«تراشق» في مجلس الأمن... وتحذير أميركي من «تطبيع» الكيماوي

خلال جلسة مجلس الأمن عن سوريا أمس (إ.ب.أ)
خلال جلسة مجلس الأمن عن سوريا أمس (إ.ب.أ)
TT

«تراشق» في مجلس الأمن... وتحذير أميركي من «تطبيع» الكيماوي

خلال جلسة مجلس الأمن عن سوريا أمس (إ.ب.أ)
خلال جلسة مجلس الأمن عن سوريا أمس (إ.ب.أ)

تراشقت روسيا الاتهامات مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وغيرها في القاعة المفتوحة لمجلس الأمن أمس الجمعة بسبب ما آلت إليه الأوضاع في سوريا على أثر التقارير عن استمرار نظام الرئيس بشار الأسد في استخدام الأسلحة الكيماوية، وآخرها في مدينة دوما، وما تبعها من تهديدات غربية في محاولة لما سمته المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة نيكي هيلي «إعادة تطبيع» استعمال الغازات المحظورة دولياً منذ نحو مائة عام، ومن أجل وضع حد للإفلات من العقاب على رغم مواصلة موسكو استخدام حق النقض، الفيتو.
وبطلب من روسيا، عقد مجلس الأمن جلسة مفتوحة طارئة للنظر في «التهديدات للأمن والسلم الدوليين: الوضع في الشرق الأوسط» وقدم فيها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إحاطة اعتبر فيها أن «الوضع في سوريا يمثل أخطر تهديد للسلم والأمن الدوليين، لما تشهده البلاد من مواجهات وحروب بالوكالة ينخرط فيها عدة جيوش وطنية وعدد من جماعات المعارضة المسلحة، والكثير من الميليشيا الوطنية والدولية، والمقاتلين الأجانب من كل مكان في العالم، والجماعات الإرهابية المختلفة». وإذ عبر عن غضبه من التقارير المستمرة حول استخدام أسلحة كيماوية في سوريا، أكد أن «خطورة الادعاءات الأخيرة تتطلب إجراء تحقيق شامل باستخدام خبرات محايدة ومستقلة ومهنية»، معلناً «دعمه الكامل لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية، وبعثتها لتقصي الحقائق في إجراء التحقيق اللازم حول تلك الادعاءات». وأكد أن «المسؤولية الجماعية تحتم ضمان المحاسبة على الاستخدام المؤكد للأسلحة الكيماوية»، لأن «غياب المساءلة يعزز موقف من قد يستخدمون تلك الأسلحة، بسبب اطمئنانهم بأنهم سيفلتون من العقاب». وحذر من أن «التهديد الذي نواجهه اليوم: خروج الوضع عن نطاق السيطرة».
وعلى الأثر، تحدث المندوب الروسي الدائم لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا الذي اتهم الدول الغربية بأن «هدفها الوحيد في سوريا هو الإطاحة بالحكومة الشرعية» بقيادة الرئيس بشار الأسد في سوريا، داعياً الزعماء الأميركيين والفرنسيين والبريطانيين إلى «الامتناع عن القيام بعمل عسكري» ضد هذا البلد. وقال: «ترسل قوات إضافية من البحرية الأميركية وحلفاء الولايات المتحدة إلى سواحل سوريا. وهناك شعور بأن واشنطن اختارت نهجاً واضحاً لتنفيذ سيناريو عسكري في سوريا». وأضاف أنه «لا يجوز السماح بذلك. وإن مثل هذا التطور للأحداث يهدد بعواقب وخيمة على الأمن العالمي، وخاصة إذا أخذنا في الاعتبار وجود قوة عسكرية روسية في سوريا». وإذ ذكر بما حصل في العراق وليبيا، اعتبر أن «التصرفات غير المسؤولة للولايات المتحدة التي تنتهك القانون الدولي وسيادة الدول غير لائقة بالنسبة لدولة دائمة العضوية في مجلس الأمن». وحذر من أن «الأحداث تتطور وفقاً لسيناريو خطير له عواقب بعيدة المدى على الأمن العالمي»، مضيفاً أنه «في حال وقوع ذلك، ستكون كامل المسؤولية على عاتق الولايات المتحدة وحلفائها». وحض الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا على «العودة إلى رشدها وإلى مجال القانون الدولي، وألاّ تدفع العالم نحو حافة الخطر». وشدد على أنه «يجب البحث عن حلول سلمية في سوريا في إطار جهود جماعية»، مبدياً استعداد روسيا «لتعاون متكافئ مع كل الشركاء لتسوية المشاكل من خلال الحوار».
وتبعته المندوبة الأميركية نيكي هيلي التي انتقدت روسيا بحدة لطلبها مناقشة «التهديدات الأحادية» المتعلقة بسوريا، معتبرة أن «روسيا تتجاهل التهديد الحقيقي للسلم والأمن الدوليين الذي جلبنا إلى هنا». وقالت إن «ما ينبغي مناقشته هو استخدام الأسلحة الكيماوية القاتلة للمدنيين السوريين الأبرياء» في «واحدة من أكثر انتهاكات القانون الدولي وأكثرها فظاظة في العالم». وأضافت أن الرئيس دونالد ترمب «لم يتخذ بعد قراراً في شأن الإجراءات المحتملة في سوريا. لكن إذا قررت الولايات المتحدة وحلفاؤنا التصرف في سوريا، فستكون دفاعاً عن مبدأ نتفق عليه جميعاً. سيكون دفاعاً عن قاعدة دولية حازمة تستفيد منها كل الدول». وأوضحت أن «استخدام الأسد الأخير للغاز السام ضد الناس في دوما لم يكن استخدامه الأول أو الثاني أو الثالث أو حتى التاسع والأربعين للأسلحة الكيماوية». وأفادت أن «الولايات المتحدة تقدر أن الأسد قد استخدم الأسلحة الكيماوية في الحرب السورية 50 مرة على الأقل. التقديرات العامة عالية تصل إلى 200». وكشفت أنه «في الأسابيع التي تلت هجوم الأسد بغاز سارين في أبريل (نيسان) الماضي والذي أودى بحياة نحو 100 شخص، بما في ذلك الكثير من الأطفال، استخدم النظام غاز الكلور مرة واحدة على الأقل وربما ثلاثة أضعاف في نفس المنطقة». وأضافت أنه «في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، مع انتهاء صلاحية آلية التحقيق المشتركة، هاجم النظام شعبه بالسارين مرة أخرى في ضواحي دمشق». وفي يناير (كانون الثاني) الماضي «استخدم الأسد أربعة صواريخ مملوءة بالكلور على الأقل في دوما. ثم ضرب مرة أخرى في نهاية الأسبوع الماضي. وبفضل روسيا، لم يكن هناك هيئة للأمم المتحدة لتحديد اللوم» على الجهة الفاعلة. وقالت: «ستتضرر كل الدول وجميع الناس إذا سمحنا للأسد بتطبيع استخدام الأسلحة الكيماوية».
وكانت هيلي قالت للصحافيين إنه يجب عدم التسرع في التحرك عسكرياً في سوريا، لكنها أكدت أنه «في وقت ما يجب القيام بأمر ما» حيال هذا الملف، مع «عدم التسرع في قرارات كهذه» لئلا يؤدي الأمر إلى ارتكاب أخطاء. وأفادت أن الرئيس دونالد ترمب يجري تحليلاً لكل المعلومات ويتخذ إجراءات لتجنب أي تداعيات غير مرغوب فيها. وأضافت: «علينا أن نعرف أن هناك إثباتات وعلينا أن نعرف أننا نتخذ كل إجراء احترازي ضروري في حال تحركنا».
وأكد نائب المندوب الصيني وو هياتاو أن «الإجراءات العسكرية الأحادية والالتفاف على مجلس الأمن وسلطته أمور تتناقض مع ميثاق الأمم المتحدة»، مطالباً المجلس بأن «يتولى مهماته في سياق الحفاظ على الوحدة والتوافق وبذل كل الجهود للحفاظ على السلام». وحض «صون وحدة سوريا وسيادتها وسلامة أراضيها»، ومضيفاً أن «لا حل عسكريا للأزمة في سوريا بل هناك حل سياسي عبر الحوار».
وطالب المندوب الفرنسي فرنسوا دولاتر بوقف التصعيد الكيماوي السوري، مؤكداً أن «الأمم المتحدة لا يمكنها أن تدع نظاماً كنظام الأسد يتحدى مجلس الأمن والقانون الدولي في الوقت نفسه». وقال إنه «في مواجهة الفظائع الجماعية التي ارتكبت في سوريا، تعرض عمل مجلس الأمن للشلل بسبب الاستخدام المتتالي لحق النقض، الفيتو من قبل روسيا، لا لهدف إلا حماية النظام السوري». وأكد أن «ترك دمشق تملك هذه القدرة لتجاوز كل معاييرنا هو ما يشكل تهديداً للأمن الدولي»، مشددا على أن بلاده «ستتحمل مسؤولياتها» بعدما بلغ النظام السوري «نقطة اللاعودة».
وتحدثت المندوبة البريطانية كارين بيرس، قائلة: «إننا هنا اليوم وبشكل رئيسي بسبب استخدام الأسلحة الكيماوية في دوما»، مضيفة أن «استخدام هذه الأسلحة لا يمكن أن يمر من دون محاسبة وعقاب». واعتبرت أن «روسيا تريد حماية حليفها بأي ثمن». واعتبرت أن «سوريا هي الأحدث في التسلسل الزمني الخبيث لاستهتار روسيا بالقانون الدولي وعدم احترامها المؤسسات الدولية التي بنيناها معا للحفاظ على سلامتنا الجماعية». وأضافت أن «الوقوف مكتوفين، وتجاهل متطلبات العدالة والمحاسبة والحفاظ على نظام عدم الانتشار، هو ما يضع أمننا، وليس فقط أمن الشعب السوري، تحت رحمة الفيتو الروسي».
وعبر المندوب السويدي أولوف سكوغ عن ترحيب بلاده ببعثة تقصي الحقائق التي أرسلتها منظمة حظر الأسلحة الكيماوية إلى سوريا، معرباً في الوقت ذاته عن «خيبة أمل كبيرة» بسبب عجز مجلس الأمن في التعامل مع الأزمة. وكرر أن مشروع القرار الذي وضعته بلاده يمكن أن يساعد على إيجاد مخرج من الوضع الراهن.
وبعد كلمات لبقية أعضاء المجلس، حذر المندوب السوري بشار الجعفري من أنه «إذا فكرت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا أنها قادرة على مهاجمتنا فسنتصدى لها ولن نسمح لأحد بأن يعتدي على سيادتنا».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.