انعكست الأوضاع السياسية المضطربة وأجواء الحرب في عدد من بلدان العالم، خاصة العالم العربي، على أغلب الأعمال المشاركة في بينالي الإسكندرية الدولي، وتحولت اللوحات إلى صرخات ضد القهر والطغيان والاستلاب، وأناشيد للحرية والمطالبة بحياة إنسانية عادلة وكريمة.
انطلق أقدم ثاني بينالي في حوض المتوسط في دورته السادسة والعشرين تحت شعار «إرادة التغيير»، متجاوزا العثرات والظروف المادية الصعبة التي واجهته على مدار السنوات الماضية، وبمشاركة 18 فنانا يمثلون 13 دولة من حوض المتوسط هي: مصر وإسبانيا، وتركيا، وصربيا والجبل الأسود، والبوسنة، وسلوفينيا، ومالطا، واليونان، وليبيا، وتونس، وسوريا، والجزائر، والمغرب.
تنوعت أعمال هذه الدورة التي تستمر حتى السادس من الشهر المقبل، ما بين فنون التصوير والأعمال المركبة، وأعمال الفيديو آرت، والفوتوغرافيا. وحصد جائزة البينالي في هذه الدورة الفنان السلوفيني ساسو سيدلاسيك.. والفنانة الليبية أروى أبو عون.. والفنان المصري كمال الفقي.. وقيمة كل منها «خمسة وثلاثون ألف جنيه». بينما حصدت جائزة البينالي الكبرى وقيمتها «مائة ألف جنيه» الفنانة المصرية هدى لطفي. وضمت لجنة التحكيم الدولية الفنان الأميركي أولو أجيب رئيسا للجنة، بعضوية الفنان الألماني توماس إلر، والنرويجية سيلين يندت، والبحريني فيصل السمرة، والسنغالي ندييه توريه، والمصري محمد شاكر.
اتسمت أعمال البينالي ببساطة التعبير عن الأفكار والرؤى والمضامين، متخلية عن المفاهيم التقليدية في الفن، والدمج بين وسائط أدائية عديدة، قابلة للإعادة والتكرار، وبشكل لا نهائي أحيانا، متخذة منحى سياسيا في توظيف الرموز والدلالات وتوصيل الفكرة للمشاهد، وتحريضه على المشاركة، واستفزاز حواسه وذاكرته ليصبح جزءا من نسيج العمل الفني نفسه. فالفنانة الليبية أروى أبو عون تلعب على نمط من السلوك الشائع في ثقافة بلدان حوض المتوسط خاصة الدول العربية، من خلال مشهدين متقاطعين في المرآة، يشكل كلاهما نقيضا للآخر، ويعكسان ثنائية السفور والحجاب أو الإسلام والحداثة التي تعاني منها المرأة العربية بحكم الأعراف والتقاليد السائدة. ففي لقطة تقف البطلة وهي الفنانة نفسها سافرة بزيها العادي، لكن الصورة تنعكس في المرآة وتتحول إلى امرأة محجبة. وفي اللقطة الثانية تقف المرأة المحجبة أمام المرآة، لكن المرآة تعكس صورتها وهي سافرة بزيها العادي. ويشي الفراغ الأبيض البارد والمحايد المحيط باللقطتين في الصورة بحالة من فقدان التواصل وانعدام الحوار، بين المرآة، وما ينعكس عليها، من ناحية، وبين البطلة والوقع الاجتماعي والنفسي المحيط بها.
ومن زاوية أخرى، يعكس عمل ينتمي لأعمال التجهيز في الفراغ للفنان المصري كمال الفقي واقع التشتت والتفتت، حيث تتطاير في فضاء الغرفة كائنات إنسانية نحتية من الجبس وخامات أخرى، مهمشة الملامح مبتورة الأطراف، مدلاة بخيوط وأحجام متنوعة من شبكة خشبية معلقة بالسقف، وتتناثر على كتفي بطل هو الأكبر حجما، مثبتة قدماه بأرضية الغرفة، وحوله تتناثر كائنات أخرى صغيرة. إنها حالة من المتاهة، فالكل يبحث عن نفسه في الآخر، ويريد في الوقت ذاته أن يستند على الأقوى، ويتسلقه للوصول إلى غايته، لكن أيضا هذا الأقوى في حالة من التداعي وغير واضح الملامح.
بينما يعبر الفنان السلوفيني ساسو سيدلاسيك عن حيرة الإنسان، أمام ماكينة العملة، وتحول العالم إلى غول مادي، حيث كل شيء أصبح يقاس بالنقود، فأن تمتلك مالا يعني أنك بالضرورة تمتلك مصيرك، أو على الأقل تعرف كيف تحد ملامحه وإطاره، وذلك في عمل بسيط كل مفرداته الفنية عبارة عن ماكينة لطبع العملة، لا تكف عن الثرثرة وإزعاج عين المشاهد، في غواية بصرية، قد تدفعه للتفكير في أن يحطم صخبها المراوغ.
وفي عملها الفائز بجائزة البينالي الكبرى، تلعب الفنانة المصرية هدى لطفي على خيط شفيف يتقاطع فيه الماضي والحاضر، تبرز فيه المحمولات التراثية والنفسية والاجتماعية والعاطفية والثقافية لعوالم الروح والجسد، متخطية الحواجز الزمنية والمكانية لحركة الصورة والمشهد، ومحاولة القبض على صيرورتها الخاصة الممتدة في الزمان والمكان. يقدم العمل الذي احتل إحدى قاعات البينالي مشهدين متقابلين بواسطة الفيديو، حيث الأقدام الغليظة لجنود الأمن، وهي تضرب الأرض في حركة حادة ومنتظمة، وفي المقابل مشهد آخر لبيوت قديمة تتناثر منها روائح الذكريات، وغبار التاريخ القديم، الذي لا يزال عالقا بالشبابيك والكراسي، وأرفف الكتب، ومساقط ضوء الشمس، ودفء النهار والمساء. إنه تاريخ يتراكم ويتناثر، يبتعد ويدنو، لكن تحفظه ذاكرة المدينة، التي أصبحت تقض مضاجعها أقدام السلطة الغليظة.
وبعيدا عن هذه الأعمال الفائزة بجوائز البينالي، كان لافتا وجود أعمال أخرى، استطاعت أن تثير أسئلة المشاهد، خاصة حول علاقة الفن بما يدور في الواقع، من بينها أعمال الفنانين السوريين تمام عزام، وقيس سليمان، فقد عبرا عن الحالة السورية الراهنة بطرائق فنية مختلفة، حيث جسد عزام حالة الحرب والدمار الذي لحق بالبيوت والبشر بالرسم على الفوتوغرافيا، بينما لجأ قيس إلى السخرية التي انطبعت على ملامح الشخوص في ثلاث لوحات يرتبط بعضها بعضا، وتشير إلى موجة الإسلام المتطرف التي اجتاحت سوريا وأصبحت تهدد العديد من الدول العربية. كما كانت لافتة أعمال الفنان الجزائري حمزة بونوة، الذي لعب على الحروف والأشكال الهندسية في تناظر لوني وبصري، للتعبير عن مكنون الشخصية الجزائرية وصراعها مع ثقافات متعددة في محيطها المحلي والعالمي.
وعلى هامش البينالي ناقشت الندوة الدولية المصاحبة له الأبعاد المتعددة فكريا وثقافيا ونفسيا لفكرة «إرادة التغيير» التي اتخذها البينالي شعارا لدورته الحالية، وتناول المحاضرون العديد من المحاور والمفاهيم المهمة مثل: الثورات والتغيرات الاجتماعية والثقافية المترتبة عليها وعلاقتها بمفاهيم الهدم والبناء، التراث والحداثة وهوية التغيير، مستقبل الفنون الكلاسيكية، الفن والأدب والتحضير للتقدم العلمي، الفنون الحداثية والوسائط المتعددة، كما شهدت الندوة حوارا حيا مع الجمهور.
مرايا السياسة والحرية تهيمن على أعمال بينالي الإسكندرية
افتتح دورته السادسة والعشرين وسط ظروف مادية صعبة
لقطات لعمل الفنانة هدى لطفي الفائزة بالجائزة الكبرى للبينالي
مرايا السياسة والحرية تهيمن على أعمال بينالي الإسكندرية
لقطات لعمل الفنانة هدى لطفي الفائزة بالجائزة الكبرى للبينالي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

