بورديو وتعرية آليات الهيمنة في المجتمع الرأسمالي

كتاب مغربي عن عالم الاجتماع الفرنسي «المشاكس»

بورديو وتعرية آليات الهيمنة في المجتمع الرأسمالي
TT

بورديو وتعرية آليات الهيمنة في المجتمع الرأسمالي

بورديو وتعرية آليات الهيمنة في المجتمع الرأسمالي

أصدرت مجلة «العلوم القانونية المغربية»، ضمن سلسلتها في البحث الأكاديمي، كتاباً جديداً للدكتور جميل الحمداوي، بعنوان: «بيير بورديو وأسئلة علم الاجتماع»، وهو كتاب صغير الحجم لكن يفي بالغرض، الذي هو التعريف بالملامح الكبرى لأفكار أحد أهم علماء الاجتماع الفرنسيين خلال القرن العشرين، وهو «المشاكس» بيير بورديو.
ويعد بورديو (1930 - 2002) من أهم علماء الاجتماع الفرنسيين الذين سموا «الملتزمين الجدد»، والذين جددوا في التصور الماركسي خلال منتصف القرن العشرين، وله أكثر من أربعين كتاباً وأكثر من مائة مقال. وقد انصب اهتمامه الأساسي على سؤال حارق آنذاك، وربما لا يزال، وهو: كيف يعيد المجتمع الرأسمالي إنتاج التراتبية الطبقية نفسها؟ لكن ليس انطلاقاً من التشديد على العوامل الاقتصادية، كما كانت تلح الماركسية الكلاسيكية، بل بالتركيز على العوامل الثقافية والرمزية. وهو الأمر الذي سيتضح من خلال كتابه «إعادة الإنتاج»، في سنوات الستينات من القرن الماضي، الذي كتبه مع صديقه كلود باسرون، والذي سيجعل من بورديو علماً مشهوراً. وهو الكتاب الذي سيسعى إلى إبراز كيف أن المدرسة ليست بريئة قط، وكيف أنها تساهم في إعادة الطبقية نفسها داخل المجتمع، فالثقافة التي يتلقاها المتعلم الفرنسي خصوصاً، والمتعلم في المجتمع الرأسمالي عموماً، ليست موضوعية أو نزيهة، بل هي ثقافة مؤدلجة تخدم الطبقة النافدة. وكي نفهم ذلك جيداً، لا بد من الوقوف عند مفهوم مركزي عند بورديو هو «الهابيتوس»:
خصص مؤلف الكتاب المبحث السادس لمفهوم الهابيتوس (Habitus)، أو الآبيتوس، دون محاولة تعريبه. وهنا لا بد من الإشارة إلى اجتهاد أحد الكتاب في اختيار لفظ يتناسب واللسان العربي، وهو المؤلف عبد الجليل بن محمد الأزدي، الذي ترجم المفهوم بـ«السمت»، وذلك في كتابه عن بيير بورديو، الصادر عام 2003، مراكش. فما المقصود بـ«الهابيتوس» عند بورديو؟ إنه بالضبط: كل المضمرات من خبرات وكفاءات وقدرات ناتجة عن التربية، ترسخت في جوف الفرد جراء التنشئة الاجتماعية، لتشتغل بلا وعي منه، ومن خلالها يواجه الوضعيات الصعبة والمعقدة داخل عالمه الاجتماعي. فالفرد منا، بحسب بورديو، يحمل «الهابيتوس» كرأسمال ثقافي، يعمل في خلسة وغفلة منه أحياناً، لهذا فهو يتميز بالتكرار والاستدامة والضمنية والتعالي، وقابلية التوريث للأجيال اللاحقة المنتمية للطبقة نفسها، أو لنقل ببساطة هو مجموع الاستعدادات الموروثة اجتماعياً التي تؤثر في سلوكياتنا وردود أفعالنا لدرجة نسيان وجودها، فهي تعمل لا شعورياً. وبعد هذا التوضيح لأهم مفاهيم بورديو، أي «الهابيتوس» أو «السمت»، لنعد إلى المدرسة باعتبارها أداة إعادة الإنتاج الطبقي. إن التلاميذ حينما يدخلون إلى المدرسة الرأسمالية، لا ينطلقون من وضعيات متساوية، لأن رساميلهم الثقافية مختلفة.. فكيف ذلك؟
إن المدرسة تخدم الطبقة المسيطرة لأنها تفرض برنامجاً دراسياً يتلاءم والرأسمال الثقافي الخاص بها، فالطفل في هذه الحالة يعيش في المدرسة استمرارية وانسجاماً مع ما يعيشه بالفعل ضمن طبقته (حضور للمسارح، وزيارات للمتاحف، وسفريات تسمح بإتقان اللغات، وضوابط للسلوك،... إلخ)، الأمر الذي لا يجعله يحس بالغربة، فكل ما يقدم له هو جزء من تربيته، أو لنقل إن هابيتوس طفل الطبقة المهيمنة يخول له التفوق والنجاح بيسر، ودون مجهود ينهك له قواه. وعلى خلاف ذلك، نجد الطفل القادم من الطبقة الدنيا يعيش قطيعة مع المدرسة لأنها تقدم له مضامين معرفية وأساليب للتقويم غريبة عن استعداداته ورأسماله الثقافي الذي تشربه واستدمجه من طبقته، مما يحتم عليه بذل الجهد الكبير من أن أجل التكيف، وهو ما يجعل الكثير يفشل في أن يحظى بالتفوق المطلوب، وإذا ما فلح في ذلك، فالأمر يكون بمجهود جبار ينسف القوى.
نستنتج من عمل بورديو أن تصنيفات الذكاء في المدرسة لا تخلو من الإقصاء، كما لا يمكن فصلها عن الصراعات الاجتماعية، لأن البرامج الدراسية توضع على مقاس المسيطر، مما يصنع التفوق الدائم، ومن ثم إعادة الهيمنة من جديد، فالذكاء صناعة اجتماعية، وليس فقط نتاج الوراثة البيولوجية.
إن موضوع علم الاجتماع الأساس، عند بيير بورديو، هو دراسة حقول الصراع والتنافس، فالمجتمع لا يخلو أبداً من تمايزات طبقية. فحتى الحقل العلمي الصرف غارق في التنافسية، والسعي نحو تحقيق الأرباح وحصد الجوائز المادية (جائزة نوبل) والرمزية للظفر بالسبق والحظوة. أما وظيفة علم الاجتماع، فهي تقويض وتفكيك آليات السلطة، وكشف المخفي باستجلاء لعبة الهيمنة التي تسري في النسيج الاجتماعي عن طريق المقاربة الصراعية. وهذا العمل ينبغي، بحسب بورديو، أن يخضع لمنهج كمي (الاستمارة، والتحقق الميداني، والإحصاء، والمعايشة المشتركة،...إلخ)، ناهيك عن المنهج الكيفي، عن طريق فهم الظاهرة الاجتماعية، وليس فقط تفسيرها، مع التأكيد على ضرورة التزام عالم الاجتماع الحياد القيمي، عن طريق وعيه بموقعه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. باختصار: نجمل السوسيولوجيا عند بورديو في أنها تهتم بالمضمر والمسكوت عنه.
نحن وقفنا فقط عند جانب من سوسيولوجيا بيير بورديو، أما المؤلف جميل حمداوي، فهو يزودنا بتفاصيل كثيرة في كتابه، نذكر منها: أنواع الرأسمال عند بورديو (الرأسمال الاقتصادي، والثقافي، والاجتماعي، والرمزي اللغوي)، ومفهوم السوق اللسانية (مثلاً، الإنجليزية تحتل مكانة كبرى في السوق الألسنية مقارنة باللغات الأخرى)، والعنف الرمزي (باعتباره عنفاً لطيفاً عذباً غير مرئي حتى بالنسبة لضحاياه أنفسهم)، والجمال والتذوق (الذوق يناقش بحسب الانتماء الاجتماعي)، والتميز والاختلاف، وأخيراً مفهوم الحقل.


مقالات ذات صلة

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

ثقافة وفنون حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

حكايات مسكونة بالأسى وإحساس فادح بالذنب

في مجموعتها القصصية «متحف الأخطاء» الصادرة أخيراً عن «دار الشروق» بالقاهرة، تنظر الكاتبة المصرية منصورة عز الدين إلى السرد عبر عدسةٍ مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

المسرح الصيني: تنوع في الأفكار والأساليب الفنية

يشكل تنوع الأفكار واختلاف الأساليب الفنية في عالم الإبداع عبر القرن العشرين جوهر كتاب «مختارات من المسرح الصيني الحديث» الصادر في القاهرة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

ريمي براغ: الحضارة المادية حبلها قصير

كنت أبحث في معرض الرباط المقام الآن عن عدة كتب من بينها هذا الكتاب الصادر أخيراً بعنوان: «هل تفعل العقائد الخير أكثر من الشر؟».

هاشم صالح
كتب «ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

«ماري مجدولين»... صفحات ظلت على الهامش من تاريخ الخليج

في روايته الجديدة «الإرساليّة»، يقدّم الكاتب، خالد الجابر سردية لا تتعامل مع التاريخ بوصفه مستودعاً للوقائع الجامدة، بل باعتباره مادة حيّة قابلة للإصغاء المتجدد

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

«خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» لمنير الربيع

صدر حديثاً عن «شركة رياض الريس للنشر» في بيروت، كتاب «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» للكاتب والمحلل السياسي منير الربيع

«الشرق الأوسط» (بيروت)

منى زكي تعود للدراما من بوابة «الخيانة الزوجية»

منى زكي تعود للدراما بعد سنوات (صفحتها على «فيسبوك»)
منى زكي تعود للدراما بعد سنوات (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

منى زكي تعود للدراما من بوابة «الخيانة الزوجية»

منى زكي تعود للدراما بعد سنوات (صفحتها على «فيسبوك»)
منى زكي تعود للدراما بعد سنوات (صفحتها على «فيسبوك»)

تعود الفنانة منى زكي لـ«الشاشة الصغيرة»، مجدداً بعد غياب 3 سنوات، من خلال المسلسل الدرامي «طالع نازل»، الذي يطرح قضية «الخيانة الزوجية»، خلال أحداثه التي تقع في 10 حلقات، أسوة بالتوجه الذي اعتمده صنّاع مسلسلات منذ سنوات، خصوصاً في دراما المنصات.

ويعد مسلسل «طالع نازل»، الذي يشارك في بطولته محمد شاهين، ومريم الخشت، وميمي جمال، التعاون الثالث الذي يجمع منى زكي بالمخرج هاني خليفة بعد تعاون سينمائي سابق من خلال فيلمَي «سهر الليالي»، الذي عُرض مطلع الألفية الجديدة، و«رحلة 404»، الذي عُرض قبل عامين.

الفنانة مريم الخشت التي تشارك في بطولة العمل الذي يجمعها بمنى زكي لأول مرة، ويشهد على التعاون الثالث لها مع المخرج هاني خليفة، بعد مسلسلَي «ليالي أوجيني»، و«بدون سابق إنذار»، أكدت أن «الإطار العام للعمل لا يدور حول (الخيانة الزوجية) بمعناها الواضح، بل إن القصة متشعبة ومعالجتها مختلفة».

وأضافت مريم الخشت لـ«الشرق الأوسط»: «لا يمكننا الوقوف عند شخصية بعينها في العمل لنقول هي السبب، أو هي وراء الصراع، بل بإمكان الجمهور التماس العذر لجميع الشخصيات في مواقف معينة لا يُحسدون عليها. وفي حال وضع المشاهد نفسه بداخل إطارها، فلن يستطيع الحكم على غيره بالسلب أو الإيجاب».

ونوّهت مريم الخشت بأن مسلسل «طالع نازل»، في مراحل تصويره النهائية، وأن العمل مع منى زكي كان «أمنية كبيرة»، بالنسبة لها، وتحققت، وستكون علامة مهمة في مشوارها، مضيفة: «فريق العمل المحترف يحمّلني مسؤولية صعبة، إلى جانب أن وجودي فرصة وضعتني في مكانة مميزة على خريطة الدراما عامة».

الفنانة مريم الخشت تشارك في مسلسل «طالع نازل» (صفحتها على «فيسبوك»)

وعن رأيه في عودة منى زكي للدراما التلفزيونية مجدداً بعد غياب، وتعاونها مع المخرج هاني خليفة لأول مرة بالدراما، أكد الكاتب والناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن، أن «منى زكي اسم قادر على جذب الجمهور، بعد تقديمها أخيراً عدداً من المسلسلات التلفزيونية التي حققت نجاحاً لافتاً».

وأضاف عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»: «باعتبار أن المسلسل سوف يتم عرضه على منصات، فإننا سنرى منى زكي لأول مرة في هذا الوسيط المهم بعيداً عن موسم رمضان، كما أن جمهورها سيرى ثنائية فنية مميزة مع هاني خليفة، بعد تقديمهما تجارب مختلفة من قبل في السينما»، متوقعاً أن يقدما للجمهور تجربة مغايرة، و«المؤشرات تقول إنه سيكون عملاً مختلفاً، لكن النتيجة ستتضح بعد العرض بالتأكيد»، على حد تعبيره.

وبخلاف «طالع نازل» ناقشت مسلسلات مصرية عدة، بمعالجات مختلفة، قضية «الخيانة الزوجية»، والتي عادة ما تكون جاذبة لشريحة كبيرة من الناس، وفق نقاد ومتابعين، مثل مسلسلات «لأعلى سعر»، و«وتر حساس»، و«حرب أهلية»، و«علاقة مشروعة»، وغيرها.

الكاتبة والناقدة الفنية المصرية الدكتورة آمال عثمان، قالت إن «عودة منى زكي إلى الدراما بعد غياب سنوات، ليست مجرد عودة فنية عادية، بل تبدو خطوة محسوبة تعكس حرصها على اختيار أعمال تترك أثراً حقيقياً وتضيف إلى رصيدها الفني، لا مجرد حضور موسمي عابر».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «منى زكي واحدة من أهم نجمات جيلها، ونجحت على مدار سنوات في بناء مكانة خاصة تقوم على التنوع والرهان على الأدوار الصعبة، لذلك تصبح عودتها إلى الدراما حدثاً فنياً يثير الفضول، خصوصاً مع مشروع يحمل عناصر جذب فنية وإنسانية واضحة».

وأشارت آمال عثمان إلى أن «التعاون الأول درامياً بين منى زكي وهاني خليفة يمنح المشروع حالة من الترقب؛ لأننا نتحدث عن مخرج يمتلك حساً بصرياً وإنسانياً مختلفاً، وفنانة تعرف كيف تختار أدوارها بعناية، وأتمنى أن يوازن المسلسل بين تحقيق معادلتَي النجاح الفني والجماهيري».

وعن مناقشة العمل قضية «الخيانة الزوجية»، رغم تكرارها درامياً، قالت آمال عثمان: «القيمة الحقيقية لن تكون في الفكرة نفسها، بل في طريقة تفكيكها نفسياً واجتماعياً، وزاوية التناول والمعالجة الدرامية، وقدرة العمل على تجاوز الإثارة السطحية نحو أسئلة أكثر عمقاً عن العلاقات والهشاشة الإنسانية، والتحولات داخل الأسرة الحديثة».


السعودية تدشن أحدث مضخات الإنسولين الذكية 

لقطة توضح آلية عمل أحدث أجهزة مضخات السكري من الداخل (تركي العقيلي)
لقطة توضح آلية عمل أحدث أجهزة مضخات السكري من الداخل (تركي العقيلي)
TT

السعودية تدشن أحدث مضخات الإنسولين الذكية 

لقطة توضح آلية عمل أحدث أجهزة مضخات السكري من الداخل (تركي العقيلي)
لقطة توضح آلية عمل أحدث أجهزة مضخات السكري من الداخل (تركي العقيلي)

وسط تسارع عالمي في معدلات الإصابة بمرض السكري، كشفت جلسات مؤتمر تدشين أحدث مضخات الإنسولين الذكية في العاصمة الرياض عن أرقام مقلقة، تضع السعودية في المرتبة التاسعة عالمياً من حيث انتشار المرض، في وقت تتجه فيه السعودية إلى توسيع استثماراتها في تقنيات الرعاية الصحية الحديثة لتحسين جودة حياة المرضى وتعزيز التحكم بالمرض.

وشهد المؤتمر الذي عُقد في «إنتركونتيننتال» تدشين جهاز «أومني بود 5» لأول مرة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بحضور نخبة من أطباء وخبراء السكري من مختلف دول العالم، لمناقشة أحدث التطورات التقنية والعلاجية المرتبطة بإدارة داء السكري، إلى جانب استعراض تجارب سريرية وتطبيقات عملية للتقنيات الذكية الحديثة.

وجاء المؤتمر بتنظيم «إنسوليت» الشركة المتخصصة في تطوير أنظمة توصيل الإنسولين والتقنيات الذكية الخاصة بإدارة مرض السكري، حيث افتتح الحدث المدير العام للشركة في الشرق الأوسط والأسواق الناشئة، إلى جانب مدير الشركة في السعودية، قبل انطلاق سلسلة من الجلسات العلمية والنقاشية التي تناولت مستقبل رعاية السكري في السعودية والتجارب المبكرة مع جهاز «أومني بود 5».

جانب من جلسات مؤتمر مرض السكري الذي نظّمته «إنسوليت» في «إنتركونتيننتال - الرياض» (تركي العقيلي)

وأوضح محمد آل مهذل، المدير الطبي لمركز السكري والغدد الصماء في مدينة الملك فهد الطبية، لصحيفة «الشرق الأوسط»، أن العالم يواجه اليوم وباءً عالمياً يتمثل في داء السكري والسعودية ليست استثناءً من هذا التحدي الصحي المتصاعد، فنحو 25 في المائة من البالغين في السعودية مصابون بالسكري، فيما تقترب نسبة مماثلة من مرحلة ما قبل السكري، مضيفاً أن «السعودية سجلت قرابة ربع مليون مريض بالسكري من النوع الأول، مع تزايد سنوي في معدلات الإصابة يصل إلى 10 في المائة للنوع الأول مقارنة بـ6 في المائة للنوع الثاني».

وتابع: «ارتفاع معدلات الإصابة لا يقتصر على السعودية فحسب، إنما يشهد العالم بأسره زيادة مستمرة، خاصةً في حالات السكري من النوع الأول لدى الأطفال»، مبيناً أن «الأسباب الدقيقة لا تزال غير معروفة حتى الآن بالرغم من وجود مجموعة نظريات ترتبط بالإصابات الفيروسية وبعض العوامل الغذائية والبيئية المحيطة».

ولفت آل مهذل إلى أن السكري من النوع الثاني يرتبط بعدة عوامل، في مقدمتها الاستعداد الوراثي والعادات الصحية غير السليمة. وأردف: «يسهم قلة النشاط البدني وعدم الالتزام بالغذاء الصحي واضطرابات النوم في زيادة احتمالية الإصابة بالمرض». كما أكد أن السعودية كثفت خلال السنوات الماضية من برامج التوعية والكشف المبكر للحد من تطور حالات ما قبل السكري إلى السكري، إلى جانب التوسع في توفير أحدث العلاجات والتقنيات الطبية، منوهاً بأن «المملكة كانت من أوائل الدول التي تبنت حلول السكري الحديثة، مثل حساسات قياس السكر المستمرة والمضخات الذكية». وقد أسهمت الأجهزة الحديثة بشكل كبير في تحسين التحكم بمستويات السكر، خصوصاً لدى مرضى السكري من النوع الأول، إلى جانب دورها في تحسين جودة الحياة والنوم وتخفيف الأعباء اليومية على المرضى وعائلات الأطفال المصابين.

وكشف المؤتمر أن مريض السكري من النوع الأول يضطر لاتخاذ أكثر من 180 قراراً يومياً يتعلق بصحته وإدارة حالته المرضية، فيما يلجأ نحو 50 في المائة من المرضى إلى تناول وجبات غنية بالكربوهيدرات قبل النوم خوفاً من انخفاض السكر الليلي أو ما يعرف بانخفاض مستوى السكر في الدم، وهي إحدى التحديات التي لا تزال تمثل فجوة علاجية يسعى المختصون إلى تقليصها مستقبلاً رغم التطورات الحالية.

محمد آل مهذل المدير الطبي لمركز السكري والغدد الصماء خلال حديثه لصحيفة «الشرق الأوسط» (تركي العقيلي)

وناقش المشاركون أحدث التقنيات القابلة للارتداء والمستخدمة تحت الماء، التي ساعدت مرضى السكري على ممارسة حياتهم اليومية بمرونة أكبر، إلى جانب أنظمة ذكية توفر سهولة التعبئة والتركيب والتحكم، وتضم حاسبات للكربوهيدرات تساعد المرضى على إدارة جرعات الإنسولين بدقة أعلى. ومن أبرز هذه التقنيات جهاز «أومني بود 5»، الذي يعمل عبر نظام آلي ذكي يراقب مستويات السكر بشكل مستمر ويعدل ضخ الإنسولين تلقائياً بناءً على قراءات الغلوكوز، بما يسهم في تحسين التحكم بالسكري وتقليل التقلبات الحادة في مستويات السكر.

وتضمنت برامج المؤتمر جلسات علمية ، من أبرزها جلسة بعنوان «مستقبل رعاية السكري في السعودية والتجارب المبكرة مع (أومني بود 5)» إلى جانب جلسة ناقشت كيفية تحويل الأدلة العلمية إلى ممارسات يومية واقعية للمرضى، كما ضم الحدث عدداً من المصابين بمرض السكري وعائلاتهم، في خطوة هدفت إلى رفع مستوى الوعي وإبراز أثره المباشر في تحسين جودة الحياة اليومية للمصابين، ومن بينهم الطفلة ياسمين الشثري، إحدى أوائل مستخدمي جهاز «أومني بود 5» في السعودية.

وعن أهمية التقنيات الحديثة في الرعاية الصحية، قالت لمى المعقيل، والدة ياسمين، لصحيفة «الشرق الأوسط»، إن « هذه الأجهزة أسهمت بشكل كبير في تقليل المخاوف المرتبطة بالمرض وتعزيز مفهوم الرعاية الذكية»، حيث أصبحت قادرة على التنبؤ بانخفاض مستوى السكر في الدم، إذ تقوم تلقائياً بإيقاف ضخ الإنسولين لتفادي حالات الهبوط، ومن بينها خصائص تعتمد على الحركة والنشاط البدني لتنظيم كمية الإنسولين المرسلة بما يتناسب مع احتياج ابنتها ومراقبة صحتها. وأشادت بدور هذه المؤتمرات المتخصصة في مجال السكري، وأن دورها مهم في رفع الوعي. وأضافت: «هذه المؤتمرات مهمة جداً للمرضى، وليس للممارسين الصحيين فقط، حيث تساعد المرضى وأسرهم على فهم الخيارات المتاحة بصورة أوضح، والتعرف على الفروقات بين أنواع المضخات والأجهزة المختلفة، ما يساعدهم على اتخاذ قرارات مبنية على معرفة ووعي حقيقيين».


آثاريون مصريون ينتفضون ضد «تشويه» بانوراما معبد كلابشة بأسوان

جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)
جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)
TT

آثاريون مصريون ينتفضون ضد «تشويه» بانوراما معبد كلابشة بأسوان

جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)
جانب من البانوراما الخاصة بمعبد كلابشة (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

أبدى عددٌ من الآثاريين المصريين غضبهم وانتفضوا لمشاهِد مُصوَّرة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك عبر وسائل إعلام محلية، تظهر واجهة معبد كلابشة بأسوان (جنوب مصر) وبها مبنيان حديثان للخدمات الخاصة بالموقع الأثري، ما عدَّه متخصصون «تشويهاً» للموقع والبانوراما الخاصة بالمعبد.

وناشدت «حملة الدفاع عن الحضارة المصرية» وزير السياحة والآثار، والأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، إزالة هذه «التشوهات»، التي ظهرت في صور وصلت للحملة من مصادر عدة من آثاريين ومرشدين سياحيين وعشاق للحضارة المصرية، وكذلك معالجة آثار الطيور على الأثر، لحرصها على ظهوره بأجمل منظر، وفق بيان نشرته الحملة على «فيسبوك».

ويؤكد الخبير الآثاري الدكتور عبد الرحيم ريحان، رئيس «حملة الدفاع عن الحضارة المصرية»، أن هناك نصوصاً قانونية تجرّم تشويه الآثار، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الصور التي وصلتنا تشير إلى مبانٍ خدمية في بانوراما الأثر، وهو أمر يؤثر سلباً على صورته وشكله أمام الزائرين». وتابع: «حل المشكلات لا يأتي على حساب الأثر، فالمباني الخدمية داخل المباني الأثرية يجب أن تراعي بيئة الأثر نفسه، وألا تتنافر معه، لأنها ستكون جزءاً من بانوراما الموقع».

ولفت إلى «ضرورة التعاون بين الجهات المسؤولة عن هذا الأمر، وبين هيئة التنسيق الحضاري، وأساتذة كليات الهندسة والفنون الجميلة والتطبيقية، قبل تنفيذ أي تدخلات حديثة في محيط الأثر، خصوصاً أنَّه مُسجَّل في قائمة التراث الحضاري باليونيسكو».

صورة لمعبد كلابشة بأسوان أثارت جدلاً (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

ويعدُّ معبد كلابشة من أجمل وأكمل المعابد في النوبة السفلى، وفق وزارة السياحة والآثار. وقد بُني في عهد الإمبراطور الروماني أغسطس (30 ق.م - 14م)، وكُرِّس للمعبود النوبي ماندوليس، وكذلك للمعبودَين المصريَّين القديمَين إيزيس وزوجها أوزيريس. وقد أُدرجت آثار النوبة المصرية، من أبوسمبل إلى فيلة، على قائمة التراث العالمي لـ«اليونيسكو» عام 1979.

وتؤكد أستاذة مساعدة الآثار والتراث الحضاري، الدكتورة مونيكا حنا، أن «هذا البناء الذي انتشر لا يصح، فهو يؤدي إلى ضياع مشهد البانوراما، حتى لو كانت الجزيرة التي يوجد فيها المعبد غير أثرية، لأنَّه تمَّ نقل المعبد إليها بعد تفكيكه».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «البانوراما الخاصة بالمعبد مُشوَّهة جداً، وإن كانت هناك رغبة في بناء حمامات أو مرافق خدمية، فيمكن بناؤها في أماكن أخرى خلف المعبد، أو في المنطقة بشكل عام بطريقة لا تشوه المشهد البانورامي. ولكن ما رأيناه يدل على فقر في الخيال، وفشل في إدارة موقع مهم مُسجَّل على قائمة التراث العالمي».

إحدى لوحات المعبد الداخلية (حملة الدفاع عن الحضارة المصرية)

ويتكوَّن معبد كلابشة من صرح يؤدي إلى الفناء المفتوح، يؤدي بدوره إلى قاعة الأعمدة. في حين تقع غرفتان مستعرضتان خلفهما، وهما بمثابة غرفتين للقرابين. وفي نهاية المعبد يوجد قدس الأقداس، حيث احتُفظ بتمثال للمعبود النوبي ماندوليس كما هو المعتاد. وشهد هذا المعبد تأثيرات مختلفة من الحضارات المتعاقبة التي تركت بصمتها عليه في العصر الروماني، وكذلك مع بدايات انتشار المسيحية في مصر، وفق الموقع الرسمي لوزارة السياحة والآثار.

ويرى الخبير الآثاري المتخصص في المصريات، أحمد عامر، أن «وجود أبنية حديثة بالقرب من الأثر نفسه بشكل عام لا يجوز قانوناً، نظراً لأنه بمثابة تعدٍ على حرم الأثر، كما أنه يعدُّ تشويهاً بصرياً، لا يتماشى مع طبيعة الأثر والمكان، ولا يليق بالمنطقة الأثرية نفسها».

وقال عامر لـ«الشرق الأوسط»: «إن الصور المتداولة تظهر وجود مبانٍ بالقرب من معبد كلابشة أثارت سخط كثيرين من المتخصصين في علم الآثار بدافع الغيرة على آثار بلدهم، وحرصهم على ظهور آثارها بشكل يليق بمكانتها وحضارتها العظيمة»، مستدركاً: «لكني أعتقد أنَّ هذا المبنى لن يكون بالقرب من المعبد نفسه بالشكل الذي ظهر عليه في الصورة، نظراً لأنَّ الوزارة تعلم جيداً أنَّ مثل هذه الأمور لا تجوز، وتجلب انتقادات».

وتابع عامر: «هذا المبنى في الحقيقة بعيد بشكل كبير عن الأثر نفسه، كما أنه سيُطلَى بطريقة تتماشى مع طبيعة الأثر، وتراعي التناسق في الألوان، بما يتوافق مع الهوية البصرية للمكان. وأعتقد أنَّ المسؤولين عن الموقع سيحرصون على ذلك، لمعرفتهم بقيمة هذا الموقع الأثري المميز».