النقد العراقي بين زمنين... حكاية التحضر والبداوة

هل هو غائب عن الساحة الأدبية؟

النقد العراقي بين زمنين... حكاية التحضر والبداوة
TT

النقد العراقي بين زمنين... حكاية التحضر والبداوة

النقد العراقي بين زمنين... حكاية التحضر والبداوة

النقد هو لحظة متطورة عن الخلق الإبداعي الأول، هو لحظة العقل المتأني، وهو لحظة المراجعة والنظر، والفحص والقراءة، ومن ثم التأويل، أو الحكم، إنْ احتجنا إليه؛ لذلك، شكّل النقد والنقد الأدبي على وجه الدقة لحظة مهمة في خريطة النصوص الإبداعية، كما شكل جواز مرور لعددٍ كبيرٍ منها، فلولا التفاتات النقد العظيمة، لما استمرت رئات النصوص بالتنفس الدائم، وكأن النقد هو الماء الذي تعيش فيه سمكة الشعر أو الأدب.
إن الحديث عن النقد الأدبي هو حديث طويل، لكنني لست بصدد سردٍ تأريخي لحركة النقد، ونموه، وتطوره، أو تتبع حركته من الأجنة إلى الشباب، فالكهولة، بمعنى متابعة تحولاته الفطرية، إلى المعرفية، حيث المناهج، والرؤى التي كانت بوصلة الناقد الحديث. فهذا الأمر قد تكفلت به عشرات الدراسات والبحوث الأكاديمية، ويكفي كتاب سعيد الغانمي «مائة عام من الفكر النقدي في العراق» أنْ يكون إطلالة مهمة على خريطة النقد في العراق.
لكنني أحاول أن أتتبع حركة النقد الأدبي في العراق، بين زمنين متقاربين، أي ما قبل 2003 وما بعدها، والسبب هو كثرة الكلام الذي أسمعه من الشعراء والساردين، وهم يكثرون شكواهم من غياب النقد هذه الأيام، فهل فعلاً النقد الأدبي غائب عن الساحة الأدبية؟
نعرف جميعاً أن النصف الثاني من القرن العشرين، كان ميداناً خصباً للنقدية العربية، والعراقية على وجه التحديد، على الرغم من الصبغة الشعرية التي صُبغ العراق بها، إلا أن للنقد ميدانه الرحب الذي يدور فيه، فقد أسهمت البعثات الأكاديمية التي كانت ترسلها الدولة - آنذاك - في أنْ تخرج لنا جيلاً نقدياً مهماً في العراق، شكّل حلقة أساسية في تحول النقد من تتبع الأخطاء اللغوية وتصحيحها، إلى أن يتتبع الناقد الرؤى الآيديولوجية، والفكرية، والنفسية، لدى الشاعر، ومن ثم تحولوا إلى قراءة النص الأدبي نفسه قراءة فنية جمالية، وهذا الجيل يشكّل - كما قلت - عتبة التأسيس الفعلي لحركة نقدية مهمة، أسهمت بإنعاشها مجموعة من الظروف الموضوعية، منها البعثات إلى خارج العراق، ومنها حركة التجديد الشعري، التي فتحت عيون النقاد، لأن يواكبوا حركتها، ويجددوا من أدواتهم النقدية في مقاربة النصوص، ومنها كذلك حركة الترجمة المهمة التي ظهرت في تلك المرحلة، كل تلك العوامل وغيرها، أسهمت في أن يكون للنقد المكانة المهمة، وأن يكون للناقد الحقيقي السهم الأطول والأسرع في النظر إلى الأدب، وقائله، حتى إن عدداً كبيراً من النقاد يذكرنا بالملحنين الذين كانوا سبباً في صعود فنان ما على حساب آخر، هكذا كان يفعل النقاد ببعد نظرهم في الكتابة عن الشاعر الفلاني، أو الروائي الفلاني، وبالنتيجة ستشكل هذه الكتابة لافتة عريضة لسحب الجمهور إزاء ذاك الشاعر، أو ذلك الروائي.
فبرز في تلك الحركة نقاد مثل: علي جواد الطاهر، نازك الملائكة، عناد غزوان، جلال الخياط، عبد الإله أحمد، علي عباس علوان، محسن إطيمش، عبد الجبار عباس، عبد الجبار داود البصري وآخرين، ومن ثم ظهر جيل آخر من النقاد كانوا أكثر تطوراً من الجيل الذي سبقهم مثل: فاضل ثامر، ياسين النصير، حاتم الصكر، شجاع العاني، علي جعفر العلاق، طراد الكبيسي، محمد الجزائري، وآخرين، واستمر جيل النقاد بالتوالد حتى ظهر: عبد الله إبراهيم، بشرى موسى، محمد صابر عبيد، حسن ناظم، سعيد الغانمي، رغم انشغال الجيل الثالث بالتنظير وبالمصطلح، وبالمناهج الحديثة، أكثر من انشغاله بالنص، إلا إذا استثنينا البعض منهم، وهذه واحدة من الإشكاليات الكبرى، في أن يلتفت النقاد للنقد نفسه، وأنْ ينظروا في المرآة لوجوههم، أكثر من رؤيتهم للنص الشعري، أو الأدبي، بشكل عام، فظهرت دراسات «ميتا نقد» أو «نقد النقد» تهتم بالنظر للمناهج، والمصطلحات، والمفاهيم، وأصبح الاشتغال «النقدي النقدي» هو المهيمن لدى جيل كبير من النقاد؛ مما شكّل غياباً شبه كامل عن المشغل الإبداعي، وبدأ الأدباء يكتبون من دون أن ينظر لمنجزهم ناقد واحد، لأن النقاد منشغلون بالنقد نفسه.
وهنا بودي أنْ أذكر رأياً مهماً للناقد صلاح فضل في كتابه «مناهج النقد المعاصر»، يذكر فيه أن القرن الرابع الهجري والقرن العشرين الميلادي هما العصران الذهبيان للنقد الأدبي، بالنسبة للعرب، وحين نراجع هذا الرأي نجد أن هذين القرنين، هما الوحيدان اللذان انفتح فيهما العرب على الآخر؛ فالترجمة، والسفر، والحياة المختلفة، كانت أسباباً للنقد في أن يعيش في هذين القرنين أكثر من بقية الأزمنة والقرون.
كما أظن أن هناك عاملاً أكثر أهمية في انتعاش النقد، هو تفشي الحياة الحضرية، والمدنية؛ ذلك أن النقد ابن بار للفكر والمعرفة، وكلا الحقلين ينتعش في المدينة، وبما أن النقد ولدهما البار؛ فلهذا تتفتح ورود النقد في الحارات والأزقة والمقاهي والصحف والمجلات والقاعات والمدارس والكليات، وكل هذه المظاهر هي مظاهر المدينة، يُضاف لها العامل الأكثر أهمية، وهو الحياة المدنية، والسلوك المديني للناس؛ فالناس لم يكتفوا بمظاهر المدينة، إنما تشبعت نفوسهم بها، فأنتجوا سلوكاً مدينياً؛ لذلك كان النقد ركناً أساسيا من أركان العملية الإبداعية، وكان الشاعر، أو القاص، حين يطبع عملاً يبقى منتظراً، وغير معترفٍ به حتى يكتب عنه النقاد.
أقول هذا الكلام ونحن نعيش ما بعد الألفين، بتواصل إلكتروني أكثر، وأسرع، وبحياة عصرية أكثر بعشرات المرات في الظاهر من السابق، وبملابس، وبيوت، وسيارات حديثة، لكن النقد كما نراه غير مواكب للنصوص الإبداعية، فقد انزوى بعيداً، وبقي شبه محصور بالدرس الأكاديمي، ولولا المناهج المفروضة على الأكاديميين لنُسي النقد تماماً، وأظن أن السبب هو في فقدان الناس حياتهم المدنية، وسلوكهم المتحضر - في الأعم الأغلب - فقد تراجعت قطاعات واسعة من العراقيين إلى المربعات الأولى لطفولة الدولة، فصعدت القبلية بديلاً عن المؤسسات، واتخذ رجال الدين أماكن خسروها في الدولة القومية، لهذا فإن نسق الحياة نسقٌ بدوي عشائري، لا يقيم أدنى اهتمام للرأي النقدي، الذي يعني الحوار والتداول، وهنا نجد الأصوات العالية هي للعربات الفارغة، التي تسير في طرقات المدينة، في حين العربات الممتلئة لا يسمع لها صوت، بل إنها - للأسف - لا تسير في الأساس.
يظهر كل مدة عدد كبير من الشعراء والساردين وكتاب المسرح والدراما أو بقية الفنون الإبداعية، لكنهم ولدوا دون أن توضع ملعقة نقدية في أفواههم؛ مما يصنع إرباكاً في المشهد الإبداعي، الذي يسير بعكاز واحد دون أن يكون للنقد رأي واضح إزاء ما يكتب، أما الكتابات الجامعية التي لا يُعتد كثيراً بأهميتها، وجرأتها، فضلاً عن عددٍ ضئيلٍ جداً جداً من النقاد الذين يكتبون عن المشهد الثقافي، والأدبي، بشكل خاص، وهم قد أصبحوا أقلية نادرة.
إذن، نحن نحتاج إلى سياقات أخرى، لكي يأخذ النقد دوره، أولى هذه السياقات هو فضاء الحرية الذي يسمح للنقد في أنْ يُبدي رأيه أنَى شاء، ومتى شاء، وكيفما كان، وثاني هذه السياقات هو أنْ تنسحب القبلية والتوجهات الدينية إلى مناطقها التي كانت عليها، ويُترك لهذه المدينة قانونها الذي يشمل الجميع في التعامل، وكذلك أنْ يتحول الدرس الجامعي من درس تعليمي يخرّج معلمين موظفين، إلى درس عبارة عن ورش عمل، يخرج أناساً معرفيين، وهذه ليست صعبة على الجامعات، في أنْ تحول دروس الأدب والنقد إلى ورش إبداعية، من خلالها تستضيف بشكل عملي وتطبيقي الأدباء والكتاب، وتفتح باب الحوار معهم، ويكون هذا الحوار هو الدرس الذي يتلقاه الطلاب ويختبرون به، وهذا السياق معمول به في كبريات الجامعات الغربية، التي نستعين بمصادر كتابها ونقادها، لكننا نرفض أنْ تكون مناهجنا مشابهة لتلك المناهج، التي تخرّج باحثين بدلاً من «الريبوتات» التي نخرّجها كل سنة. وهنا أذكر بورخس العظيم وكتابه المهم «صنعة الشعر»، وهو عبارة عن محاضرات ألقاها في إحدى الجامعات البريطانية حيث كان أستاذاً زائراً وبوصفه مبدعاً كبيراً، فقد ألقى تلك المحاضرات دون هوامش وقيود علمية كما نفعل نحن، حيث نسير عليها في الأكاديمية، فتصنع منا أناساً محنطين؛ لذلك بقي كتاب بورخس صنعة الشعر أحد أهم وأجمل الكتب التي نعود إليها، في حين تذهب آلاف البحوث العلمية تحت أتربة المكتبات الجامعية دون أن ينظر لها أحد لأنها خالية من الروح.
الحديث عن النقد في العراق هو حديثٌ طويلٌ جداً ومتشعبٌ ومرتبطٌ بالفلسفة والفكر.

نازك الملائكة - علي جواد الطاهر - فاضل ثامر - حاتم الصقر



آي ويوي يبحث في مانشستر عن مهاجرين قفزوا إلى البحر

آي ويوي يبحث في مانشستر عن مهاجرين قفزوا إلى البحر
TT

آي ويوي يبحث في مانشستر عن مهاجرين قفزوا إلى البحر

آي ويوي يبحث في مانشستر عن مهاجرين قفزوا إلى البحر

في قاعة «وير هاوس» بمانشستر، شمال إنجلترا، يقيم الفنان الصيني آي ويوي معرضاً فريداً من نوعه، من جهة ضخامته وتنوعه، مواد وتقنيات وأساليب وموضوعات وحكايات. أما لماذا مانشستر؟ فلأنها المدينة التي شهدت ولادة الثورة الصناعية التي بدأت بصناعات النسيج، ولذلك سُميت بـ«مدينة القطن».

وما علاقة كل هذا بمعرض فني؟ كما هي حكاية كل عمل ينفذه الفنان الصيني الذي عُرف بميله إلى الضخامة والكثرة والتكرار، فقد بدأت الفكرة من قيامه بشراء أطنان من الأزرار من مصنع إنجليزي كان قد أعلن عن إفلاسه. ما الذي سيفعله بتلك الكمية من الأزرار؟ هل سينشرها على الأرض مثلما فعل ببذور عباد الشمس التي صنعها من الخزف ونثرها في الباحة الداخلية لمتحف «تيت مودرن» قبل سنوات؟ كانت الفكرة مغرية لولا أنه فكر في مفارقة تاريخية مصدرها رغبته في المقارنة بين واقعين: مانشستر في عصرها الصناعي الذهبي وواقعها الحالي بعد أن أغلقت مصانعها، والصين -وهي وطن الفنان- في ماضيها الكئيب وعصرها المزدهر؛ حيث تحولت إلى معمل العالم.

تلك توطئة، انتقل الفنان بعدها بذاكرته التاريخية -وهو مولع بالحكايات- إلى الحملة التي قامت بها القوى المهيمنة على اقتصاد العالم، من أجل إجبار الصين على فتح موانئها بعد أن أغلقتها عام 1900. ببساطة، قام بتصنيع أعلام بحجم المنازل مخيطة بالأزرار. تُمثل تلك الأعلام تحالف الدول الثماني التي غزت الصين. نسج الفنان سرديات التصنيع والاستعمار والعنف التاريخي في صورة معقدة للتاريخ الحديث.

لقد انطوى التاريخ على كثير من السخرية والعبث. كانت التكلفة باهظة. اندحرت إمبراطوريات حين مزق بعضها البعض الآخر فيما بعد. تبدو الأعلام ثقيلة، يشعر المشاهد بثقلها، ويكون لزاماً عليه أن يفكر في التاريخ وضغطه المستمر. وعلى الرغم من خلافه مع النظام الشيوعي الحاكم في الصين، فإن آي ويوي لا يُخفي فخره ببلاده التي خرجت منتصرة بطريقة ناعمة.

ويستغرق السفر بالقطار من لندن إلى مانشستر أكثر من ساعتين بقليل، ولكن عشرات السنين يمكن أن تمر إذا ما استعان المسافر بذاكرته واخترق الزمن عمودياً. لقد كان للكدح الإنساني وجهان، وجه مضيء وآخر مظلم. ومثلما كانت الصناعة التي بدأت في مانشستر نقطة تحول خطير في التاريخ البشري؛ حيث بدأ العصر الصناعي الذي أنهى تدريجياً تقاليد العمل اليدوي، فإنها أخفت تحت أقنعتها المتعددة أشباح الموت والعنف والاستغلال والجشع والمعاناة.

أول ما يراه المرء في معرض آي ويوي الذي يستمر حتى نهاية سبتمبر (أيلول) المقبل، ثريا زجاجية سوداء مصنوعة من هياكل عظمية، وجدار مغطى بصورٍ لأقوى القنابل التي اختُرعت واستُعملت في الحروب، من أجل أن تصنع الإمبراطوريات المتعاقبة مجدها الزائل. الاستعمار الذي وهبته المواصلات الحديثة قوة دفع بخاري.

«تاريخ القنابل» هو العمل الذي يُغطي الجدار القصير للقاعة المستطيلة بالكامل، وقد جُمع بواسطة متطوعين في مانشستر وحرفيين في الصين. من بعيد، يبدو العرض الأنيق للقنابل الفضية اللامعة على خلفية سوداء داكنة، وكأنه مأخوذ من «كتالوج تسوق» لبضائع تتميز بقسوة جمالها.

وإذا ما كان الفنان قد حرص على السماح لزوار معرضه بالاقتراب الشديد من المعروضات، فلأنه كان يرغب في أن يفاجئهم بأن ما يرونه ليس صوراً؛ بل هو تركيب مصنوعٌ من مكعبات اللعب التي يلهو بها الأطفال. 3.5 مليون مكعب، يبلغ طول كل منها نحو نصف سنتيمتر، بألوان الأبيض والأسود والرمادي والفضي. استدرج الفنان البراءة إلى الأرض الحرام، تلك المساحة الفاصلة بين الجيوش والتي لا يعود منها أحد.

لا يتعلق قصد الفنان بالبشاعة كما ذهب بعض النقاد. استعمال ألعاب الأطفال لبناء عرضٍ للأسلحة كان القصد منه -من وجهة نظري- شد الانتباه إلى تلك المعادلة التي انطوت على إسعاد الأطفال وقتلهم في الوقت نفسه.

لا ينطوي فن آي ويوي على أي رغبة في التحذير. كل الحكايات التي يرويها تاريخية. لقد حدث كل شيء ولا يمكننا أن نغير شيئاً.

وآي ويوي (1957 بكين) هو الأشد شهرة بين الفنانين المعاصرين في العالم، وهو -كما أتوقع- الأكثر ثراء. وإذا ما كان الفنان الذي استدعى اعتقاله في بلاده عام 2011 بتهمة التهرب الضريبي تضامناً عالمياً غير مسبوق، فإن أسلوبه المكرر في تكبير الأشياء يحظى بمباركة المؤسسات المالية الداعمة، على الرغم من أن هناك أصواتاً نقدية قللت من قيمة ذلك الأسلوب الذي اعتبرته محاولة للمزايدة السطحية على موضوعات إنسانية حرجة، وفي مقدمتها الهجرة غير الشرعية.

يظهر على الجدار الخلفي للمعرض قارب مطاطي عملاق، طوله مائة متر، مليء بشخصياتٍ ترتدي سترات نجاة. هل تظن أنه بإمكانك تجاهل أزمة المهاجرين؟ لا يمكنك فعل ذلك هنا؛ لأن آي قد حوَّل المآسي اليومية العادية إلى نصب تذكاري. أمضى سنوات في إجراء مقابلات مع مئات اللاجئين، والتقى بأناس يتوقون إلى الأمان وحياة جديدة، وأنتج كمّاً هائلاً من الأعمال حول هذا الموضوع. هذا العمل هو تتويجٌ لذلك المشروع.

هل هو عمل فني جميل؟ ليس تماماً، غير أنه يُوصل رسالة، أنا غير متأكد من أنها ستؤثر في القرار السياسي لدول اللجوء. ولكن المشكلة الأكثر تعقيداً تكمن في أنه لا جديد في الفكرة. سبق للفنان أن اشترى آلاف الأحذية من محال الألبسة المستعملة، وصنع منها عملاً فنياً يؤرخ للَّحظة التي تسبق الذهاب إلى القوارب المطاطية ومن ثم إلى البحر. كما أن قوارب المهاجرين المطاطية قد تم استعمالها من قِبل عشرات الفنانين المعاصرين.

يحق لآي ويوي ما لا يحق لسواه. ذلك منطق غير سوي.

ولكن آي ويوي وهو المولع بالتاريخ الصيني لا يزال يدهشنا حين يكتفي بصينيته. فالعمل الأكثر إبهاراً من الناحية البصرية في المعرض هو قاعة عائلة وانغ، وهو معبد حقيقي وُجد على وشك الانهيار في ريف جيانغشي، وأُعيد تجميعه هنا قطعة قطعة. إنه نافذة شاهقة على الماضي، على قيم ضائعة، على زمن ما قبل التصنيع والرأسمالية الجامحة، حين كانت الصين ضعيفة وعرضة للهجوم. تحت أعمدة المعبد توجد صناديق تحوي صفحات من التاريخ الصيني، روايات خفية يصعب الوصول إليها.

في وسط المعبد تستقر ثلاثة بيوت دُمى على طبقة من نشارة الخشب البُنِّية. جميعها مصنوعة من شاي «بو إر»، أوراق داكنة مضغوطة تزداد قيمتها مع مرور الوقت وتخميرها. إنها رموز للثقافة الصينية، للتكاتف والتضامن والقيم الطاوية، ولكنها أيضاً رمز للثروة وتراكمها.

«شرب فنجان من الشاي» مصطلح بوليسي شيوعي، هو عبارة عن تسمية مجازية لعملية اقتياد الناس للاستجواب من قبل الشرطة الصينية. إنه أفضل عمل هنا بلا منازع، مليء بدلالات متضاربة وجذابة من الماضي والحاضر، مُجمَّعة في شيء جميل، عطري ورمزي بقوة. مادة بسيطة تحولت إلى شيء قوي بتأثيره، وعاصف في استعادته للتاريخ، لما ينطوي عليه من توظيف للكنوز التراثية في فضح عملية القمع السياسي.

ويلجأ آي ويوي في هذا المعرض -لأول مرة- إلى استعارة أعمال فنية عالمية ذات جمالية عالية، ليوظفها في خدمة أفكاره التي تتوزع بين السخرية والتوضيح المبسط، كما لو أنه يريد أن يؤكد المقولة التي تفيد بأن التاريخ يمكن أن يتكرر؛ لكن بصيغة كوميدية أو عبثية أو فارغة من المحتوى.

يأخذ الفنان لوحة الفرنسي جاك لويس ديفيد الشهيرة التي تصور نابليون ممتطياً حصانه، ويستبدل بالحصان حماراً وحشياً، ويعلقها رأساً على عقب، من أجل بناء علاقة رمزية سلبية.

في عمل آخر، يضع قوارب المهاجرين على موجة الرسام الياباني هوكوساي التي تعود إلى عام 1832. في العملين اللذين لم يحظيا بإعجاب النقاد، يبدو آي ويوي مخلصاً لفكرته. كل ما يحدث اليوم يمكن فهمه بالعودة إلى الماضي.

يُسلِّط الفنان والناشط العالمي الشهير آي ويوي الضوء على تاريخ العالم خلال المائتي عام الماضية، من خلال هذا المعرض الجديد الضخم، كما أنه يستفيد من كون المدينة التي تحتضن معرضه كانت قلب الثورة الصناعية، لينقب في تفاصيل العلاقة الشائكة والملتبسة بين بريطانيا والصين. ذلك ما لا يمكن توقعه من فنان. ليست وظيفة الفنان أن يكون مؤرخاً أو ناقداً أو محللاً سياسياً، ولكن تلك الاعتراضات المحقة لن يكون في إمكانها أن تهدم أسطورة الفنان القائمة على الإبهار. فمن خلال لجوئه إلى استعمال تقنيات ومواد مختلفة (الخزف، والتركيب، والقطن، والخشب، والزجاج، والبرونز، والصور القديمة، وحتى الأزرار ومكعبات اللعب) عاد بنا إلى بداهة منسية. كل مادة تحمل قصة من قصص الإبداع والاستهلاك البشري. ترسم هذه المواد مجتمعة صورة للعولمة التي نعيشها في عالمنا الرقمي.

آي ويوي من أشهر الفنانين المعاصرين في العالم وهو على الأرجح الأكثر ثراء


هناء متولي تنتصر للأنوثة وتحاكم كاتباً مشهوراً

هناء متولي تنتصر للأنوثة وتحاكم كاتباً مشهوراً
TT

هناء متولي تنتصر للأنوثة وتحاكم كاتباً مشهوراً

هناء متولي تنتصر للأنوثة وتحاكم كاتباً مشهوراً

تهيمن الأجواء الكابوسية على المجموعة القصصية «ثلاث نساء في غرفة ضيقة»، للروائية والقاصة المصرية هناء متولي، فدائماً هناك حضور للأحلام والكوابيس والرؤى، لكن الكابوسية لا تقف عند ذلك فحسب، بل تبدو كأسوار تؤطر عوالم البطلات، وشعورهن بالتيه والضياع والتمزق، الذي يصل ببعضهن أحياناً للانتحار، ما يحيل العالم برمته إلى كابوس مفزع لامرأة وحيدة منبتة التواصل مع من حولها. يبرز ذلك بدءاً من القصة الأولى في المجموعة «سبب مفاجئ للنوم الطويل»، التي تجد فيها البطلة وحيدة وسط ميدان التحرير بالقاهرة، وقد اختفى كل البشر، ولا تجد أحداً تتواصل معه، فهذا الشعور الكابوسي بالتيه يأخذ أشكالاً مختلفة على مدار بقية قصص المجموعة، ومنها قصة «رسائل الموتى» الحافلة أيضاً بالكابوسية، سواء في طابعها الحلمي، أو عموميتها الوجودية.

المجموعة الصادرة عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، معنية بالتجريب الفني، واللعب مع اللغة والعالم، وتتجلى ذروة هذا اللعب والتجريب في القصة التي تحمل المجموعة عنوانها، إذ إنها تجعل من الكاتب المصري الراحل محمد البساطي شخصية سردية وبطلاً داخل القصة، وصراعه مع ثلاث نساء «فردوس، وسعدية، وليلى»، وهن بطلات أعماله الروائية: «فردوس» و«بيوت وراء الأشجار» و«ليال أخرى»، فالبطلات صرن شخصيات حقيقية، واصطدن الكاتب إلى غرفة فندق، ويحاكمنه على ما رسمه لهن من حيوات ومصائر في رواياته، ويأمرنه بتغيير نهاياتها، وتحويل مصائرهن من فلاحات منحرفات إلى مصائر أخرى. سعدية تريد أن تصبح فنانة مشهورة، وليلى ترغب في أن تسافر خارج البلاد، وفردوس تتمنى أن تصبح ثرية ومشهورة، تكفيراً عن ذنبه فيما صنعه لهن من مصائر، ويحاول هو الإفلات من ذلك، بحبسهن في رواية جديدة عنوانها «ثلاث نساء في غرفة ضيقة».

الكاتبة، في هذه القصة، كما في المجموعة كلها، تنطلق من دافع نسوي واضح، إذ تحاول تفخيخ السردية الذكورية عن النساء، عبر انتقاء ثلاث شخصيات نسائية، مخلوقات من خيال رجل، وتمنح كل منهن صوتاً لتحاكم ذلك الخيال وصاحبه، ومحاولة تغيير مصائرهن المشيدة من جانبه، وأن تملك كل منهن مصيرها وتصنعه بنفسها، رغماً عن الكاتب، الذي أصبح هو الآخر - بدوره - شخصية ورقية حبيسة داخل قصة الكاتبة المرأة، وقد انتزعت منه سلطة الحكي، وأزاحته إلى موقع المحكي عنه، المصوغ من قبل مؤلفة العمل، وهو نفس الموقع الثقافي الذي عانت منه النساء الثلاثة.

تتكئ القصص كثيراً، بشكل مباشر أو غير مباشر، على تقنيات المسرح، مستعيرة منه كثيراً من مفرداته وآلياته، وذلك في أكثر من قصة، وربما كان أكثرها وضوحاً في قصة «دموع الكراميل»، التي يحضر فيها البناء المسرحي منذ بدايتها وبشكل معلن، تقول مخاطبة القراء الضمنيين: «قبل أن تقرأوا تخيَّلوا أنَّكم أمام خشبة المسرح، الأحداث تدور هنا والآن وليس هناك وآنذاك»، ثم تبدأ بتقديم شخصيات النص، وعقب ذلك تقسم القصة بنائياً إلى خمسة مشاهد، تبدأ بمشهد امرأة تتلقى العزاء في وفاة زوجها، ثم تعود المشاهد الأربعة عبر تقنية الاسترجاع إلى تفاصيل موته على يد زوجته، عقاباً له على استهزائه الدائم بها، وخصوصاً سخريته منها أمام أصدقائه من أنها فشلت في الإنجاب. وكان واضحاً في هذه القصة جعل الشخوص كلهم بلا أسماء، بل مجرد صفات ووظائف، وكذا تعمية المكان والزمان، بل مجرد ديكور منزل على النمط الأوروبي، وهذه دوال على أن بنية الحكاية ذات طبيعة تكرارية، عابرة للثقافات والبلاد والأزمنة، وما تعنيه المرأة بشكل عام من صلف ذكوري، قد يدفعها لانتقام عنيف لم تفكر فيه يوماً. كما يتكرر هذا اللجوء إلى التقنيات المسرحية في قصة «الخامسة مساء»، ويكون الفضاء المسرحي/ السردي أيضاً منزل الزوجية.

تعتمد كثير من قصص المجموعة على تقنية الرسائل، خاصة بين الأحياء والموتى، ففي قصة «رسائل الموتى» تنتظر أم رسائل من طفلها الذي مات، وتظل تسأل عن رسائل أرسلها لها، حتى تأتيها إشاراته، وفي قصة أخرى ترسل امرأة رسائل لشقيقتها المتوفاة عن متاعبها مع الحمل والولادة، واكتئاب ما بعد الولادة، حتى وصل بها الحال إلى قتل طفلتها الرضيعة بعد أربعين يوماً من ولادتها، حتى لا تقدم للعالم امرأة أخرى تعاني ما عانته هي مع الحياة. وفي قصة «فتار الباي بولار» تكتب البطلة الميتة رسائل عن معاناتها مع مرض «الاضطراب الوجداني ثنائي القطب» أثناء حياتها، وما دفعها للموت، دون تحديد مرسل إليه بعينه، فليس مهماً من المقصود بالرسالة، وربما يكون العالم كله، فالأهم هو مضمونها المراد الإبلاغ عنه والتعريف به.

تدور كل قصص المجموعة، تقريباً، حول نساء وحيدات، يعانين الخذلان من الحبيب أو الزوج، حتى لو كان إنساناً آلياً مبرمجاً بالذكاء الاصطناعي، كما فعلت بطلات إحدى القصص لتتفادى خيانة الرجل، لكن هذا الذكر الآلي خانها أيضاً مع جارتها. وتظل الأنثى تعاني، حتى لو تحولت في حيوات أخرى إلى ضفدع أو عصفور، كما في قصة «أرواح قلقة لفتاة شفافة»، حيث تسعى البطلة مع كل حياة افتراضية جديدة إلى أن تتحول إلى كائن مختلف، لكنها في الآخر تظل أنثى، لذا تظل فريسة للقهر. ولا فارق أيضاً إذا كانت مثقفة أو كاتبة، فهو نفس ما عانته بطلة قصة «أقراص المنوم الخمسة» التي راحت ضحية رهان مع كاتب رجل. الثيمة الأخرى المهيمنة على المجموعة هي الأمومة المجهضة بطرائق شتى، سواء عبر عدم قدرة بعض البطلات طبياً على الحمل والإنجاب، أو إجهاضهن أثناء الحمل، أو في مرات أخرى عبر قتل الطفل عقب ولادته، لأنه يعاني أمراضاً غير قابلة للعلاج، فضلاً عن حضور الموت بشكل كثيف، فبطلات المجموعة غالباً في حالة موت مادي، أو رمزي، مما يجعل الموت مصيراً نهائياً تواجهنه المجموعة، بعد فشل كل محاولاتهن لمجابهة العالم ومقاومة قسوته.

يعانين الخذلان من الحبيب أو الزوج، حتى لو كان إنساناً آلياً مبرمجاً بالذكاء الاصطناعي


إنصاف ما أهمله التاريخ المصري

إنصاف ما أهمله التاريخ المصري
TT

إنصاف ما أهمله التاريخ المصري

إنصاف ما أهمله التاريخ المصري

صدر حديثاً، عن «الدار المصرية اللبنانية» في القاهرة، كتاب «بكوات وباشوات» للباحثة والصحافية المصرية سهير عبد الحميد، ويسعى الكتاب إلى إنصاف شخصيات كثيرة حملت لقبي «باشا» أو «بك»، عاشت في الحقبة الملكية في أثناء حكم أبناء أسرة محمد علي باشا، هذه الحقبة التي جرى وصمها عقب ثورة 23 يوليو (تموز) 1952، إذ تؤكد المؤلفة في المقدمة أن الثورة «ألقت على أكثر من مائة وثلاثين عاماً -هي عمر تلك الأسرة- وصمة عار، تمثلت في لقب العهد البائد»، وأن وصمة العار هذه امتدت إلى «كل الطبقة الأرستقراطية التي حمل أصحابها ألقاب البكوات والباشوات، لتصبح ألقاباً سيئة السمعة»، خصوصاً مع الصورة التي كرّستها السينما عن أثرياء تلك العصور.

يقع الكتاب في نحو أربعمائة صفحة، محاولاً توثيق حياة «شخوص أهملها التاريخ عرضاً أو عمداً، جهلاً أو كسلاً»، ويتناول منجزات إحدى وعشرين شخصية ممن حملوا تلك الألقاب، مخصصاً لكل شخصية فصلاً يتناول حياته ومنجزاته العلمية أو الاقتصادية أو الثقافية، مصحوبة بصور له، أو لما تركه من آثار، وأولى تلك الشخصيات «محمود باشا الفلكي» (1815-1885) الذي أعاد بعث علم الفلك في مصر، وأول من اكتشف آثار الإسكندرية، وحدد تاريخ بناء الهرم الأكبر، كما أصبحت خريطته للقطر المصري مرجعاً مهماً للجغرافيين.

ويتوقف الكتاب كذلك عند سيرة «أحمد باشا كمال» (1851-1923) شيخ الآثاريين الذي أنهى احتكار الأجانب لعلم المصريات، وصاحب أول كتاب بالعربية عن تاريخ مصر القديم، والذي وضع قاموساً في اللغة المصرية القديمة، وأورد ما يقابل حروفها في الفرنسية والعربية. و«محمد بك عثمان جلال» (1828-1889) الذي سبق أحمد شوقي في أدب الأطفال، وسبق يعقوب صنوع في مسرح العامية. واللواء «إبراهيم باشا رفعت» (1857-1935) صاحب أول موسوعة مصوّرة عن الحج. و«نجيب باشا محفوظ» (1882-1972) مؤسس طب النساء والتوليد في مصر. و«صالح مجدي بك» (1826-1881) رئيس قلم الترجمة، الذي أسهم في تعريب كتب العلوم، واشترك مع علي باشا مبارك في ترجمة القوانين الفرنسية.

وسهير عبد الحميد، هي مديرة تحرير جريدة «الأهرام» المصرية. بدأت مشوارها البحثي في التاريخ بمنهج تمثّل في الكشف عن الجوانب المنسية في التاريخ المصري، واعتمدت في التوثيق التاريخي ثنائية الكتابة عن تاريخ الحجر والبشر، وصدر لها في هذا الإطار 7 مؤلفات سابقة، هي: «قصور مصر» عام 2020، و«إسكندرية من تاني» عام 2021، و«على عتبة المقام» في 2022، و«سيدة القصر: اغتيال قوت القلوب الدمرداشية» عام 2022، و«سلسال الباشا: الأسرار المخفية لأمراء وأميرات الأسرة العلوية» عام 2023، و«ناحوم أفندي: أسرار الحاخام الأخير ليهود مصر» عام 2024، و«يهود الظاهر» عام 2025.