ترمب يربط مصير «نافتا» بتمويل الجدار الحدودي

المرشحون لرئاسة المكسيك يدشنون حملاتهم بالرد على انتقادات الرئيس الأميركي

ترمب لدى مشاركته في احتفالات عيد الفصح بالبيت الأبيض أمس (رويترز)
ترمب لدى مشاركته في احتفالات عيد الفصح بالبيت الأبيض أمس (رويترز)
TT

ترمب يربط مصير «نافتا» بتمويل الجدار الحدودي

ترمب لدى مشاركته في احتفالات عيد الفصح بالبيت الأبيض أمس (رويترز)
ترمب لدى مشاركته في احتفالات عيد الفصح بالبيت الأبيض أمس (رويترز)

ربط الرئيس الأميركي مصير المفاوضات الجارية حاليا بشأن اتفاقية التجارة الحرة بين المكسيك وكندا والولايات المتحدة، المعروفة بـ«نافتا»، ببناء الجدار الحدودي مع المكسيك. وحذر ترمب، خلال تصريحات صحافية أدلى بها أمس، من خطورة استمرار تدفق المخدرات والمهاجرين غير الشرعيين إلى الولايات المتحدة. وعبر حسابه على «تويتر»، حذر الرئيس الأميركي من أنه إذا لم توقف المكسيك تدفقات المهاجرين والمخدرات إلى الولايات المتحدة، فسيتم إلغاء اتفاقية «نافتا». وقال ترمب: «المكسيكيون يضحكون على قوانين الهجرة الغبية بالولايات المتحدة. عليهم وقف التدفق الكبير للمخدرات والناس، وإلا فسأقوم بوقف البقرة الحلوب (نافتا). نحتاج إلى الجدار».
وجاءت تصريحات ترمب عبر هذه التغريدات، بعد أن تداولت وسائل إعلام أميركية خبر انطلاق مسيرة لمهاجرين من أميركا الوسطى يطالبون باللجوء من المكسيك إلى الولايات المتحدة. وانطلقت هذه المسيرة في 25 مارس (آذار) من مدينة تاباشولا المكسيكية على الحدود مع غواتيمالا، ووصلت حاليا إلى منطقة واهاكا بجنوب المكسيك. وأكد بيبلو سن، أحد المنظمين لمجموعة المهاجرين، أن المشاركين لن يستجيبوا لتغريدات ترمب على «تويتر»، مضيفا أنهم اضطروا إلى ترك بلادهم الأصلية بسبب العنف والملاحقات الشرطية لهم. وهناك كثير من المجموعات الحقوقية التي تعمل بجانب هؤلاء المهاجرين الذين يطلبون اللجوء، إما في المكسيك أو الولايات المتحدة.
وبعد محاولات يائسة من ترمب لجعل المكسيك تدفع تكلفة الجدار الحدودي، بدأ الحديث داخل أروقة الإدارة الأميركية حول إمكانية دفع تكلفة الجدار من ميزانية الدفاع للجيش الأميركي والتي تبلغ 3.1 تريليون دولار. وخلال الأسبوع الماضي، تحدث وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، مع الرئيس ترمب، حول استخدام الموازنة العسكرية لوزارة الدفاع «البنتاغون» لبناء الجدار الحدودي. وتسببت فكرة تحمل البنتاغون تكاليف بناء الجدار في وضع شعبية الرئيس الأميركي على المحك، خاصة بين مؤيديه الذين وافقوا ودعموا فكرة بناء الجدار، بناء على وعود من ترمب بأن المكسيك سوف تتحمل تكاليف البناء.
وسعى الرئيس ترمب إلى إجبار المكسيك على تحمل تكاليف بناء الجدار الحدودي، الأمر الذي رفضه المسؤولون المكسيكيون بشدة. وخلال المفاوضات التجارية بين الوفدين الأميركي والمكسيكي حول «نافتا»، سعى المسؤولون الأميركيون، في أكثر من مناسبة، للربط بين بناء الجدار الحدودي ونجاح المفاوضات. وخلال العام الماضي، بدأ البيت الأبيض يلوح بإجبار المكسيك على دفع تكلفة بناء الجدار الحدودي بطريقة غير مباشرة، من خلال فرض ضرائب على المنتجات المكسيكية، الأمر الذي رفضه الكونغرس بشدة، وانتهت الفكرة تماما بعد إقرار قانون الإصلاح الضريبي.
وخلال تصريحات صحافية أمس، قال ترمب إن دوريات حرس الحدود غير مسموح لها بالقيام بمهامها بالشكل المناسب، وذلك بسبب القوانين «السخيفة» التي يدعمها الديمقراطيون. وطالب ترمب عبر حسابه بـ«تويتر» الديمقراطيين بضرورة تمرير قوانين حازمة لحماية الحدود وحماية الأمن القومي الأميركي، مؤكدا أنه لن يكون هناك اتفاق حول برنامج «داكا» المعروف أيضا ببرنامج «الحالمين»، الذي تم تطبيقه في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، ويسمح للمهاجرين الذين جاءوا إلى الولايات المتحدة بصورة غير شرعية في سن صغير، بالعمل والدراسة في أميركا حتى يتم البت في شأنهم.
وكان مجلس الشيوخ الأميركي قد فشل في جلسة ساخنة منتصف فبراير (شباط) الماضي، في تمرير المقترح التشريعي الخاص بالهجرة، وذلك بعد شهور من المفاوضات المكثفة بين أعضاء الكونغرس للتوصل إلى حل يوفر الحماية القانونية لملايين من المهاجرين الذين أتوا إلى الولايات المتحدة بصورة غير شرعية. وجاءت نتيجة التصويت بعيدة عن التوقعات بشكل كبير، حيث بلغ عدد الأعضاء المؤيدين لمشروع القانون 54 عضوا مقابل 45 عضوا، معظمهم من الجمهوريين، أعلنوا رفضهم للمقترح التشريعي. وتتطلب الموافقة علي أي مشروع قانون داخل مجلس الشيوخ الحصول علي عدد أصوات لا يقل عن 60 صوتا من أصل مائة صوت.
وفي هذا الإطار، لوّح ترمب في إحدى تغريداته أمس باللجوء إلى الخيار النووي، وهو إجراء برلماني يتيح لترمب مواجهة التعطيل الديمقراطي لإدارته، ويقوم على إلغاء قاعدة الستين صوتاً من أصل مائة في مجلس الشيوخ، واشتراط أكثرية عادية، أي خمسين زائد واحد، بدلاً من ذلك.
وفي المكسيك، تلعب تصريحات ترمب دورا لافتا في الانتخابات الرئاسية. وبدأ المرشحون للانتخابات الرئاسية في المكسيك حملاتهم الانتخابية، الأحد، بالرد على اتهام الرئيس الأميركي لبلادهم بأنها تكاد لا تفعل شيئا لوقف الهجرة السرية إلى الولايات المتحدة.
وقال مرشح اليسار، أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، الأوفر حظا للفوز بحسب استطلاعات الرأي حاليا، في خطاب قرب الحدود مع ولاية تكساس الأميركية، إنه سيفرض احترام المكسيكيين. وقال رئيس بلدية العاصمة السابق البالغ 64 عاما، في أول تجمع انتخابي له قبل الانتخابات المقررة في الأول من يوليو (تموز) المقبل: «لا المكسيك ولا شعبها سيكونان مكسر عصا لأي حكومة أجنبية». وأضاف: «لا بالجدران ولا باستخدام القوة يمكن حل المشكلات الاجتماعية أو المسائل الأمنية»، مؤكدا أنه لا يستبعد إمكانية نجاحه في إقناع ترمب بتغيير «سياسته الخارجية الخاطئة ولا سيما سلوكه المزدري للمكسيكيين» إذا فاز في الانتخابات، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.
من جهته، قال خصمه الرئيسي المحافظ ريكاردو أنايا الذي يرأس تحالفا يضم أحزابا من اليمين واليسار، إن التصريحات الجديدة للرئيس الأميركي تستدعي ردا حازما يحفظ كرامة المكسيكيين. وقال المرشح الشاب (39 عاما) في تجمع انتخابي في سان خوان دي لوس لاغوس، بولاية خاليسكو (غرب) أطلق خلاله حملته الانتخابية: «نحن بحاجة إلى علاقة جديدة تقوم على تقاسم المسؤوليات والاحترام المتبادل».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended