هدى بركات لـ «الشرق الأوسط»: مرتاحة لإيقاعي في الكتابة ولا يغريني الترويج

بعد صدور روايتها الأخيرة «بريد الليل»

هدى بركات
هدى بركات
TT

هدى بركات لـ «الشرق الأوسط»: مرتاحة لإيقاعي في الكتابة ولا يغريني الترويج

هدى بركات
هدى بركات

في روايتها الأخيرة «بريد الليل» حيلة جديدة تنتهجها هدى بركات، لتدخل قارئها في لعبة الرسائل الخمس التي يكتبها أصحابها، وكأنها تصفية حساب مع أشخاص لن يقابلوهم مرة أخرى، وهم في الحقيقة لا ينتظرون جواباً، ولا يريدون تفسيراً، أو يرجون تبريراً. شيء من البوح المتوازي لأناس لا يربط أحدهما بالآخر شيء سوى ساعي البريد، الذي بدوره سيعلق في دائرة الحرب الجهنمية التي تجعل هذه الرسائل بين يديه مجرد حكايا عالقة: «تتكدس كالأوراق الميتة، في زوايا الشوارع الفارغة».
منذ روايتها الأولى «حجر الضحك» وهدى بركات تنال رضا القراء، وإعجابهم بحياكة قصصها، وأسلوبها الكتابي. نالت «جائزة النقد» يومها، ومن ثم «جائزة نجيب محفوظ» عن روايتها «حارث المياه»، ثم كُرّمت في فرنسا مرتين، حين حصلت عام 2002 على وسام من رتبة فارس في الأدب والفنون، ومرة أخرى عام 2008 حين نالت وسام الاستحقاق، ورواياتها جميعها مترجمة إلى الكثير من اللغات. بعض هذه الروايات صغيرة كما «بريد الليل» التي تقع في 126 صفحة. وهي أديبة مقلة بالنسبة لروائيين باتوا يصدرون كل سنة كتاباً بمئات الصفحات. بركات تعتبر أن لها مقاييسها الخاصة في الكتابة، وطريقتها في التأليف، ولا تجد نفسها ملزمة اللحاق بمتطلبات السوق، حتى وإن كانت مغرية. تشرح قائلة: «في دار نشر (أكت سود) يشجعونني دائماً على الإسراع في الكتابة. لكن هذا هو إيقاعي، ولا يمكن أن يتغير، لا بفعل تشجيع الدار، ولا إغواء ترجمة، ولا حتى إغراء الترويج الذي يتطلب حضوراً دائماً. مرتاحة كما أنا، ولا أعرف كيف أشتغل بطريقة أخرى، حتى لو نسيني القراء بين الرواية والتي تليها».
لا تكتب بركات رواية تلمس أنها هي نفسها تضجر منها، ولا تحمل جديداً. «الجدة لا تكون فقط لجهة الموضوع، وإنما على مستوى الوعي بالكتابة. لذلك؛ فإن رواية (بريد الليل)، لا تشبه ما قبلها لا بالنهج ولا الحجم ولا الموضوع. كل كتاب عندي مغامرة، مع أنه قد يدور حول الأسئلة نفسها، لكن الاختلاف يكمن دائماً في الأسلوب وكذلك الطريقة والتعبير». «بريد الليل» فيها حيلة تتماشى مع المناخات التي أرادت أن تصل إليها. حياة الشخصيات مكسورة. هم أنفسهم لا يعرفون أين بدأوا، وليس لديهم قناعة بما سبق؛ لذلك يبدو السير نحو المستقبل متعثراً. «لا يقين كاملاً لدى هؤلاء الأشخاص. الاعترافات التي دوّنوها ليست في الحقيقة اعترافات، أغلبها كذب وغش وخداع، وأخبار عن قصص لم تحدث؛ لأن أحداً لا يعرف ما هي الحقيقة». تستدرك بركات «أساساً لا يقين في العالم كله، مهاجرون يتركون بلادهم لا يعرفون أين يذهبون. كل البلدان العربية تعيش لحظة اهتزاز فظيعة. ما أردت قوله في هذه الرواية، ما كان ليكتب إلا بهذه الطريقة. فما سطر في الرسائل لا يصل إلى أصحابه، وهو إن وصل فتلك كارثة؛ لذلك فهي رسائل مضمونها لا ينتظر جواباً، ولا يؤدي إلى يقين».
والبوسطجي في القصة ليس تكنيكاً روائياً فحسب، كما كتب بعض النقاد فهو يوجد في بلد لم يعد فيه شوارع ولا عناوين ولا بيوت بسبب الدمار الذي تسببت به الحرب؛ مما يجعل عمله مستحيلاً. «هو هنا له رمزيته، بحيث إن دوره الوجودي برمته قد انتهى، ولم يعد له من وظيفة فعليه لتأمين التواصل بين الناس. فالإيميل بنظري ليس رسالة بالمعنى الذي نفهمه. لقد أصبحت الرسالة رمزاً لتواصل قد انقطع».
ثمة إشادة بلغة هدى بركات، بأسلوبها الأدبي الجذاب، لكن تقنية «البزل» التي تستخدمها في تركيب لوحاتها أثناء الكتابة لها إيجابياتها، وقد يكون انعكاسها سلبياً أحياناً على القارئ، الذي يشعر، ربما بأن الخيط، أفلت منه. وهي على وعي بذلك؛ فقارئها «له حساسية أدبية» وهو «في بعض الأحيان نخبوي»، كما تقول. «أعرف، أن ما أكتبه ليس دائماً سهلاً، وهذا ليس مقصوداً، لكن بالنتيجة على القارئ أن يبذل جهداً، فإما أن يستمتع معي، أو يرمي بالكتاب». ففي رواية «ملكوت هذه الأرض» يمضي القارئ خمسين أو ستين صفحة، قبل أن يصل فعلياً إلى الشخصيات. البعض قد يجد في ذلك عيباً، لكنها تراها صفحات مهمة جمالياً، لما سيحدث بعد ذلك. «لقد استغرقت في هذا الفصل لأدخل القارئ في عالمي الروائي، بأسلوب جمالي، احتاج مني جهداً كبيراً لأشكل معجماً يناسب البيئة الجبلية وعواصفها الثلجية التي أصفها. وهي أجواء تحتاج إلى مفردات ليست وفيرة في الأدب العربي».
ثم أن تقنية «التشظي» كأسلوب في الكتابة الروائية «لا أنتهجها في كل رواياتي. فلكل رواية حكاية بالنسبة لي، والتقنيات تستل من الموضوع نفسه». تمر هدى بركات على أسماء روايات كتبتها، تضرب مثلاً بـ«حجر الضحك» التي شكلت البداية، وتقول: إنها «كانت مختلفة عما جاء بعدها. أما رواية (أهل الهوى) فكأنما كنت أسمع صوت رجل يخبرني قصة لأكتب أحداثها».
ليست روايات هدى بركات نقل لوقائع تعيشها، بقدر ما هي من بنات خيالها. «تنطلق الشرارة الأولى للكتابة بهاجس، يراودني ملحاحاً، وأنا في الباص (الحافلة)، وأنا أطبخ، أكنس أو أقرأ. في مطلع كل رواية كتبتها يمكن للقارئ أن يعرف الهاجس الذي منه انطلقت. في (حجر الضحك) كان السؤال كيف يمكن للإنسان أن يبقى بريئاً، حين تراءت لي شخصية خليل الذي تبين أنه مثلي». هكذا يبدو أن اختمار فكرة الرواية يأتي من التفاعل مع مسار الحياة المعاشة، وطالع من تفاصيلها «ربما لأنني امرأة والوقت ضيق، وأولادي يأتون قبل أي اعتبار آخر. فلا بد أن أجرب في رأسي حيث يستعصي التجريب بالكتابة ولوقت طويل». باستثناء «حجر الضحك» التي كتبتها مرات عدة؛ لأنها لم تكن واثقة بعد من قدراتها وموهبتها، فإن أي رواية أتت بعد ذلك استغرقتها سنة ونصف السنة تقريباً، تتركها لشهرين من الاختمار ثم تعود إليها لتعيد قراءتها، بل وتعيد كتابتها أيضاً. إذ تقول: «أميل كثيراً لحذف مقاطع كبيرة، أتخلص من كل ما أعتبره ثرثرة، أو إطالة، قد تضجر القارئ. عندي من الشجاعة في الحذف ما يكفي لأتخلص من صفحات تعبت في تدبيجها».
هي من جيل لا يغفر له أن يقف عند حدود جنسه «ليست مرجعيتي سيمون دوبوفوار في (الجنس الآخر)، وإنما مرغريت يوسنار التي كتبت عن النسوية بوعي متقدم». وعن روايتها «أهل الهوى» المكتوبة على لسان رجل، شرحت تكراراً أنها قصدت أن ينطق هذا الرجل بعبارات وتشبيهات وصوراً لا تخرج إلا من أفواه نساء. فأدواتها الكتابية لا يمكن أن تكون أدواة رجل.
تركت لبنان في عز الحرب الأهلية وقبلها كتبت رواياتها الأولى من وحي المعارك والدمار وهي تتنقل من منزل إلى آخر هرباً بأولادها، وبقيت الحرب لا تفارق كتبها في مغتربها. في روايتها الأخيرة «بريد الليل» صحيح أننا لا نعرف أين تدور الأحداث، ولا يبدو من السياق أنها في لبنان، لكنها الحرب أيضاً، تؤرق حياة أصحاب الرسائل والبوسطجي الذي يحملها، ثمة خراب جاثم دائماً. هي في هذا لا تشبه الروائيين اللبنانيين من جيلها الذين بقوا في الوطن وخرجوا من هذه التيمة، فالبعد يجعل نسيان ما حصل أصعب. ولهدى بركات أسباب أخرى منها أنها تعتقد أن الحرب أي حرب تهز الوعي، والإجابة على أسئلتها الصعبة تحتاج إلى وقت مديد «الحرب العالمية الثانية، لا يزالون يكتبون عنها في أوروبا. ربما لو بقيت في لبنان لاضطررت إلى التأقلم مع الحياة اليومية. على أي حال كل ما كتبت يطل من ناحية أو أخرى على بيروت، ربما لأنني أعرف لبنان قبل الحرب، وأدرك كيف كانت الحياة، وما الذي انتهت إليه».
على محك التجارب القصوى كل القناعات تهتز، هذا من الطبائع البشرية، والحرب من أقسى التجارب التي يعايشها الناس. تشرح فكرتها قائلة: «فأنا لا أعرف مثلاً لو أنني كنت فرنسية وعشت أحداث الحرب العالمية بوحشيتها، هل كنت سأجد نفسي عميلة لصالح الألمان مثلاً أو في الجانب الآخر؟ من يدري؟ من يستطيع أن يقدّر الظروف، والمحيط؟ فالخيارات في زمن السلم هي غيرها في زمن الحرب، حين تختلّ المعايير، والضوابط والمرجعيات. فأنا أتساءل دائماً كيف يتحول في الحرب نصف شعب إلى قتلة، أي ميكانيكية تحول كائناً عادياً إلى قاتل للآخر. في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية ثمة قديسون تم تطويبهم، كانوا قبل ذلك مجرمي حرب».
تناسل الحكايا، خروج القصة من بطن أخرى، في روايات هدى بركات يحيل أحياناً إلى السرد العربي القديم، وهو ما لا تعترض عليه، بل تعتبر أنها ليست فقط من سلالة الكلاسيكيين العرب، بل هي جددت في هذا السرد، خففته من فخامته والتكرار. «فأنا معجبة إلى حد بعيد بطواعية اللغة العربية وأجدها حديثة جداً. هذا لم يكن تلقائياً ولا عفوياً. قرأت القديم ولا أزال. كان يجب أن أعلّم نفسي ما لم أتعلمه في المدرسة. كنت حينها أكره العربية، ثم بعد ذلك، في لحظات الوعي، وفي الجامعة، تعرفت على الأدب. كتابتي باللغة العربية جاءت بفعل خيار شخصي، فقد كنت عند تخرجي وبحكم طبيعة دراستي أقرب إلى الكتابة بالفرنسية، ولا أزال أكتب نصوصاً بالفرنسية، حين يطلب مني المشاركة في عمل ما أو كتاب مشترك أو مقالة». ولا داعي للحديث عن كمّ المغريات للكتابة بلغة أجنبية، من تسويق وغيره. لكن «قلبي ليس ثنائي اللغة، فتكويني اللغوي عربي. وعندي احترام عميق جداً للعربية، أعمق من أن أستطيع وصفه». إنه عشق للغة تشعر بها بركات خارجة من صلبها، معجونة بوجدانها «حين أقرأ نصوصاً لابن حزم أو الجاحظ أو المتنبي، أو الصوفيين، وابن عربي أشعر ببهجة وأكاد أصرخ (الله أكبر ما هذا الطرب). ومن الجيل الحديث أرى أن محمود درويش هو أحد ورثة هؤلاء. فعمق قصائده هي اللغة، ومن دون عبقريتها، لا شيء يبقى».
ومع كل ما يشاع عن صعوبة كسر المحرمات بالعربية، تعتبر بركات أنها تكتب ما تريد ولم تتعرض لمضايقات. «فالاقتراب من التابوهات يجب أن يتم باحترام، ومن دون استفزاز. التعامل مع المحرم ليس أمراً سهلاً. وجماليات السرد تحتاج إلى مجهود كبير للتعامل مع ما يسمى المسكوت عنه».
في بشري، بلدة جبران خليل جبران الجبلية المهابة بطبيعتها ووديانها وخضرتها ولدت هدى بركات، وإليها تعود زائرة كلما رجعت إلى لبنان من مغتربها الفرنسي، وعنها كتبت «ملكوت هذه الأرض» التي رأى فيها أهل البلدة إساءة إليهم ولم يستلطفوها. لكن بركات، على عكس ما قيل، تكنّ لبلدتها بشري حباً كبيراً. «كتبت الرواية بعناية فائقة، وأعطيتها وقتاً طويلاً، ونسجتها بمفردات اشتغلتها بحيث تعبر عن طبيعة المكان والأجواء. هناك من رأى في المكتوب هجاءً لأنه نقدي، وهذا أمر طبيعي؛ فليست الحياة مديحاً. لكن الحقيقة أن ما كتبته لبشري هو حب خالص».



رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
TT

رحيل حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية

تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)
تدهورت الحالة الصحية للفهد في الفترة الأخيرة بشكل كبير (مؤسسة الفهد للإنتاج الفني)

غيّب الموت سيدة الشاشة الخليجية، الفنانة الكويتية حياة الفهد، عن عمر ناهز الـ78 عاماً.

عاشت الراحلة منذ بداياتها الأولى في ستينات القرن الماضي حتى رحيلها أمس، عبر الشاشة في بيوت الخليجيين، وتركت خلفها تاريخاً فنياً عصياً على النسيان.

بدأت الفهد رحلتها الفنية في وقت كان فيه حضور المرأة الخليجية في مجال التمثيل محدوداً ومحاطاً بحساسيات اجتماعية، ورغم ذلك دخلت المجال بخطوات مترددة لكنها حاسمة، وشقّت طريقها في بيئة لم تكن مهيأةً بالكامل لتقبّل هذا الحضور النسائي، وهو ما جعل تجربتها الأولى تتجاوز فكرة «الدور» إلى معنى أوسع في كسر الحاجز، وفتح الباب.


مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
TT

مركبة متنقلة لـ«ناسا» تكتشف المزيد من لبنات الحياة على المريخ

صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)
صورة ذاتية من زاوية منخفضة لمركبة «كيريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» والمخصصة لاستكشاف المريخ (أ.ف.ب)

أعلن علماء، الثلاثاء، أن مركبة «كيوريوسيتي» المتنقلة التابعة لوكالة «ناسا» اكتشفت المزيد من «لبنات الحياة» على سطح المريخ، وذلك بعد إجراء تجربة كيميائية لم يسبق لها مثيل على أي كوكب آخر، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأكد الفريق الذي تقوده وكالة «ناسا» أن الجزيئات العضوية ليست دليلاً قاطعاً على وجود حياة سابقة؛ إذ يحتمل أنها تشكلت على سطح المريخ أو سقطت نتيجة اصطدامها بالنيازك.

إلا أنها تكشف عن أن هذه المؤشرات حفظت في الصخور لأكثر من ثلاثة مليارات عام، عندما كان يعتقد أن الكوكب يضم مياهاً سائلة، وفق ما نشرت مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز».

وحملت «كيوريوسيتي»، وهي بحجم سيارة، أنبوبين من مادة كيميائية تسمى TMAH وتستخدم لتحليل المواد العضوية ومعرفة مكوناتها.

وقالت عالمة الأحياء الفلكية العاملة في مهمة «كيوريوسيتي» إيمي ويليامز لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن «هذه التجربة لم تجرَ من قبل على كوكب آخر».

وأكدت ويليامز، وهي المؤلفة الرئيسية لدراسة تصف النتائج، أن الفريق «يرى لبنات الحياة، كيمياء ما قبل حيوية على المريخ، محفوظة في هذه الصخور منذ مليارات السنين».

هبطت مركبة «كيوريوسيتي» التابعة لـ«ناسا» في قاع بحيرة سابقة تسمى فوهة غيل عام 2012، ومنذ ذلك الحين وهي تبحث عن دلائل على وجود حياة سابقة محتملة.

وخلال تجربة أجريت عام 2020 باستخدام مادة TMAH، تم رصد أكثر من 20 جزيئاً عضوياً، بينها مركب «بنزوثيوفين» الموجود أيضاً في النيازك والكويكبات.

وقالت ويليامز إن «المواد نفسها التي هطلت على المريخ من النيازك هي نفسها التي هطلت على الأرض، وربما وفرت اللبنات الأساسية للحياة كما نعرفها على كوكبنا».

وأشارت دراسة جديدة نشرت في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز» إلى أن المهمات المستقبلية قد تستفيد من تجربة «كيوريوسيتي» التي أثبتت نجاح التجارب التي تستخدم مادة TMAH على عوالم أخرى.

وستحمل مركبة «روزاليند فرانكلين» التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية، والتي تتميز بحفارة أطول بكثير من «كيوريوسيتي»، هذه المادة الكيميائية إلى المريخ.

وأعلنت «ناسا»، الأسبوع الماضي، أن مركبة الفضاء التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية ستنطلق الآن نحو المريخ في أواخر عام 2028. وستكون المادة الكيميائية أيضاً على متن مركبة «دراغون» الدوارة، المقرر إطلاقها عام 2028 في مهمة لاستكشاف قمر تيتان التابع لكوكب زحل.


أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
TT

أسعار المساكن الفاخرة تعمّق «الهوة الطبقية» في مصر

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)
جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

يقطع المهندس المعماري محمد رجب يومياً أكثر من 30 كيلومتراً للذهاب إلى موقع عمله في الامتداد الصحراوي لمحافظة الجيزة (غرب القاهرة) حيث يشارك في بناء «كمبوند سكني فاخر»، وهو على يقين من أنه لا يمكنه أن يسكن فيه أو أي أحد من أولاده يوماً ما: «نبني لطبقات غنية. أما نحن فنسكن في إحدى المناطق الشعبية في الجيزة».

ويذكر أن شعور رجب بالتفاوت الطبقي الكبير يتزايد كلما سمع عن الأرقام التي تباع بها الوحدات التي يشارك في بنائها، ويقارنها براتبه هو وأصدقائه حيث «الفيلا الواحدة تباع بـ50 مليون جنيه» (الدولار الأميركي يعادل نحو 52 جنيهاً)، «وهو مبلغ لن أتحصل عليه طوال حياتي المهنية داخل مصر».

ووفق خبراء إسكان وعلم اجتماع، فإن بعض المشروعات السكنية في مصر اعتمدت خلال العقود الماضية على تغذية «مشاعر الفصل الطبقي»، بأسلوب المساحات المعزولة والمغلقة. يقول رجب بنبرة يملؤها الشجن: «بعد الانتهاء من عملي، لن يسمح لي الأمن بدخول المكان الذي شاركت في بنائه».

وأطلقت شركة هشام طلعت مصطفى العقارية أخيراً أحدث مشروعاتها العقارية شرق القاهرة «The Spine»، بأسعار مرتفعة جداً، وهو ما عزاه أحد مندوبي المبيعات بالشركة إلى أنها «أول مدينة ذكية استثمارية تقوم بالكامل على الذكاء الاصطناعي في العالم»، وفق ما ذكره لـ«الشرق الأوسط» عند الاستفسار هاتفياً عن طبيعة وأسعار الوحدات بالمشروع.

أحد المشاريع في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وكان رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي وعدد من الوزراء قد شاركوا في مؤتمر صحافي للإعلان عن المشروع الضخم، السبت. وأثنى مدبولي عليه قائلاً إن «استثماراته تتجاوز 1.4 تريليون جنيه، ويوفر أكثر من 155 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كما يحقق عوائد ضريبية تتجاوز 800 مليار جنيه».

ويصل سعر الوحدة الكبرى (3 غرف نوم) في مشروع «The Spine» بمساحة 116 متراً، 50 مليون جنيه، ويضم المشروع 165 برجاً، داخل «مدينتي» المشروع السابق للشركة، على مساحة 5 كيلومترات. بينما تُطرح نفس مساحة الوحدة في مشاريع أخرى لـ«طلعت مصطفى» بـ10 ملايين جنيه.

ويُرجع موظف قسم المبيعات ارتفاع سعر الوحدات في المشروع إلى «المزايا الكبيرة والمختلفة فيه، منها شبكة المواصلات الضخمة تحت الأرض، ما يضع أماناً إضافياً إذا ما رغب السكان في التجول، ويحافظ على البيئة. كما أن ساكنه لن يحتاج إلى إطلاق الأوامر حتى تشتغل الإضاءة أو التكييف أو غيرهما من المهام في المشاريع الذكية، يكفي أن يُدخل البيانات لأول مرة، ليعرف الذكاء الاصطناعي تفضيلاته، ويعمل كل شيء نيابة عنه، يفتح المصعد، وباب الوحدة، ويضبط التكييف والإضاءة، حتى قبل أن تصل إلى شقتك».

أما سعر الوحدة ذات غرفة النوم الواحدة، بمساحة 77 متراً، فتصل إلى 20 مليون جنيه. وتقدم الوحدات بنظام تقسيط، أقل مقدم حجز فيها 160 ألف جنيه للمكتب الإداري، و250 ألف جنيه للوحدة السكنية، مع قسط نحو 50 ألف جنيه شهرياً، إلى جانب دفعات سنوية بمتوسط نصف مليون جنيه.

ووُصفت هذه الأسعار عبر مستخدمي مواقع التواصل بـ«المبالغ فيها وغير المنطقية»، وسط انتقاد الاهتمام اللافت بالمشروعات العقارية والإسكان الفاخر وعدم التركيز على توطين الصناعة والتكنولوجيا.

دار الأوبرا داخل مدينة الفنون في العاصمة الجديدة (إدارة العاصمة الجديدة)

وتتعزز هذه الانتقادات في وقت وصل فيه التضخم في مصر إلى 15.2 في المائة على أساس سنوي في مارس (آذار) الماضي، مرتفعاً نحو 2 في المائة عن فبراير (شباط) الماضي. بالإضافة إلى ارتفاع نسب الفقر إلى 32.5 في المائة، وفق تقرير للبنك الدولي عن مستوى الفقر في مصر عام 2022. مقارنة بـ29.7 في المائة في العام المالي 2019-2020.

وخلال السنوات الخمس الماضية، تراجعت قيمة الجنيه أمام الدولار بشكل حادّ، وارتفعت معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، إذ انخفضت قيمة الجنيه من 15.5 جنيه في 2020 إلى 50 جنيهاً في 2025، ما ترتب عليه انخفاض القوة الشرائية للمواطنين، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع الحد الأدنى للأجور للعاملين في القطاع العام ليصبح 8 آلاف جنيه مصري شهرياً اعتباراً من يوليو (تموز) المقبل.

ويرى الكاتب الاقتصادي والخبير في أسواق المال، محمد مهدي عبد النبي، أن «المشروع الأحدث يعكس توجهاً من الدولة لفتح سوق عقارات دولي في مصر، لجذب عملة صعبة تساعد على تحسين أزمة العملة الأجنبية في مصر، ما سيؤثر إيجابياً على الاقتصاد الكلي، لكن في الوقت نفسه سينعكس سلباً على أسعار العقارات التي تستطيع شراءها الطبقة الوسطى، وسيزيد نسب التضخم في المجال العقاري».

ويتوقع عبد النبي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «أن يكون الأجانب، وبعض المواطنين العرب وبعض المصريين في الخارج الذين راكموا ثروات كبيرة، هم القادرين وحدهم على الشراء في مشروعات الإسكان الفاخر بمصر، أي أنه يستهدف ذوي الملاءة المالية الواسعة».

جزء من تصميم مشروع «ذا سباين» لشركة هشام طلعت مصطفى (موقع الشركة)

وهو ما أكّده موظف المبيعات في مجموعة «طلعت مصطفى»: «نستهدف بشكل أساسي الأجانب والعرب، لشراء الوحدات التي سيتم تسليم أول دفعة فيها بعد 5 سنوات».

الباحثة الثلاثينية منى محمد، تابعت الإعلانات التي تروج لمشروعات الإسكان الفاخر بالآونة الأخيرة، وقالت: «عانيت قبل عامين خلال رحلة بحثي عن شراء شقة بمنطقة حدائق الأهرام (غرب القاهرة)، ولأن المبلغ المطلوب كان (مليون جنيه) أكبر من إمكاناتي المادية أنا وزوجي، اضطررت لبيع مصوغاتي الذهبية والاقتراض حتى نتمكن من دفع ثمنها».

وتعلق منى على مشروعات الإسكان الفاخر، وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا النوع من المشاريع يستفز مشاعر أبناء الطبقات الوسطى والدُنيا حتى الطبقة الغنية، التي ستجد نفسها جارة لطبقات أكثر رفاهية، وتتمتع بمزايا ليست لديها، وغالباً سيكونون من غير المصريين».

واعتبر رئيس الوزراء المصري مشروع «The Spine»: «عالمياً بكل المقاييس، ويحقق نقلة حقيقية في شكل التنمية العمرانية والنمو الاقتصادي للدولة المصرية».

ويرى الباحث في الإنثروبولوجيا، وليد محمود، أن «الكومباوندات السكنية أصبحت جزءاً بارزاً من المشهد العمراني في مصر، تعكس طموحاً نحو حياة أكثر تنظيماً ورفاهية، معتمدة على الخصوصية، والخدمات المتكاملة، والمساحات الخضراء، ما يجذب شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة العليا والطبقة الميسورة للإقامة فيها».

خبراء يرون أن المساكن المرفهة تعمّق الهوة الاجتماعية في مصر (شركة طلعت مصطفى)

وأضاف محمود لـ«الشرق الأوسط» أنه «بعيداً عن الصورة المثالية التي تروج لها الحملات الإعلانية، يبرز تساؤل مشروع حول التأثيرات الاجتماعية لهذه الظاهرة، التي تعزز فكرة الانفصال الطبقي، وتخلق تصوراً بأن الحياة الأفضل لا تتحقق إلا داخل هذه الأسوار»، مشدداً على أن «الأزمة لا تقتصر على مفهوم الكمبوندات، بل في اتساع الفجوة بين أنماط السكن المختلفة، وما يصاحبها من شعور متزايد بعدم التكافؤ». على حدّ تعبيره.