قراءتان للضربات الثلاثية... ودعوات إلى تجميد الانسحاب الأميركي

قد تؤدي إلى تعزيز علاقة دمشق بطهران... وواشنطن تحذر فصائل الجنوب السوري من «استفزاز النظام»

جندي سوري يلتقط {سيلفي} قرب دمار مركز الأبحاث في برزة في دمشق بعد الضربات الأميركية أول من أمس (أ.ب)
جندي سوري يلتقط {سيلفي} قرب دمار مركز الأبحاث في برزة في دمشق بعد الضربات الأميركية أول من أمس (أ.ب)
TT

قراءتان للضربات الثلاثية... ودعوات إلى تجميد الانسحاب الأميركي

جندي سوري يلتقط {سيلفي} قرب دمار مركز الأبحاث في برزة في دمشق بعد الضربات الأميركية أول من أمس (أ.ب)
جندي سوري يلتقط {سيلفي} قرب دمار مركز الأبحاث في برزة في دمشق بعد الضربات الأميركية أول من أمس (أ.ب)

هل تعكس الضربات الثلاثية على ثلاثة مواقع سورية تغييراً كبيراً في الاستراتيجية الأميركية أم أنها غارات تتعلق فقط بـ«قلب» البرنامج الكيماوي من دون أي استراتيجية سياسية؟ هل تؤدي مشاركة بريطانيا وفرنسا إلى جانب أميركا في توجيه أكثر من 100 ضربة إلى مواقف جديدة إزاء سوريا خصوصاً في ضوء التغييرات الأخيرة في إدارة الرئيس دونالد ترمب أم أن دوافع لندن وباريس كانت داخلية لا علاقة لها بدمشق؟
وبعد مرور يومين على الضربات، يمكن الحديث عن قراءتين للغارات التي حصلت بعد مرور سنة على الضربات الأميركية على قاعدة الشعيرات بعد هجوم بالسارين على خان شيخون في ريف إدلب الذي قالت واشنطن بأن الحكومة السورية مسؤولة عنه ونفت دمشق مسؤوليتها.
القراءة الأولى، أن الضربات الثلاثية لا تعكس تغييرا في موقف واشنطن وقد تصب في مصلحة دمشق. إذ بعثت السفارة الأميركية في عمان رسالة إلى قادة فصائل «الجبهة الجنوبية» في «الجيش الحر»، فيها أن الضربات «لا تعني بأي شكل من الأشكال نهاية اتفاق خفض التصعيد الموقع بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والأردن ولا تشير إلى أي تغيير في سياستنا العامة تجاه سوريا». وتابعت الرسالة: «كدولة ضامنة لاتفاق خفض التصعيد لا نرغب بأن نرى النظام يأخذ أراضيكم في الجنوب ونريد حفظ حقكم بالمطالبة بدولة الحرية والعدالة، لذلك نطلب منكم الحرص الكامل على عدم إعطاء النظام وحلفائه أي فرصة للانقضاض عليكم أو يقوم في درعا والقنيطرة بما قام به في الغوطة الشرقية».
وفي إشارة تحذيرية، جاء في الرسالة: «إذا بادرتم في عمل عسكري ينتهك خفض التصعيد لن نستطيع أن ندافع عنكم، وإن بادر النظام بانتهاك الاتفاق سنفعل أقصى ما بوسعنا لوقف الانتهاك وضمان استمرار اتفاقية خفض التصعيد».
جاء ذلك في وقت تشهد منطقة جنوب سوريا حشودا من القوات الحكومية وحلفائها، لكن التوقعات أن دمشق ستركز بعد غوطة دمشق على الأحياء الجنوبية للعاصمة ومخيم اليرموك قبل الانتقال إلى ريف حمص، على أن يترك ملفا إدلب وجنوب البلاد لمرحلة لاحقة باعتبار أن هاتين المنطقتين تتعلقان بتفاهمات روسيا مع تركيا وأميركا والأردن وإسرائيل.
وإذ قالت رسالة السفارة الأميركية إلى فصائل «الجنوب» إن «الضربات الأخيرة كانت رد فعل لاستخدام السلاح الكيماوي من النظام وإن الولايات المتحدة لا تقبل تطبيع استخدام هذا السلاح الوحشي»، قال رئيس مجلس العلاقات الخارجية ريتشارد هاس في تغريدة على «تويتر» إنه «ليس هناك تغيير ملحوظ في السياسة الأميركية حيال سوريا». وأكد هذا الدبلوماسي السابق الذي يحظى باحترام كبير أن «الأميركيين لم يتحركوا لإضعاف النظام».
ويعتقد محللون أن الضربات لم تعكس تغييرا في سياسة واشنطن وحسب، بل إن التأخر في توجيهها أعطى وقتا لدمشق كي تخلي مواقعها والمراكز الثلاثة المستهدفة «بحيث تفرغ الضربات من أي مضمون جدي على البرنامج البحثي الكيماوي»، بحسب دبلوماسي. وقال: «الضربات لم تغير جوهريا في المشروع ولن تلعب دور الرادع».
وقد تسمح الضربات لدمشق باستعادة الخطاب السياسي وحشد جمهور وراءها عبر تشبيه «التحالف الثلاثي» الأميركي - البريطاني - الفرنسي بـ«العدوان الثلاثي» البريطاني - الفرنسي - الإسرائيلي على مصر العام 1956 وتقديم خطاب مفاده أن ما يحصل «مؤامرة خارجية» بالتالي استخدام الضربات لنقل الخطاب إلى مرحلة جديدة وهي «خوض معركة الاستقلال والتحرير من الاحتلال الأميركي شرق سوريا وجنوبها» بعدما كانت المرحلة الماضية «الحرب على الإرهاب ومكافحة التكفيريين». وركز الخطاب الرسمي على أن «الأمور كما هي عليه» في الساعات اللاحقة لـ«العدوان».
ولاحظ محللون أن ردود فعل عربية انقسمت إزاءها وعبرت بعض الدول مثل مصر عن القلق من الضربات، مقابل تأييد معظم الدول العربية والغربية «العمليات العسكرية ردا على جرائم النظام». وأشير أيضاً إلى أن الضربات قد تؤدي إلى «ارتماء دمشق في حضن طهران أكثر وأكثر» وإقناع موسكو بتزويد الجيش السوري بأنظمة صواريخ متطورة بينها «إس - 300» علما بأن قاعدة حميميم الروسية باتت تسيطر على أنظمة التحكم بالدفاع الجوي منذ وصول «إس - 400» إلى سوريا. عليه، فإن الضربات لن تؤدي إلى دفع الأسد إلى تقديم تنازلات سياسية، بل الذهاب في الاتجاه المقابل والتنسيق أكثر مع إيران وروسيا.
تحول استراتيجي
في المقابل، هناك قراءة أخرى مفادها بضرورة عدم التقليل من البعد الاستراتيجي لهذه الضربات. وإذا كان الرئيس فلاديمير بوتين عقد قمة ثلاثية مع نظيره التركي رجب طيب إردوغان والإيراني حسن روحاني في أنقرة الأسبوع الماضي، فإن «حلفا ثلاثيا» جديدا برز عبر الضربات ودفع إردوغان إلى التريث في الاندفاع نحو تعزيز علاقته الاقتصادية والعسكرية والسياسية مع بوتين الذي يرمي إلى إضعاف «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) من البوابة التركية. ودعا المسؤول السابق في وزارة الخارجية الأميركية نيكولاس بيرنز إلى إقامة «تحالف دبلوماسي أميركي - عربي - أوروبي» يهدف إلى «موازنة النفوذ السلبي للثلاثي الروسي - الإيراني - السوري» التركي.
وأظهرت الضربات الفرق بين القدرات العسكرية الأميركية والروسية وأنه عندما تتحرك الماكينة الأميركية يظهر ضعف إمكانات موسكو وأنه عندما تقرر الإدارة الأميركية القيادة تجر وراءها لندن وباريس وأن أيا منهما لن تقبل حلف الآخر وحيدا مع واشنطن.
من شأن هذه الضربات أن تعزز الداعمين لبقاء القوات الأميركية شرق نهر الفرات بعدما طلب ترمب قبل أسابيع من مستشاريه تقديم خطط بعد ستة أشهر وعشية الانتخابات النصفية للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني)، لسحب ألفي جندي أميركي. وأعلنت المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة نايكي هايلي أمس نية البقاء شرق سوريا. وكان برنز حض على «إبقاء القوات الأميركية شمال سوريا لمكافحة داعش».
وكون فرنسا وبريطانيا شاركتا أميركا في الضربات، ستتعزز فكرة تعاون الدول الثلاث شمال سوريا وشمالها الشرقي في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن استراتيجية وزير الخارجية السابق ريكس تيلرسون للبقاء إلى أجل مفتوح في سوريا تضمنت في أحد بنودها الخمسة «منع استعمال الكيماوي» (ومنع ظهور «داعش»، وتقليص نفوذ إيران، والضغط للانتقال السياسي، وعودة اللاجئين والنازحين).
وستجعل الضربات موضوع إعادة «شرعنة النظام أمرا أصعب بكثير»، بحسب مسؤول غربي. وقال: «التحرك الثلاثي سيضعف الأصوات في الاتحاد الأوروبي والمنطقة التي كانت تدعو إلى التطبيع مع دمشق والمشاركة في إعادة الإعمار». ونقل عن الرئيس بشار الأسد قوله أمس بأن كلفة الإعمار تحتاج 400 مليار دولار أميركي ونحو 15 سنة. وقالت هايلي بأن واشنطن «لن تجري مفاوضات مباشرة» مع الأسد.
باتت الغلبة حالياً للمطالبين بفرض عقوبات إضافية على دمشق سواء في الاتحاد الأوروبي أو واشنطن، ويتوقع أن يتضمن مجلس الوزراء الأوروبي المقبل فرض عقوبات إضافية وأن يعلن المؤتمر المقبل للدول المانحة في بروكسل في 45 الشهر الجاري موقفا واضحا بربط المشاركة بالإعمار بالانتقال السياسي، إضافة إلى ربط دمشق بطهران.
قد تستعمل الدول الثلاث الضربات لممارسة ضغوط سياسية على موسكو للانتقال إلى بحث العملية السياسية والمفاوضات في جنيف. كما ستعمل لندن وباريس للضغط على واشنطن لتبني استراتيجية أوضح في سوريا.
وبعدما ظهرت الدول الثلاث بعد القمة الروسية - التركية - الإيرانية واتفاقات خفض التصعيد خارج اللعبة السورية، أعادت الضربات الثلاثية أميركا وبريطانيا وفرنسا إلى حلبة البحث عن «سوريا الغد». وقالت رئيس الحكومة البريطانية تيريزا ماي بأن العملية العسكرية لا تكفي وحدها إنما «الأمل الأفضل للشعب السوري يبقى الحل السياسي». كما قال وزير الخارجية بوريس جونسون بأنه سيتم العمل «على جلب الرئيس الأسد إلى مائدة المفاوضات»، فيما اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه بعد الضربات على مجلس الأمن الدولي «أن يتخذ الآن، موحدا، المبادرة على الصعد السياسية والكيماوية والإنسانية». وأعلن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان السبت أن باريس «تريد استعادة المبادرة» في مجلس الأمن بدءاً من الاثنين «لضمان الاتجاه نحو تسوية سلمية للأزمة السورية». وأكدت الرئاسة الفرنسية أن ماكرون، الذي مد يد التعاون لموسكو قبل الضربات، لا يزال يعتزم القيام بزيارة مرتقبة لروسيا.
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤول أميركي في واشنطن قوله: «نواصل العمل بقوة مع مبعوث الأمم المتحدة إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، كما نعمل مع موسكو من أجل السير قدماً في العملية السياسية».



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.