محمد بن سلمان يبحث في إسبانيا ملفات سياسية واقتصادية

الملك خوان كارلوس لـ {الشرق الأوسط}: آمل أن تكون الزيارة أساساً لترسيخ العلاقات التاريخية بين البلدين

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي لدى وصوله إلى مطار قاعدة «تورّيخون» الجوية على مشارف العاصمة الإسبانية مدريد أمس (واس)
الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي لدى وصوله إلى مطار قاعدة «تورّيخون» الجوية على مشارف العاصمة الإسبانية مدريد أمس (واس)
TT

محمد بن سلمان يبحث في إسبانيا ملفات سياسية واقتصادية

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي لدى وصوله إلى مطار قاعدة «تورّيخون» الجوية على مشارف العاصمة الإسبانية مدريد أمس (واس)
الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي لدى وصوله إلى مطار قاعدة «تورّيخون» الجوية على مشارف العاصمة الإسبانية مدريد أمس (واس)

يواصل الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع السعودي، جولته الدولية التي شملت الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، التي دخلت أسبوعها الرابع، حيث بدأ يوم أمس زيارة رسمية لإسبانيا، التي تأتي بناءً على توجيهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، واستجابة للدعوة المقدمة من الحكومة الإسبانية، حيث صدر يوم أمس بيان من الديوان الملكي السعودي، حول هذه الزيارة.
وقال الديوان، إن ولي العهد السعودي سيلتقي في مدريد، العاهل الإسباني فيليبي السادس، ورئيس الوزراء مريانو راخوي بري، وعدداً من المسؤولين الإسبان «لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، ومناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك».
في حين سيقيم العاهل الإسباني اليوم (الخميس) غداءً على شرف ولي العهد السعودي، بحضور رئيس الوزراء ووزراء الخارجية والدفاع والأشغال العامة والطاقة، إضافة إلى رئيسي مجلسي النواب والشيوخ ونخبة من كبار رجال الأعمال، في حين سيكون قصر «الباردو» مقراً لإقامة الأمير محمد بن سلمان، وهو قصر كان مقر إقامة الجنرال فرانكو، ويخصص حالياً لاستضافة كبار الزوّار.
وقد وصل الأمير محمد بن سلمان، بعد ظهر أمس، إلى قاعدة «تورّيخون» الجوية الواقعة على مشارف العاصمة مدريد، قادماً من باريس في زيارة وصفها مصدر حكومي إسباني رفيع لـ«الشرق الأوسط» بأنها «فاتحة لمرحلة جديدة ترسّخ العلاقات التاريخية الوثيقة التي تربط إسبانيا بالقوة الإقليمية الأولى في منطقة الشرق الأوسط»، وقال المصدر: «إن المملكة العربية السعودية، إضافة إلى دورها الاقتصادي الوازن إقليمياً ودولياً، هي مفتاح حلول معظم الأزمات التي تعصف بمنطقة تعتبرها إسبانيا حيوية بالنسبة لأمنها الاستراتيجي».
وأعرب الملك السابق خوان كارلوس في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن أمله في «أن يكون هذا اللقاء الشخصي الأول بين الملك الشاب وولي العهد السعودي الشاب أساساً تترسّخ عليه العلاقات التاريخية التي تربط إسبانيا بالمملكة العربية السعودية في مجالات عدة».
وكان الأمير محمد بن سلمان، غادر في وقت سابق من أمس، العاصمة باريس مختتماً زيارة رسمية إلى فرنسا، وكان في وداعه بالمطار الأمير طلال بن عبد العزيز بن بندر بن عبد العزيز، والدكتور خالد العنقري، سفير السعودية لدى فرنسا، ورئيس منطقة لوبورجي باتريك لابوز، والدكتور إبراهيم البلوي، مندوب السعودية في اليونيسكو، وعدد من المسؤولين في السفارة.
ولدى مغادرته العاصمة الفرنسية، أبرق الأمير محمد بن سلمان للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، قدم خلالها بالغ الشكر والتقدير على ما وجده والوفد المرافق من حسن الاستقبال وكرم الضيافة، وقال مخاطباً الرئيس ماكرون: «لقد أثبتت المباحثات التي عقدناها متانة العلاقات بين بلدينا، والرغبة المشتركة في تعميق التعاون بينهما في المجالات كافة، وفقاً لرؤية سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود وفخامتكم، والتي تهدف إلى تحقيق مصالح البلدين والشعبين الصديقين، وتعزيز الأمن والاستقرار الدوليين».
من جانبه، كرّم الرئيس إيمانويل ماكرون ضيف بلاده الكبير ولي العهد السعودي، في قصر الإليزيه في العاصمة الفرنسية باريس، وأقام له مأدبة عشاء؛ تكريماً له بمناسبة زيارته لفرنسا، بحضور رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري، وحضر مأدبة العشاء أعضاء الوفد الرسمي المرافق لولي العهد وكبار المسؤولين في الحكومة الفرنسية.
وتعلّق الأوساط السياسية والاقتصادية الإسبانية أهمية كبيرة على زيارة ولي العهد السعودي، التي ينتظر أن تضفي زخماً جديداً على العلاقات الثنائية التي تربط البلدين، والتي تمحورت في العقود الثلاثة الأخيرة حول الصداقة الوطيدة التي تربط الملك الفخري السابق خوان كارلوس بالعائلة المالكة السعودية، وبخاصة بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، عندما كان أميراً لمنطقة الرياض، وساهمت زياراته إلى الجنوب الأندلسي في إنهاض السياحة الرفيعة في تلك المنطقة.
تجدر الإشارة إلى أن خوان كارلوس، الذي قام بزيارة خاصة إلى السعودية في الأيام الأخيرة، كان له دور أساسي في إبرام أكبر اتفاق اقتصادي بين البلدين قيمته 8 مليارات دولار، تبني إسبانيا بموجبه قطار الحرمين السريع الذي يربط مكة المكرمة بالمدينة المنورة، وقد علمت «الشرق الأوسط» أن الطرفين سيبحثان فرص مشاركة إسبانيا في مشروعات «رؤية 2030»، وفي أوجه التعاون الأمني لمكافحة الإرهاب الجهادي المتطرّف.
ومن المنتظر أن تُتوَّج المباحثات بتوقيع عقد بقيمة 2.5 مليار دولار بين شركة «نافانتيا» ومؤسسة الصناعات الحربية السعودية التي تأسست في العام الماضي، تبني إسبانيا بموجبه خمس طرّادات حربية لسلاح البحرية السعودية، ضمن اتفاق واسع للتعاون في مجال التكنولوجيا الحربية يشمل تطوير منظومات للمراقبة والقتال، وصيانة المعدّات والمنشآت، وتأسيس معهد تدريبي بعد أن يتلقّى 600 بحّار سعودي التدريب في إسبانيا؛ مما يمهّد لعلاقات وثيقة بين البحريتين السعودية والإسبانية في الأمد الطويل.
وكانت الرياض قد طلبت تعديل الاتفاق الإطار الموقـّع سابقاً بحيث تجري التدريبات على الرماية بالذخيرة الحيّة في المياه السعودية، وأن يتّم تركيب المنظومات القتالية لآخر طرّادين في ميناء جدة بعد تجهيزه بمستلزمات قاعدة بحرية.
وبمناسبة اختتام زيارة الأمير محمد بن سلمان، لباريس، صدر أمس بيان سعودي ـ فرنسي مشترك حول الزيارة، تطرق إلى المباحثات التي أجراها ولي عهد المملكة العربية السعودية مع الرئيس إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء إدوارد فيليب، ووزير أوروبا والشؤون الخارجية جان إيف لودريان، ووزيرة الدفاع فلورنس بارلي، ووزير الاقتصاد والمالية برونو لومير، وكذلك إلى الاجتماع الأول لـ«مجلس الشراكة الاستراتيجية السعودي - الفرنسي» الجديد، الذي حضره عدد من الوزراء وكبار المسؤولين في حكومتي البلدين.
وأكد البيان، أن زيارة ولي العهد فرصة للاحتفاء بالتاريخ الطويل من الصداقة والتعاون بين السعودية وفرنسا، وسيؤدي قرار البلدين فتح فصل جديد وواعد في علاقتهما بتطوير إطار شراكة استراتيجية جديد يغطي الجوانب: السياسية، والدفاعية، والأمنية، والاقتصادية، والثقافية والعلمية والتعليمية، إلى أخذ علاقتهما إلى آفاق جديدة.

السياسة الدولية والإقليمية
تتشارك المملكة العربية السعودية وفرنسا في هدف مشترك لتحقيق السلام والاستقرار والأمن في الشرق الأوسط. وسيقوم وزيرا الخارجية في البلدين بتعميق مشاوراتهما وتنسيقهما لدعم الحلول السياسية. كما ستعمل المملكة العربية السعودية وفرنسا على معالجة التحديات العالمية التي يواجهها المجتمع الدولي، بما في ذلك تغير المناخ والتنمية البشرية. وسيقدم العمل المشترك للبلدين مساهمة حاسمة في هذه المجالات.
الدفاع والأمن
إن التعاون الأمني بين البلدين واسع النطاق ومتعدد الأبعاد. وقد جعلت كل المملكة العربية السعودية وفرنسا مكافحة الإرهاب أولوية لهما، بتركيز خاص على مواجهة التطرف ومكافحة تمويل الإرهاب، وسيستهدف تعاونهما الوثيق في هذا الصدد توسيع الجهود الإقليمية، والجهود متعددة الأطراف وجعلها أكثر كفاءة، وسيعملان على إنجاح مؤتمر باريس لمكافحة تمويل الإرهاب المقرر عقده يومي 9 و10 شعبان 1439ه (25 و26 أبريل/نيسان 2018م)، كما ستسهم فرنسا في دعم جهود المملكة العربية السعودية لتطوير وزارة الدفاع.
الاقتصاد والتجارة والاستثمار
إن تعميق التجارة والاستثمارات أمر مفيد لاقتصادي البلدين. وتعد «رؤية المملكة العربية السعودية 2030» فرصة لاستكشاف مجالات جديدة في الأعمال والتعاون. ومن بين القطاعات الرئيسية للتعاون: المياه والبيئة، والمدن المستدامة المتصلة، والنقل، والطاقة، والصحة، والزراعة، والإمدادات الغذائية.
وتعد المعرفة الفرنسية في مجال التقنية مهمة لكل تلك المجالات، حيث يمكن لتأثيرها أن يكون ملموساً في جميع المجالات. وسيتم تشجيع الاستثمارات المالية البينية في الشركات الكبيرة والناشئة.
وتم خلال الزيارة عقد منتدى الرؤساء التنفيذيين السعودي - الفرنسي في باريس الذي حضره رؤساء تنفيذيون وشركات من البلدين. وأتاح هذا المنتدى تقديم عروض والقيام بمناقشات متعمقة حول المشروعات المتعلقة بـ«رؤية 2030»، وتأسيس تواصل مهم بين الجانبين، والتوقيع على الكثير من العقود ومذكرات التفاهم التي تبرز الديناميكية الجديدة للروابط الاقتصادية والتقنية بين البلدين.
التعاون الأكاديمي والثقافي والعلمي
سيؤدي تجديد إطار الشراكة بين المملكة العربية السعودية وفرنسا إلى إعادة تحديد أولويات التعاون بينهما. وسيؤسس البلدان برامج في مجالات: التعليم والتدريب، والبحث والابتكار، والثقافة والتراث والسياحة، والرياضة والشباب. وستشارك فرنسا بمهاراتها السياحية والتراثية لمصلحة «رؤية 2030».
وتهدف هذه الشراكة الجديدة، التي تجسد كذلك جهد المملكة العربية السعودية في تطوير قطاع سياحي وتراثي مستدام في منطقة العلا بمشاركة شركاء دوليين، إلى تعزيز التعاون في جميع هذه المجالات من خلال إجراءات ملموسة ومشروعات هيكلية، وهناك مشروعات في هذا الصدد قائمة بالفعل.
وفي مجال التراث الثقافي، تم التوقيع على اتفاقية بين حكومتي البلدين حول مشروع تطوير محافظة العلا، وقّعها من الجانب السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن محمد بن فرحان آل سعود، محافظ الهيئة الملكية لمحافظة العلا، ومن الجانب الفرنسي وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان. ويسلط هذا التعاون الضوء على رؤية مشتركة بين البلدين لحماية وتعزيز التراث الثقافي، وتعزيز المعرفة العلمية، وفتح طرق جديدة للسياحة المستدامة حول هذا الموقع الأثري الفريد.
وقد أردفت هذه الاتفاقية بمذكرة تفاهم بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا و«كامبس فرانس» حول تدريب طلاب من محافظة العلا، ومذكرة تفاهم بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا ومعهد العالم العربي لإقامة معرض زائر.
وفيما يتصل بالقضايا الإقليمية والدولية، فقد جرت مباحثات معمقة بشأنها بين الجانبين. وأبرزت المملكة العربية السعودية وفرنسا تمسكهما بالسلام والأمن في الشرق الأوسط. وحظي الوضع الحالي في الغوطة الشرقية باهتمام بالغ، بما في ذلك التقارير الأخيرة عن استخدام الأسلحة الكيماوية. وقد دعا الجانبان المجتمع الدولي إلى محاسبة المتورطين في هذه الهجمات. وأكد البلدان موقفهما، بأن حل الأزمة السورية لا بد أن يكون بناءً على حل سياسي يعتمد على بيان «جنيف 1» وقرار مجلس الأمن 2254 ـ 2015.
وأكد البلدان التزامهما الثابت بمحاربة التطرف والإرهاب ومكافحة تمويلهما، بما في ذلك في منطقة الساحل. وثمنت فرنسا الدعم الكبير الذي تقدمه المملكة للقوة العسكرية المشتركة في دول الساحل الخمس.
وفي الشأن اليمني، أكد الجانبان الحاجة إلى حل سياسي، كما دعا إلى ذلك قرار مجلس الأمن 2216 ـ 2015، لإنهاء معاناة الشعب اليمني. وأدان الجانبان الهجمات الصاروخية الباليستية التي شنتها الميليشيات الحوثية على المملكة العربية السعودية، وشددا على أهمية امتثال الدول التي تقوم بتزويد الميليشيات الحوثية بالأسلحة والصواريخ الباليستية بقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة والتي تحظر هذه الأفعال. وعاود الجانبان التأكيد على أهمية دعم جهود المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن للوصول إلى حل سياسي للأزمة اليمنية. وفي سياق موازٍ، أكدت فرنسا استعدادها لدعم تحالف دعم الشرعية في اليمن وأجهزة الأمم المتحدة في تسريع وصول المساعدات الإنسانية لليمنيين كافة، بما في ذلك من خلال خطة الاستجابة الإنسانية التي التزمت بها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة بمبلغ مليار دولار. واتفقت المملكة العربية السعودية وفرنسا على تنظيم مؤتمر دولي في باريس بشأن المساعدات الإنسانية في اليمن، كما أكد البلدان استعدادهما لتعزيز التعاون - مع دول صديقة أخرى - حول أمن وتنمية البحر الأحمر.
كما أكد البلدان التزامهما باستقرار لبنان ووحدته وسيادته، كما ظهر من تعهداتهما ومواقفهما في مؤتمر الأرز الذي عقد في 20 رجب 1439ه (6 أبريل 2018م)، في باريس، وشدد البلدان على ضرورة تقيد جميع الأطراف اللبنانية بالتزامها بمبدأ النأي بالنفس عن النزاعات الإقليمية.
وفيما يتعلق بالصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، كرر البلدان دعوتهما إلى حل الدولتين على أساس قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة والمبادرة العربية للسلام.
واتفق الجانبان على ضرورة منع إيران من امتلاك الأسلحة النووية.
وناقش الجانبان الخطوات التي سيتم العمل عليها لكبح برنامج إيران الباليستي، ووقف الجوانب المزعزعة للاستقرار في سياستها الإقليمية، وأشارا إلى أن تزويد الميليشيات، وكذلك المجموعات المسلحة بما فيها المجموعات المصنفة كمنظمات إرهابية من قبل الأمم المتحدة، بالأسلحة والدعم أمر لا يمكن قبوله، وأن على إيران أن تلتزم بالقوانين والمبادئ الدولية فيما يتصل بحسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى.
وأكد الجانبان، أن زيارة ولي العهد كانت زيارة تاريخية نقلت العلاقة بين البلدين إلى آفاق جديدة، وعبّر الجانبان عن تطلعهما لزيارة الرئيس ماكرون إلى المملكة العربية السعودية لنقل العلاقة بينهما إلى آفاق أرحب.



إصرار خليجي على الحل السياسي… وإيران تواصل استهداف البنية التحتية

آثار قصف إيراني استهدف العاصمة القطرية الدوحة (أ.ف.ب)
آثار قصف إيراني استهدف العاصمة القطرية الدوحة (أ.ف.ب)
TT

إصرار خليجي على الحل السياسي… وإيران تواصل استهداف البنية التحتية

آثار قصف إيراني استهدف العاصمة القطرية الدوحة (أ.ف.ب)
آثار قصف إيراني استهدف العاصمة القطرية الدوحة (أ.ف.ب)

واصلت إيران استهداف مواقع البنية التحتية لدول الخليج حتى اليوم (السادس عشر) من الحرب، رغم تأكيدات دول المجلس عدم السماح باستخدام أراضيها وأجوائها في الهجمات التي تستهدف إيران.

ومع إصرار دول الخليج الالتزام بالحوار، والتهدئة، وتلافي الرد العسكري على الهجمات الإيرانية، واصلت الدفاعات الخليجية تأكيد قدراتها، من خلال إسقاط واعتراض وتدمير المسيّرات، والصواريخ التي تستهدف العديد من مصادر الطاقة، والمواقع المدنية، مثل المطارات، والفنادق.

دخان يتصاعد من ميناء جبل علي في دبي بعد هجوم إيراني يوم 1 مارس 2026 (رويترز)

وأكد جاسم البديوي الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، خلال لقاء تلفزيوني، الأحد، أن دول الخليج ملتزمة بالحوار، والحل السياسي، ومع ذلك يواصل مقر خاتم الأنبياء والحرس الثوري الإيراني، إرسال الرسائل التحذيرية لعدد من سكان دول المنطقة، بالابتعاد عن مناطق تعتبر مدنية مثل الموانئ والبنوك في دبي.

المثير للاستغراب أن عدد الهجمات الإيرانية على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية تجاوز هجماتها على إسرائيل، إذ تجاوز العدد الإجمالي للهجمات الإيرانية خلال الأسبوعين الأولين من الحرب، حسب عدد من المصادر، نحو 2500 صاروخ، وقرابة 4000 طائرة مسيرة، وبرّرت إيران تركيز هجماتها على دول الخليج بأنها تستهدف القواعد الأميركية، والمنشآت والمصالح الأميركية في المنطقة، لكن قائمة الهجمات لم تقتصر على ذلك، فلقد ضربت منشآت طاقوية، وموانئ، ومنشآت مدنية.

وأكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أكثر من مناسبة، آخرها أثناء حديث للصحافة على متن الطائرة الرئاسية فجر الاثنين، استغرابه من استهداف إيران لدول الخليج بهذه الطريقة رغم عدم تدخلها في الحرب.

تصاعد الدخان فوق إمارة الفجيرة في الإمارات (أ.ف.ب)

العديد من المعلقين والمتابعين من دول الخليج يعتبرون أن ما قامت به إيران، واستمرارها في إطلاق صواريخها وطائراتها المسيرة على المدن الخليجية هو خطأ إسراتيجي فادح، سيجعل الهوة واسعة جداً، والثقة مفقودة بينها وبين جيرانها العرب.

ويرى الدكتور سعد بن طفلة العجمي، وزير الإعلام الكويتي الأسبق في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن طهران تحاول قدر الإمكان جر المنطقة كلها إلى حرب إقليمية بُغية أن يخفف ذلك من الضغط الواقع عليها، لافتاً إلى أن السجل الإيراني في تغذية وتمويل الإرهاب في المنطقة واستهداف المناطق المدنية ليس جديداً، وذكر من ذلك عدداً من العمليات التي قامت بها إيران في المنطقة قبل أن تكون هناك أي قواعد أميركية، ومنها محاولة اغتيال أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد عام 1985، واختطاف الطائرة الكويتية من مشهد، ثم إلى بيروت بواسطة «حزب الله» اللبناني، بالإضافة إلى الخلية الإرهابية التي كانت ترعاها السفارة الإيرانية، مما أدى إلى طرد السفير الإيراني لدى الكويت قبل سنوات قليلة، واستدعاء السفير الكويتي من طهران إلى الكويت، ويستذكر العجمي الهجمات التي استهدفت بقيق وخريص في السعودية، معتبراً أن إيران تقف خلفها، وأراد من ذلك أن يوضّح أنه من قبل ومن بعد وجود القواعد الأميركية في المنطقة، فإن الاستهداف الإيراني لدولها كان مستمراً على الدوام.

من جهته يرى المحلل السياسي السعودي أحمد آل إبراهيم لـ«الشرق الأوسط» أن الارتباك في القيادة الإيرانية، وارتفاع تكلفة الحرب لديها بسبب تصاعد مستوى الهجوم والضربات، تسببا بلا شك في ظهور أصوات متناقضة من داخل مؤسسة النظام في إيران، ومع غياب قائد حقيقي للبلاد بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، فإنه يمكن فهم التحركات المتهورة من الحرس الثوري الذي كان خاضعاً بشكل مباشر لسيطرة المرشد، وانفلت مع غيابه بفعل القوة التي يمتلكها، والتي تتطلب بحسب نظر الكثيرين من الاستراتيجيين في إيران الاستخدام والاستهلاك.

إلى جانب عزلة طهران الإقليمية التي تزايدت منذ بداية الحرب، يتوقّع آل إبراهيم أن قدرة دول الخليج العالية على التصدي للهجمات الإيرانية من شأنها أن تدفع إيران في نهاية المطاف إلى تبنّي أسلوب مختلف، أو سياسة مختلفة ضد هذه الدول، وذلك مردّه إلى استنزافها واستهلاك مخزونها من المسيرات والصواريخ من نوعي الكروز والباليستية، من دون تحقيق نتائح حقيقية في ميزان الحرب، مما قد يضطرها إلى تبنّي مقاربة جديدة أثناء الحرب.

حقل شيبة في الربع الخالي حيث استهدفته مسيرات اعترضتها ودمرتها الدفاعات السعودية (رويترز)

أما المحلل السياسي السعودي الدكتور خالد الهباس فيرى أن استهداف إيران لدول الخليج، رغم تأكيدها عدم الانخراط في الحرب وسعيها إلى الوساطة السياسية، يشير إلى أن إدارة العمليات العسكرية داخل إيران باتت بيد قيادات متشددة في الحرس الثوري ومقر خاتم الأنبياء، وفيما يتعلق بالتباينات داخل القيادة الإيرانية، أكد الهباس أن «ذلك، في جميع حالاته، سيؤثر سلباً على مصداقية السلطة في إيران من وجهة نظر خليجية، ويجعل دول الخليج تدرس بعناية خياراتها الأنسب للتعامل مع العدوان الإيراني المستمر».


وزراء خارجية السعودية واليابان وباكستان يناقشون أوضاع المنطقة

وزراء الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان والياباني توشيميتسو موتيجي والباكستاني محمد إسحاق دار (الشرق الأوسط)
وزراء الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان والياباني توشيميتسو موتيجي والباكستاني محمد إسحاق دار (الشرق الأوسط)
TT

وزراء خارجية السعودية واليابان وباكستان يناقشون أوضاع المنطقة

وزراء الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان والياباني توشيميتسو موتيجي والباكستاني محمد إسحاق دار (الشرق الأوسط)
وزراء الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان والياباني توشيميتسو موتيجي والباكستاني محمد إسحاق دار (الشرق الأوسط)

بحث الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله، وزير الخارجية السعودي، مع نظيريه الياباني توشيميتسو موتيجي، والباكستاني محمد إسحاق دار، الاثنين، مستجدات الأوضاع الراهنة في المنطقة والجهود المبذولة بشأنها.

جاء ذلك في اتصالين هاتفيين تلقاهما الأمير فيصل بن فرحان من الوزيرين موتيجي ودار.

وفي سياق دبلوماسي آخر، التقى المهندس وليد الخريجي، نائب وزير الخارجية السعودي، في مقر الوزارة بالرياض، السفير الصيني تشانغ هوا، والقائم بأعمال سفارة الولايات المتحدة أليسون ديلورث، وجرى خلال اللقاء مناقشة التطورات الإقليمية وتداعياتها على الأمن والسلم الدوليين والجهود المبذولة بشأنها. وذلك عقب استعراض العلاقات الثنائية التي تجمع الرياض مع بكين وواشنطن.


الدفاعات الخليجية تسقط عشرات الصواريخ والمسيرات الإيرانية

الدفاعات السعودية اعترضت ودمرت 64 مسيرة على الرياض المنطقة الشرقية خلال الساعات الـ24 الماضية (وزارة الدفاع)
الدفاعات السعودية اعترضت ودمرت 64 مسيرة على الرياض المنطقة الشرقية خلال الساعات الـ24 الماضية (وزارة الدفاع)
TT

الدفاعات الخليجية تسقط عشرات الصواريخ والمسيرات الإيرانية

الدفاعات السعودية اعترضت ودمرت 64 مسيرة على الرياض المنطقة الشرقية خلال الساعات الـ24 الماضية (وزارة الدفاع)
الدفاعات السعودية اعترضت ودمرت 64 مسيرة على الرياض المنطقة الشرقية خلال الساعات الـ24 الماضية (وزارة الدفاع)

أكد اللواء الركن تركي المالكي المتحدث باسم وزارة الدفاع السعودية، التصدي وتدمير 56 صاروخاً باليستياً، و17 صاروخ «كروز»، و450 طائرة مسيّرة حاولت دخول أجواء المملكة منذ بدء المواجهة الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

وكشف المالكي في تصريحات صحافية، أن القوات الجوية الملكية السعودية والقوات المسلحة أول قوة في العالم تدمر صواريخ من نوع «كروز»، مشدداً على أن القوات المسلحة السعودية تمتلك القدرات المتقدمة اللازمة للتصدي لأي هجمات أو اعتداءات جوية قد تحدث - لا قدر الله - على المملكة.

الدفاعات السعودية اعترضت ودمرت 64 مسيرة على الرياض المنطقة الشرقية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية (وزارة الدفاع)

وفي اليوم السابع عشر للحرب، فرضت منظومات الدفاع الجوي الخليجية حضورها في سماء المنطقة، بعدما نجحت في اعتراض وتدمير عشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، التي أُطلقت باتجاه عدة دول خلال الـ24 ساعة الماضية.

وأكدت الجهات العسكرية في السعودية والكويت والبحرين والإمارات وقطر، أن أنظمة الدفاع الجوي تعاملت بكفاءة مع التهديدات، معترضةً عدداً كبيراً من الصواريخ والمسيّرات، وشددت على استمرار الجاهزية العالية لحماية الأجواء والمنشآت الحيوية والحفاظ على أمن واستقرار المنطقة.

السعودية

في السعودية، أعلن المتحدث باسم وزارة الدفاع، اللواء الركن تركي المالكي، اعتراض وتدمير 64 مسيرة على الرياض، المنطقة الشرقية، خلال الـ24 ساعة الماضية، قبل ان يتم الإعلان لاحقاً تدمير 11 مسيّرة في محافظة الخرج.

وكشف المالكي أن الدفاعات السعودية تمكنت من تدمير 56 صاروخاً باليستياً و17 صاروخ «كروز»، إلى جانب 450 طائرة مسيرة حاولت دخول الأجواء السعودية منذ بدء الحرب الإيرانية - الأميركية - الإسرائيلية.

إلى ذلك، أطلقت وزارة الدفاع السعودية خدمة الإبلاغ عن المشاهدات الجوية المشبوهة عبر التطبيق الوطني الشامل «توكلنا»، لتتيح فرصة الإبلاغ عن أي مشاهدات جوية مشبوهة (الطائرات المسيرة أو الصواريخ)، لضمان سرعة الاستجابة لحماية الوطن وصون قدراته.

وأكد المتحدث باسم وزارة الدفاع أن هذه الخدمة تعزز الشراكة الحقيقية بين المواطنين والمقيمين ومنظومة الدفاع من منطلق دوره المهم في الدفاع عن الوطن، مؤكداً أن القوات المسلحة السعودية تمتلك القدرات المتقدمة اللازمة للتصدي لأي هجمات أو اعتداءات جوية.

الكويت

وفي الكويت، أعلن الحرس الوطني أن قوة الواجب التابعة له تمكنت من إسقاط طائرتين مسيرتين، وقال العميد جدعان فاضل المتحدث الرسمي باسم الحرس الوطني الكويتي في بيان الاثنين، إن قوات الحرس تمكنت خلال الـ24 ساعة الماضية من إسقاط طائرتين مسيرتين في مواقع المسؤولية التي تتولى تأمينها، مبيناً أن هذا الإجراء يأتي في إطار جهود تعزيز الأمن وحماية المواقع الحيوية والتصدي لأي تهديدات محتملة.

وأكد فاضل أن قوات الحرس الوطني بالتعاون مع الجيش والشرطة وقوة الإطفاء العام على أهبة الاستعداد والجاهزية، للتعامل مع أي تهديدات والتصدي لكل ما يستهدف زعزعة أمن البلاد واستقرارها.

تصاعد الدخان فوق إمارة الفجيرة الإماراتية (أ.ف.ب)

البحرين

في المنامة، أعلنت القيادة العامة لقوة دفاع البحرين أن منظومات الدفاع الجوي مستمرة في مواجهة موجات تتابعية من الاعتداءات الإيرانية الإرهابية الآثمة، حيث تم منذ بدء الاعتداء الغاشم اعتراض وتدمير 129 صاروخاً و215 طائرة مسيرة استهدفت البلاد.

وأهابت القيادة العامة لقوة دفاع البحرين بالجميع؛ ضرورة التقيد بأقصى درجات الحيطة والحذر حفاظاً على سلامتهم، والابتعاد التام عن المواقع المتضررة، وعن أي أجسام مشبوهة، وعدم تصوير العمليات العسكرية، وتجنب تصوير مواقع سقوط الحطام، وعدم تناقل الإشاعات، مع الحرص على استقاء المعلومات من المصادر الرسمية، مع أهمية متابعة وسائل الإعلام الرسمية ‏والحكومية لاستقاء المعلومات والتنبيهات والتحذيرات.

وقال رئيس نيابة الجرائم الإرهابية إن النيابة العامة أمرت بحبس عدد من المتهمين احتياطياً على ذمة التحقيق، وذلك على خلفية اتهامهم بالترويج والتمجيد للأعمال العدائية الإرهابية التي تتعرض لها المملكة البحرين.

الإمارات

أوضحت وزارة الدفاع الإماراتية أن أنظمة الدفاع الجوي تعاملت في سماء الإمارات مع صواريخ وطائرات مسيّرة أُطلقت من إيران، وقالت الوزارة في بيان الاثنين، إن «أنظمة الدفاع الجوي الإماراتية تصدت لتهديدات صاروخية وهجمات بطائرات مسيرة مقبلة من إيران».

فيما أعلنت هيئة دبي للطيران المدني، استئناف بعض الرحلات من وإلى مطار دبي الدولي بشكل تدريجي، إلى بعض الوجهات بعد التعليق المؤقت الذي تم اتخاذه بوصفه إجراءً احترازياً. ونصحت الهيئة المسافرين بالتواصل مع شركات الطيران الخاصة بهم للاطلاع على آخر المستجدات المتعلقة برحلاتهم.

وأدى اشتعال أحد خزانات الوقود في مطار دبي الدولي، فجر الاثنين، جراء إصابته نتيجة حادث مرتبط بطائرة مسيرة، إلى تعليق حركة الطيران مؤقتاً.

وقال المكتب الإعلامي لحكومة دبي: «تُعلن هيئة دبي للطيران المدني عن التعليق المؤقت للرحلات في مطار دبي الدولي، بوصف ذلك إجراء احترازياً، وذلك لضمان سلامة جميع المسافرين والموظفين».

إلى ذلك، قُتل شخص على أطراف مدينة أبوظبي الاثنين، جراء سقوط صاروخ على مركبة مدنية، بحسب ما أعلنت السلطات. وأفاد مكتب أبوظبي الإعلامي في بيان: «تعاملت الجهات المختصة في إمارة أبوظبي مع حادث نتيجة سقوط صاروخ على مركبة مدنية في منطقة الباهية، ما أسفر عن مقتل شخص واحد من الجنسية الفلسطينية».

وأطلقت إيران أكثر من 1800 صاروخ وطائرة مسيرة على الإمارات، ما أدى إلى اضطراب في الرحلات بمطار دبي الدولي، رغم اعتراض دفاعاتها الجوية الجزء الأكبر من المقذوفات.

قطر

في الدوحة، أعلنت وزارة الدفاع القطرية عن تصديها لهجمة صاروخية استهدفت أراضي الدولة الاثنين، حيث فعّلت السلطات القطرية التنبيهات على الهواتف للإعلان عن انتهاء التهديد الأمني وعودة الأوضاع إلى طبيعتها.

الدفاعات الجوية والقوات المسلحة السعودية الأولى في العالم التي دمرت صواريخ من نوع «كروز» (وزارة الدفاع)

وشددت قطر على أن الدبلوماسية مع إيران لن تكون ممكنة سوى في حال «أوقفت الهجمات» التي تشنها على الدوحة ودول أخرى في الخليج.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري: «إذا أوقفوا الهجمات، عندها يمكننا إيجاد سبيل عبر الدبلوماسية. لكن ما دامت بلداننا تتعرض لهجمات، فهذا ليس وقت تشكيل لجان (مشتركة)؛ بل هو وقت اتخاذ موقف مبدئي للغاية بشأن حماية بلداننا، وليوقف الإيرانيون مهاجمتنا فوراً».