آلاف السنوات مرت على بناء أهرامات مصر، ولا تزال كيفية إنجازها محلاً للجدل، وما بين متهم للفراعنة بأنهم أجبروا العمال على إتمام واحدة من عجائب الدنيا بـ«السخرة والقهر»، ومدافع يرد على هذه المزاعم، تدور مجادلات علمية وتاريخية في الأوساط المختلفة مصرياً ودولياً.
رعاية متشابهة
وكان اكتشاف الأثريين المصريين لمقابر العمال في منطقة الأهرامات وقبل نحو 8 سنوات «دليلا معنويا على أن ملوك الفراعنة لم يستخدموا السخرة في بناء الأهرامات» حسب رأي المجلس الأعلى للآثار آنذاك، غير أن 3 دراسات علمية نشرت أخيراً، أضفت مصداقية على ذلك المسار، خاصة وأنها اعتمدت على دراسات أنثروبولوجية استمرت لسنوات، وأظهرت عدة نتائج بعد فحص لأجساد المومياوات، ومن بينها أن طريقة العلاج التي تمتع بها العمال وكذلك أنواع الغذاء لا تختلف عن علاج وغذاء طبقة كبار الموظفين المقربة من الملك.
وتقول د. عزة سري الدين الأستاذة بقسم الأنثربولوجيا البيولوجية بالمركز القومي للبحوث، الباحثة الرئيسية في دراسة نشرتها دورية بحوث العلوم التطبيقية (Journal of Applied Sciences Research)، أنها قارنت بين إصابات العظام في الفئتين (العمال، وكبار الموظفين)، عن طريق إخضاع المومياوات المستخرجة من مقابر العمال وكبار الموظفين بمنطقة الأهرامات، للدراسة.
وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» تقول د. عزة إن «فريق العمل نجح في توثيق حالات كسر بالعظام في فئتي العمال وكبار الموظفين، وكان اللافت أن أنواع الكسور متشابهة، كما كانت أيضا الطريقة التي استخدمت في تجبير العظام واحدة، وهو ما يعني أنه كان هناك اهتمام طبي بفئة العمال لا يختلف عن الفئة المقربة من الحكم، وهي كبار الموظفين».
ويدعم النتيجة السابقة، بحث آخر أنجزه الفريق البحثي نفسه، قبل نحو عامين، ووثق «حالتي بتر في الساق والذراع، ووجد الباحثون أيضا أنه تم التعامل مع هذه الحالات بأسلوب واحد، وهو ما ينفي أيضا ما قيل عن السخرة في بناء الأهرامات، حسب سري الدين.
وتقول د. عزة سري الدين عن البحث الأخير، «كانت الحالتان لذكرين بالغين من فئتي العمال وكبار الموظفين، وكانت الأولى تتعلق ببتر في الساق الأيمن لأحد المنتمين لفئة كبار الموظفين، في حين كانت الثانية لعامل عانى من بتر الساق، ووجدنا أن نهايات جميع العظام المبتورة التأمت بشكل جيد، مما يشير إلى أنهم عاشوا مدة كافية بعد أن تم البتر، ويشير نمط الشفاء في كلا الشخصين المنتميين لطبقتين اجتماعيتين مختلفتين، إلى أنه تم تقديم الرعاية الطبية لهما بنفس القدر».
غذاء متماثل
أما أحدث الدراسات العلمية في هذا المجال فقد نشرت العام الماضي، وتقول عنها د.ولاء يوسف، الباحثة المتخصصة في الأنثربولوجيا، وأحد الباحثين الرئيسيين في الدراسة لـ«الشرق الأوسط» تبين لنا بعد فحص نحو 204 هياكل عظمية للمصريين القدماء ممن عثر عليهم في منطقة الجيزة قرب الأهرامات «عدم وجود فروق جوهرية بين الفئتين من خلال رصد الأنماط الغذائية لهما، وتحديدا مدى وجود فيتامين (دي) D، وفيتامين (سي) C، حيث يؤدي نقص الأول إلى الإصابة بمرض الكساح، ويؤدي نقص الثاني إلى الإصابة بمرض الإسقربوط».
وأجريت الدراسة على 114 هيكلا من كبار الموظفين (65 من الذكور و49 من الإناث) و103 هياكل من العمال (47 من الذكور و43 من الإناث و13 من الأطفال) و1037 من العظام المختلطة من الواحات البحرية (العصر الروماني اليوناني) و171 جمجمة (95 من الذكور و59 من الإناث و17 من الأطفال) من قدماء المصريين من الواحات البحرية.
وتوضح د. ولاء يوسف، أن الباحثين لم يلحظوا «انتشارا لمرض الإسقربوط في فئتي العمال وكبار الموظفين من سكان الجيزة، بما يدعم ما توصلت له الأبحاث السابقة من عدم وجود فروق جوهرية بينهما، بينما وجد بنسبة كبيرة بين سكان الواحات البحرية، بسبب عدم تناولهم لكميات كافية من فيتامين «سي»، وأيضا لأنهم كانوا يتناولون النبيذ بشكل منتظم حيث أثبتت الأبحاث أن تناوله يسبب الإسقربوط.
والإسقربوط، من الأمراض الخطيرة، ويحدث نتيجة قلة تناول الخضراوات الطازجة والفاكهة، ويؤدي إلى إنتاج عظام غير طبيعية وضعف جدران الأوعية الدموية والميل إلى زيادة النزف، وفقدان الأسنان وتشوهات العظام.
ولم يختلف الحال كثيرا بالنسبة لمرض الكساح بما يدعم ذات النتيجة وهو عدم وجود فروق جوهرية بين الطبقتين.
وتقول الباحثة: «لم نرصد أي إصابات تدل على الكساح بين البالغين وصغار السن من سكان الجيزة، سواء في طبقتي العمال أو كبار الموظفين، وذلك قد يكون بسبب تعرضهم المستمر لأشعة الشمس، وأيضا لأنهم كانوا يتناولون منتجات الألبان بكميات وفيرة، ولكن بالنسبة لسكان الواحات البحرية لاحظنا وجود الكساح في البالغين بنسبة 7.4 في المائة بين الذكور، ولا توجد أي حالات بين الإناث، وأيضا لا توجد أي حالات بين صغار السن، وقد يكون ذلك بسبب تعرضهم لأشعة الشمس وتناولهم لمنتجات الألبان بكميات وفيرة».

