«مرتزقة» روس يطيرون سراً على «أجنحة الشام» إلى سوريا

يقتحمون مناطق المعارضة قبل دخول قوات النظام لرفع العلم الرسمي

جندي في جيش النظام يسير وسط الدمار في الغوطة الشرقية لدمشق (أ.ف.ب)
جندي في جيش النظام يسير وسط الدمار في الغوطة الشرقية لدمشق (أ.ف.ب)
TT

«مرتزقة» روس يطيرون سراً على «أجنحة الشام» إلى سوريا

جندي في جيش النظام يسير وسط الدمار في الغوطة الشرقية لدمشق (أ.ف.ب)
جندي في جيش النظام يسير وسط الدمار في الغوطة الشرقية لدمشق (أ.ف.ب)

في ركن منزوٍ بصالة المغادرة بمطار روستوف جنوب روسيا اصطف نحو 130 رجلاً، يحمل كثير منهم حقائب مكدسة شبيهة بالحقائب التي يحملها الجنود، أمام أربعة مكاتب لفحص أوراق السفر، وتحت شاشات لم تظهر عليها أي أرقام للرحلات الجوية أو وجهات السفر.
وعندما سأل أحد مراسلي «رويترز» الرجال عن وجهتهم، قال أحدهم: «وقّعنا على ورقة... لا يُسمح لنا بالحديث. في أي لحظة سيأتي المدير ونواجه مشكلة». وأضاف محذراً: «وأنت أيضاً».
كانت الطائرة «إيرباص إيه 320» المستأجرة التي تنتظر على مدرج المطار قد هبطت للتو قادمة من العاصمة السورية دمشق، ونزل منها نحو 30 رجلاً في منطقة الوصول المهجورة إلى حد بعيد. وكان معظمهم يرتدي الزي المموه وأحذية الصحراء الكاكي. وكان بعضهم يحمل حقائب من السوق الحرة في مطار دمشق.
وكشف تحقيق «رويترز» في أمر شبكات الدعم اللوجيستي لقوات الحكومة السورية، عن أن هؤلاء الرجال متعاقدون عسكريون روس، وهم أحدث مجموعة يتم نقلهم ضمن رحلات جوية سرية باستخدام طائرات مدنية لنقل الدعم العسكري للرئيس السوري بشار الأسد في حربه المستمرة منذ سبع سنوات ضد المعارضة.
لم تكن الطائرة الإيرباص التي نقلت هؤلاء سوى واحدة من عشرات الطائرات التي كانت في السابق مملوكة لشركات طيران أوروبية وأميركية، ثم جرى نقلها عبر شبكة من الشركات الوسيطة إلى شركات طيران شرق أوسطية تخضع لعقوبات الولايات المتحدة، وهي تحركات تقول واشنطن، إنها تساعد سوريا في تجاوز العقوبات.
والرحلات الجوية من وإلى روستوف، التي لم توثقها أي منظمة من قبل، يجري تشغيلها من قبل شركة «أجنحة الشام»، وهي شركة طيران سورية فرضت عليها عقوبات أميركية عام 2016 زعم أنها تنقل مقاتلين موالين للأسد إلى سوريا وتساعد المخابرات العسكرية السورية على نقل أسلحة ومعدات. ولا تظهر الرحلات، التي غالباً ما تهبط في ساعات متأخرة من الليل، في جداول الرحلات الجوية بالمطارات، وتقلع من دمشق أو من مدينة اللاذقية التي تضم قاعدة عسكرية روسية.
وتكشف العملية الثغرات في نظام العقوبات الأميركية الذي يستهدف حرمان الأسد وحلفائه في الحرس الثوري الإيراني وجماعة «حزب الله» من الرجال والعتاد الذي يحتاجونه لحملتهم العسكرية.
كما تقدم صورة عن الأساليب المستخدمة لإرسال متعاقدين عسكريين روس إلى سوريا، وهو أمر يصر الكرملين على إنكاره تماماً. ويقول مسؤولون روس، إن وجود موسكو في سوريا يقتصر على الضربات الجوية وتدريب القوات السورية، وأعداد محدودة من جنود القوات الخاصة. وراقب مراسلو «رويترز» مطار روستوف، وسجلوا الرحلات غير العادية باستخدام بيانات تتبع الطيران المتاحة للجمهور وبحثوا في سجلات ملكية الطائرات، وأجروا عشرات المقابلات، منها مقابلة بأحد المطاعم الفاخرة مع جنرال سابق بالبحرية السوفياتية أدرجت الحكومة الأميركية اسمه على القائمة السوداء.
وعندما سئل متحدث باسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن الرحلات الجوية وأنشطة المتعاقدين العسكريين الروس في سوريا، أحال «رويترز» إلى وزارة الدفاع التي لم ترد على الأسئلة. كما لم ترد الحكومة السورية أيضاً على الأسئلة.
ورداً على أسئلة «رويترز» المفصلة، اكتفت شركة «أجنحة الشام» بالقول، إن المعلومات عن وجهات رحلاتها متاحة في موقعها على الإنترنت. ولا يرد ذكر الرحلات إلى روستوف على الموقع الإلكتروني. لكن الرحلات تظهر في قواعد بيانات تتبع الرحلات على الإنترنت. وتتبع المراسلون الرحلات الجوية بين مطار روستوف وسوريا من 5 يناير (كانون الثاني) 2017 إلى 11 مارس (آذار) 2018. وخلال تلك الفترة، سيّرت شركة «أجنحة الشام» 51 رحلة ذهاب وعودة، مستخدمة في كل مرة طائرات «إيرباص إيه 320» التي يمكن أن تقل ما يصل إلى 180 راكباً.
والخسائر العسكرية في صفوف الجيش الروسي قضية حساسة في روسيا، حيث لا تزال ذكريات العمليات في الشيشان وأفغانستان التي استمرت سنوات حاضرة في الأذهان. ويشتبه أصدقاء وأقارب المتعاقدين في أن موسكو تستخدم مقاتلين بشكل خاص في سوريا؛ لأنها بهذه الطريقة تستطيع نشر مزيد من الأفراد على الأرض دون المخاطرة بأرواح الجنود النظاميين الذين يتعين رصد وإعلان وفياتهم.
وقالت السلطات الروسية، إن 44 من الجنود الروس قتلوا في سوريا منذ بدء العملية هناك في سبتمبر (أيلول) 2015. وتفيد قائمة «رويترز» التي تستند إلى تقارير من عائلات وأصدقاء القتلى ومسؤولين محليين، بأن 40 متعاقداً خاصاً على الأقل قتلوا بين يناير وأغسطس (آب) 2017 فحسب.
وأقلع أحد المتعاقدين، الذي قتل في سوريا، من روسيا في موعد يتزامن مع واحدة من الرحلات الليلة الغامضة من روستوف حسبما أفادت أرملته. وأشارت شهادة الوفاة التي أصدرتها القنصلية الروسية في دمشق إلى أن سبب الوفاة «نزيف حاد ناجم عن شظايا وجروح من طلقات رصاص».

منع الوصول إلى الطائرات
من أجل الحفاظ على حملته العسكرية ضد المعارضة، يحتاج الأسد وحلفاؤه روسيا وإيران و«حزب الله»، إلى الطائرات المدنية لإدخال الرجال والإمدادات. وحاولت واشنطن حرمانهم من ذلك من خلال فرض قيود تصدير على سوريا وإيران تجسدت في إدراج وزارة الخزانة شركات الطيران في البلدين على القائمة السوداء. كما أدرجت الوزارة في القائمة شركات عدة خارج سوريا متهمة إياها بلعب دور الوسيط. وقال جون سميث، مدير مكتب مراقبة الأصول الأجنبية في وزارة الخزانة الأميركية في شهادة أمام لجنة بالكونغرس خلال نوفمبر (تشرين الثاني): «هذه الإجراءات تظهر عزمنا على استهداف أي شخص يمكّن الأسد ونظامه».
في السنوات الأخيرة، جرى تسجيل عشرات الطائرات في أوكرانيا ضمن شركتين، هما «خورس» و«دارت»، اللتان أسسهما قائد سابق بالبحرية السوفياتية واثنان من رفاقه العسكريين السابقين، وفقاً لسجل الطائرات الوطني الأوكراني. وأفادت بيانات تتبع الرحلات الجوية، بأن هذه الطائرات بيعت أو استؤجرت بعد ذلك، وانتهى بها الأمر للعمل في شركات طيران إيرانية وسورية.
وفرضت وزارة التجارة الأميركية عقوبات على شركة «خورس» وعلى سيرغي تومتشاني، وهو ميجر سابق بالبحرية منذ عام 2011 فيما يتصل بمزاعم تصدير طائرات لإيران وسوريا دون الحصول على ترخيص من واشنطن.
وأفادت المعلومات التي جمعتها «رويترز» من سجلات الطائرات الوطنية، بأنه في السنوات السبع الماضية، تمكنت «خورس» و«دارت» من الحصول على 84 طائرة مستعملة من طراز «إيرباص» و«بوينغ» أو استئجارها عن طريق نقل الطائرات عبر كيانات لا تشملها العقوبات. وتفيد بيانات من ثلاثة مواقع تتتبع رحلات الطيران، وتظهر مسارات الطيران ونداءات الاتصال للشركات التي تشغلها، بأنه من بين هذه الطائرات، جرى استخدام ما لا يقل عن 40 طائرة في إيران وسوريا والعراق.
وفي سبتمبر، أضافت وزارة الخزانة الأميركية شركتي «خورس» و«دارت» إلى القائمة السوداء للعقوبات، قائلة إنهما تساعدان شركات الطيران الواقعة تحت طائلة العقوبات على شراء الطائرات الأميركية الصنع. ونفت الشركتان وكذلك تومتشاني «ارتكاب» أي مخالفات تتعلق بتزويد طائرات إلى كيانات خاضعة للعقوبات. وأظهرت تواريخ ملكية بعض الطائرات التي تتبعتها «رويترز» كيف يمكن تجاوز القيود التي تفرضها الولايات المتحدة على الإمدادات لشركات الطيران الإيرانية والسورية. وبينما تنتقل الملكية من بلد إلى آخر، تخفي الأدلة الورقية المعقدة هوية الأطراف الضالعة في شراء سوريا للطائرات.
ووفقاً لسجل الطائرات الآيرلندي، فإن إحدى طائرات «أجنحة الشام» وهي من طراز «إيرباص إيه 320» قامت بالرحلة من روستوف إلى سوريا، مملوكة لشركة «آي إل إف سي آيرلندا المحدودة»، وهي شركة تابعة لشركة «إيركاب» ومقرها دبلن، وهي واحدة من أكبر شركات تأجير الطائرات في العالم. وقال متحدث باسم هيئة الطيران الآيرلندية التي تدير السجل، إن الطائرة حذفت من السجل الآيرلندي في يناير 2015.
وخلال الشهرين التاليين، اختفت الطائرة، التي كانت تحمل رقم التعريف «إي آي – دي إكس واي» من سجلات وطنية قبل أن تظهر في سجل الطائرات في أوكرانيا. ويذكر السجل الأوكراني، أن المالك الجديد للطائرة هي شركة «جريشام للتسويق المحدودة» المسجلة في الجزر العذراء البريطانية.
ووفقاً لوثائق خاصة بالشركة تسربت من مؤسسة «موساك فونسيكا» في بنما، يملك الشركة أوكرانيان، هما فيكتور رومانيكا ونيكولاي سافرتشينكو. وتظهر سجلات الأعمال الأوكرانية أنهما مديران لأعمال محلية صغيرة. وقال رومانيكا عند الاتصال به هاتفياً، إنه لا يعرف شيئاً، قبل أن ينهي المكالمة. أما سافرتشينكو فلم يتسن الاتصال به عبر الهاتف ولم يرد على رسالة أرسلت على عنوانه المسجل.
ويشير سجل الطائرات الأوكراني إلى أن شركة «جريشام» أجّرت الطائرة «إي آي – دي إكس واي» إلى شركة «دارت» في مارس 2015، وجرى تغيير رقم التعريف إلى رقم أوكراني هو «يو آر – سي إن يو». وأظهر السجل أن «خورس» أصبحت الشركة المشغلة للطائرة في 20 أغسطس 2015. وذكر ممثل عن هيئة الطيران الحكومية الأوكرانية، أن السجل ليس الهدف منه هو التأكيد الرسمي للملكية، لكن لم ترد أي شكاوى بشأن دقة المعلومات.
ووفقاً لبيانات من مواقع تتبع الرحلات فمن أبريل (نيسان) في ذلك العام، كانت شركة «أجنحة الشام» هي التي تسير الطائرة. ولم ترد جيليان كولهان، المتحدثة باسم شركة «إيركاب» التي كانت شركتها الفرعية تملك الطائرة في عام 2015، على أسئلة مكتوبة كما لم ترد على مكالمات هاتفية متكررة تطلب التعليق على ما تعرفه «إيركاب» بشأن المالكين والمشغلين اللاحقين للطائرة. ولم ترد «دارت» و«خورس» على أسئلة متعلقة بتلك الطائرة بعينها.
ويقول أربعة محامين متخصصين في قواعد التصدير الأميركية، إن الصفقات التي تشمل طائرات ينتهي بها الأمر في إيران أو سوريا تنطوي على مخاطر كبيرة للشركات الغربية التي تورّد الطائرات أو المعدات. وقال المحامون، إنه حتى لو لم تكن لديهم تعاملات مباشرة مع كيان تحت طائلة العقوبات، فإن الشركات التي تقدم الطائرات يمكن أن تواجه عقوبات أو قيودا تفرضها الحكومة الأميركية. لكنهم ذكروا أن المسؤولية القانونية على صانعي الطائرات مثل «بوينغ» و«إيرباص» محدودة؛ لأن التجارة تشمل طائرات من الدرجة الثانية عمرها أكثر من عشرين عاماً بوجه عام، كما أن الطائرات مرّت على قائمة طويلة من المالكين قبل أن ينتهي بها الأمر في أيدي شركات تحت طائلة العقوبات.
وقال اثنان من المحامين بينهما إدوارد كراولاند، المحامي بمؤسسة «ستيبتو أند جونسون»، إن قواعد التصدير الأميركية تسري بشكل صريح على طائرات «بوينغ»؛ لأنها صنعت في الولايات المتحدة. لكن يمكن أن تسري أيضاً على طائرات «إيرباص» لأنه في كثير من الأحيان تكون نسبة كبيرة من قطع الطائرة من أصل أميركي.
وقالت «بوينغ» في بيان: «صفقات الطائرات الموصوفة في تحقيقكم لا تشمل شركة (بوينغ). تطبق (بوينغ) برنامجاً صارماً للرقابة على التجارة والامتثال للعقوبات». وقال متحدث باسم «إيرباص»: «إن (إيرباص) تحترم تماماً جميع المتطلبات القانونية المعمول بها فيما يتعلق بالمعاملات مع الدول التي تخضع لعقوبات الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة».

رحلات إلى حرب
عندما أرسلت «رويترز» سلسلة من الأسئلة إلى شركتي «خورس» و«دارت» حول أنشطتهما، اتصل تومتشاني، الميجر السابق بالبحرية، بالمراسلة في غضون دقائق. وقال، إنه لم يعد مساهماً في أي من الشركتين، لكنه يعمل مستشاراً لهما، وإن الأسئلة أحيلت إليه. ودعا تومتشاني المراسلة للقاء في اليوم التالي في مطعم فيلور الراقي في كييف. وخلال الاجتماع الذي استمر 90 دقيقة، نفى تومتشاني تقديم طائرات إلى إيران أو سوريا. وقال إنه بدلاً من ذلك، قدمت «خورس» و«دارت» الطائرات لأطراف ثالثة، رفض تحديد هوياتها. وقال إن تلك الأطراف الثالثة قدمت الطائرات للمستخدمين النهائيين. وقال تومتشاني، وهو رجل عسكري الطباع في أواخر الخمسينات من العمر بينما كان يحتسي شاي الأعشاب: «لم نزود إيران بطائرات... ليست لدينا صلة بتقديم طائرات لشركة (أجنحة الشام)». وأضاف، إنه لم يكن من الممكن أن تبيع «خورس» و«دارت» أو تؤجر طائرات لـ«أجنحة الشام» لأنهما لا تملكان الطائرات.
وكان تومتشاني يخدم في وحدة بحرية تابعة للقوات المسلحة السوفياتية في فلاديفوستوك المطلة على ساحل روسيا على المحيط الهادي. وبعد استقالته من الجيش برتبة ميجر، أسس شركة «خورس» عام 1991 مع ضابطين آخرين في وحدته. وكسب تومتشاني وشريكاه رزقهم بتشغيل طائرات سوفياتية الصنع، بيعت بأسعار رخيصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وإرسالها إلى مناطق حرب.
وكانت «خورس» تنقل شحنات بضائع إلى أنغولا لصالح الحكومة الأنغولية ووزارة الدفاع ووكالات الإغاثة خلال حربها الأهلية. وقال تومتشاني، إن شركاته قامت أيضاً بتشغيل رحلات جوية في العراق بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة في عام 2003، حيث قامت بنقل متعاقدين أمنيين خصوصيين. وأظهر سجل الأعمال الأوكراني، أن تومتشاني لم يعد أحد المساهمين في خورس بعد يونيو (حزيران) 2010، وأنه تخلى عن اهتمامه بشركة «دارت» في مرحلة ما بعد أبريل 2011. وقال لـ«رويترز»، إنه باع حصته إلى «رجال أعمال كبار»، لكنه امتنع عن ذكر أسمائهم. غير أنه أضاف، أن الأشخاص المسجلين في سجل الأعمال باعتبارهم ملاك الشركتين لدى وقت المقابلة هم مجرد وكلاء. وكان أحد المالكين الذين وردت أسماؤهم في السجل مسؤولاً تنفيذياً متوسطاً في «خورس»، بينما كان أحدهم محاسباً يبلغ من العمر 81 عاماً ويعمل لدى شركات عدة في كييف.
ووفقا لسجل الأعمال، فإن صاحب 25 في المائة من «خورس» هو شخص يدعى فلاديمير سوشكوف. وكان العنوان المذكور له في السجل هو رقم 33، شارع إلكتريكوف في كييف. وهذا هو العنوان نفسه الوارد في وثائق المشتريات الحكومية الأوكرانية للوحدة العسكرية رقم (إيه 0515) التي تقع تحت إشراف مديرية المخابرات الرئيسية في وزارة الدفاع الأوكرانية.
وقال تومتشاني، إنه وسوشكوف يعرفان بعضهما بعضاً منذ فترة طويلة. وأضاف تومتشاني «لم يكن متخصصاً سيئاً... هو شاب صغير، لكنه ليس سيئاً». وقال، إنه يعتقد أن سوشكوف يعيش في روسيا.
ولم تتمكن «رويترز» من الاتصال بسوشكوف، وكان رقم الهاتف المسجل باسمه خارج الخدمة. وقال رئيس وكالة المخابرات الأوكرانية بالإنابة، أليكسي باكومينكو، لـ«رويترز»، إن سوشكوف لا يعمل هناك.
ولم تجد «رويترز» دليلاً على وجود أي صلة أخرى بين التجارة في الطائرات وجهاز المخابرات في أوكرانيا. وقالت المخابرات العسكرية الأوكرانية، إنها لا تعلم بإمداد سوريا بطائرات ولا صلة لها بنقل متعاقدين عسكريين من روسيا إلى سوريا، ولم تتعاون مع «خورس» و«دارت» أو «أجنحة الشام».

فاغنر
وفي 9 يناير من هذا العام، غيرت شركة «دارت» اسمها إلى «آلانا»، وأدرجت عنواناً ومؤسسين جدداً، وفقاً لسجل الأعمال الأوكراني. وفي الأول من مارس، أظهر السجل أن شركة جديدة هي «آلانا إير» سيطرت على أصول «آلانا» ومسؤولياتها، المتعاقدون يعودون في صناديق رغم أن موسكو تنفي إرسال متعاقدين عسكريين إلى سوريا، فإن الكثير من الناس يقولون إن ذلك غير صحيح. ومن بين هؤلاء عشرات من الأصدقاء وزملاء سابقون للمقاتلين وأفراد مرتبطون بالشركة التي تجند الرجال، وهي منظمة غامضة تعرف باسم «فاغنر» لا تملك أي مكاتب، ولا حتى لوحة نحاسية على أي باب.
ويقول أشخاص أجريت معهم مقابلات خلال هذا التحقيق، إن مؤسس هذه المنظمة هو ديمتري أوتكين، وهو ضابط سابق في المخابرات العسكرية. وكان أول دور قتالي للمنظمة في شرق أوكرانيا إلى جانب الانفصاليين الذين تدعمهم موسكو. ولم تتمكن «رويترز» من الاتصال بأوتكين مباشرة. ورفضت رابطة قدامى المحاربين في النزاعات المحلية، التي تقول وسائل إعلام روسية، إن لديها علاقات مع أوتكين، نقل رسالة إليه، قائلة إنه لا صلة لها بمجموعة «فاغنر».
وقال يفغيني شاباييف، وهو زعيم محلي لمنظمة شبه عسكرية في روسيا على اتصال مع بعض الرجال، إن روسيا لديها ما بين 2000 و3000 متعاقد يقاتلون في سوريا. وفي معركة واحدة في فبراير (شباط) من هذا العام، قتل أو جرح نحو 300 متعاقد، حسبما أفاد طبيب عسكري ومصادر أخرى على علم بالأمر.
وقال مقاول عسكري روسي خاص شارك في أربع مهمات إلى سوريا، إنه وصل إلى هناك على متن طائرة تابعة لشركة «أجنحة الشام» من روستوف. وقال الرجل الذي طلب الاكتفاء بذكر اسمه الأول فلاديمير، إن الرحلات كانت المسار الرئيسي لنقل المتعاقدين. وأضاف: إن المتعاقدين يستخدمون أحياناً الطائرات العسكرية الروسية، عندما لا تستوعب طائرات «أجنحة الشام» أعدادهم بالكامل.
وتحدث موظفان في مطار روستوف إلى «رويترز» عن الرجال في الرحلات الجوية الغامضة إلى سوريا. وقال موظف، ذكر أنه ساعد في إجراءات الصعود على متن الكثير من الرحلات الجوية السورية «على حد علمنا هم متعاقدون». وأشار إلى وجهتهم وحقيقة أنه لا توجد نساء بينهم وأنهم يحملون حقائب عسكرية على الظهر. وتحدث شريطة عدم نشر اسمه، قائلاً إنه غير مخول للتحدث إلى وسائل الإعلام.
ولم تتمكن «رويترز» من تحديد عدد الركاب الذين نقلوا بين روسيا وسوريا، ومن المحتمل أن بعض من كانوا على متن الرحلات لم يلعبوا أدواراً قتالية في سوريا. وقد يكون البعض نزل في دمشق ثم أقلع إلى وجهات أخرى خارج سوريا.
وتشير المقابلات التي أجريت مع أقارب متعاقدين قتلوا في سوريا، إلى أن رحلات الطائرات «إيه 320» إلى روستوف تستخدم لنقل متعاقدين عسكريين روس. وقالت أرملة أحد المتعاقدين الذين قُتلوا في سوريا، إن آخر مرة تحدثت فيها إلى زوجها عبر الهاتف كانت في 21 يناير من العام الماضي، وهو اليوم ذاته الذي سافرت فيه طائرة مستأجرة تتبع «أجنحة الشام» إلى سوريا، وفقاً لبيانات تتبع رحلات الطيران. وقالت المرأة التي سبق وزارت زوجها في معسكر تدريب للمتعاقدين في جنوب روسيا «اتصل مساء يوم 21... كان هناك رجال يتحدثون وصوت أجهزة اتصال لاسلكية. وبحلول يوم 22 لم يكن من الممكن الوصول إليه. ولم تصله سوى الرسائل النصية». وأضافت، إنه بعد أن قتل سُلمت جثته إلى روسيا. وحصلت على شهادة وفاة تفيد بأنه مات بسبب «نزيف حاد ناجم عن شظايا وجروح من طلقات رصاص».
ووصفت أرملتا متعاقدَين آخرَين قُتلا في سوريا، كيف وصلت جثتا زوجيهما إلى ديارهما. ومثل الأرملة الأولى، تحدثت المرأتان بشرط عدم نشر اسميهما. وقالتا، إن ممثلي المنظمة التي جندت زوجيهما حذروهما من العواقب إذا تحدثتا مع وسائل الإعلام. وقالتا، إن المتعاقدين سبق لهما الذهاب في مهمات قتالية. وأضافتا، إنهما حصلتا على شهادتي وفاة تفيدان بأن مكان الوفاة هو سوريا. واطلعت «رويترز» على الشهادتين. وكُتبت على إحدى الشهادتين، أن سبب الوفاة هو «تفحم الجسم» بمعنى أنه احترق حتى الموت. بينما أفادت الشهادة الثانية بأن المتعاقد نزف حتى الموت من جراح عدة بسبب شظايا.
ووصفت إحدى الأرملتين محادثات مع زوجها بعد عودته من أول مهمة له في سوريا. وقال لها، إن المتعاقدين الروس غالباً ما يرسلون إلى المناطق التي يحتدم فيها القتال، ويكونون أول من يدخل البلدات التي تتم السيطرة عليها. ثم تدخل قوات الحكومة السورية إلى البلدة وترفع العلم الرسمي السوري وتنسب النصر لنفسها.



ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
TT

ألغام الحوثيين تعمّق معاناة المتضررين من السيول

السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)
السيول جرفت الأراضي الزراعية والطرقات والماشية (إعلام حكومي)

تفاقمت معاناة السكان في مناطق الساحل الغربي لليمن، عقب السيول الجارفة التي لم تتوقف عند إغراق القرى وتدمير المنازل، بل تسببت أيضاً في تحريك ألغام أرضية ومتفجرات خلّفها الحوثيون؛ مما ضاعف من حجم الكارثة الإنسانية ورفع مستوى المخاطر التي تهدد حياة المدنيين.

وارتفعت حصيلة الضحايا إلى 22 قتيلاً، بينهم أطفال ونساء، فيما تضرر أكثر من 430 منزلاً بين دمار كلي وجزئي، إضافة إلى خسائر واسعة في الأراضي الزراعية والبنية التحتية، في وقت لا تزال فيه فرق الإنقاذ والإغاثة تواصل جهودها وسط تحديات ميدانية معقدة.

وتشير البيانات الرسمية إلى أن السيول التي اجتاحت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، دمّرت نحو 38 منزلاً بشكل كلي، وألحقت أضراراً جزئية بأكثر من 400 منزل، فضلاً عن نفوق نحو 460 رأساً من الماشية وفقدان نحو 600 أخرى، في ضربة موجعة لمصادر دخل السكان.

عشرات المساكن في المخا وموزع غرب اليمن دمرتها السيول (إعلام حكومي)

وامتدت الأضرار إلى مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، حيث جرفت السيول التربة والمحاصيل، كما تضررت الطرقات وشبكات المياه؛ مما أدى إلى عزل بعض القرى وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إليها.

ووفق مصادر إغاثية، فإن معظم الضحايا سقطوا في مديرية المخا، خصوصاً بمنطقتي النجيبة والغرافي، فيما شهدت مناطق الهاملي والسفالية والمفرق في مديرية موزع أضراراً متفاوتة في الممتلكات والبنية التحتية.

كما لا يزال 5 أشخاص في عداد المفقودين، في حين أفاد سكان محليون بالعثور على جثتي طفلين جرفتهما السيول بمنطقة السبلة، في مشهد يعكس قسوة الكارثة وحجم الخسائر البشرية.

الخطر الأكبر

لم تقف تداعيات الكارثة عند حدود الدمار الذي خلفته السيول، بل كشفت عن تهديد أخطر تمثل في جرف الألغام الأرضية والعبوات الناسفة إلى مناطق مأهولة بالسكان؛ مما وضع حياة المدنيين أمام خطر مزدوج.

وأفاد سكان في مديرية المخا بالعثور على ألغام مضادة للدبابات جرفتها السيول من مناطق مرتفعة، بينها الكدحة ووادي رسيان، إضافة إلى عبوات ناسفة ظهرت في مناطق سكنية، منها عزلة الزهاري شمال المدينة.

وفي مديرية موزع، تكررت المشاهد ذاتها، حيث عُثر على ألغام من مخلفات الحوثيين في مناطق زراعية وسكنية، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة من استمرار تدفق هذه المتفجرات مع أي موجة أمطار جديدة.

ودفعت هذه التطورات الفرق الهندسية إلى التدخل العاجل، حيث باشرت عمليات مسح ميداني لتحديد مواقع الألغام وتأمين مسارات آمنة للسكان، في سباق مع الزمن لتجنب سقوط مزيد من الضحايا، خصوصاً مع عودة الأهالي إلى تفقد منازلهم ومزارعهم.

جهود إغاثية

في موازاة ذلك، كثّفت الجهات الحكومية و«خلية الأعمال الإنسانية في المقاومة الوطنية» من تحركاتها الميدانية، حيث سُيّرت قوافل إغاثية إلى المناطق المتضررة، شملت توزيع مواد غذائية وإيوائية ومياه نظيفة على الأسر المنكوبة.

وأعلنت الخلية استكمال عمليات حصر الأضرار وتحديد الأسر المتضررة، تمهيداً لتوسيع نطاق الاستجابة الإنسانية خلال الأيام المقبلة، في ظل الحاجة المتصاعدة للدعم، خصوصاً مع تضرر مصادر الدخل وغياب مقومات الحياة الأساسية.

كما واصلت فرق الأشغال العامة فتح الطرقات المتضررة، وإزالة مخلفات السيول، وإعادة توجيه مجاري المياه بعيداً عن التجمعات السكنية، في محاولة للحد من تفاقم الأضرار.

طارق صالح يلتقي عائلات ضحايا السيول في المخا (إعلام حكومي)

وفي السياق، زار عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، طارق صالح، عدداً من المناطق المنكوبة في ريف المخا، واطّلع على حجم الخسائر، موجهاً بتكثيف الجهود الإغاثية وتقديم الدعم الطبي العاجل، إلى جانب الإسراع في إعادة تأهيل الطرق لضمان وصول المساعدات.

وخلال لقائه أهالي الضحايا، نقل صالح تعازي القيادة السياسية، مؤكداً أن التعامل مع تداعيات الكارثة يتطلب استجابة عاجلة وشاملة، تأخذ في الحسبان حجم التحديات، وفي مقدمتها خطر الألغام التي ما زالت تحصد أرواح المدنيين حتى بعد انحسار السيول.

Your Premium trial has ended


اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
TT

اختبار أممي معقَّد في اليمن وسط زحام الأزمات العالمية

مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)
مسؤول أممي يزور مخيم نزوح في محافظة الحديدة غرب اليمن (أ.ف.ب)

تواجه الأمم المتحدة اختباراً جديداً ومعقداً في اليمن، بعدما دعت المجتمع الدولي إلى توفير نحو 2.6 مليار دولار لتمويل خطة الاستجابة الإنسانية للعام الحالي، في وضع اقتصادي دولي محفوف بالمخاطر، بينما يزداد الوضع سوءاً في الداخل بعد أن وصلت أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

وظهرت في السنوات الماضية صعوبة تأمين التمويل الكامل لتلك الخطط، في ظلِّ تساؤلات عن قدرة ورغبة المجتمع الدولي في توفير هذا التمويل في ظل أزمات اقتصادية عالمية متلاحقة وتزاحم غير مسبوق للأزمات الإنسانية حول العالم، بينما تعتمد جهود مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) الذي يقود خطط الاستجابة على تعهدات الدول المانحة.

وتقدر الوكالات الأممية أن نحو 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى شكل من أشكال الدعم الإنساني، بزيادة 2.8 مليون شخص عن العام الماضي، وبما نسبته نحو 14 في المائة، مما يعكس تدهوراً حاداً، مدفوعاً بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، وانهيار الخدمات الأساسية، والصدمات الاقتصادية.

يرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام للجنة اليمنية العليا للإغاثة (لجنة حكومية)، أن بلوغ الاحتياجات الإنسانية هذه المستويات، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تاريخية، ويؤكد أنه، ومع وصول نسبة تمويل خطة الاستجابة، حتى مارس (آذار) 2026، إلى قرابة 10 في المائة فقط، فإن الحل لا يكمن في مجرد حشد المليارات، بل في «استعادة الثقة».

عائلة يمنية مكونة من أم و7 أطفال نزحت من الحديدة إلى منطقة دار سعد في عدن (الأمم المتحدة)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن المانحين ورجال الأعمال يحتاجون لضمانات بأن مساهماتهم تذهب لمن يستحقها، بينما تسعى الحكومة، وبإسناد من تحالف دعم الشرعية، لتقديم هذا «النموذج الشفاف» كما يصفه.

وبيَّن بلفقيه أن العمل الإنساني عانى طويلاً من خلل في إدارة الأموال والبيانات، مما استوجب أن يرتكز النشاط الحكومي الحالي على إقرار آلية «النافذة الواحدة» والتي من خلالها يتم رفع الاحتياجات الحقيقية من واقع الميدان وبإشراف حكومي مباشر، لإنهاء العشوائية، وضمان التوزيع العادل للمساعدات، والسماح للبنك المركزي بالرقابة على التدفقات المالية، مما يدعم استقرار العملة الوطنية.

ويتحدث عاملون في المجال الإنساني عمّا بات يُعرف بـ«إرهاق المانحين»، حيث أصبح واضحاً بعد أكثر من عقد من الأزمة، تراجع رغبة بعض الحكومات عن تمويل أزمات طويلة الأمد تبدو بلا أفق سياسي قريب للحل.

أزمة تمويل تتكرر

في معظم الأعوام، لم تحصل الاستجابة الإنسانية في اليمن سوى على جزء من التمويل المطلوب، مما اضطر وكالات الإغاثة إلى تقليص برامج المساعدات الغذائية والصحية أو خفض أعداد المستفيدين.

أكثر من 35 ألف يمني سيحصلون على مساعدات متنوعة بتمويل ياباني (الأمم المتحدة)

يتهم إيهاب القرشي، الباحث في الشأن الإنساني والاقتصادي اليمني، الأمم المتحدة بإدارة الملف الإغاثي والإنساني في اليمن بشكل كارثي، بعد أن حددت، خلال 14 عاماً ماضية، الاحتياجات الإنسانية وخطط الاستجابة بمبلغ 38.265 مليار دولار، ولم تحصل من المانحين حتى أواخر الشهر الحالي سوى على 21.571 مليار دولار، بما نسبته 59 في المائة.

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن أعلى معدل تمويل بلغ 75 في المائة في عام 2017، بينما كان أدنى معدل تمويل في عام 2024، والذي وصل إلى 17 في المائة، ولم يتجاوز في العام الماضي 54 في المائة، بينما لم يتم الحصول على أكثر من 9 في المائة خلال الفترة المنقضية من هذا العام.

ولا يتوقع القرشي أن يتجاوز تمويل خطة الاستجابة هذا العام بأكثر من 40 في المائة، إلى جانب تراجع تمويل المساعدات المباشرة لليمن في هذا الإطار الهام جداً ومع زيادة الاحتياجات.

ويتفق غالبية المراقبين للشأن الاقتصادي والإنساني في اليمن على أن التصعيد العسكري الأخير في المنطقة، وما يلقي من آثار على الاقتصاد العالمي ومضاعفة كلفة النقل والتأمين البحريين سيحد من إمكانية حصول الأمم المتحدة على تمويل لخططها الإغاثية في اليمن، وأيضاً حصول الحكومة نفسها على مساعدات مباشرة.

مفترق طرق إنساني

بحسب الخبراء، فإن تمويل الإغاثة في اليمن تأثَّر على مدى السنوات الماضية بمختلف الأزمات والحروب، بدءاً بجائحة «كورونا» التي عطلت الاقتصاد العالمي لوقت طويل، قبل أن تأتي الحرب الروسية - الأوكرانية لتتسبب بأزمات تموينية كبيرة على مستوى العالم.

وبينما ينتقد جمال بلفقيه، المسؤول الإغاثي اليمني، غياب التنظيم والرقابة الميدانية خلال الفترات الماضية من نشاط وجهود الأمم المتحدة ووكالاتها، مما أدَّى إلى فشل وصول المساعدات لكثير من مستحقيها، طالب بتنظيم العمل الإنساني وترتيب أولوياته لفتح آفاق جديدة تمكن من كسب ثقة رجال الأعمال والدول المانحة.

سوق في مدينة المكلا شرق اليمن حيث يعاني جميع سكان البلاد من تدهور القدرة الشرائية (أ.ف.ب)

وأكَّد أن الحكومة بصدد بناء أرضية مشتركة قوية مع القطاع الخاص والمجتمع الدولي للانتقال من مرحلة «تسكين الأزمة» إلى مرحلة «التعافي الاقتصادي الشامل».

وصرفت الأزمات الإنسانية الناتجة عن الحروب في عدة دول ومناطق في المنطقة والعالم كالسودان وغزة، أنظار الجهات الإغاثية عن الأزمة في اليمن.

ويحدِّد الباحث إيهاب القرشي مجموعة عوامل أدَّت لخفض التمويل خلال السنوات الماضية، مثل عدم تقدير الوضع الإنساني في اليمن بشكل واقعي، بسبب القصور الفني لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وقصور أدوار وزارة التخطيط اليمنية، مما تسبب بالإعلان عن احتياجات غير حقيقة.

وإلى جانب ذلك، يجري تشتيت المخصصات وإهدارها كمصاريف تنفيذية وإدارية، بينما كانت الجماعة الحوثية تسيطر على المساعدات وتوجهها إلى ميزانية حروبها، وبشهادة الأمم المتحدة، بالإضافة إلى عدم الثقة بالمنظمات الإغاثية من قبل المانحين.

مساعدات دوائية قدمتها منظمة الصحة العالمية العام الماضي لعلاج الكوليرا في اليمن (الأمم المتحدة)

وتأتي أخيراً ممارسات التضييق والانتهاكات الحوثية ضد هذه المنظمات بعدما انتهت مصالح الجماعة مع الأمم المتحدة ووقف الولايات المتحدة تمويل الوكالة الأميركية للتنمية، وإنهاء تمويلها لخطط الاستجابة، وهي أكبر الدول المموِّلة لخطط الاستجابة.

ويواجه المجتمع الدولي اختباراً صعباً، فإما الاستجابة لنداءات التمويل ومنع تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، وإما ترك واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم تواجه خطر التفاقم في وقت تتزايد فيه الضغوط على منظومة العمل الإنساني العالمية.


إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
TT

إسقاط مسيرة قرب مقر إقامة مسعود بارزاني في أربيل

يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)
يتصاعد الدخان عقب غارة جوية استهدفت مقراً لقوات «الحشد الشعبي» في مطار كركوك الدولي (رويترز)

ذكرت مصادر أمنية أن الدفاعات الجوية أسقطت طائرة مسيرة بالقرب ‌من ‌مقر ​إقامة ‌مسعود ⁠بارزاني، ​رئيس الحزب ⁠الديمقراطي الكردستاني في العراق، في أربيل.
وقالت ⁠مصادر أمنية لـ«رويترز» أمس السبت، ​إن ‌هجوما ‌بطائرة مسيرة استهدف منزل رئيس إقليم ‌كردستان العراق في واقعة تأتي ⁠في ⁠ظل استمرار تصاعد التوتر في شمال العراق.

وشهدت أربيل ليل السبت، نشاطاً مكثفاً للطائرات المسيّرة وعمليات اعتراض استمرَّت لساعات، حيث تمَّ إسقاط عدد من المسيَّرات في أثناء محاولتها استهداف القنصلية الأميركية وقواعد قريبة منها.

ونقل مراسلو وكالة أنباء «أسوشييتد برس» من المنطقة أصوات انفجارات متواصلة وقوية، مشيرين إلى رصد مسيّرة واحدة على الأقل تتجه نحو المنشآت الأميركية، في يوم شهد هجمات هي الأكثر ضراوة منذ اندلاع الحرب. وتواصل الميليشيات الموالية لإيران في العراق تصعيد هجماتها بالمسيّرات والصواريخ ضد القواعد الأميركية، ومن بينها تلك الموجودة في أربيل.

وأدانت واشنطن، في بيان، ما أسمتها «الهجمات الإرهابية الدنيئة» التي نفَّذتها الجماعات المسلحة الموالية لإيران، مؤكدة أنَّ الضربات التي استهدفت مقر رئيس إقليم كردستان نيجيرفان بارزاني في وقت سابق من يوم السبت، تمثل «اعتداء صريحاً على سيادة العراق واستقراره ووحدته».

وأسفر الهجوم عن أضرار مادية فقط، دون تسجيل إصابات، حيث كان المقر خالياً من الأشخاص لحظة استهدافه بالقصف.

إلى ذلك، أفادت مصادر أمنية ووسائل إعلام عراقية بأن مدناً ومناطق متفرقة من العراق تعرَّضت خلال الساعات الماضية، وصباح اليوم (الأحد) لهجمات بالطيران المسيّر والصواريخ.

وذكرت المصادر أن أحد مقار «الحشد الشعبي» في محافظة صلاح الدين تعرَّض لقصف بطائرة مسيّرة، وشوهدت سحب الدخان تغطي سماء المنطقة صباح اليوم، كما تعرَّض مطار الحليوة في أطراف قضاء طوز خرماتو، الذي يضم مقرات «للحشد الشعبي» بين محافظتَي كركوك وصلاح الدين لقصف بمسيّرة.

وأوضحت أن أحد مقار اللواء 41 لـ«الحشد الشعبي» في مدينة الموصل بمحافظة نينوى تعرَّض لهجوم بطائرة مسيّرة أميركية شمال بغداد.

وأعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية، فجر اليوم، سقوط طائرة مسيّرة بشارع 42 في ساحة الواثق بحي الكرادة، دون وقوع إصابات.