موسكو تتحدث عن اتساع فجوة الخلافات مع دمشق

صحيفة تشير الى {توتر} بين استخبارات النظام السوري والجيش الروسي

TT

موسكو تتحدث عن اتساع فجوة الخلافات مع دمشق

نشرت وسائل إعلام روسية حكومية سلسلة مقالات في الفترة الأخيرة تعرضت فيها إلى تباينات في ملفات عدة بين موسكو والنظام السوري، وتعد هذه التغطيات من العناصر النادرة التي تظهر ما تخفيه التصريحات الرسمية الروسية التي تتجنب كشف تفاصيل عن جوانب خلافية إلا في حالات محدودة، كما حدث مؤخرا عندما دعا الوزير سيرغي لافروف دمشق إلى «إبداء قدر من المرونة في التعامل مع ملف المساعدات الإنسانية إلى الغوطة الشرقية»، أو عبر تصرفات عملية، كما ظهر عندما لجأت موسكو إلى استبعاد النظام عن المفاوضات مع المسلحين في الغوطة الشرقية وتولت بنفسها إدارة النقاشات والتوصل إلى اتفاقات بالانسحاب من المنطقة، كما قامت بإعطاء الضمانات بنفسها ومن دون الرجوع إلى النظام.
ولفتت الأنظار قبل يومين مقالة نشرتها صحيفة «فزغلياد» الروسية تحذر من تصاعد الخلاف بين أجهزة الاستخبارات السورية وقوات الشرطة العسكرية الروسية التي باتت تفرض سيطرة مباشرة على المناطق «المحررة» وتتصرف فيها بمعزل عن إرادة النظام. وأبرزت المقالة أن «بعض المواقع السكنية التي تم تحريرها من المقاتلين لم ترجع إلى سلطة دمشق. والقوات الروسية تعمل على الحيلولة دون تنفيذ عمليات تطهير محتملة وسط السكان»، معتبرة أن هذا واحد من أسباب غضب الأجهزة السورية.
ورأت الصحيفة أن عمليات المصالحة التي تديرها روسيا وإخضاع المجموعات المسلحة لبرامج نزع السلاح لا تقود إلى استعادة دمشق سلطتها على الأراضي التي يخليها المسلحون لأن «سكان البلدات (التي تشملها الاتفاقات) ينغلقون عن العالم الخارجي بحواجز الشرطة العسكرية الروسية ويتلقون عن طيب خاطر المساعدات الإنسانية مع بقائهم في ظل إدارة ذاتية».
وزادت أن ذلك كانت مبرراته في البداية «الخوف من المخابرات والشبيحة الذين كانوا ميالين في العام الأول للهجوم المضاد إلى تطهير بالغ القسوة للبلدات المحررة. وأثناء تحرير حلب الشرقية منع الروس هذه الممارسات». والإشارة هنا إلى التطورات بعد السيطرة على حلب عندما أصرت موسكو على نشر الشرطة العسكرية الروسية ومنعت قوات «رديفة» غالبيتها من الإيرانيين أو الموالين لطهران من القيام بعمليات انتقامية في المنطقة. وفاخر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وقت لاحق بأن بلاده تعمدت اختيار وحدات الشرطة العسكرية «من المسلمين الروس السنة حتى يكونوا قادرين على التفاهم مع السكان ويحترمون واجبهم لجهة عدم القيام بأي نشاط يستفز مشاعر الغالبية السكانية في المناطق المحررة».
لكن المقالة انتقدت في الوقت ذاته «التساهل الروسي الزائد» الذي وصفته بأنه «ليبرالية مع المسلحين» وقالت إنها سحبت البساط من تحت أقدام النظام، وكمثال، أوردت أن بعض سكان المناطق الشرقية في حلب تمكنوا من الحصول على أوراق مختومة من جانب القوات الروسية بدلا من وثائقهم الشخصية الثبوتية وغدا بمقدورهم الانضمام إلى الحياة المدنية والحصول على المساعدات بموجب الوثائق الروسية حتى لو كان بينهم من حمل السلاح سابقا.
كما رأت أن هذه السياسة تحولت إلى سلاح ذي حدين، إذ مع بروز ضرورة إطعام الجميع وإسكانهم بصورة فورية، وقع خلل في عمليات الفحص والتدقيق ما سمح بتسلل خلايا نائمة للإرهابيين تعمل على تنفيذ عمليات في الخطوط الخلفية، وقالت إن هذا زاد من تذمر أجهزة المخابرات السورية، بالإضافة إلى أسباب أخرى بينها أن هذه الأجهزة فقدت سطوتها ووزنها في المنظومة السياسية في البلاد وتفاقمت المنافسة فيما بين الأجهزة المختلفة التي يسعى كل منها للحفاظ على ما تبقى من هيبته.
وكانت بعض التعليقات التي صدرت عن الدبلوماسية الروسية عكست في الفترة الأخيرة أن موسكو منزعجة من أداء النظام السياسي، كما حصل حيال عرقلة النظام ملف تشكيل اللجنة الدستورية وفقا لقرارات مؤتمر سوتشي، وهو أمر علق عليه دبلوماسيون بالإشارة إلى أن موسكو وجهت ملاحظة حازمة للنظام، وهو أمر انسحب على الموقف من العملية التركية في الشمال السوري عندما وجهت روسيا إنذارا للنظام بعدم التدخل، وفقا لتأكيد مصادر كردية تحدثت معها «الشرق الأوسط».
وعلى المستوى العسكري كانت الخلافات برزت بشكل أوسع ومنذ وقت مبكر، ولجأت موسكو مرات عدة إلى تذكير النظام عبر تصريحات رسمية أو عبر مقالات نشرتها وسائل إعلام حكومية بأنها أنقذته من السقوط وحمت وجوده. وقبل شهرين كتب جنرال سابق في صحيفة «غازيتا رو» الواسعة الانتشار مقالة حمل فيها بقوة على «القوات الرديفة»، وخصوصا الوحدات الإيرانية وقوات «حزب الله» والمجموعات الأخرى التي وجدت بها إيران في سوريا. لكن رئيس النظام بشار الأسد لم يسلم من انتقاد الجنرال الحاد، إذ وصفه في المقالة بأنه «كان في خريف 2015 أشبه بدجاجة مبللة» ولفتت إلى أن النظام كاد يفقد السيطرة نهائيا على البلاد وغدا مهددا بالسقوط أكثر من مرة، و«لم ينجح في رفع كتفيه والمشي معتدلا إلا بعدما انتشلته روسيا من القاع».
وقال الجنرال في مقالته إن الجيش النظامي السوري «ليس في حالة تؤهله لخوض أي من المعركتين المفروضتين في سوريا وهما معركة الإرهاب ومعركة الحرب الأهلية مع المعارضة». وزاد أن القوات الرديفة كانت تتصرف على هواها وتعمل كما لو أنها المسيطرة وصاحبة القرار، وأضاف: «عندما بدأ التدخل الروسي كان الوضع مزريا ولم يحدث في أي مرة أن قام (حزب الله) والمجموعات الأخرى بالالتزام بتنفيذ المهام الموكلة إليهم تماما وحتى النهاية، في بعض الحالات كانوا ينسحبون فجأة ويتركون القوات الحليفة في المناطق المجاورة في خطر جدي كما أن قادتهم كانوا يتصرفون بشكل فردي ولا يخضعون لأوامر أحد، وحدث أكثر من مرة أن فضلوا عدم التقدم في مواقع كان يجب أن يتقدموا فيها أو العكس».
بهذه الروح ذاتها، نشرت وكالة الأخبار الفيدرالية المتخصصة بملفات الأزمات حول روسيا مقالة مطولة في منتصف العام الماضي حملت فيها بقوة على القوات النظامية وكشفت تفاصيل عن عمليات فساد واسعة فوجئت روسيا بها في الأوساط العسكرية السورية عندما بدأ التدخل.
ولفتت المقالة التي حملت عنوان «النصر بعضلات الآخرين» وكتبها معلق عسكري كان في سوريا وتنقل بين حميميم ومناطق أخرى مع العسكريين الروس إلى أنه «عندما ذهبنا إلى سوريا كان التقدير الأولي لدى العسكريين الروسي أن أداء الجيش السوري سوف يتحسن سريعا بمجرد حصوله على الإمداد اللازم والغطاء الجوي القوي، لكن عملياتنا العسكرية الحاسمة التي أضعفت كثيرا خصوم النظام أظهرت في الوقت ذاته تدهور وضع الجيش النظامي وعدم قدرته على التقدم».
وزاد أن القيادة العسكرية السورية «لم تحرك أصبعا في الشهور الأولى، وكان الهم الرئيس لديها أن يفاخروا بأن الإيرانيين والروس سوف يقضون على الإرهابيين وفقا لحديث سمعته بنفسي من ضابط سوري».
ولفتت المقالة إلى أن «سقوط تدمر من دون قتال تقريبا في نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2016 كان نقطة تحول فاصلة، لأن القوات الروسية كانت استعادتها قبل ذلك من قبضة (داعش) وفاخرت بالإنجاز الكبير وسقطت فجأة مجددا بسبب تهاون العسكريين السوريين وأنصارهم الإيرانيين، بدا واضحا أن ثمة عمليات فساد كبرى، وأن ثمة أوامر وجهت من طرف ما بالانسحاب». وزاد أن هذا الملف فتح على ملفات أخرى، إذ تبين للروس أن الأسلحة والذخائر التي كانت تذهب من روسيا كان جزء كبير منها يباع للإرهابيين والمساعدات الإنسانية كان يتم بيعها أيضا».
كما أشارت المقالة إلى أن الجنرالات الروس لجأوا إلى وضع أيديهم بشكل كامل منذ مطلع 2017 على الترسانة العسكرية والسلاح لضمان عدم بيعها للأعداء، وأن موسكو بدأت تنفذ سياساتها العسكرية بالشكل الذي تخطط له بنفسها لأن الارتكان إلى الطرف الآخر كان يثير مخاوف بوقوع أخطاء قاتلة.



مصر تؤكد أهمية دعم آفاق التعاون العسكري مع تركيا

رئيس أركان الجيش المصري ونظيره التركي في القاهرة السبت (المتحدث العسكري المصري)
رئيس أركان الجيش المصري ونظيره التركي في القاهرة السبت (المتحدث العسكري المصري)
TT

مصر تؤكد أهمية دعم آفاق التعاون العسكري مع تركيا

رئيس أركان الجيش المصري ونظيره التركي في القاهرة السبت (المتحدث العسكري المصري)
رئيس أركان الجيش المصري ونظيره التركي في القاهرة السبت (المتحدث العسكري المصري)

أكد رئيس أركان حرب الجيش المصري الفريق أحمد خليفة، أهمية تنسيق الجهود ودعم آفاق التعاون العسكري مع تركيا بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين، وذلك خلال لقائه نظيره التركي الفريق أول سلجوق بيرقدار أوغلو في القاهرة.

وقال بيان صادر عن المتحدث العسكري المصري، السبت، إن رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التركية يزور القاهرة حالياً في زيارة رسمية تستغرق عدة أيام، وأن اللقاء ناقش عدداً من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك، وسبل تعزيز أوجه التعاون العسكري في العديد من المجالات.

وأضاف أن رئيسَي أركان البلدين ترأسا الجلسة الختامية للاجتماع الخامس للجنة التعاون العسكري المصرية - التركية، ووقّعا على محضر الجلسة، الذي تضمن تنفيذ العديد من الأنشطة الرامية إلى تعزيز آفاق التعاون العسكري، ونقل وتبادل الخبرات بين القوات المسلحة المصرية والتركية.

وأكد رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الفريق أحمد خليفة، «على عمق علاقات الشراكة والتعاون الثنائي بين القوات المسلحة المصرية والتركية»، مشيراً إلى أهمية تنسيق الجهود ودعم آفاق التعاون العسكري بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين الصديقين.

تدريب «نسر الأناضول 2026» في تركيا (المتحدث العسكري المصري)

من جانبه، أعرب رئيس هيئة الأركان التركية الفريق أول سلجوق بيرقدار أوغلو، عن تقديره لعمق الروابط والعلاقات التي تجمع بين البلدين، مؤكداً حرص بلاده على تعزيز أوجه العلاقات العسكرية المثمرة بين القوات المسلحة لكلا الجانبين خلال المرحلة المقبلة.

تأتي الزيارة في إطار الحراك العسكري المزداد بين البلدين في الفترة الأخيرة، الذي يظهر من خلال تعدد التدريبات المشتركة بين الجيشين بعد التوقيع على «اتفاق عسكري إطاري» قبل أربعة أشهر أثناء زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى القاهرة في فبراير (ِشباط) الماضي.

ويوم الخميس الماضي، أعلن الجيش التركي عن تدريب جوي ثلاثي مع مصر وأذربيجان، وقالت وزارة الدفاع التركية، «إن التدريبات التي ستستمر حتى الثالث من يوليو (تموز) المقبل، تتضمن العمل على تحسين القدرات التشغيلية وتطبيق إجراءات جديدة للعمليات الجوية الفنية والتكتيك».

ويحمل التدريب الثلاثي المشترك اسم «تمرين نسر الأناضول 2026»، وتشارك فيه أنواع مختلفة من المقاتلات، من بينها «طائرتان من طراز (سو - 25) من أذربيجان، و5 طائرات من طراز (إف - 16) من مصر»، حسب وزارة الدفاع التركية.

يأتي التدريب الثلاثي بعد أيام من انتهاء فعاليات التدريب الجوي المصري - التركي، بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام ومن مختلف الطرازات، التي استضافتها قواعد جوية مصرية في الفترة من 11 حتى 21 يونيو (حزيران) الحالي، وذلك من أجل «صقل مهارات القوات المشاركة، وصولاً لأعلى معدلات الكفاءة، والاستعداد لتنفيذ المهام الجوية المشتركة بكفاءة عالية تحت مختلف الظروف»، حسب المتحدث العسكري المصري.

 

 

Your Premium trial has ended


مصر تدفع لمفاوضات جديدة بين أفرقاء السودان خوفاً من «التقسيم»

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في القاهرة الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في القاهرة الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تدفع لمفاوضات جديدة بين أفرقاء السودان خوفاً من «التقسيم»

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في القاهرة الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في القاهرة الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)

جددت مصر تحذيراتها من محاولات تقسيم السودان، واعتبرت أن أي ترتيبات مؤقتة لا يجب التعامل معها على أنها قبول بتقسيم جارها الجنوبي، في حين أكد عضو بـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية» أن القاهرة تضغط لتحريك مسار التسوية والدفع نحو حوار سياسي شامل بين الفرقاء.

وأكد السفير إيهاب عوض مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة أن مصر تواصل تنسيقها مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما في ذلك العمل ضمن إطار «الآلية الرباعية» (تضم السعودية ومصر والولايات المتحدة والإمارات)، للوصول إلى وقف إطلاق النار، وإقرار هدنة إنسانية تمهد الطريق لعملية سياسية يقودها السودانيون بأنفسهم.

وأشار في كلمته أمام جلسة مخصصة لمناقشة أوضاع السودان في مجلس الأمن الدولي، الجمعة، إلى أن استقرار السودان يمثل عنصراً محورياً في منظومة الأمن الإقليمي، وأن الحفاظ على البلد الموحد والمستقر يتطلب بيئة إقليمية داعمة تتحلى بالمسؤولية والحكمة، محذراً من استمرار تدفق السلاح والمرتزقة والمقاتلين الأجانب إلى الداخل السوداني؛ لما لذلك من تداعيات خطيرة على أمن دول الجوار والقرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وجدد التأكيد على ما ورد في بيان الرئاسة المصرية الصادر في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أن «الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه خط أحمر، وأن مصر ترفض أي محاولات لتقسيمه أو الاعتراف بأي كيانات موازية»، مشدداً على ضرورة دعم المؤسسات الوطنية السودانية ومنع المساس بها.

ويأتي الموقف المصري الذي أعاد التأكيد على رفض تقسيم السودان، والذي تضمن مخاوف مصرية متزايدة جراء الاتجاه نحو هذا المسار، في أعقاب محادثات استضافتها القاهرة الأسبوع الماضي لمناقشة خطوات التحرك نحو إقرار هدنة إنسانية ووقف إطلاق النار، وبالتزامن مع تصعيد عسكري ميداني، خصوصاً في مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان (وسط السودان).

لقاء سعودي - مصري - تركي تناول في القاهرة الأسبوع الماضي تطورات الأزمة السودانية (الخارجية المصرية)

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» السفير صلاح حليمة، أكد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن مصر تضغط باتجاه تحريك مسار تسوية الأزمة السودانية بعد أن تراجعت المبادرات الدولية مؤخراً، وأن القاهرة تعمل على أن يكون الحل في إطار «الرباعية الدولية» بالتنسيق مع «الخماسية» (تضم الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي ومنظمة «إيغاد» والاتحاد الأوروبي).

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن القاهرة تهدف إلى الضغط على طرفَي الصراع (الجيش والدعم السريع) من أجل الجلوس على طاولة التفاوض، وذلك عبر مسار أمني عسكري، على أن يكون هناك مسار سياسي موازٍ تشارك فيه كافة القوى السياسية باستثناء التي ترتبط مباشرة بطرفَي الصراع.

وأكد أن التحركات المصرية تستهدف التوصل إلى اتفاق هدنة مبدئي يعقبه مفاوضات في مسارات أمنية وعسكرية وسياسية، وكذلك مباحثات أخرى لإعادة الإعمار، وتعول على ممارسة ضغوط حقيقية على الجيش و«الدعم السريع» نحو الذهاب إلى طاولة التفاوض.

وعكس حديث مندوب مصر لدى مجلس الأمن موقف بلاده من الحل السياسي؛ إذ شدد على أن «أي حلول تساوي بين القوات المسلحة السودانية والميليشيا المتمردة (في إشارة لقوات الدعم السريع) محكوم عليها بالفشل»، مشدداً على «ضرورة إخضاع الميليشيا للمساءلة عن الفظائع التي ارتُكبت بحق الشعب السوداني، في إطار مسار العدالة الانتقالية عبر آليات وطنية خالصة».

وأكد السفير إيهاب عوض أن أي رهان على الفوضى أو الكيانات الموازية في السودان هو «رهان خاسر لن يُكتب له النجاح»، لافتاً إلى أن الحل المستدام للأزمة السودانية لا يمكن أن يكون إلا سودانياً خالصاً نابعاً من إرادة السودانيين أنفسهم، ومدعوماً من مؤسسات الدولة الوطنية.

وكان الملف السوداني حاضراً أيضاً في لقاء وزير الخارجية المصري مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي مسعد بولس الأسبوع الماضي، إلى جانب الاجتماع الرباعي الذي دعت له وزارة الخارجية المصرية، بحضور وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وبولس.

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري السابق لشؤون السودان السفير حسام عيسى، أن «التحركات المصرية الأخيرة، بما فيها التحذيرات المتصاعدة من تقسيم السودان، ترجع إلى تطورات الموقف الميداني الخطيرة مع حصار (قوات الدعم السريع) لمدينة الأُبيّض، وإمكانية وقوع مجازر وحشية أسوة بما حدث في مدينة الفاشر (عاصمة إقليم دارفور)، مع تقديرات مصرية بإمكانية تضرر أعداد هائلة من المدنيين المحاصرين يفوق ما حدث في الفاشر».

مصر تستهدف تحريك جهود حل الأزمة السودانية (الخارجية المصرية)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وبعد أن أعلنت «قوات الدعم السريع» سيطرتها على مدينة الفاشر، أفادت تقارير دولية بأن «(الدعم السريع) ارتكبت مجزرة في المدينة قُتل فيها أكثر من 2000 شخص، منهم 460 مريضاً، وأشخاص يرافقونهم في المستشفى السعودي للولادة في الفاشر»، في حين أُجبر نحو 26 ألف شخص على الفرار «وهم في حالة من الرعب».

وأضاف عيسى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن البيان المصري أمام مجلس الأمن يدق ناقوس الخطر أمام المجتمع الدولي، وبخاصة أن سقوط الأُبيّض بيد «الدعم السريع» يعني أن السودان دخل مرحلة التقسيم الفعلي، وفي تلك الحالة سوف تتمكن «الحكومة الموازية» من السيطرة على أطراف وهوامش السودان، وهي مناطق تقدر بـ45 في المائة من مساحة السودان، في حين توجد الحكومة المعترف بها دولياً في باقي الولايات.

وأشار إلى أن الاتصالات المصرية جارية لاستئناف التفاوض، لكنه في الوقت ذاته شدد على أن هناك صعوبات وتحديات تعترض التئام أي محادثات، لعدم رغبة طرفَي الصراع في الانخراط في مفاوضات جديدة، مع عدم الاستجابة لمبادرة «الرباعية»، وكذلك ما طرحته «الخماسية»، إلى جانب ضعف تأثير القوى السياسية على المشهد القائم في البلاد.


تقرير حقوقي يوثِّق تصاعد التعذيب داخل السجون الحوثية

الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)
الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)
TT

تقرير حقوقي يوثِّق تصاعد التعذيب داخل السجون الحوثية

الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)
الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)

وثَّقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات ما وصفته بواحدة من أوسع حملات التعذيب والانتهاكات داخل السجون الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكدة تسجيل 1893 حالة تعذيب منذ مطلع عام 2018 وحتى بداية عام 2026، في تقرير أصدرته بالتزامن مع اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، الذي يوافق السادس والعشرين من يونيو (حزيران).

وقالت الشبكة إن فريقها الميداني رصد تعرض مختطفين في 15 محافظة يمنية لشتى أشكال التعذيب الجسدي والنفسي، بينهم أطفال ونساء ومسنون، معتبرة أن الأرقام الموثقة تعكس جانباً فقط من حجم الانتهاكات، في ظل صعوبة الوصول إلى كثير من أماكن الاحتجاز، واستمرار القيود الأمنية المفروضة في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وحسب التقرير، فإن 394 مختطَفاً تعرضوا على يد الحوثيين لأشد أنواع التعذيب التي أفضت إلى الوفاة، بينهم أطفال ونساء ومسنون؛ حيث توفي بعضهم داخل السجون، بينما فارق آخرون الحياة بعد الإفراج عنهم بفترة قصيرة نتيجة تدهور أوضاعهم الصحية.

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)

كما وثَّق التقرير 32 حالة تصفية جسدية داخل المعتقلات الحوثية، إلى جانب حالات انتحار قال إنها ارتبطت بظروف الاحتجاز القاسية، فضلاً عن تسجيل عشرات الوفيات بسبب الإهمال الطبي أو الإصابة بنوبات قلبية أثناء الاحتجاز.

وأشار التقرير إلى أن 218 شخصاً أصيبوا بإعاقات دائمة نتيجة التعذيب الحوثي، بينها حالات شلل كلي وجزئي، وفقدان للبصر أو السمع، إضافة إلى أمراض مزمنة واضطرابات نفسية وفقدان للذاكرة، بينما تعرض أكثر من 1300 مختطف لأشكال مختلفة من التعذيب وسوء المعاملة.

شبكة واسعة من السجون

أكدت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن الجماعة الحوثية تدير نحو 739 سجناً ومعتقلاً، منها 382 سجناً رسمياً استولت عليها عقب سيطرتها على مؤسسات الدولة، إضافة إلى 357 سجناً سرياً أنشأتها خلال سنوات النزاع.

ووفق التقرير، فإن أماكن الاحتجاز الحوثية لا تقتصر على السجون التقليدية؛ بل تشمل مباني حكومية ومواقع عسكرية ومقرات لوزارات وإدارات عامة، ومراكز دينية، ومقرات حزبية، ومنازل خاصة، وهو ما يجعل عمليات الرصد والتوثيق أكثر تعقيداً.

وأضافت الشبكة أن آلاف المختطفين لا يزالون محتجزين لدى الجماعة بتُهم وصفتها بالكيدية، رغم أن كثيراً منهم لا تربطهم أي صلة مباشرة بالأعمال القتالية، مشيرة إلى أن الاحتجاز يُستخدم كوسيلة لإسكات المعارضين والناشطين والضغط على الخصوم السياسيين.

ويرى التقرير أن التعذيب داخل تلك المعتقلات الحوثية يتم بصورة ممنهجة، ويستهدف انتزاع اعترافات قسرية أو معاقبة المحتجزين بسبب مواقفهم السياسية أو الفكرية، مؤكداً أن المختطفين يتعرضون لضغوط نفسية وجسدية متواصلة خلال فترات الاحتجاز.

كما أشار إلى أن كثيراً من الضحايا حرمتهم الجماعة الحوثية من التواصل مع أسرهم أو الحصول على الرعاية الصحية، بينما تعرَّض بعضهم للإخفاء القسري لفترات طويلة، قبل الكشف عن أماكن احتجازهم أو الإفراج عنهم.

اتهامات ودعوات للتحقيق

اتهمت الشبكة الحقوقية الحوثيين بممارسة التعذيب في إطار سياسة منظمة، وقالت إن الانتهاكات تتم -وفق ما وثقته- بإشراف قيادات في الجماعة، مضيفة أن بعض الممارسات تنتهي بعمليات تصفية جسدية أو وفيات داخل السجون.

عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)

وأكدت أن ما تمكنت من توثيقه لا يمثل سوى جزء من الواقع، بسبب استمرار وجود معتقلات حوثية مغلقة لم يتمكن فريقها من الوصول إليها، مع بقاء آلاف المختطفين والمخفيين قسراً داخل أماكن احتجاز غير معلنة.

وجددت الشبكة الحقوقية دعوتها إلى الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والمنظمات الدولية، للتحرك العاجل من أجل وقف الانتهاكات الحوثية، وفتح تحقيق دولي مستقل في جرائم التعذيب والإخفاء القسري، والعمل على الإفراج عن جميع المختطفين في سجون الجماعة، ومحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات، بوصفها جرائم لا تسقط بالتقادم وفق القانون الدولي.