طارق صالح... على خط النار بروح الثائر المنتقم

عاش يوما آخر ليخوض معركة أخرى

طارق صالح... على خط النار بروح الثائر المنتقم
TT

طارق صالح... على خط النار بروح الثائر المنتقم

طارق صالح... على خط النار بروح الثائر المنتقم

ثلاثة أسابيع فقط، منذ دخلت القوات التي أعاد تشكيلها العميد طارق صالح نجل شقيق الرئيس اليمني السابق، خط النار، في معركة الثأر لمقتل عمه، من قتلته الحوثيين، يبدو أنها كانت كافية لإثبات قدرته على نقل المعارك في جبهة الساحل الغربي، إلى طور جديد تتعاظم فيه خسائر الميليشيات الميدانية كل يوم. وعلى رغم أن الإجابة عن ماهية النتائج التي يمكن أن تتمخض في النهاية جراء دخول طارق صالح، في خضم المواجهة العسكرية ضد حلفاء الأمس وأعداء اليوم، إلا أن إلقاء الضوء على التعقيدات المتنوعة التي شكلت شخصيته المثيرة للجدل، يمكن أن يعزز من ترجيح أقرب المآلات المتوقعة.
فإلى جانب شخصيته الصارمة التي اكتسبها بحكم تكوينه العسكري وابتعاده في الأغلب عن ممارسة الأنشطة المدنية والاحتكاك بالشأن العام، يؤكد مقربون منه، أنه صاحب إصرار عنيد، فهو حين يضع في ذهنه أمرا ما، فإنه لا يتوقف عن إثبات وجهة نظره بشأنه، دون مراعاة لأي تبعات، حتى لو كان من بينها الاصطدام بأوامر عمه الرئيس صالح.
وربما كان هذا الإصرار، هو الذي جعله بعيدا عن الوقوع في أسر تلك الشخصيات التي تنكسر لخسارة المعركة الأولى، فلا تقوم لها قائمة، بل كان على النقيض من ذلك، ميالا ليكون من الطراز الذي باستطاعته أن يتسامى على جراحه المثخنة وعلى الواقع الذي رأى فيه في لحظة غير متخيلة، دماء عمه وهي تسفك وأقاربه وهم يقادون إلى المعتقلات وأفراد أسرته من النساء والأطفال وهم ينكل بهم في الأصقاع، بعد أن كانوا حكاما لصنعاء لأكثر من ثلاثة عقود.
لم يكن أمام العسكري المتمرس، والعقائدي المتدين الذي لا يفوته أن يؤدي صلواته بانتظام، كما يقول اللصيقون به، سوى أن يعيش يوما آخر، ليبدأ معركة أخرى، حيث يلقي كرة النار التي يؤمل أن تتعاظم إلى جحيم يتلقف بصلابته وروحه الثأرية ما يأفكه الحوثي، ولا يزال، من مشروع طائفي لاستنساخ التجربة الخمينية الإيرانية في لبوس يمني.
خسر «أبو عفاش» كما هي كنيته المستمدة من اسم أكبر أولاده، المعركة غير المتكافئة مع الحوثيين، في العدة والعتاد، لكنه لم يخسر الحرب حين كافح ليبقى على قيد الحياة، في الوقت الذي كان بإمكانه أن يستبسل حتى النهاية لينال المصير الذي اختاره عمه صالح ورفاقه بكبرياء المحاربين الشجعان، لكنه اختار أن ينجو، أو ربما قدر له ذلك، لينهض من جديد، تدفعه روح الانتقام ودوافع الفرسان المكلومين الذين أوغرت صدورهم، حالة الهوان التي ذاقوها ومرارة الهزيمة التي تجرعوها على يد خصم متنمر، لكنهم يعرفون جيدا مكامن قوته ومنافذ ضعفه.
ويميل المحللون إلى أن روحه العنيدة، وعقيدته القتالية، هي التي حالت دون تفكيره في لزوم طريق الصمت ومغادرة المشهد بعد نجاته، وعدم الاستمرار في تحدي الجماعة المتنمرة، على الأقل، من باب الحرص على حياة أقاربه المعتقلين لديها، وفي مقدمهم نجله الأكبر عفاش، الذي أراده من خلال إطلاق هذا الاسم عليه التيمن بلقب الجد الأكبر للعائلة، وهو اللقب الذي كان أغلب العامة لا يعرفون عنه شيئا، حتى العام 2011 حين حاول خصوم عمه أن يجعلوا من إشاعته بابا للتحقير والاستنقاص وهو ما فشلوا فيه حينها، لجهة أن صالح، ابتداء، معتز بلقب عائلته والدليل هو أنه بارك إطلاقه على النجل الأكبر لطارق.
وفي معرض التدليل على عدم انقياد طارق وراء عواطفه وتمسكه برباطة الجأش، أفادت مصادر ضمن الدائرة القريبة منه بأن الميليشيات الحوثية أبلغته تهديدا صريحا بتصفية نجله عفاش وشقيقه الأصغر، محمد، ونجلي عمه صالح، صلاح ومدين، إذا قرر إعادة بناء قواته للمواجهة، إلا أنه - طبقا للمصادر - أبلغ الوسيط القبلي الذي نقل له التهديد، بتهديد مماثل، مفاده أن الانتقام لدم عمه صالح ورفاقه والمساهمة في معركة القضاء على الجماعة، هو بالنسبة له قرار لا رجعة فيه وسيضحي في سبيله بكل شيء حتى لو كانت أرواح أقاربه ونجله.
وبخلاف أشقائه الآخرين، لازم طارق صالح والده، منذ صغره، في ثكنات الجيش، وقوات الأمن، بحسب ما يقوله مقربون منه، لذلك كانت نشأته العسكرية وإرادته المقاتلة تتشكل بثبات، منذ نعومة أظافره، مرورا بكلية الشرطة التي تخرج منها رفقة عدد من القيادات الأمنية والعسكرية، التي برزت لاحقا، أمثال العميد عبد الله قيران، وانتهاء بتوليه قيادة الحرس الخاص لعمه صالح وكذا قيادة اللواء الثالث حرس جمهوري، وهو أحد أقوى الألوية العسكرية اليمنية حينها تسليحا وتدريبا.
وربما كان تأثره بالجانب المتدين من والده الراحل محمد عبد الله صالح، هو دافعه الآخر، للاقتراب من الجماعة السلفية، التي أشيع أنه كان يقدم لها الدعم المادي، منذ وجودهم في مركز دماج الديني الذي تأسس علي يد الشيخ الراحل مقبل الوادعي في الثمانينات من القرن الماضي في الجنوب الشرقي لمدينة صعدة، وهو الجانب الذي جعل بعض الخصوم السياسيين بمن فيهم جماعة الحوثي لاحقا يلمزونه بالقول بأنه من رعاة الجماعات المتشددة.
ولعله بسبب روح الجفاف والغلظة التي تشكلت جراء تنشئته العسكرية المبكرة، كان أقل أشقائه في القدرة على المراوغة السياسية أو المداهنة، ما جعله إبان حكم عمه صالح، أكثر أقارب الرئيس السابق، حدة ومواجهة مع الخصوم المفترضين للعائلة، لا سيما من أوساط الشخصيات المحورية المحيطة بدائرة الحكم والشريكة فيه كما كان الحال مع الجنرال علي محسن الأحمر (نائب الرئيس الحالي).
إذ تتداول الأوساط الحزبية والسياسية المطلعة على أروقة حكم صالح، قصصا عن مواقف، كان فيها طارق صالح المجابه الشديد للخصوم والمتحفز الأول في وجوه من يعتقد أنهم خطر وشيك على كرسي الحكم، لدرجة أنه بات شائعا في أوساط النخب اليمنية القول بأن طارق صالح هو السبب الحقيقي لضرب علاقات عمه الجيدة مع الشخصيات العسكرية والحزبية والقبلية، لا سيما مع الجنرال علي محسن الأحمر، الذي كان يوصف بأنه الرئيس الظل تعبيرا عن مدى نفوذه العسكري والحزبي والقبلي.
كما كانت هذه الروح المتوثبة نحو الاستقلالية، وعدم الانقياد السهل والتبعية، لدى نجل شقيق الرئيس الراحل، واحدا من المبررات التي وجد فيها الحوثيون مدخلا لاتهامه بأنه السبب الرئيسي لتوتر علاقة التحالف والشراكة بين جماعتهم وعمه صالح وحزبه «المؤتمر»، وصولا إلى جعله، لاحقا، السبب الرئيسي لانهيار العلاقة وبدء المواجهات المسلحة بين الطرفين، طبقا لما كانت تردده الآلة الإعلامية الحوثية وناشطو الجماعة على مواقع التواصل الاجتماعي.
بل صرح قياديون حوثيون بأنهم شاهدوا عناصر من السلفيين الذين كانوا طردوهم بقوة السلاح من دماج ونكلوا بهم رفقة طارق صالح في صنعاء، ضمن الجنود الذين كان يحاول أن يشكل منهم قوته الخاصة بعد أن ابتلعت الجماعة الحوثية كل مقدرات الجيش السابق وأسلحته والكثير من قياداته التي كان صالح يراهن على ولائها له.
وامتدادا للصرامة نفسها التي اكتسبها عبر سنوات تنشئته، لم يكن أيضا ذلك القائد المحبوب، للعامة من جنوده، فضلا عن كون جل ثقافته العامة التي اكتسبها منحصرة في مجال اختصاصه العسكري، مبتعدا عن كل ما له علاقة النشاط المدني والسياسي أو الظهور الإعلامي أو الانخراط في العمل التجاري، كما كان الحال مع شقيقه الأكبر يحيى الذي زاوج في شخصيته بين كل تلك الصفات في آن واحد.
وفيما يتداول مقربون من عمه صالح روايات عن أن الأخير كان حريصا على نجاة نجل شقيقه طارق وقائد حراسته من بين كل أقاربه الآخرين، ربما لأنه كان يستشعر فيه تلك الصلابة والإرادة اللازمتين للإعداد لمعركة الثأر والانتقام، وهذه النقطة تحديدا، هي التي سوقها فيما بعد خصوم عائلة صالح السابقين واللاحقين، على أنها مثلبة في حق طارق الذي قالوا إنه ترك عمه لمصيره وفضل النجاة بنفسه، جبنا وخنوعا، على أنه قائد حراسته.
- إدراك متأخر لخطأ كارثي
أدرك العميد الذي طوى أربعينات عمره، كعمه متأخرا، الخطأ الكارثي الذي وقع فيه الرئيس السابق، وزعيم الحزب الأكثر شعبية وتغلغلا في مفاصل الدولة العميقة التي حكمها لأكثر من ثلاثة عقود، بتحالفه مع الميليشيات الحوثية، نكاية بخصومه الآخرين.
إذ كانت ثلاث سنوات من هيمنة الجماعة على مؤسسات الدولة ومواردها المالية وشحنها الطائفي والعقائدي واستقطابها لقيادات الجيش وزعماء القبائل بالترغيب والترهيب وإيهامهم برفع راية الدفاع عن الوطن ضد ما تزعم أنه عدوان خارجي، كفيلة بتمكين الجماعة من كل شيء، المال والسلاح والنفوذ والولاءات، لدرجة أنها باتت قادرة على التخلص من صالح ونفوذه للاستفراد بتمثيل صنعاء ومناطق سيطرتها بعيدا عن صالح وألاعيبه التي يجيدها في ميدان السياسة وأدواتها الناعمة.
حاول طارق إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بعد أن بدأت علاقة الصدام بين الحليفين تظهر إلى الواجهة، عبر السعي لإعادة بناء قوة عسكرية موالية له بعيدا عن الحوثيين، بعد أن باتت بقايا وحدات الحرس الجمهوري ومخازن أسلحته بيد الجماعة الحوثية التي صارت صاحبة الكلمة الفصل، استنادا إلى ما بيدها من قوة، وما أحدثته من تجريف عميق لولاءات صالح وتحالفاته القبلية والسياسية.
ولإنجاح هذا المسعى، استحدث طارق في العام 2017 معسكرا لتدريب جيشه الذي لم يكتمل مطلقا عليه اسم معسكر «الملصي» نسبة لضابط في الحرس الجمهوري لقي مصرعه بعد أن كانت استقطبته الجماعة لقيادة ميليشياتها على الحدود الشمالية، وربما كان الدافع وراء إطلاق الاسم هي محاولته إيهام الجماعة، أن هدفه من بناء هذه القوات التي يشرف عليها هو إعدادها للقتال على الحدود، سيرا على نهج الملصي، غبر أن الأمر لم ينطل على الجماعة التي كانت اخترقت أقرب الدوائر من صالح وباتت تحصي عليه معظم حركاته وسكناته.
وبحسب ما يرجحه المطلعون على تفاصيل العلاقة التي جمعت الحليفين اللدودين، أصبح طارق صالح ومعسكره هو الهاجس الأول لدى الميليشيات، فكان هدفا لآلتها الإعلامية وحملات ناشطيها، وبابا للتشكيك في صدق إخلاص صالح لتحالفه، معها.
فمنذ ذلك الحين الذي رفض فيه تفكيك معسكره التدريبي الواقع في منطقة ريمة حميد، جنوبي صنعاء، حيث مسقط رأس عمه وفي قلب قبيلته سنحان، كانت اتخذت الجماعة قرارها للتنكيل بصالح قبل أن تتعاظم قوة نجل شقيقه طارق عبر إعادة بناء قوات الحرس الجمهوري، وتوجيه الضربة الأولى للقضاء عليها.
لم يكن صالح في وضعية تتيح له المناورة، إذ يقول مقربون منه إنه كان يبحث عن منفذ لاستعادة ثقة المحيط الإقليمي، ليكون مجددا فرس الرهان لوضع حد للمشروع الحوثي، في مقابل إنهاء شرعية الرئيس الحالي عبد ربه منصور هادي وحلفائه، إلا أنه لم يجد ذلك المنفذ أو بالأحرى، لم يكن عرضه مقنعا أو مطمئنا بالشكل الذي يمنحه ثقة المحيط العربي ودول الجوار، لذلك طال انتظاره واستنفد خياراته، وكان من الحتمي أن تكون النهاية كما حذر منها أغلب المراقبين، على ذلك النحو الذي شهدته صنعاء في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
قاد طارق صالح المئات من عناصره، للدفاع عن المربع الأخير للعائلة، حيث منازلها ومنطقة نفوذها، قاتلوا بضراوة، قبل أن يحشد الحوثي قواته ويستخدم الأسلحة الثقيلة، القلة ممن دربهم طارق أو استعاد تجميعهم، كانوا إلى جواره، وأغلبهم كانوا في جبهات القتال، إلى جانب الميليشيات، أو في منازلهم يفتقدون للدافع الحقيقي للاشتراك في معركة لم يخطط لها، وغير مضمونة النتائج.
ألقى صالح خطابه الأخير في الثاني من ديسمبر (كانون الأول) داعيا على نحو مفاجئ إلى فض الشراكة مع الجماعة والاندفاع إلى مواجهتها في كل مكان، وفتح صفحة جديدة مع دول التحالف الداعمة للشرعية من أجل وقف الحرب وإعادة اليمن إلى محيطه العربي، وفي الرابع من الشهر نفسه أعلن مقتله مع العشرات من حراسه، وكان طارق في عداد القتلى، بالنسبة لأغلب المتابعين، باستثناء الحوثيين الذين كانوا ينقبون صنعاء بحثا عن الرجل الذي كان بالنسبة لها يفوق عمه أهمية وخطرا باعتباره القائد الميداني للانتفاضة الموؤودة.
وبينما أكد شقيقه الأكبر يحيى صالح، أنه أصيب في يده وبطنه وقدمه بشظايا حوثية وأنه يتلقى العلاج في مكان آمن، كانت قصة هروبه من البطش الحوثي، لغزا غامضا، رغم ما قيل عنه من روايات، بيد أن الرواية الدقيقة للتفاصيل لا تزال على الأرجح، حكرا على طارق نفسه مع عدد محدود جدا من أصدقائه المقربين.
كانت نجاته رغم تأكدها، لا تزال موضع تشكيك لدى البعض، لم يحسمه غير ظهوره العلني الأول في 11 يناير (كانون الثاني) في محافظة شبوة، معزيا في مقتل عارف الزوكا، وهو القيادي في حزب عمه ورفيقه الذي بات في نظر طارق وأنصار حزب «المؤتمر»، الأكثر وفاء وشجاعة لتفضيله القتال إلى جواره ولزومه حتى الموت معه في منزله المعروف بقصر الثنية في شارع حدة.
غير أن الجزء المهم في قصة نجاته في ظل إلحاح الملاحقة الحوثية والتشديد الأمني، يشي بأنه كان لا يزال يمتلك وهو في عمق النفوذ الجغرافي للجماعة بعضا من أسباب القوة والعلاقات الشخصية والولاءات المتعددة التي ساهمت في إخراجه من صنعاء، وصولا إلى غربي مأرب، حيث يرجح أنه وجد فيها الحماية القبلية لدى حلفاء عمه من آل معيلي.
- إعلان الموقف العام والإعداد لمعركة الثأر
> اختار نجل شقيق صالح مكان ظهوره الأول بعناية شديدة، رفقة زعماء قبليين شاركوه تقديم العزاء في الزوكا، بالتنسيق مع دول تحالف دعم الشرعية، حيث كانت الرسالة واضحة، بأن الانتقام من قتلته الحوثيين سيكون هو عنوانه للمرحلة اللاحقة، وهو ما أكده وسط هتافات أنصاره، باختصار، شديد وبكلمات مقتضبة: «السير على نهج عمه في وصيته الأخيرة، والتي تتلخص في نقطتين، الأولى قتال الجماعة، والثانية فتح صفحة جديدة مع دول التحالف لإنهاء الحرب وإعادة اليمن إلى محيطه العربي».
كان هذا الإعلان عن تحديد الموقف كافيا لأنصار صالح وقيادات حزبه، لكنه فتح عليه النار من قبل القوى المساندة للشرعية، التي رأت إعلانه ناقصا لأنه لم يعترف بها، ولا بشرعية الرئيس هادي، كما فعل بعض أقاربه، والكثير من القادة العسكريين والحزبيين الذين أفلتوا من قبضة الميليشيات.
في وقت قياسي استطاع، نجل شقيق صالح، بدعم من تحالف دعم الشرعية وبمباركة وتأييد من القوى الجنوبية الأكثر فاعلية في عدن، أن يعيد تجميع قوة ضاربة من أتباعه ومؤيدي عمه الراحل وحزبه، يقدرون بالآلاف ومعظمهم من عناصر الحرس الجمهوري وقوات الأمن الخاصة السابقة، وينتسبون لمختلف المناطق اليمنية.
ولكي يوائم بين هدفه الانتقامي من الميليشيات، في سياق المعركة ذاتها التي تخوضها القوات الحكومية التابعة للشرعية، وبين بقائه خارج نطاق الولاء لقيادة الشرعية، اتساقا كما يبدو مع موقف عمه منها ومع موقف الكثير من قيادات حزبه وأنصاره، وأقاربه، فضل أن يطلق على قواته «المقاومة الوطنية» بعيدا عن الهيكلية الرسمية لجيش الشرعية، كما أطلق على أول ثلاثة ألوية منها «حراس الجمهورية».
ومع أول ظهور لقواته على خط النار في 19 أبريل (نيسان) الماضي، كان طارق صالح مجردا من رتبه الرسمية مع كبار ضباطه، إذ أفاد مقربون منه بأنه تعهد بعدم تعليق الرتب هو وضباطه، حتى يتم تحرير صنعاء من قبضة الحوثيين، كما أمر بعدم تسليط أضواء الإعلام على أداء قواته خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، مفضلا العمل في صمت، وشعاره كما يقول المقربون منه «نريد أن تتحدث الإنجازات على الأرض».
ولأن الهدف المعلن لقواته التي باتت ملتحمة مع قوات «ألوية العمالقة» (المقاومة الجنوبية) ومع قوات «المقاومة التهامية» هو تحرير محافظة الحديدة، اختار نجل صالح أن يحمي ظهره قبل التقدم شمالا في الساحل الغربي، عبر تأمين مناطق غربي تعز، وقطع خطوط الإمداد التي يمكن أن يستغلها الحوثيون، للالتفاف عليه من الخلف.
وبالنظر إلى ما أنجزته القوات التي يقودها حتى الآن بمنطق التقييم العسكري المحايد، يرى مراقبون كثيرون أنها حققت في مدة وجيزة تقدما ميدانيا استراتيجيا، لجهة تأمينها مع قوات المقاومة الأخرى، تقاطعات رئيسية من طرق الإمداد، المتجهة نحو مناطق غربي تعز وجنوبها الغربي.
ففي الوقت الذي تمكنت من تأمين مناطق مفرق المخا ومعسكر خالد بن الوليد وصولا إلى مفرق الوازعية ومنطقة البرح، فإن ذلك يعني عمليا، تسهيل إنهاء جيوب الميليشيات في الوازعية وكهبوب وموزع ومقبنة، وقطع الإمدادات القادمة لها من جهة إب عبر مناطق العدين.
وعلى إثر هذه الإنجازات الميدانية أعلنت قوات طارق صالح بعد 20 يوما من العمليات أنها أنجزت مهمة تدمير النسق الأول للحوثيين ضمن الإعداد لمعركة تحرير الساحل الغربي واستعادة الحديدة، في الوقت الذي بث ناشطون صورا له من قلب الميدان، وهو يتابع ويخطط ويشرف على تحقيق انتصاره الأول في معركة الثأر الذي لا ينسى من الحليف السابق.
وفيما يأمل نجل شقيق صالح أن تسير رياح المواجهة لمصلحة قواته في قادم الأيام، نقل عنه مقربون استياءه من إذكاء أي نار للصراع السياسي في التوقيت الراهن بين القوى اليمنية المناهضة للميليشيات، وتأكيده أن الأولوية ينبغي أن تكون لتوحيد كل الجهود وتنسيقها، من أجل تخليص البلاد من شر الجماعة الحوثية.
وبحسب ما يرجحه كثير من المراقبين، فإن نجل شقيق صالح، وضع نفسه أمام اختبار وجودي، إن شاءت الأقدار أن تمنحه، فرصة النجاح فيه، فلا يستبعد أن يكون هذا العسكري الصلب والمقاتل العنيد، هو الجسر المتين لعودة عائلة الرئيس اليمني السابق وحزبه (المؤتمر الشعبي) مجددا إلى صدارة الواجهة السياسية والعسكرية في البلاد.


مقالات ذات صلة

مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

العالم العربي رئيس وأعضاء مجلس القيادة الرئاسي اليمني خلال اجتماعهم الأخير (سبأ)

مجلس القيادة الرئاسي يحذر من التفريط بفرصة الحوار الجنوبي «التاريخية»

أكد مجلس القيادة الرئاسي اليمني التزام الدولة بالتصدي الحازم لأي محاولات تستهدف تعطيل مؤسساتها الوطنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي يتمتع أفراد «كتيبة منفذ الوديعة» بخبرات متراكمة تمكنهم من إحباط محاولات التهريب المستمرة (كتيبة منفذ الوديعة)

كتيبة منفذ الوديعة تُحبط محاولة تهريب آلاف حبوب الكبتاجون

في عملية نوعية جديدة، أحبطت «كتيبة أمن وحماية منفذ الوديعة» البري، محاولة تهريب 4925 حبة من مخدر «الكبتاجون»، كانت في طريقها إلى أراضي المملكة العربية السعودية…

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أبو زرعة المحرّمي خلال لقاء أخير مع الفريق محمود الصبيحي في الرياض (حساب أبو زرعة على إكس)

المحرّمي: لن نسمح بفوضى أو «صراعات عبثية» في عدن

أكد أبو زرعة المحرّمي أن أمن عدن واستقرارها أولوية، وأنه لن يٌسمح بأي محاولات لزعزعة السكينة العامة، أو جرها إلى الفوضى والصراعات العبثية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
خاص وصف المنسق الأممي التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن بأنه كان قوياً وسريعاً (الأمم المتحدة)

خاص الأمم المتحدة: التحرك السعودي الأخير لدعم التنمية في اليمن قوي وسريع

أكد المنسق المقيم للأمم المتحدة في اليمن أن التدخلات التنموية السعودية لا تقل أهمية عن تدخلاتها الإنسانية، وذلك من خلال البرنامج السعودي لتنمية إعمار اليمن.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي فعالية حوثية في محافظة إب استعداداً لتنظيم الأنشطة الدعوية والتعبوية في شهر رمضان (إعلام حوثي)

الحوثيون يستبقون رمضان بالتعبئة والتجنيد

تحت لافتة رمضان، يسارع الحوثيون إلى إنهاء العام الدراسي لفتح الطريق أمام المراكز الصيفية، وسط اتهامات لهم باستبدال تعبئة عقائدية تستهدف العقول مبكراً، بالتعليم.

وضاح الجليل (عدن)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.