الأصدقاء المقربون يتشاركون كل شيء ...حتى الموجات الدماغية

{جذور} الصداقة تعمق التشابه في الاستجابات الفكرية

الأصدقاء المقربون يتشاركون كل شيء ...حتى الموجات الدماغية
TT

الأصدقاء المقربون يتشاركون كل شيء ...حتى الموجات الدماغية

الأصدقاء المقربون يتشاركون كل شيء ...حتى الموجات الدماغية

«القلوب سواقٍ» يقول المثل عندما تتوارد وتخطر نفس الأفكار لدى شخصين بعيدين، أي أنها تتلاقى مثل النهيرات الصغيرة... ماذا إذن عن العقول؟ تقول دراسة جديدة بأن عقول الأصدقاء المقربين تتلاقى في أفكارها و«شجونها» أيضا!
لطالما عرف الباحثون أنّ الإنسان يختار صديقا يشبهه في جوانب مختلفة كالعمر، والعرق، والدين، والوضع الاجتماعي - الاقتصادي، والمستوى التعليمي، والميول السياسية، ونسبة الجمال الخارجي، وحتى قوّة قبضة اليد.
وفي المقابل، يبرز ميل الإنسان إلى تكوين العلاقات مع الإنسان الآخر الأقلّ شبهاً له في مجموعات الصيد وزرع الثمار والمجتمعات الرأسمالية على حدّ سواء.

جذور الصداقة

ولكنّ دراسة جديدة رجحت أنّ جذور تكوين الصداقات أعمق مما كان يتوقّعه الباحثون. فقد وجد العلماء أن عقول الأصدقاء المقربين تجاوبت بتماثل شديد أثناء مشاهدتهم لسلسلة من مقاطع الفيديو القصيرة وذلك في جوانب: التركيز، ونشاط نظام المكافأة، وإنذارات الملل التي كانت متطابقة.
وقد ثبت أنّ الاستجابات التي ولّدتها مقاطع الفيديو التي تناولت مواضيع متنوعة كمخاطر كرة القدم في الجامعة، وسلوك المياه في الفضاء الخارجي، وحركات الممثل ليام نيسون في أحد مشاهده المضحكة، كانت شديدة التطابق بين الأصدقاء، مقارنة بالاستجابات التي صدرت عن أشخاص لا تربط بينهم علاقة صداقة.
وبمعنى آخر، بات الباحثون قادرين على توقّع قوّة العلاقة الاجتماعية التي تربط شخصين بالاعتماد على المسح المغناطيسي للدماغ. وعبّرت كارولاين باركينسون، المتخصصة بالعلوم الإدراكية في جامعة كاليفورنيا، لوس أنجليس عن صدمتها بمستوى التشابه الشديد والاستثنائي بين الأصدقاء، مضيفة أنّ النتائج كانت «دامغة أكثر مما كنت أعتقد». ونشرت باركينسون وزميلاها تاليا ويتلي وآدم كلينبوم من جامعة دارتموث نتائج دراستهما في دورية «نيتشر كوميونيكيشنز».
وقال نيكولاس كريستاكيس، صاحب كتاب «متصل: قوة الشبكات الاجتماعية وكيف ترسم عالمنا؟»، وهو عالم أحياء من جامعة يال في حديث نقلته وسائل الإعلام الأميركية: «أعتقد أنّ هذا البحث مهمّ جداً، لأنّه يبيّن أن الأصدقاء لا يتشابهون بالأمور السطحية فحسب، بل أيضاً في تركيبة أدمغتهم».

«كيمياء قوية»

تقدّم نتائج هذه الدراسة إثباتاً واضحاً على صحّة المعنى الكبير الذي نملكه عن الصداقة، عن أنّها أكثر من مجرّد اهتمامات مشتركة أو نشاط على وسائل التواصل الاجتماعي... بل هي ما ندعوه «الكيمياء القويّة».
وقالت باركينسون: «ترجح نتائجنا أنّ الأصدقاء قد يتشابهون في طريقة اهتمامهم ومعاملة الناس من حولهم. هذا الأسلوب المشترك في التعامل مع المحيط يساعد الناس على بناء الصداقات بسهولة أكبر، وفي الحصول على التفاعل الاجتماعي السلس الذي يمنح شعوراً كبيراً بالمكافأة».
تعليقاً على التقرير الجديد، قال كيفن أوشنر، متخصص في علم الأعصاب الإدراكي من جامعة كولومبيا، والذي يدرس الشبكات الاجتماعية: «إنّه بحث جيّد، ومثير، ويفضي إلى أسئلة أوسع من الإجابات التي يوفّرها».
ولإثبات أنّ الكيمياء تفوق الخصائص والصفات قوّة، روى أوشنر المثال التالي من حياته الخاصة: «كنت وزوجتي المستقبلية نعمل في مجال علم الأعصاب، وكان كلانا مسجّلا في مواقع للتعارف، ولكننا لم نلتق أبداً. بعدها، اجتمعنا كزملاء، وعرفنا خلال دقيقتين، أننا نمتلك نوع الكيمياء التي يؤدي إلى بناء علاقة».
تضع باركينسون (31 عاماً) التي تشبه الممثلة سالي فيلد في شبابها، نظارة مصنوعة من مادة صلبة، وتصف نفسها بالشخصية الانطوائية، ولكنها تعتبر أنّها «كانت محظوظة بأصدقائها».
تأتي الدراسة الجديدة في إطار موجة اهتمام علمي بطبيعة، وتركيبة، وتطوّر الصداقة. وخلف هذه الحماسة، نجد طبعاً أدلّة كثيرة على أنّ غياب الصداقات يسمم حياة الإنسان، ويفرض عليه أعباء جسدية وعاطفية كبيرة شبيهة بتلك الناتجة عن حالات أخرى شائعة كالسمنة وارتفاع ضغط الدم والبطالة وعدم ممارسة الرياضة والتدخين.
يسعى العلماء إلى تحديد السبب الذي يجعل من الصداقة «مفيدة»، والوحدة «مضرّة». ويمكن القول إنّ الأدلّة التي جمعوها حتى اليوم في هذا الموضوع مثيرة للاهتمام، حتى ولو لم تكن مؤكدة.

بحث علمي

أثبت كريستاكيس وزملاؤه أخيراً أن الأشخاص الذين ينعمون بعلاقات اجتماعية قوية لديهم تركيزات أقلّ من غيرهم من الـ«الفيبرينوجين» fibrinogen، وهو بروتين مرتبط بالالتهابات المزمنة التي يُعتقد بأنّها مصدر الكثير من الأمراض. إلّا أنّ السبب الذي يجعل من الاختلاط الاجتماعي عاملاً مساهماً في منع الأمراض لا يزال غير واضح حتى اليوم.
أثبتت باركينسون وزملاؤها في وقت سابق أن الناس يعون تلقائياً كيف ينسجم جميع الأشخاص الموجودين في دائرتهم الاجتماعية مع بعضهم البعض. ورغب الباحثون بمعرفة سبب ارتباط أطراف شبكة اجتماعية معينة بصداقة حميمة، في حين أنّ آخرين بالكاد يعرفون بعضهم البعض.
استوحى الباحثون عملهم من دراسة أوري هاسون من جامعة برنستون، وقرروا استكشاف تفاعل الناس العصبي مع المحفزات الطبيعية اليومية، والتي أتت على شكل مقاطع فيديو في هذا الاختبار.
بدأ الباحثون اختبارهم بشبكة اجتماعية محددة: صف كامل يتألف من 279 خريجا من جامعة لم يذكر اسمها، عرفها عالمو الأعصاب فيما بينهم على أنّها كليّة الأعمال في جامعة دارتموث.
طُلب من الخريجين الذين يعرفون بعضهم البعض، ويعيش الكثير منهم سوياً في السكن الجامعي أن يملأوا استمارة يحددون فيها مع مَن من زملائهم يتشاركون وجبات الطعام، ويذهبون إلى السينما ومن منهم يدعونه إلى المنزل؟ وبناء على الإجابات، رسم الباحثون شبكة اجتماعية تتضمن درجات مختلفة من الارتباط: أصدقاء، أصدقاء الأصدقاء، وأصدقاء من الدرجة الثالثة، وأصدقاء كيفن بيكون.
بعدها، طُلب من الخريجين أن يشاركوا في دراسة تتضمن تصويرا بالرنين المغناطيسي للدماغ، فوافق 42 شخصاً منهم. وبالتزامن مع تعقّب جهاز تصوير الرنين المغنطيسي لتدفق الدم في أدمغتهم، شاهد الطلاب المشاركون سلسلة من مقاطع فيديو مختلفة.
خلال تحليل صور الرنين المغناطيسي الخاصة بالطلاب، وجدت باركينسون وزملاؤها انسجاماً قوياً بين أنماط تدفّق الدم (مقياس النشاط العصبي)، ودرجة الصداقة بين مختلف المشاركين، حتى بعد السيطرة على العناصر الأخرى التي قد تشرح أوجه الشبه بين الاستجابات العصبية كالإثنية والدين ودخل العائلة.
كما حدّد الباحثون مناطق معيّنة توضح أنماط الانسجام بين الأصدقاء: منطقة «النواة المتكئة» nucleus accumbens في الدماغ الأمامي الجبهي، اللاعب الأساسي في نظام المكافأة، ومنطقة «المغقف» superior parietal lobule الموجودة في أعلى وخلفية الدماغ، التي يقرّر فيها الدماغ كيف يخصص الاهتمام بالمحيط الخارجي.
باستخدام هذه النتائج، استطاع الباحثون أن يدرّبوا خوارزمية (برنامج كومبيوتري ذات منهج) للتنبّؤ المسافة الاجتماعية بين شخصين بناء على التشابه النسبي بين أشكال استجاباتهم العصبية.
وأكّدت باركينسون أن هذه الدراسة كانت «المدخل الأوّل، وإثباتا للمفهوم» وأنّها وزملاءها لا يزالون يجهلون ما قد تعنيه أشكال الاستجابة العصبية: ما هي المواقف، والآراء، والاندفاعات، والتعقيدات الدماغية التي قد تكشفها صور الرنين المغناطيسي.
ويعتزم الباحثون في خطوتهم التالية تجربة الوضع المعكوس: أي إخضاع الطلاب الجدد الذين لا يعرفون بعضهم البعض لتصوير الرنين المغناطيسي، لتبيان من منهم تتشابه أشكال استجاباتهم العصبية وقد ينتهي بهم الأمر أصدقاء مقربين.



«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟