هل تحجب الأكاديمية السويدية جائزة نوبل للآداب هذا العام؟

كاتبة أخرى قدمت استقالتها أمس وسط أزمة ثقة غير مسبوقة

أحد احتفالات منح جائزة نوبل للآداب
أحد احتفالات منح جائزة نوبل للآداب
TT

هل تحجب الأكاديمية السويدية جائزة نوبل للآداب هذا العام؟

أحد احتفالات منح جائزة نوبل للآداب
أحد احتفالات منح جائزة نوبل للآداب

جدل حاد في الأوساط الثقافية السويدية، هذه الأيام، حول تداعيات أزمة الأكاديمية السويدية على منح جائزة نوبل هذا العام، ولربما تمتد تداعيات الأزمة لسنوات لاحقة. فالكل يجمع هنا على أن أزمة الثقة ستكبل أفراد هذه المؤسسة الخاصة بتركيبة نظامها الصارم، خصوصاً فيما يتعلق بمهمتها بمنح الجائزة.
ثمة أصوات تطالب الآن بسحب هذه المهمة من طاولة الأكاديمية، ومنحها إلى مؤسسة أخرى، فيما تتباين الآراء من داخلها حول ترحيل جائزة هذا العام إلى العام المقبل، وهذا ليس بجديد، فقد حصل وأن رُحِّل توزيع الجائزة إلى عام آخر، كما حجبت في أكثر من مرة، بسبب الحربين العالميتين. لكن الشيء المؤكد أن الأكاديمية السويدية، ومنذ تأسيسها في العام 1786على يد الملك غوستاف الثالث، ومن ثم تحميلها مسؤوولية توزيع واحدة من أهم جوائز نوبل، وهي جائزة الأدب، لم تتعرض لمثل هذه الهزة العنيفة التي أدت إلى تصدع جدران وجودها، وجعلتها تدور في أزمة ثقة حادة تلقي بظلالها على منح الجائزة، خصوصاً أن التحقيق جار حول فساد مالي في هذه المؤسسة التاريخية العريقة.
في فترات تاريخية سابقة هبت على الأكاديمية عواصف قللت من شأنها، ولكن ذلك كان في إطار انتقادها واتهامها بضعف تقييماتها للمرشحين للجائزة، كما كشف عن ذلك لارس غللينستين أحد أعضائها البارزين، الذي شغل منصب سكرتيرها الدائم، في فترة ما، حيث وصف ما سماه «حقيقة ما كان يدور من صراعات داخل أروقة الأكاديمية»، في كتابه «الذاكرة والذاكرة فقط» الذي أصدره في العام 2000.
وأشار فيه إلى أن «الصراعات بين أعضائها تركزت على حب النفوذ والمال»، كاشفاً عن طبيعة الخلافات بين أعضاء الأكاديمية فيما يتعلق بعدم تحرك الأكاديمية السويدية إزاء الفتوى التي أطلقها آية الله الخميني ضد الكاتب البريطاني الهندي الأصل سلمان رشدي، بسبب كتابه «آيات شيطانية» العام 1989. الأمر الذي دفع بعضو الأكاديمية الكاتبة شيشتين أيكمان إلى مقاطعة جلسات الأكاديمية، احتجاجاً على عدم توقيع الأكاديمية على مذكرة الاحتجاج التي أطلقها نادي القلم ضد الفتوى، بدافع الخوف من أن تتهم بالانحياز السياسي. لكن هذه المرة فالأمر مختلف تماماً.
بدأ فتيل الأزمة عندما نشرت صحيفة «داغينس نيهتر»، إحدى كبريات الصحف السويدية في 28 من نوفمبر (تشرين الثاني) العام الماضي، شهادات نساء يتهمن فيها شخصاً مقرباً من الأكاديمية بالتحرش الجنسي، ثم تصاعد اللهب ليضيء جوانب أخرى مخفية في جسد هذه المؤسسة، التي تجاوز عمرها قرنين وثلاثة عقود. فأعضاء المجموعة، البالغ عددهم 18 شخصاً، المنغلقون على ذواتهم، والمنهمكون بالقراءة والعمل بكتمان، حسب لائحتها الداخلية وطبيعة دورها في مسؤولية رعاية اللغة واختيار الفائزين لجائزة نوبل في الآداب، «ليسوا سوى بشر مثلنا»، كما علق أحد الصحافيين. فهم لم يبخلوا في انتقاد بعضهم البعض، علناً، والتراشق باتهامات وبالتواطؤ المالي، والحديث عن تسريب أسماء من فازوا بالجائزة قبل الإعلان عنها، حتى وصل الأمر إلى ترك ثلاثة من الأعضاء المهمين في الأكاديمية لمقاعدهم في الأكاديمية، احتجاجاً على عدم نجاحهم في التصويت على إقالة أحد الأعضاء، وهي زوجة الشخص المتهم بالتحرش الجنسي، الذي سمته وسائل إعلام «خدمة الجمهور» (الإذاعة والتلفزيون) بالـ«الشخصية الثقافية»، وبالحصول على تمويل لمشروعه الثقافي من الأكاديمية بواسطة الزوجة، فضلاً عن تسريب أسماء فائزين بجائزة نوبل في الآداب، قبل الإعلان الرسمي عنها.
وفي سياق تفاعل الأزمة، وفي الاجتماع الطارئ الذي عقده ما تبقى من أعضاء الأكاديمية تمت إقالة السكرتير الدائم للأكاديمية سارا دانيوس، وتعيين الكاتب والباحث اللغوي أندش أولسون، سكرتيراً مؤقتاً بدلاً عنها.
وكانت سارا دانيوس أول امرأة تبوأت هذا المنصب في تاريخ الأكاديمية السويدية. ولم تدم به سوى سنتين فقط. وقد تفاعل المجتمع السويدي مع هذه الأحداث المتتالية، حيث نظمت حملة دعم للسكرتيرة المُقالة، شاركت فيها شخصيات شعبية ورسمية، من بينها وزيرة الثقافة آليس كونكه. كما طالب أكثر من مائتين وثلاثين باحثاً وأكاديمياً في مجال الأدب والثقافة بحجب الثقة عن الأكاديمية السويدية. حتى بلغ عدد من تركوا مقاعدهم في الأكاديمية ثمانية أعضاء، بالإضافة إلى السكرتيرة الدائمة.
ومن أجل إنقاذ هذه المؤسسة التاريخية، تدخل ملك السويد كارل غوستاف الثالث عشر، باعتباره راعي الأكاديمية السويدية التي أسسها جده غوستاف الثالث في العام 1786، لإجراء تعديل على نظامها الداخلي يتيح بموجبه حق العضو بالاستقالة، وليس كما هو منصوص الآن، حيث يمكن للعضو أن يقاطع اجتماعات الأكاديمية، ولكن يبقى مقعده باسمه حتى وفاته. وينص التعديل أيضاً على حق أعضاء الأكاديمية في اختيار أعضاء جدد.
بعد الإعلان عن التعديل الملكي على النظام الداخلي للأكاديمية السويدية، مباشرة، أعلنت الكاتبة لوتا لوتاس عن تقديمها طلب الاستقالة من عضوية الأكاديمية السويدية. ثم بعد أيام أعلن عضو آخر عن تقديم استقالته من الأكاديمية السويدية، وهي الكاتبة سارا ستريدبيري. حيث جاء ذلك في بلاغ صحافي للأكاديمية أن ستريبيري قدمت اليوم (أول أمس) السبت 27 أبريل طلباً لإعفائها من عضوية الأكاديمية.
يذكر أن الكاتبة انتمت إلى الأكاديمية العام 2016 بهدف التجديد في حياة هذه المؤسسة التي بات أغلب أفرادها كباراً في السن.

هل تفقد الأكاديمية السويدية
مهمة نوبل؟
تدخل الملك في تعديل جزء من النظام الداخلي للأكاديمية، واجه تحفظاً في بادئ الأمر، فالأكاديمية السويدية مؤسسة مستقلة، لا علاقة لها بمؤسسات الدولة. لكن تم قبوله باعتباره حلاً للأزمة. غير أن أزمة الأكاديمية، لم تنته، وبدا هناك تخوف من فقدانها للدور المهم الذي تضطلع به منذ العام 1901 عندما بدأت بمنح جائزة نوبل في الأدب لأول مرة. ويأتي هذا الهاجس على خلفية أن اسم الأكاديمية السويدية لم يرد في وصية نوبل بمن سيتولى مهمة اختيار من يفوز بجائزة الأدب، بل جاء في نص الوصية «أن تقوم أكاديمية في استوكهولم»، دون ذكرها بالاسم كاملاً. وقد تم تفسير ذلك بأنه يعني الأكاديمية السويدية التي تقوم مهمتها الأساسية على التعامل مع اللغة السويدية، وإصدار القاموس، ووضع أسس النحو إلى آخره. وبهذا فإن مؤسسة نوبل هي الجهة التي منحت الأكاديمية السويدية هذا الدور، وهي صاحبة الحق في إعفائها منه. وليس من المستبعد أن يكون هذا أحد الخيارات المطروحة، فقد تصاعدت أصوات عدد من الباحثين والأكاديميين في مجال اللغة والأدب بالتنويه إلى أن الأكاديمية السويدية فقدت مصداقيتها، ولم تعد مؤهلة لاختيار من يحصل على جائزة نوبل في الأدب، وأن بالإمكان حصر دورها في المساهمة بطرح أسماء مرشحين، شأنها شأن أكاديميات أخرى. مؤسسة نوبل نفسها عبَّرت عن قلقها من هذه الأزمة، وأشارت في بلاغ رسمي موقّع بأسماء أعضاء هيئتها الإدارية الثمانية إلى أن الثقة بالأكاديمية السويدية تصدعت كثيراً، معربة عن تخوفها من تأثير ذلك على جائزة نوبل. وهي بانتظار ما ستكشف عنه الأيام المقبلة، وما ستسفر عنه دعوة السكرتير الدائم (المؤقت) للأكاديمية أندش أولسون، الأعضاء المنسحبين، إلى العودة إلى مقاعدهم. كما أن قضية الاتهامات بالتحرش الجنسي والمخالفات المالية تحولت من طاولة مكتب المحاماة إلى الشرطة للتحقيق فيها.

ما الذي سيحدث في مسألة منح جائزة نوبل في الأدب هذا العام؟
الجواب على هذا السؤال الآني يبدو ملتبساً، لكن باعتقادي، سيأتي شهر أكتوبر (تشرين الأول) ومعه الإعلان عن حائز جديد بالجائزة، فأعضاء الأكاديمية السويدية، ربما، توصلوا إلى غربلة المرشحين، قبل انفجار الأزمة، وقلصوا عدد المرشحين، وحددوا ما يُعرف بالقائمة القصيرة. وقد يتوافقون على اسم الفائز. لكن المشكلة لا تكمن فقط في منح الجائزة هذا العام أو ترحيل منحها إلى العام المقبل، وإنما بتصدع الثقة في الأكاديمية السويدية، التي تواجه دائماً باتهامات كونها مسيسة وتقييماتها لمن يفوز بجائزة نوبل من منطلقات غير أدبية.



رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات
TT

رحيل رضا البهات صاحب «بشاير اليوسفي» و«شمعة البحر»

 رضا البهات
رضا البهات

غيَّب الموت أول من أمس (الاثنين) الكاتب الروائي المصري رضا البهات عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد معاناة طويلة مع المرض. وبرحيله تفقد الثقافة المصرية واحداً من أكثر مبدعيها خصوصية وأصالة وزهداً في الأضواء، حيث عاش في مدينته المنصورة بعيداً عن صخب العاصمة ولم ينشغل بصراعات أدبائها، أو ينخرط في خلافاتهم ومعاركهم الجانبية؛ بحثاً عن مجد شخصي.

ولم تكن مبالغة أن يرثيه الشاعر دكتور عيد صالح عبر صفحته بموقع «فيسبوك» بقوله: «مرّ بحياتنا كالملائكة وأصحاب الرؤى النورانيين الملهمين»، في حين وصفه الناقد شعبان يوسف بأنه «واحد من أنبل وأجمل كُتابنا، فلم يزاحم أحداً وكان وجوده مفرطاً في الرقة والعذوبة».

ونعتته الكاتبة غادة كمال، ابنة شقيقته، بأنه «معلمها الأول الذي كان وسيظل حاضراً في كل حرف كتبته»، ومن جهته عدّ الكاتب إبراهيم عبد المجيد أننا «إزاء خبر مفجع للغاية؛ فالبهات لم يغب أبداً عن باله وكان يخطط منذ فترة طويلة لرؤيته، لكن دون جدوى».

وُلِد رضا البهات في محافظة الدقهلية عام 1955، وتخرج في كلية الطب بجامعة المنصورة، ثم عمل طبيباً، في حين واصل الكتابة والنشر في الصحف والمجلات المصرية والعربية، وقد انعكست خبرته المهنية في مشروعه الأدبي صانعة علاقة شفيفة على المستويين الفني والجمالي؛ إذ كان يرى أن الطب منجم من الخبرات الإنسانية التي يمكن للكاتب أن يستفيد منها في فهم البشر ومراقبة تفاصيل حياتهم.

ولم يكن يرى إقامته في المنصورة ابتعاداً عن الحياة الثقافية، إنما اختار أن يظل قريباً من المكان الذي شكَّل مسرح طفولته وحياته، عاش فيه وعمل، وأن يستمد مادته من الواقع المحيط به. وتُعدّ البداية الحقيقية لمشروعه الأدبي عبر رواية «بشاير اليوسفي» الصادرة عام 1992، والتي تناولت تحولات المجتمع المصري، ولا سيما تأثيرات الهجرة للخارج بحثاً عن فرص عمل وما صاحبها من تغيرات منظومة القيم والسلوك وشكل القرية المصرية.

كانت «بشاير اليوسفي» أكثر من مجرد بداية روائية؛ فقد وضعت منذ البداية عدداً من القضايا التي ستظل حاضرة في عالم البهات، وعلى رأسها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أصابت الإنسان المصري، كما رأى النقاد فيها إشارة مبكرة إلى التغيرات التي طرأت على المجتمع.

بعدها أصدر مجموعته القصصية «طقوس بشرية» عام 1995، ثم رواية «شمعة البحر» عام 2004، قبل أن يصدر روايته «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» عام 2014. وتشكل هذه الأعمال معاً جانباً أساسياً من مشروعه الأدبي الذي ظل يتابع من خلاله تحولات المجتمع المصري والريف والمدينة والصحافة والسياسة والعلاقات الإنسانية.

في «شمعة البحر» انتقل البهات إلى الريف المصري، مستفيداً من خبرته المباشرة به، حيث خدم بالفعل في القرى، واستلهم شخصية «الشيخ جلال» التي لها أصل واقعي؛ إذ عرف رجلاً عاش أكثر من تسعين عاماً وحضر عزاءه.

أما «ساعة رملية تعمل بالكهرباء» فمثلت محطة بارزة في تجربته، وحصلت على جائزة ساويرس الثقافية في فرع الرواية، وتدور الأحداث في عوالم متعددة تشمل الصحافة والسياسة والسجن والعلاقات الاجتماعية، وتقدم شخصية مثقف يعيش وسط تناقضات المجتمع وأسئلته المتعلقة بالدين والسياسة والجنس والطبقات الاجتماعية.

وفي حديثه عن هذا العمل تحديداً، كشف البهات عن أن عمله في القسم الثقافي بإحدى الصحف أمدّه بخبرة مباشرة بعالم الصحافة، كما أكد أن الكاتب لا يستطيع دائماً التحكم في المسارات التي تأخذها أعماله، وأن التجربة الواقعية والخيال يتداخلان في أثناء الكتابة.

من هنا، كانت علاقة البهات بالواقع إحدى السمات الأساسية في كتابته، فهو يكتب عما يعيشه ويعرفه، ويحسه، كما أن خبرته في الطب قدمت له مادة إنسانية واسعة، في حين أتاحت له الكتابة تحويل هذه الخبرات عالماً روائياً وقصصياً. كما اتخذ من عالم الطب نافذة يرى من خلالها الإنسان في لحظات ضعفه وخوفه ومرضه؛ ولهذا ظهرت أجواء المستشفيات والعيادات والمرضى بصورة واضحة في مجموعته «حكايات شتوية»، التي استثمر فيها خبرته المهنية في بناء عالم فني له طابع إنساني.

ومن أبرز أعماله الأخرى «ليلة للغنا»، و«اختار ألا يموت»، إضافة إلى مجموعة من كتب الأطفال مثل: «جوز ولوز وبوز» و«حكاية السمكة وقطعة الخبز» و«الجميلة تتزوج الديك الشركسي».

وعلى رغم ذلك، يظل من السمات اللافتة في تجربته الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج أو يتلهف على النشر، حيث سبق أن برر تلك السمة بطبيعة ظروف حياته ومهنته؛ فهو لا يتعيش من الثقافة، ويكتب ببطء، ورغم أن روايته الأولى حظيت باهتمام نقدي وجماهيري واسع، لكنه لم يتعامل مع الكتابة بوصفها وظيفة تفرض عليه الإنتاج المتواصل.

من السمات اللافتة في تجربة البهات الأدبية أنه لم يكن غزير الإنتاج كما كان مقلاً في النشر


قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
TT

قصر الحلابات


قصر الحلابات في محافظة الزرقاء
قصر الحلابات في محافظة الزرقاء

يحتل قصر الحلابات موقعاً خاصاً في خريطة العمائر التي شيدها الأمويون وسط البادية الأردنية، وتكمن هذه الخصوصية في السجال المتجدّد حول تاريخ بنائه ومراحل تكوينه. خرج هذا الموقع الأثري من الظلمة إلى النور في مطلع القرن الماضي، في عهد استكشاف علماء الآثار للعمائر الأموية المدنية التي عُرفت بقصور البادية، وأعيد استكشافه بعد عقود من الزمن تعرض خلالها لإهمال كبير، وانكبّ عدد من كبار العلماء إلى دراسته من جديد، وخرجوا بأبحاث أعادت قراءة تاريخه بشكل جذري.

يقع قصر الحلابات في منتصف الطريق بين عمّان والزرقاء، على بعد 12 كيلومتراً، شرق «طريق ترايانا نوفا» الذي شيّده الرومان قديماً فيما عُرف بمقاطعة «العربية البتارائية». تحيط بهذا القصر مجموعة من الأبنية والمنشآت تتوزع على مساحة واسعة، تضمّ مسجداً صغيراً، وخزاناً كبيراً، إضافة إلى ثمانية خزانات محفورة في الصخر. يحمل هذا المجمع الاسم الذي عُرف به محلياً، وهو الاسم الذي أثار حيرة علماء الآثار الذين سلّطوا الضوء عليه في العقود الأولى من القرن العشرين؛ إذ رأى البعض أن هذا الاسم يشير إلى حلبة الخيل، فيما رأى البعض الآخر أن هذه التسمية تشير إلى خربة مهجورة كانت النساء تقصدها لحلب الماعز والأبقار.

كانت هذه الخربة ماثلة للعين، غير أن أهميّتها التاريخية لم تتضح إلا في مطلع القرن العشرين، حين قصدها العالم الأميركي هوارد كروسبي بتلر للمرة الأولى في فبراير (شباط) 1904 على رأس بعثة من جامعة برنستون الأميركية، وقصدها ثانية في مارس (آذار) 1909، وأنجز مخطّطاً توثيقياً للموقع، كما نشر نقوشاً كتابية محفورة على صخوره، واستند العلماء على هذه الوثائق في تحديد مراحل بنائه المتعدّدة. تتمثّل هذه النقوش في ثلاث كتابات اعتُمدت لتأريخ هذا البناء، الأولى لاتينية، وتذكر «قصراً جديداً» شُيّد في عام 213. النقش الثاني يوناني بيزنطي، ويعود إلى عهد الإمبراطور يوستينيانوس، وإلى عام 529 بالتحديد، ويشير إلى بناء حصن في الموقع. أما النقش الثالث، فيوناني كذلك، وهو مبعثر على عشرات الأحجار التي استخدمت في بناء القصر، وتظهر دراساتها أنها تنقل مرسوماً وُضع في عهد الإمبراطور أنسطاس الذي حكم من عام 491 إلى عام 518، وقد أثارت هذه الكتابة نقاشاً واسعاً، ورأى البعض أنها دخيلة على القصر، ولا تمت إليه بأي شكل في الأصل، فيما ربط البعض الآخر بينها وبين البناء، واعتبر أنها تشكّل مصدراً من المصادر التي يجب الأخذ بها لتحديد مراحل تكوينه.

اتّفق البحاثة على تحديد ثلاث مراحل لبناء هذا القصر، واعتمد هذا التحديد على النقوش الكتابية من جهة، وعلى مخطط البناء وطرازه من جهة أخرى. في المرحلة الأولى، شُيّد البناء من الزاوية الشمالية الغربية خلال القرن الأول، وشكّل برجاً لمراقبة «طريق ترايانا نوفا». في المرحلة الثانية، أُحيط المبنى بسور خارجي تحده أبراج مربّعة في الزوايا الأربع خلال العقود الأولى من القرن الثالث. في تلك المرحلة، جمع البناء بين الحجارة الكلسية والحجارة البازلتية، وبقي عامراً في القرون التالية. تُنسب المرحلة الثالثة إلى عهد يوستينيانوس، وتمثّل الحقبة الأخيرة من تاريخ البناء القديم الذي تحوّل إلى حصن هُجر في نهاية العهد البيزنطي، وتساقطت أجزاء كبيرة منه. أعيد بناء هذا الموقع بشكل جديد في العهد الأموي، واستخدم بناؤه كتلاً حجرية كلسية وبازلتية كانت قد تساقطت منه، كما استخدموا قطعاً تعود إلى مرسوم أنسطاس، وحافظوا على الأبراج المربعة والتقسيمات الداخلية المتوازية، على خلاف ما نراه في القصور الأموية الكبرى، مثل قصر الطوبة وقصر المشتى، حيث يتكون المجمع السكني من قاعة مركزية، تحيط بها غرف جانبية، وتحدّها أبراج نصف دائرية. نسب هوارد كروسبي بتلر هذا البناء إلى هشام بن عبد الملك، الخليفة الذي شيّد ما يُعرف بـ«حمّام الصرح»، وهو حمّام يضم ملحقات عدة، أُقيم في منطقة سهلية تعود إلى مدينة الزرقاء، ويُعرف كذلك بقصر الحلابات الشرقي.

في عام 1978، زار عالم الآثار البريطاني ديفيد كندي الموقع لدراسته، وقدّم قراءة جديدة له اعتمدت بشكل كبير القراءة الأولى. في العام التالي، شرعت دائرة الآثار العامة في الأردن في سلسلة تنقيبات في الموقع، بالتعاون مع جامعة مدينة ليون الفرنسية، واستمرت هذه الحملات التي ترأسها عالم الآثار الأردني غازي بيشه حتى عام 1984. بدوره، قدّم غازي بيشه خلال حملات المسح التي قادها سلسلة من المقالات اعتمدت التأريخ المعهود، غير أنه عاد ونشر في عام 1993 مقالة علمية رأى فيها أن النقوش الكتابية التي شكّلت أساساً لتأريخ مراحل بناء الموقع لا يُمكن الأخذ بها.

في الواقع، خرج البحاثة في هذه الحقبة برأي يقول بأن هذه النقوش دخيلة على القصر، وقد جرى استخدامها بعد نقلها إليه. وأظهرت الدراسات أن البناء شُيّد كحصن في أيام البيزنطيين، وهو بناء محلّي يعود على الأرجح إلى قبائل الغساسنة التي استقرّت في بلاد الشام، وكانت لملوكها ديار «باليرموك والجولان وغيرهما، من غُوطَة دمشق وعمالها، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام»، كما ذكر المسعودي في «مروج الذهب». في الحقبة الأموية المبكرة، تحوّل هذا الحصن إلى منتجع ملكي، وتم تشييده من جديد مع تعديلات جذرية في تكوينه، غير أنه حافظ على أسسه الهندسية الأولى المتمثلة في مسقط مربع الشكل، تحدّ زواياه أربعة أبراج.

تحوّل قصر الحلابات إلى موقع أثري سياحي، وأنشئ متحف خاص به، افتتح في عام 2008، وحوى نحو 150 قطعة أثرية متنوعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، ومجموعة من ألواح الفسيفساء المجتزأة، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية. تجمع نقوش قصر الحلابات بين التكوينات الهندسية والعناصر التصويرية المحوّرة، وتماثل من حيث الأسلوب والتنفيذ النقوش التي خرجت من القصور الأموية الكبرى. في المقابل، تبرز الأرضيات الفسيفسائية وتتميّز بتنوّع تقاسيمها، وتشكّل هذه الألواح مادة أساسية لدراسة استمرارية هذا الفن وتطوّره خلال العهد الأموي.


صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي
TT

صراع في الريف الإيطالي

صراع في الريف الإيطالي

في روايتها «غداً غداً» الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، وترجمة علا محمود، ترسم الكاتبة الإيطالية فرانشيسكا جانونيه صورة مؤثرة لصراعات اجتماعية وإنسانية تنطلق من قلب ريف «سالنتو» في أواخر خمسينات القرن العشرين بإيطاليا، حيث يعيش الشقيقان «لورينسو» و«أنييزيه» داخل عالمهما الصغير الذي تديره عائلتهم المعروفة بصناعة الصابون.

يتجلى المصنع الذي أسسه الجد والممتلئ برائحة الزيوت العطرية والزهور رمزاً للاستمرارية والأمان في بقعة تجمع بين الماضي والمستقبل وبين الحلم العائلي والحياة اليومية البسيطة، لكن حين يقرر والدهما بيع المصنع فجأة ينقلب التوازن العائلي رأساً على عقب.

يغادر «لورينسو» البيت مدفوعاً بالغضب والرغبة في استعادة إرثه الضائع في حين تبقى «أنييزيه» الهادئة لتواجه التغير وحدها وتنقذ ما يمكن إنقاذه، وهكذا على مر السنين يسير الشقيقان في طريقين متوازيين لا يلتقيان، أحدهما في مواجهة العالم والآخر في مواجهة الذات.

وفي خلفية الأحداث، تتحول إيطاليا من بلد ريفي تقليدي إلى وطن جديد تنبض شوارعه بالأمل والصراعات والطموح، في نص مدهش عن الأسرة والاختيارات والحنين، فضلاً عن الغضب الذي يورّث والإخلاص الذي يبقى رغم المسافات.

اللافت، أن المؤلفة فرانشيسكا جانونيه تعود أصولها إلى منطقة «سالنتو» في جنوب إيطاليا، كما درست علوم الاتصالات ودرست في المركز التجريبي للتصوير السينمائي.

من أجواء الرواية نقرأ:

«كانت غرفة لورينسو بسيطة وشبه خالية، الآثار الباقية من وجوده انحصرت في عدة ملصقات سينمائية معلقة على الجدران كلها لأفلام لم يشاهدها «ماركو» من قبل، مع حامل للرسم وأنابيب ألوان قديمة وفُرش جفت شعيراتها وتصلبت. ومن حافظة أوراق موضوعة على المكتب برزت بضع رسومات فاقترب الفتى وتصفح بعضها فانتبه إلى أن كل الرسومات تصور الفتاة ذاتها، فتاة رائعة الجمال ولها شعر أشقر طويل.

تفرَّس الشاب في ملامحها قليلاً وسأل نفسه: هذه الفتاة تشبه شخصاً أعرفه، أظن أنني رأيتها من قبل... لكن أين؟... وبينما راح يعصر ذهنه محاولاً التذكر، قال ماريو فجأة يا فتى عليّ أن أذهب الآن، حان موعد تناول أدويتي، لكن إن أردت البقاء فلا بأس سأترك لك المفاتيح على أن تعيدها لاحقاً.

حالما بقى ماركو وحيداً أعاد وضع السماعات على أذنيه وشرع يدندن وهو يسير عبر الطريق الترابية مع صوت «فابريتسيو ديه أندره» الذي راح يقول: «ما لا أملكه هو أن أنجو بلا ثمن... ما لا أملكه هو ذاك الشيء الذي لا أفتقده في الغياب...».

وفجأة لمح اللافتة التي كتب عليها: «كازا ريتسو»، مصنع الصابون العريق منذ عام 1920، واصل سيره وبعد فترة وجيزة بلغ الفضاء الفسيح الواقع أمام المصنع بينما كان فابرتسيو يتابع غناءه: «ما لا أملكه... هو قطار صدئ يعيدني من حيث بدأت طريقي».

توقف ماركو ورفع بصره نحو مبنى المصنع المهجور، تأمل الواجهة التي اسوّدت بفعل الزمن وشجر اللبلاب الذي تسلق جدرانها حتى أخفى جزءا منها وزجاج النوافذ المعتم وخشب الباب المتآكل. استعاد في ذهنه ما رآه في غرفة والدته القديمة وتلك التفاصيل الكثيرة التي تخص ذلك المكان وأدرك أن المصنع لابد أنه كان يعني لهما الكثير.