بوتين يدشن ولايته الرابعة بتأكيد مواصلة سياساته الداخلية والخارجية›

جدد الثقة بميدفيديف... وسجالات حول وضع الحريات والأحوال المعيشية

بوتين يصل إلى قاعة «أندرييفسكي» قبل مراسم التنصيب في الكرملين أمس (أ.ف.ب)
بوتين يصل إلى قاعة «أندرييفسكي» قبل مراسم التنصيب في الكرملين أمس (أ.ف.ب)
TT

بوتين يدشن ولايته الرابعة بتأكيد مواصلة سياساته الداخلية والخارجية›

بوتين يصل إلى قاعة «أندرييفسكي» قبل مراسم التنصيب في الكرملين أمس (أ.ف.ب)
بوتين يصل إلى قاعة «أندرييفسكي» قبل مراسم التنصيب في الكرملين أمس (أ.ف.ب)

أدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اليمين الدستورية أمس، وتولى منصبه رسمياً، في ولاية رئاسية رابعة تبقيه في الكرملين حتى عام 2024.
وجرت مراسم التنصيب في قاعة «أندرييفسكي» الفاخرة في الكرملين، بحضور نحو 5 آلاف شخص. ورافقت كاميرات التلفزيون بوتين وهو يغادر مكتبه في القصر الرئاسي، ويسير وحيداً في ممرات الكرملين، متجهاً نحو القاعات المرصعة بالذهب التي احتشد فيها ضيوف المناسبة. وقد استغرقت المراسم نحو 50 دقيقة، واشتملت على أداء اليمين الدستورية، التي تعهد بوتين بموجبها باحترام القانون والحريات، والدفاع عن وحدة وسيادة البلاد، ثم انتقل إلى ساحة مجاورة للإشراف على عرض عسكري قدمته وحدة الحرس الرئاسي، بعد أن كانت المدفعية قد أطلقت 30 طلقة، وفقاً للتقاليد الروسية.
وتتضمن المراسم تسليم الرئيس المنتخب شعار الدولة وعلمها، ونسخة مذهبة من الدستور تكون في حوزته طوال فترة ولايته الرئاسية، ثم يقوم وزير الدفاع بتسليمه الحقيبة النووية، التي تحوي شفرات التحكم بالترسانة النووية، وترافق الرئيس في جولاته وتحركاته دائماً.
ووجه بوتين، بعد أداء اليمين، خطاباً إلى الأمة، أكد فيه «إدراك حجم المسؤولية الكبرى الملقاة على كاهلي»، وتعهد بالقيام بـ«كل ما يمكن لازدهار ومستقبل روسيا». وشكر الرئيس، الذي فاز في مارس (آذار) الماضي بأصوات نحو 77 في المائة من الروس، المواطنين على «دعمهم الصادق الذي أظهروه في الانتخابات الرئاسية».
وفي إشارة إلى سياسته الخارجية خلال المرحلة المقبلة، شدد بوتين على أنه «يتعين على روسيا اتخاذ قرارات تاريخية ستحدد مصير البلاد لعقود مقبلة»، وقال إن العالم يمر بمرحلة تغييرات كبرى، وإن على روسيا أن «تحافظ على ريادتها في المجالات التي حققتها، وأن تسعى للريادة في المجالات التي ما زالت تعمل على تحقيق اختراقات فيها»، وأكد أن «روسيا باتت قادرة على ضمان أمنها وقدراتها الدفاعية وسيادتها»، مشيراً إلى الانفتاح على الحوار، ورغبتها في أن تكون شريكاً مهماً في المجتمع الدولي، لكنه زاد أن هذا الحوار يجب أن يقوم على «أساس الندية والتكافؤ واحترام المصالح المتبادلة».
وداخلياً، تجنب بوتين الإشارة إلى المعارضة الروسية، لكنه قال إن المجتمع المدني الحر يجب أن يكون أساساً ثابتاً لتطور روسيا، وتعهد بمواصلة تطوير التعليم والصحة، وحماية الأمومة والطفولة، معتبراً أن هذه المهام «ستكون على رأس أولويات الدولة في السنوات المقبلة».
وختم الرئيس الروسي بتأكيد عزمه على أن «يعمل ما بوسعه لزيادة قدرة وازدهار ومجد روسيا، التي مرت خلال ألف عام بمراحل فتن واختبارات كبرى، لكنها كانت دائماً قادرة على تجاوزها والانتصار عليها».
ورغم أن الخطاب لم يخرج عن المعتاد في مثل هذه المناسبات، خصوصاً أن بوتين يلقيه للمرة الرابعة في حياته السياسية، فإن اللافت أن الرئيس تعمد تأكيد الثوابت الرئيسية التي تحدث عنها في أكثر من خطاب خلال السنة الأخيرة، ما عكس تأكيداً على أن ولايته الرئاسية الجديدة لن تحمل تغييرات على صعيد سياسته الخارجية أو الداخلية.
وقد عزز من هذا التوجه مسارعة بوتين إلى تجديد الثقة برئيس الوزراء ديمتري مدفيديف، الذي قدم استقالة حكومته بعد أداء القسم الدستوري، وفقاً للقوانين الروسية، حيث وجه بوتين رسالة إلى مجلس الدوما الروسي، يطلب فيها منح الثقة لمدفيديف مجدداً لتشكيل حكومة جديدة.
ويعد هذا التوجه واحداً من الملفات التي كان يحوم حولها جدل واسع خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً في ظل تراجع شعبية مدفيديف كثيراً بسبب تدني الأحوال المعيشية، وبروز قضايا فساد عدة حامت حوله وأعضاء في حكومته، بالإضافة إلى أن رئيس الوزراء يخوض مواجهة غير معلنة تسربت كثير من تفاصيلها إلى الصحافة في الشهور الماضية مع عدد من مراكز القوى المقربة من الكرملين. لذلك، كانت التوقعات تشير إلى احتمال عدم التجديد له، لكن أوساطاً روسية رأت في قرار بوتين «رغبة في المحافظة على ثبات الوضع الراهن، وعدم التسبب بهزات اقتصادية أو سياسية داخلية في هذه الظروف».
ولفتت أوساط إلى أن بوتين ربما يكون قد اختار مبدأ الاستقرار مؤقتاً على تفعيل الإصلاحات، ما يعني أنه قد يذهب خلال شهور إلى إجراء تعديلات حكومية تلبي متطلبات المرحلة المقبلة. وأعلن أمس أن مجلس الدوما سوف يجتمع اليوم (الثلاثاء) لقبول ترشيح مدفيديف، ما يعكس رغبة لدى بوتين في تسريع الإجراءات المتعلقة بإعلان تشكيلة الحكومة الجديدة.
وكان لافتاً أن مراسم التنصيب هذا العام جاءت على خلفية تصاعد الاحتجاجات في البلاد بسبب الفساد والأوضاع المعيشية المتدهورة. وكانت السلطات الأمنية قد قمعت بعنف مظاهرات جرت في 90 مدينة روسية قبل يومين على مراسم التنصيب. ولفتت أوساط معارضة إلى أن بوتين استبق مراسم التنصيب باجتماع عقده مع أركان الحكومة، ليلة الاثنين، أشاد فيه بـ«انفتاح الحكومة على الحوار مع الشعب». ورأت المعارضة في هذه العبارة، التي جاءت على خلفية مشاهد ضرب المتظاهرين، تشديداً من جانب الرئيس في مطلع ولايته الجديدة على التعامل بحزم مع «محاولات زعزعة الأوضاع، أو الإخلال بالأمن».
وعكست استطلاعات رأي حديثة انقساماً وتفاوتاً في درجات تعامل الروس مع أداء الرئيس خلال المرحلة الماضية، إذ رأى نحو نصف الروس أن أهم إنجازات بوتين منذ وصوله إلى السلطة عام 2000 تمثل في المحافظة على وحدة البلاد، ومنعها من التفكك والانهيار، بالإضافة إلى إعادة لقب «الدولة العظمى» لروسيا في مجال السياسات الخارجية.
ودل الاستطلاع الذي أجراه مركز «ليفادا» المستقل، ونشرته أمس صحيفة «آر بي كيه»، على تباين في أولويات الروس، إذ على الرغم من ارتياح أكثر من نصفهم لـ«إنجازات بوتين»، فإن غالبية كبرى، بلغت نحو 90 في المائة، شددت على حاجة البلاد إلى إجراء تغييرات وتحديثات شاملة.
وقال فاليري فيودوروف، المدير العام للمركز، إن هذه النتيجة تعكس الثقة ببوتين، وعدم الثقة بالنظام في المقابل، وإن «استطلاعات الرأي العام تظهر أن المواطنين يتوجهون إلى الرئيس بوتين بالذات، طالبين منه إجراء تغييرات عميقة في حياة مجتمعنا»، وتابع أن «الناخبين ينتظرون من الرئيس تغييرات لا ينبغي أن تفيد مجموعات ضيقة، بل طبقات واسعة من الروس».
ورجح نحو ثلثي الروس، في الاستطلاع ذاته، أن تشهد البلاد تحولات عميقة قريباً، قالوا إنها يجب أن تطال مختلف مجالات الحياة، ومعظم المناطق والقطاعات. وفي الوقت ذاته، انتقد نحو 45 في المائة ما وُصف بأنه «فشل بوتين في تلبية طموحات الروس في تحسين أوضاعهم المعيشية»، علماً بأن نسبة هؤلاء كانت في استطلاع أجراه المركز قبل عامين لا تزيد على 39 في المائة، ما عكس تزايداً في النقمة على الأوضاع الاقتصادية.
وهو أمر عكسه أيضاً سؤال عام حول الثقة بوفاء الرئيس بتعهداته، إذ أبدى 32 في المائة شكوكاً في هذا المجال، في مقابل 15 في المائة كان هذا موقفهم عند توجيه السؤال ذاته إليهم في 2015.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...