه لوحات الماحي.

وفي عيد الأم، تتجدَّد مكانتها رمزاً للحياة والصبر، وتتجدَّد معه مظاهر الاحتفاء والتقدير؛ ومن هنا أراد الفنان تكريمها من خلال هذا المعرض، وجاءت معالجته لقضية الأمومة، ليس فقط من خلال الوجوه لأمهات أو امرأة وطفلها، إنما جاءت وسط حشود ومَشاهد درامية تسرد كثيراً عن المجتمع العالمي.

ويكشف المعرض، المستمرّ حتى نهاية مارس (آذار) الحالي، عن ارتباط وثيق بين تجربة الفنان وبيئته الأولى من جهة، والعالم المحيط من جهة أخرى، مستخدماً في ذلك المعالجة التجريدية، وهي مرحلة فنّية جديدة تشكَّلت عبر مسار طويل من التجريب.

ففي بداياته، تنقَّل الفنان بين مدارس وأساليب متعدّدة، من رسم البورتريه إلى الطبيعة الصامتة والمناظر الطبيعية، في محاولة لاكتشاف أدواته الخاصة.

حضور المرأة وسط الحشود ضمن فلسفة المعرض (الشرق الأوسط)

ويضمّ المعرض نحو 30 عملاً، تتنوَّع في أحجامها وتكويناتها، وتعتمد على الألوان الزيتية والأكريليك، مع ميل واضح إلى الاختزال في الشكل والتركيز على الجوهر.

من اللافت أنه يطرح في مضمونه أسئلة تتّصل بالهوية والانتماء، مثل: «كيف يمكن للإنسان أن يعيد تعريف ذاته بعيداً عن أرضه؟ وهل يصبح الفن بديلاً مؤقتاً عن الوطن أم وسيلة للعودة إليه؟»، هذه التساؤلات تتسلَّل عبر الأعمال بسلاسة، من خلال حشده للشخوص واستحضاره رموزاً ومفردات من بيئته، ممّا يجعل المتلقي جزءاً من التجربة ذاتها.

وفي بعض الأعمال، تتجلَّى الروح الصوفية في تقاطع لافت مع فكرة الأمومة، إذ تتجاور مفاهيم الحبّ والاحتواء مع التجربة الروحية التي تحتفي بالصفاء الداخلي.

ولا يمكن فصل هذا الحضور عن السياق الأوسع للتصوّف، الذي لعبت فيه الأم دوراً مهماً عبر التاريخ، سواء من خلال الممارسة الروحية أو الإسهام في تشكيل الوعي الجمعي، فيقول الماحي: «في بعض الأوساط الصوفية، اندمجت النساء مع الرجال في الطقوس».

المرأة في لوحات المعرض رمز للصمود (الشرق الأوسط)

ويتابع: «وفي طرق صوفية أخرى، اجتمعت النساء في حلقات خاصة بهن للتأمُّل والعبادة بمعزل عن الرجال، بل كرَّست بعض النساء أنفسهن للروحانية زهداً، بينما اختارت أخريات دور المُحسنات ورعين حلقات العبادة والدراسة».

وفي هذا الإطار، تبدو بعض الأعمال كأنها تستعيد هذا الامتداد، عبر رموز وإشارات تفتح المجال لتأويلات متعدّدة.

ينتمي الهميم الماحي إبراهيم إلى جيل من الفنانين الذين تشكَّلت تجربتهم عبر التراكم والمعرفة، إذ تعكس أعماله قدرة واضحة على استيعاب الفنّ وإعادة صياغته برؤية خاصة.

وتعود جذوره إلى قرية «قريب» بولاية القضارف شرق السودان، فهناك تشكَّلت ملامح وعيه الأول، ومنذ بداياته سعى إلى تطوير أدواته؛ فالتحق بمعهد «قصر الشباب والأطفال» قبل أن يشارك في ورشات فنّية مع اتحاد التشكيليين السودانيين، ثم في معارض جماعية، من بينها معرض في «المركز الثقافي الفرنسي» عام 2013، إضافةً إلى مشاركاته في فعاليات تُعنى بحماية التراث والفنون تحت مظلة «المجلس القومي للآداب والفنون».


آدم بكري لـ«الشرق الأوسط»: أرفض الأعمال الأميركية التي تُشوّه صورة العرب

آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)
آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)
TT

آدم بكري لـ«الشرق الأوسط»: أرفض الأعمال الأميركية التي تُشوّه صورة العرب

آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)
آدم يعدُّ والده محمد بكري مثله الأعلى (الشرق الأوسط)

قال الفنان الفلسطيني آدم بكري إنّ مسلسل «صحاب الأرض» حكى عن نفسه من خلال ردود الفعل الواسعة التي تلقّاها، فشهادته فيه مجروحة. وكشف في حوار مع «الشرق الأوسط» عن ترحيبه بالمشاركة في أفلام عربية تُكمل المسار نفسه، عادّاً فيلم «اللي باقي منك» أهم محطة في مشواره الفنّي، لكونه العمل الوحيد الذي جمعه بوالده الفنان الراحل محمد بكري وشقيقه صالح، مؤكداً أنّ والده رسم صورة واضحة للفنان الفلسطيني، وأنه هو شخصياً رفض أعمالاً أميركية عدّة لأنها تُقدم صورة مشوّهة للإنسان العربي، لأن لديه مسؤولية تجاه الأعمال التي يقدّمها.

وأثار آدم بكري تعاطفاً كبيراً مع شخصية «مجد» التي جسَّدها في المسلسل المصري «صحاب الأرض»، لا سيما بعد استشهاده ضمن أحداثه، وقال إنه وافق على العمل بعدما قرأ 3 حلقات فقط منه، إذ لم تكن الحلقات قد اكتمل كتابتها.

وأضاف أنّ المخرج بيتر ميمي تواصل معه، وأوضح له أنّ شخصية «مجد» حسَّاسة تجاه المسؤولية، وأنه تحمَّس كثيراً ليكون جزءاً من هذا العمل، وشعر بأنه سيكون عملاً مصرياً مهماً ولم يحدث قبل ذلك.

آدم بكري في لقطة من مسلسل «صحاب الأرض» (الشركة المنتجة)

ولفت إلى أنّ «الفلسطينيين الذين عاشوا هذه المأساة تأثروا بالمسلسل، وشعروا بصدقه»، مؤكداً أنّ «صحاب الأرض» حكى عن نفسه عبر ردود فعل إيجابية عربية وأخرى سلبية ردَّدها إسرائيليون، وأنّ العمل ترك الأثر الذي أراده.

«اللي باقي منك»

وجمع الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعيبس، للمرة الأولى، بين آدم بكري ووالده الفنان الكبير محمد بكري وشقيقه صالح، وهو الفيلم الذي يستعيد القضية الفلسطينية من خلال 3 أجيال منذ نكبة 1948، وقد لاقى اهتماماً لافتاً وعُرض في عدد من المهرجانات الكبرى. يقول آدم عنه: «إنه من أهم محطاتي الفنّية لأنه العمل الوحيد الذي جمعني بوالدي وشقيقي. كبرتُ ورأيتُ والدي يقدّم سينما فلسطينية يحكي فيها قصصنا، وكنت أتطلّع إلى يوم أُشاركه في هذه المهمّة، فأكون جزءاً من هذا الفيلم وأؤدي دور والدي شاباً، في حين يستكمل هو دوري حين أكبر. مشاركتي له تُشرفني، فأبي مثلي الأعلى والبطل في عيني».

الفنان الراحل محمد بكري في لقطة مع بعض أبطال «اللي باقي منك» (الشركة المنتجة)

وتحدَّث عن ظروف التصوير: «كان من المفترض أن نُصوّر في فلسطين، وكانت قد بدأت حرب الإبادة في غزة، فصوَّرنا في قبرص واليونان والأردن. كنا نصوّر وسط الحرب، ومثَّل هذا ثقلاً لمعاناة أهلنا في غزة. ولم تجمعني مَشاهد مع أبي، لكننا كنا نعيش معاً في شقة بقبرص خلال التصوير، وزارتنا أمي، وكانت أياماً لا تُنسى».

ويستعيد ليلة العرض الأول للفيلم: «حضرت العرض الأول للفيلم مع أبي في مهرجان (كارلوفي فاري)، وقد وقف الجمهور يصفّق لـ17 دقيقة متواصلة. كان أبي يجلس بجانبي في العرض، ووضع يده فوق يدي مرات تأثراً بردود الأفعال القوية، ثم جئت إلى مصر ولم أشارك في جولة الفيلم بالمهرجانات، إلى أن توفّي والدي في 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي».

ومع بدايته السينمائية المبكرة في فيلم «عمر» للمخرج هاني أبو أسعد، الذي أُنتج عام 2013، لفت آدم بكري الأنظار إلى موهبته، إذ قدَّم بطولة هذا الفيلم الذي وصل إلى القائمة القصيرة في ترشيحات الأوسكار. وبعد نحو 13 عاماً من هذه البداية، يقول: «دائماً كانت لديّ مسؤولية تجاه الأعمال التي أقدّمها، لأن والدي رسم صورة واضحة عن مسؤولية الفنان الفلسطيني تجاه وطنه، فلم يكن في حاجة إلى أن يقول لي ماذا أختار أو أرفض، كان هذا واضحاً لي منذ البداية، فأبي مثلي الأعلى».

ومن هذا المنطلق، لم يشارك آدم في أعمال تُشوّه صورة الإنسان العربي، كما يؤكد: «رفضت أعمالاً عدّة في أميركا تُظهر العربي إرهابياً أو شريراً، وقد بات لديّ نضوج أكبر فكرياً وفنياً، ثم جاءت حرب الإبادة لتضع النقاط على الحروف بالنسبة إليّ، فصارت خياراتي دقيقة وحازمة وحاسمة».

الفنان الفلسطيني آدم بكري لا يُساوم على أدوار تُصوّر العربي شريراً (الشرق الأوسط)

وحظي آدم بكري بتكريم خاص في مهرجان القاهرة السينمائي الماضي، وقد تأثر به، كما يقول: «لا يزال أمامي الكثير. وكان والدي قد كرّمه الفنان عمر الشريف في مهرجان القاهرة أيضاً عام 2005، وتكريمي يزيدني مسؤولية وحماسةً، وتعني لي هذه اللفتة من مصر، فقد تربّيتُ على أفلام عمالقة الفنّ المصري، أمثال عمر الشريف، وأحمد زكي، وسعاد حسني، وعبلة كامل، وغيرهم».

وكشف بكري عن ترحيبه بالمشاركة في أفلام عربية تُكمل المسار الذي بدأه في مصر من خلال مسلسل «صحاب الأرض».


أدلة حديثة تُعيد رسم تاريخ وصول البشر إلى الأميركتين

ما نعتقده يقيناً... قد يتبدَّل (رويترز)
ما نعتقده يقيناً... قد يتبدَّل (رويترز)
TT

أدلة حديثة تُعيد رسم تاريخ وصول البشر إلى الأميركتين

ما نعتقده يقيناً... قد يتبدَّل (رويترز)
ما نعتقده يقيناً... قد يتبدَّل (رويترز)

لعقود، ظلَّ موقع في تشيلي يُدعى مونتي فيردي يمثّل الدليل الأقوى على أقدم استيطان بشري في الأميركتين.

وكان العلماء قد وجدوا سابقاً آثاراً لوجود بشري يعود تاريخها إلى نحو 14 ألفاً و500 عام مضت، بما في ذلك آثار أقدام قديمة، وأدوات خشبية، وأساسات لهيكل، وبقايا حفرة نار قديمة، مع وجود رواسب ومقتنيات من الموقع تدعم هذا الإطار الزمني باستمرار.

وتتحدَّى دراسة جديدة نقلتها «الإندبندنت»، عمر هذا الموقع المهم، مشيرة إلى أنّ مونتي فيردي قد يكون أحدث بكثير مما يعتقده العلماء. ولكن لا يتفق الجميع مع هذه النتائج.

باشر العلماء أخذ عيّنات وتأريخ الرواسب من 9 مناطق على طول مجرى جدول تشينتشيهوابي المُتاخم للموقع، وحلَّلوا كيف تغيَّرت الطبيعة الجغرافية عبر آلاف السنوات. وكشفوا عن طبقة من الرماد البركاني ناتجة من ثوران يعود تاريخه إلى نحو 11 ألف عام مضت.

ووفقاً للمؤلف المشارك في الدراسة، كلاوديو لاتوري، فإن أي شيء فوق تلك الطبقة، وفي هذه الحالة، أخشاب ومقتنيات مونتي فيردي، يجب أن يكون أحدث عهداً.

وقال لاتوري، الذي يعمل في الجامعة البابوية الكاثوليكية في تشيلي: «أعدنا تفسير جيولوجيا الموقع بشكل أساسي. وتوصَّلنا إلى استنتاج مفاده أنّ موقع مونتي فيردي لا يمكن أن يكون أقدم من 8200 عام قبل الوقت الحاضر».

ويعتقد الباحثون أنّ التغيّرات التي طرأت على الطبيعة الجغرافية، بما في ذلك مجرى مائي أدّى إلى تآكل الصخور، ربما تسبَّبت في اختلاط الطبقات القديمة بالحديثة؛ مّا جعل الباحثين يؤرّخون أخشاباً قديمة على أنها جزء من موقع مونتي فيردي.

التاريخ ليس ثابتاً (أ.ب)

نُشرت النتائج، الخميس، في مجلة «ساينس». ويعترض علماء، بمن فيهم أولئك الذين شاركوا في التنقيبات الأصلية، عليها.

وقال مايكل ووترز من جامعة تكساس إيه آند إم، الذي لم يشارك في أيّ من الدراستين: «قدموا، في أفضل الأحوال، فرضية عمل لا تدعمها البيانات التي عرضوها».

ويقول خبراء لم يشاركوا في البحث إنّ الدراسة تتضمَّن تحليلاً لعيّنات من المنطقة المحيطة بمونتي فيردي، حيث لا يمكن مقارنة آثارها الجيولوجية بجيولوجية الموقع نفسه. ويقولون إنه لا توجد أدلة كافية على أنّ طبقة الرماد البركاني كانت تغطّي كل المنطقة ذات يوم.

ويقولون أيضاً إنّ الدراسة لا تُقدم تفسيراً كافياً للقطع الأثرية التي عُثر عليها في الموقع والتي أُرِّخت مباشرة بـ14 ألفاً و500 عام مضت، بما في ذلك ناب حيوان «الماستودون» الذي شُكِّل على هيئة أداة، ورمح خشبي، وعصا حفر ذات طرف محترق.

وقال عالم الآثار توم ديليهاي من جامعة فاندربيلت، الذي قاد أول عملية تنقيب في الموقع، في رسالة بالبريد الإلكتروني: «هذا التفسير يتجاهل مقداراً واسعاً من الأدلة الثقافية الموثَّقة بدقة».

ويختلف مؤلفو الدراسة الجديدة مع هذه الانتقادات، قائلين إنهم أخذوا عيّنات من داخل الموقع، ومن أعلى المجرى وأسفله. وقال المؤلّف المُشارك تود سوروفيل من جامعة وايومنغ إنه لا توجد أدلة كافية على أن القطع الأثرية المؤرَّخة في الموقع هي حقاً بهذا القِدَم.

ويُعد موقع مونتي فيردي حاسماً لفهم العلماء لكيفية وصول الناس إلى الأميركيتين. فقد اعتاد العلماء الاعتقاد بأن الواصلين الأوائل كانوا مجموعة من الناس قبل 13 ألف عام، صنعوا أدوات حجرية مدبَّبة تُعرف باسم «رؤوس كلوفيس». ويبدو أنّ اكتشاف مونتي فيردي، والذي كان محلَّ جدل في البداية، قد وضع حداً لذلك الاعتقاد.

وليس من الواضح كيف يمكن لتاريخ جديد للموقع أن يؤثّر في القصة البشرية. فمنذ اكتشاف مونتي فيردي، كشف الباحثون عن مواقع في أميركا الشمالية تسبق شعب «كلوفيس»، مثل «كوبرز فيري» في أيداهو، وموقع «ديبرا ل. فريدكين» في تكساس.

ولكن يبقى سؤال مهم، وهو كيف بالضبط وصل الناس إلى الأميركتين من آسيا، متجاوزين جنوب صفيحتين جليديتين هائلتين غطّتا كندا؟ هل وصل البشر في الوقت المناسب لانفصال الصفيحتين؛ ما كشف عن ممر خالٍ من الجليد؟ هل سافروا على طول الساحل في قوارب، أم عبر مزيج من المياه واليابسة؟

وقال سوروفيل إنّ إعادة تحديد تاريخ مونتي فيردي قد تعيد فتح المناقشات حول المسار الأكثر احتمالية للبشر الأوائل. وقد توفّر التحليلات المستقلّة المستقبلية للمواقع البشرية المبكرة الأخرى مزيداً من الوضوح.

وأضاف سوروفيل: «بمنح الوقت الكافي وتوفّر الإمكانات العلمية، فإنّ العلم يُصحح نفسه بنفسه. إنه يصل في النهاية إلى الحقيقة».