الأصدقاء المقربون يتشاركون كل شيء ...حتى الموجات الدماغية

{جذور} الصداقة تعمق التشابه في الاستجابات الفكرية

الأصدقاء المقربون يتشاركون كل شيء ...حتى الموجات الدماغية
TT

الأصدقاء المقربون يتشاركون كل شيء ...حتى الموجات الدماغية

الأصدقاء المقربون يتشاركون كل شيء ...حتى الموجات الدماغية

«القلوب سواقٍ» يقول المثل عندما تتوارد وتخطر نفس الأفكار لدى شخصين بعيدين، أي أنها تتلاقى مثل النهيرات الصغيرة... ماذا إذن عن العقول؟ تقول دراسة جديدة بأن عقول الأصدقاء المقربين تتلاقى في أفكارها و«شجونها» أيضا!
لطالما عرف الباحثون أنّ الإنسان يختار صديقا يشبهه في جوانب مختلفة كالعمر، والعرق، والدين، والوضع الاجتماعي - الاقتصادي، والمستوى التعليمي، والميول السياسية، ونسبة الجمال الخارجي، وحتى قوّة قبضة اليد.
وفي المقابل، يبرز ميل الإنسان إلى تكوين العلاقات مع الإنسان الآخر الأقلّ شبهاً له في مجموعات الصيد وزرع الثمار والمجتمعات الرأسمالية على حدّ سواء.

جذور الصداقة

ولكنّ دراسة جديدة رجحت أنّ جذور تكوين الصداقات أعمق مما كان يتوقّعه الباحثون. فقد وجد العلماء أن عقول الأصدقاء المقربين تجاوبت بتماثل شديد أثناء مشاهدتهم لسلسلة من مقاطع الفيديو القصيرة وذلك في جوانب: التركيز، ونشاط نظام المكافأة، وإنذارات الملل التي كانت متطابقة.
وقد ثبت أنّ الاستجابات التي ولّدتها مقاطع الفيديو التي تناولت مواضيع متنوعة كمخاطر كرة القدم في الجامعة، وسلوك المياه في الفضاء الخارجي، وحركات الممثل ليام نيسون في أحد مشاهده المضحكة، كانت شديدة التطابق بين الأصدقاء، مقارنة بالاستجابات التي صدرت عن أشخاص لا تربط بينهم علاقة صداقة.
وبمعنى آخر، بات الباحثون قادرين على توقّع قوّة العلاقة الاجتماعية التي تربط شخصين بالاعتماد على المسح المغناطيسي للدماغ. وعبّرت كارولاين باركينسون، المتخصصة بالعلوم الإدراكية في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجليس عن صدمتها بمستوى التشابه الشديد والاستثنائي بين الأصدقاء، مضيفة أنّ النتائج كانت «دامغة أكثر مما كنت أعتقد». ونشرت باركينسون وزميلاها تاليا ويتلي وآدم كلينبوم من جامعة دارتموث نتائج دراستهما في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز».
وقال نيكولاس كريستاكيس، صاحب كتاب «متصل: قوة الشبكات الاجتماعية وكيف ترسم عالمنا؟»، وهو عالم أحياء من جامعة يال في حديث نقلته وسائل الإعلام الأميركية: «أعتقد أنّ هذا البحث مهمّ جداً، لأنّه يبيّن أن الأصدقاء لا يتشابهون بالأمور السطحية فحسب، بل أيضاً في تركيبة أدمغتهم».

«كيمياء قوية»

تقدّم نتائج هذه الدراسة إثباتاً واضحاً على صحّة المعنى الكبير الذي نملكه عن الصداقة، عن أنّها أكثر من مجرّد اهتمامات مشتركة أو نشاط على وسائل التواصل الاجتماعي... بل هي ما ندعوه «الكيمياء القويّة».
وقالت باركينسون: «ترجح نتائجنا أنّ الأصدقاء قد يتشابهون في طريقة اهتمامهم ومعاملة الناس من حولهم. هذا الأسلوب المشترك في التعامل مع المحيط يساعد الناس على بناء الصداقات بسهولة أكبر، وفي الحصول على التفاعل الاجتماعي السلس الذي يمنح شعوراً كبيراً بالمكافأة».
تعليقاً على التقرير الجديد، قال كيفن أوشنر، متخصص في علم الأعصاب الإدراكي من جامعة كولومبيا، والذي يدرس الشبكات الاجتماعية: «إنّه بحث جيّد، ومثير، ويفضي إلى أسئلة أوسع من الإجابات التي يوفّرها».
ولإثبات أنّ الكيمياء تفوق الخصائص والصفات قوّة، روى أوشنر المثال التالي من حياته الخاصة: «كنت وزوجتي المستقبلية نعمل في مجال علم الأعصاب، وكان كلانا مسجّلا في مواقع للتعارف، ولكننا لم نلتق أبداً. بعدها، اجتمعنا كزملاء، وعرفنا خلال دقيقتين، أننا نمتلك نوع الكيمياء التي يؤدي إلى بناء علاقة».
تضع باركينسون (31 عاماً) التي تشبه الممثلة سالي فيلد في شبابها، نظارة مصنوعة من مادة صلبة، وتصف نفسها بالشخصية الانطوائية، ولكنها تعتبر أنّها «كانت محظوظة بأصدقائها».
تأتي الدراسة الجديدة في إطار موجة اهتمام علمي بطبيعة، وتركيبة، وتطوّر الصداقة. وخلف هذه الحماسة، نجد طبعاً أدلّة كثيرة على أنّ غياب الصداقات يسمم حياة الإنسان، ويفرض عليه أعباء جسدية وعاطفية كبيرة شبيهة بتلك الناتجة عن حالات أخرى شائعة كالسمنة وارتفاع ضغط الدم والبطالة وعدم ممارسة الرياضة والتدخين.
يسعى العلماء إلى تحديد السبب الذي يجعل من الصداقة «مفيدة»، والوحدة «مضرّة». ويمكن القول إنّ الأدلّة التي جمعوها حتى اليوم في هذا الموضوع مثيرة للاهتمام، حتى ولو لم تكن مؤكدة.

بحث علمي

أثبت كريستاكيس وزملاؤه أخيراً أن الأشخاص الذين ينعمون بعلاقات اجتماعية قوية لديهم تركيزات أقلّ من غيرهم من الـ«الفيبرينوجين» fibrinogen، وهو بروتين مرتبط بالالتهابات المزمنة التي يُعتقد بأنّها مصدر الكثير من الأمراض. إلّا أنّ السبب الذي يجعل من الاختلاط الاجتماعي عاملاً مساهماً في منع الأمراض لا يزال غير واضح حتى اليوم.
أثبتت باركينسون وزملاؤها في وقت سابق أن الناس يعون تلقائياً كيف ينسجم جميع الأشخاص الموجودين في دائرتهم الاجتماعية مع بعضهم البعض. ورغب الباحثون بمعرفة سبب ارتباط أطراف شبكة اجتماعية معينة بصداقة حميمة، في حين أنّ آخرين بالكاد يعرفون بعضهم البعض.
استوحى الباحثون عملهم من دراسة أوري هاسون من جامعة برنستون، وقرروا استكشاف تفاعل الناس العصبي مع المحفزات الطبيعية اليومية، والتي أتت على شكل مقاطع فيديو في هذا الاختبار.
بدأ الباحثون اختبارهم بشبكة اجتماعية محددة: صف كامل يتألف من 279 خريجا من جامعة لم يذكر اسمها، عرفها عالمو الأعصاب فيما بينهم على أنّها كليّة الأعمال في جامعة دارتموث.
طُلب من الخريجين الذين يعرفون بعضهم البعض، ويعيش الكثير منهم سوياً في السكن الجامعي أن يملأوا استمارة يحددون فيها مع مَن من زملائهم يتشاركون وجبات الطعام، ويذهبون إلى السينما ومن منهم يدعونه إلى المنزل؟ وبناء على الإجابات، رسم الباحثون شبكة اجتماعية تتضمن درجات مختلفة من الارتباط: أصدقاء، أصدقاء الأصدقاء، وأصدقاء من الدرجة الثالثة، وأصدقاء كيفن بيكون.
بعدها، طُلب من الخريجين أن يشاركوا في دراسة تتضمن تصويرا بالرنين المغناطيسي للدماغ، فوافق 42 شخصاً منهم. وبالتزامن مع تعقّب جهاز تصوير الرنين المغنطيسي لتدفق الدم في أدمغتهم، شاهد الطلاب المشاركون سلسلة من مقاطع فيديو مختلفة.
خلال تحليل صور الرنين المغناطيسي الخاصة بالطلاب، وجدت باركينسون وزملاؤها انسجاماً قوياً بين أنماط تدفّق الدم (مقياس النشاط العصبي)، ودرجة الصداقة بين مختلف المشاركين، حتى بعد السيطرة على العناصر الأخرى التي قد تشرح أوجه الشبه بين الاستجابات العصبية كالإثنية والدين ودخل العائلة.
كما حدّد الباحثون مناطق معيّنة توضح أنماط الانسجام بين الأصدقاء: منطقة «النواة المتكئة» nucleus accumbens في الدماغ الأمامي الجبهي، اللاعب الأساسي في نظام المكافأة، ومنطقة «المغقف» superior parietal lobule الموجودة في أعلى وخلفية الدماغ، التي يقرّر فيها الدماغ كيف يخصص الاهتمام بالمحيط الخارجي.
باستخدام هذه النتائج، استطاع الباحثون أن يدرّبوا خوارزمية (برنامج كومبيوتري ذات منهج) للتنبّؤ المسافة الاجتماعية بين شخصين بناء على التشابه النسبي بين أشكال استجاباتهم العصبية.
وأكّدت باركينسون أن هذه الدراسة كانت «المدخل الأوّل، وإثباتا للمفهوم» وأنّها وزملاءها لا يزالون يجهلون ما قد تعنيه أشكال الاستجابة العصبية: ما هي المواقف، والآراء، والاندفاعات، والتعقيدات الدماغية التي قد تكشفها صور الرنين المغناطيسي.
ويعتزم الباحثون في خطوتهم التالية تجربة الوضع المعكوس: أي إخضاع الطلاب الجدد الذين لا يعرفون بعضهم البعض لتصوير الرنين المغناطيسي، لتبيان من منهم تتشابه أشكال استجاباتهم العصبية وقد ينتهي بهم الأمر أصدقاء مقربين.



أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟
TT

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

أمراض الشيخوخة المبكرة: كيف تتحكم الجينات في تغيّر الحمض النووي؟

لطالما حيّر هذا السؤال العلماءَ والأطباء: لماذا يُصاب بعض الأشخاص بأمراض مرتبطة بالتقدم في السن في وقت أبكر من غيرهم حتى عندما تبدو أنماط حياتهم متشابهة؟

اختلال الحمض النووي والشيخوخة

• دراسة جينية واسعة. تشير دراسة جينية واسعة النطاق إلى أن جزءاً مهماً من الإجابة قد يكون مخبوءاً في أعماق حمضنا النووي نفسه. فحسب نتائج الدراسة تلعب الجينات دوراً محورياً في تحديد سرعة عدم استقرار بعض أجزاء الحمض النووي مع التقدم في العمر، وهي عملية صامتة قد ترفع خطر الإصابة بأمراض خطيرة على المدى الطويل.

الدراسة التي قادها باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس ومعهد برود وكلية الطب بجامعة هارفارد في الولايات المتحدة ونُشرت في مجلة Nature بتاريخ 7 يناير (كانون الثاني) 2026 حلّلت بيانات وراثية لأكثر من 900 ألف شخص، ما يجعلها واحدة من أوسع الدراسات التي أُجريت حتى اليوم لفهم التغيرات الجينية المرتبطة بالشيخوخة. وكشف الباحثون أن بعض الاختلافات الجينية قد تُسرّع أو تُبطئ تمدد تسلسلات وراثية متكررة في الحمض النووي بما يصل إلى أربعة أضعاف وهو تفاوت كبير يكفي للتأثير في خطر الإصابة بالأمراض على امتداد حياة الإنسان.

• ما هي تكرارات الحمض النووي، وما أهميتها؟ يتكوّن جزء كبير من الجينوم البشري من تسلسلات قصيرة من الحمض النووي تتكرر مرات عديدة تُعرف باسم تكرارات الحمض النووي DNA repeats وتبقى هذه التكرارات مستقرة نسبياً لدى معظم الناس لكن في بعض الحالات تبدأ بالازدياد طولاً مع مرور الوقت، وهي عملية تُسمى تمدّد التكرارات repeat expansion، وعندما يتجاوز هذا التمدد حداً معيناً فإنه قد يعطّل الوظائف الطبيعية للخلايا ويؤدي إلى ظهور أمراض خطيرة.

اضطرابات وراثية

وقد تعرف العلماء اليوم على أكثر من 60 اضطراباً وراثياً ناتجاً عن تمدد تكرارات الحمض النووي من بينها أمراض مدمّرة مثل داء هنتنغتون Huntington’s disease (هو مرض تنكسي عصبي مميت وعادة ما يكون وراثياً). والحثل العضلي التوتري myotonic dystrophy (مجموعة من الاضطرابات الوراثية التي تسبب فقدان العضلات وضعفها التدريجي) وبعض أشكال التصلّب الجانبي الضموري amyotrophic lateral sclerosis (ALS).

ورغم معرفة العلماء منذ سنوات بأن تكرارات الحمض النووي قد تزداد طولاً مع الزمن فإن مدى انتشار هذه الظاهرة في الجينوم البشري والعوامل الجينية التي تتحكم بها لم يكن مفهوماً بالكامل حتى الآن. وتوضح الدكتورة مارغو هوجويل، الباحثة الرئيسية في الدراسة من قسم علم الوراثة في كلية الطب بمستشفى بريغهام والنساء وكلية الطب بجامعة هارفارد الأميركية، أن النتائج تُظهر أن تمدد التكرارات ليس حدثاً نادراً يقتصر على عدد محدود من الأمراض بل هو سمة شائعة ترافق التقدم في العمر لدى البشر.

• أدوات تحليلية لبيانات ضخمة. وقد اعتمد الباحثون في دراستهم على بيانات التسلسل الكامل للجينوم من مصدرين ضخمين نحو 490 ألف مشارك من بنك المملكة المتحدة الحيوي UK Biobank وأكثر من 414 ألف مشارك من برنامج All of Us البحثي في الولايات المتحدة. وقد أتاح هذا الحجم الهائل من البيانات فرصة فريدة لرصد كيفية تغيّر الحمض النووي مع العمر لدى مجموعات بشرية واسعة ومتنوعة.

وطوّر الفريق أدوات حسابية جديدة قادرة على قياس أطوال تكرارات الحمض النووي باستخدام بيانات التسلسل الجيني القياسية. وتم تحليل أكثر من 356 ألف موقع لتكرارات متعددة الأشكال في الجينوم مع تتبّع تغيّر أطوالها مع التقدم في العمر في خلايا الدم وتحديد المتغيرات الجينية التي تؤثر في سرعة هذا التمدد. كما بحث القائمون على الدراسة عن روابط بين تمدد التكرارات وآلاف الحالات المرضية، ما قاد إلى اكتشافات جديدة وغير متوقعة.

• الجينات واستقرار الحمض النووي. من أبرز نتائج الدراسة أن للعوامل الوراثية تأثيراً قوياً في معدل تمدد التكرارات. فقد حدد الباحثون 29 موقعاً جينياً تؤثر فيها المتغيرات الموروثة في سرعة هذا التمدد؛ بحيث قد يصل الفرق بين الأفراد الأعلى والأدنى خطراً وراثياً إلى أربعة أضعاف.

وكان اللافت أن العديد من هذه المتغيرات تقع في جينات مسؤولة عن إصلاح الحمض النووي، وهي الآليات التي تحافظ عادةً على سلامة المادة الوراثية. إلا أن التأثير لم يكن موحداً ففي بعض الحالات كانت المتغيرات نفسها تُثبّت بعض التكرارات بينما تزيد من عدم استقرار تكرارات أخرى. ويشير ذلك إلى أن إصلاح الحمض النووي عملية معقدة قد تؤدي إلى نتائج مختلفة تبعاً للسياق الجيني ونوع الخلية.

• اكتشاف خطر مرضي جديد وآفاق علاجية. ومن أكثر النتائج إثارة اكتشاف تمدد تكرارات في جين يُعرف باسم GLS. ورغم أن هذا التمدد نادر نسبياً، إذ يصيب نحو 0.03 في المائة من السكان فقد ارتبط بزيادة خطر الإصابة بمرض كلوي شديد بمقدار 14 مرة وبزيادة خطر أمراض الكبد بنحو ثلاثة أضعاف. ولم يكن هذا الارتباط معروفاً من قبل، ما يشير إلى احتمال وجود اضطرابات أخرى ناتجة عن تمدد التكرارات ما تزال مخفية في قواعد البيانات الجينية.

ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على الفهم العلمي فحسب، بل تمتد إلى تطوير العلاجات. فبما أن تمدد التكرارات يحدث تدريجياً مع الزمن، فإن إبطاء هذه العملية قد يؤخر ظهور المرض أو يخفف حدته. وتفتح هذه الدراسة الباب أمام استخدام قياسات تكرارات الحمض النووي في الدم كمؤشرات حيوية لتقييم فاعلية العلاجات المستقبلية وتقريب الطب خطوة إضافية نحو التدخل المبكر في مسارات الشيخوخة الجزيئية نفسها.


روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
TT

روبوتات اجتماعية تعزز فاعلية العلاج النفسي

الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)
الروبوتات قد تسهم في تنمية قدرات الأطفال (جمعية A3 لتقدم الأتمتة)

مع الطفرة اللافتة للذكاء الاصطناعي، تزايد الاهتمام بتوظيف هذه التكنولوجيا في المجال النفسي، لا سيما الروبوتات الاجتماعية التي تتميز بقدرتها على التفاعل مع البشر بطريقة آمنة. ويُعد دمج هذه الروبوتات في التدخلات النفسية، خصوصاً للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من الاتجاهات الحديثة الهادفة إلى تعزيز التعلم الاجتماعي، وتنمية المهارات التفاعلية، وزيادة انخراط الأطفال في الجلسات العلاجية.

وسلّطت دراسة دولية بقيادة جامعة لينشوبينغ السويدية الضوء على أحدث التجارب السريرية في هذا المجال، مستهدفة تقييم فعالية الروبوتات الاجتماعية مقارنة بالطرق العلاجية التقليدية، بهدف تقديم إطار واضح لتوظيف هذه التكنولوجيا بشكل فعّال ومستدام في الممارسات العلاجية.

روبوتات للمصابين بالتوحد

وأظهرت الدراسة، التي أُجريت على أطفال مصابين بالتوحد باستخدام روبوت محمول مناسب للاستخدام في المنزل أو المدرسة، أن العلاج بمساعدة الروبوتات يحقق نتائج تعادل العلاج النفسي التقليدي، مع ميزة إضافية تمثلت في زيادة ملحوظة في مستوى انخراط الأطفال وانتباههم، ونُشرت النتائج، بعدد 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، من دورية «Science Robotics».

وتؤكد النتائج فاعلية الروبوتات في تنمية قدرات التقليد والانتباه المشترك وتبادل الأدوار، إلى جانب تعزيز اهتمام الأطفال وتقليل فقدان التركيز أثناء جلسات التدريب، ما يسهم في تحسين جودة التجربة العلاجية ورفع مستوى فاعليتها.

يقول الدكتور توم زيمكه، أستاذ النظم المعرفية في مختبر الإدراك والتفاعل بجامعة لينشوبينغ، والباحث الرئيسي في الدراسة، إن الهدف الأساسي من البحث كان تقييم منهجية العلاج بمساعدة الروبوتات للأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، من خلال تجربتين سريريتين.

وأوضح زيمكه في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «التجربة الأولى أُجريت في بيئة مختبرية محكومة بدقة، بينما تم في الثانية اختبار نسخة أبسط وقابلة للنقل من هذا العلاج داخل المدارس، مشيراً إلى أن النتائج كانت واعدة في الحالتين».

وأضاف: «نتائج التجربة الأولى أظهرت أن العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي، مع زيادة ملحوظة في مستوى تفاعل الأطفال، في حين بيّنت الثانية أن النسخة المبسطة من العلاج الروبوتي كانت بكفاءة العلاج التقليدي نفسها، ما يبرز إمكانات استخدام تقنيات محمولة ومنخفضة التكلفة في البيئات المدرسية أو المنزلية».

ووفقاً لزيمكه، فإن التدخلات النفسية المعتمدة على الروبوتات تسهم في تقليل العبء الواقع على المعالجين البشر بشكل ملحوظ، من خلال أتمتة بعض المهام العلاجية المتكررة وتوفير دعم منظم ومستمر لجلسات العلاج، بما يتيح للمعالجين التركيز بصورة أكبر على الجوانب التحليلية والإنسانية للتدخل العلاجي. كما تتميز هذه التدخلات بقدرتها العالية على جذب انتباه الأطفال وتحفيزهم على التفاعل، بفضل طابعها التفاعلي والتقني، ما يعزز المشاركة الفاعلة ويحسن استجابة الأطفال للعلاج.

وأشار إلى أن هذا النوع من العلاج لا يحقق نتائج مماثلة للعلاج التقليدي فحسب، بل يتفوق عليه في قدرته على إشراك الأطفال وتحفيزهم على التفاعل المستمر، إلى جانب إتاحة إمكانية نقل هذه التقنيات من البيئات البحثية إلى الواقع العملي في المدارس أو المنازل، عبر نماذج مبسطة ومحمولة ومنخفضة التكلفة، ما يوسع نطاق التدخلات النفسية ويحسن فرص الوصول إلى العلاج.

العلاج بمساعدة الروبوتات حقق فعالية مماثلة للعلاج التقليدي للتوحد (جامعة لينشوبينغ)

تخفيف الضغوط

تُستخدم الروبوتات الاجتماعية بوصفها أداة داعمة للتفاعل الاجتماعي وتقديم الدعم العاطفي، بما يسهم في تقليل الشعور بالوحدة والعزلة لدى مقدّمي الرعاية، لا سيما من يعتنون بكبار السن أو الأشخاص ذوي الإعاقة. وقد أظهرت دراسات حديثة أن التفاعل المنتظم مع هذه الروبوتات يمكن أن يحسّن المزاج ويخفف من مستويات التوتر والإرهاق النفسي المرتبط بأعباء الرعاية المستمرة.

وفي هذا السياق، أجرى باحثون بجامعة موناش في أستراليا تجربة اعتمدت على محادثات منتظمة بين مقدّمي الرعاية وروبوت اجتماعي مثل «بيبر» (Pepper). وكشفت النتائج أن التفاعل مع الروبوت مرتين أسبوعياً على مدار خمسة أسابيع أتاح مساحة آمنة للتعبير عن المشاعر، وأسهم في تقليل الشعور بالوحدة والإجهاد، وتحسين الحالة المزاجية للمشاركين.

وأظهرت الدراسة أن هذا النوع من الدعم النفسي المستمر يساعد مقدّمي الرعاية على تنظيم عواطفهم والتعامل بشكل أفضل مع الضغوط اليومية، ما يعكس إمكانات الروبوتات الاجتماعية باعتبارها وسيلة مساندة فعالة لتخفيف الأعباء النفسية والعاطفية المصاحبة لدور الرعاية.

دعم الأطفال

تشير مراجعات بحثية إلى أن الروبوتات الاجتماعية يمكن أن تلعب دوراً داعماً في تخفيف التوتر والقلق لدى الأطفال أثناء الإجراءات الطبية المؤلمة، ما يسهم في تحسين تجربتهم النفسية داخل المستشفيات.

وفي دراسة أجرتها جامعة سنغافورة الوطنية، جرى تحليل بيانات لأطفال تتراوح أعمارهم بين عام واحد و12 عاماً خضعوا لإجراءات طبية وتلقوا تدخلات باستخدام روبوتات اجتماعية. وأظهرت النتائج أن هذه الروبوتات كانت فعالة في خفض مستويات التوتر والانزعاج، وأسهمت في تقليل القلق لدى الأطفال المرضى أثناء العلاج. وخلصت الدراسة إلى أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في بروتوكولات رعاية الأطفال يمكن أن يعزز الرفاهية النفسية، ويجعل التجربة الطبية أقل إجهاداً للأطفال وأولياء أمورهم.

رعاية كبار السن

أظهرت دراسة أُجريت في مستشفى بروكا بفرنسا أن إدماج الروبوتات الاجتماعية في رعاية كبار السن، خاصة المصابين باضطرابات معرفية عصبية مثل الخرف، يحقق فوائد واضحة في تحسين التفاعل الاجتماعي والمزاج. وتُستخدم هذه الروبوتات، سواء الشبيهة بالبشر مثل «ناو» (NAO) أو الشبيهة بالحيوانات الأليفة مثل «بارو» (PARO)، لدعم التفاعل الاجتماعي وتنشيط القدرات الذهنية والجسدية، وتقديم معلومات صحية، فضلاً عن دورها بوصفها وسيطاً بين المستفيدين والمعالجين. وقد أثبتت هذه التقنيات فعاليتها في تحسين الرفاهية النفسية لدى كبار السن، لا سيما في بيئات الرعاية طويلة الأمد، مما يعزز مكانتها باعتبارها أدوات مساندة بأنظمة الرعاية الصحية والاجتماعية الحديثة.


عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب
TT

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

عام 2026... حين يخطئ الذكاء الاصطناعي في الطب

لم يعد الذكاء الاصطناعي في الطب فكرةً مؤجَّلة تُناقَش في المؤتمرات أو تُحصر في أدبيات الخيال العلمي، بل أصبح جزءاً حيّاً من الممارسة اليومية داخل المستشفيات الحديثة... خوارزميات تُحلّل الصور الشعاعية، تقرأ تخطيط القلب، تُراجع السجلات الطبية، وتُقدّم اقتراحات تشخيصية أولية خلال ثوانٍ. غير أن سؤالاً جوهرياً ظلّ طويلاً خارج دائرة الضوء حتى مطلع عام 2026: ماذا يحدث عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي... طبياً؟

هذا السؤال أعادته إلى الواجهة دراسة علمية حديثة، نُشرت في 2 يناير (كانون الثاني) 2026، على منصة مستودع أبحاث الذكاء الاصطناعي والعلوم الحاسوبية arXiv، أعدّها فريق بحثي مشترك من Stanford University وHarvard University، وحملت عنواناً لافتاً: «أولاً... لا تُلحق ضرراً: نحو نماذج ذكاء اصطناعي آمنة سريرياً في الطب».

وتُعدّ هذه الدراسة من أوائل الأبحاث التي لا تكتفي بتقييم أداء الذكاء الاصطناعي من حيث الدقة أو سَعة المعرفة، بل تتقدّم خطوة أبعد لتطرح سؤال الأمان السريري نفسه: هل تبقى هذه النماذج آمنة بالفعل عندما تُستخدم في قرارات طبية قد تمس حياة المرضى مباشرة؟

من الاختبار النظري إلى الواقع السريري

• تقييم النماذج : اعتمد الباحثون في دراستهم على تقييم 31 نموذجاً متقدماً من نماذج الذكاء الاصطناعي الطبية، كان معظمها من فئة النماذج اللغوية الكبيرة، وذلك عبر 100 حالة سريرية حقيقية شملت عشرة تخصصات طبية مختلفة. ولم يكن الهدف اختبار «ذكاء» النموذج أو سَعة معرفته النظرية، بل قياس احتمال إلحاقه ضرراً بالمريض إذا استُخدم أداةً لدعم القرار الطبي في الممارسة الفعلية.

ولتحقيق هذا الهدف، طوّر الفريق البحثي مقياساً جديداً لسلامة الذكاء الاصطناعي في الطب يركّز على تقدير المخاطر السريرية المحتملة بدل الاكتفاء بمؤشرات الأداء التقنية الشائعة، التي كثيراً ما تعجز عن التقاط تبعات القرار الطبي في السياق الحقيقي.

• نتيجة صادمة :وكانت النتيجة التي أثارت الانتباه واضحة وصادمة في آنٍ واحد: نحو 22 في المائة من التوصيات التي قدّمتها النماذج احتوت على أخطار سريرية محتملة؛ أي أن واحدة تقريباً من كل خمس توصيات قد تُعرّض المريض لأذى فعلي، إذا طُبّقت دون مراجعة بشرية دقيقة.

غير أن المفارقة الأهم لم تكن في الأخطاء الصريحة، بل فيما لم يُقَل. فقد أظهرت الدراسة أن عدداً كبيراً من النماذج أخفق في اقتراح فحوص أساسية أو إجراءات تشخيصية حاسمة، كان من شأنها تغيير مسار العلاج أو منع مضاعفات خطيرة.

في الطب، يُعد هذا النوع من الخطأ أخطر من الخطأ المباشر؛ لأنه لا يُلاحَظ بسهولة، ولا يثير الشكوك فوراً، وقد يمرّ في صمت... إلى أن تظهر نتائجه متأخرة على جسد المريض.

• لماذا يخطئ الذكاء الاصطناعي رغم «تفوقه»؟ تُظهر الدراسة أن الأداء المرتفع في اختبارات الذكاء أو المعرفة الطبية لا يترجَم بالضرورة إلى أداءٍ آمنٍ سريرياً. فقد بيّنت النتائج أن بعض النماذج التي حققت درجات ممتازة في اختبارات معيارية معروفة لم تكن أكثر أماناً من غيرها عند التعامل مع حالات سريرية حقيقية، بل وقعت أحياناً في أخطاء ذات أثر محتمل على حياة المرضى.

ويرى الباحثون أن جوهر المشكلة لا يكمن في نقص المعلومات، بل في غياب ما يمكن تسميته «القلق الطبي». فالذكاء الاصطناعي لا يشعر بثقل المسؤولية، ولا يدرك أن إغفال فحص بسيط قد يعني تأخير تشخيص سرطان، أو تفويت نافذة زمنية حاسمة لإنقاذ حياة. إنه يُجيد الإجابة... لكنه لا يعرف معنى العواقب.

أداة دعم... وليست طبيباً بديلاً

لا تدعو الدراسة إلى إقصاء الذكاء الاصطناعي من الممارسة الطبية، بل على العكس، تؤكد قيمته المتزايدة بصفته أداة دعم فعّالة تساعد الأطباء على تنظيم كمّ هائل من المعلومات وتسريع عمليات التحليل والاستدلال، لكنها تشدّد، في الوقت نفسه، على ضرورة إبقاء الإنسان في الحلقة النهائية لاتخاذ القرار الطبي.

فالطبيب لا يقرأ البيانات فحسب، بل يفسّر السياق الإكلينيكي، ويُقدّر المخاطر الفردية، ويتحمّل المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن قراره. وهي عناصر جوهرية لا تزال خارج نطاق الخوارزميات، مهما بلغت درجة تطورها أو دقّة مُخرجاتها.

في عام 2026، يقف الذكاء الاصطناعي الطبي عند مرحلة مفصلية، فالإمكانات التقنية تتقدّم بوتيرة متسارعة، بينما لا تزال السلامة السريرية تتطلّب معايير أدق، وتشريعات أوضح، وتدريباً مهنياً يضمن توظيف هذه الأدوات دون أن تتحوّل، من حيث لا نريد، إلى مصدر خطر غير مقصود.

ولا تُغلق هذه الدراسة الباب أمام الذكاء الاصطناعي في الطب، لكنها تضع عند عتبته لافتة تحذير علمية واضحة: السرعة ليست بديلاً عن السلامة، والدقّة الحسابية ليست مرادفاً للحكمة الطبية. ففي الطب، كما في الحياة، لا يكفي أن نعرف أكثر... بل أن نقرّر بحذرٍ إنساني.

يعيد هذا البحث طرح قاعدة طبية ضاربة في التاريخ، لكن بصيغة رقمية معاصرة: أولاً... لا تُلحق ضرراً. فالذكاء الاصطناعي، رغم قدرته على تغيير ملامح الطب وتسريع القرار السريري، ينبغي ألا يُمنح حصانة أخلاقية، ولا أن يُترك خارج دائرة المحاسبة. والسرعة ليست بديلاً عن السلامة، والدقة الحسابية لا تُغني عن الحكمة الطبية التي تُدرك العواقب قبل النتائج.

وحتى إشعار آخر، سيبقى القرار الطبي الحقيقي قراراً إنسانياً في جوهره، تُساعده الخوارزميات على الرؤية... لكنها لا تحلّ محلّ الضمير.