بلدان عربية تواجه تحديات تفاقم الديون

حزمة من الإصلاحات مطلوبة للحد منها

مقر البنك المركزي الأردني في عمان
مقر البنك المركزي الأردني في عمان
TT

بلدان عربية تواجه تحديات تفاقم الديون

مقر البنك المركزي الأردني في عمان
مقر البنك المركزي الأردني في عمان

تعاني العديد من البلدان العربية من وطأة ارتفاع الدين العام بعد سنوات من الاضطراب السياسي أثرت سلباً على الأداء الاقتصادي لتلك البلدان، علاوة على استمرار معضلاتها الموروثة منذ عقود مضت، التي تتعلق باحتياجاتها لجذب استثمارات بشكل أكبر وتعزيز قدراتها الإنتاجية، وتحديث السياسات الاجتماعية لتصبح أقل تكلفة وأكثر إفادة للمواطنين.
- تونس... الأجور معضلة كبيرة
وفقاً للبرنامج الإصلاحي الذي تتبناه تونس في الوقت الحالي، بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، في إطار اتفاق قرض في 2016، فإن البلاد تستهدف أن يكون الدين العام عند مستوى أقل من 70 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2020، مقابل 72.1 في المائة متوقعة للعام الحالي.
وخلال السنة المالية الحالية، أقرت الحكومة التونسية مجموعة من الإجراءات الهامة للسيطرة على الإنفاق العام والحد من الاعتماد على الديون، كان من أبرزها استئناف برنامج المغادرة الطوعية للعاملين في القطاع العام، وربط زيادات الأجور الحكومية بالنمو الاقتصادي.
ويقول صندوق النقد إن فاتورة الأجور زادت من 10.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في 2010 إلى 14.5 في المائة من الناتج في 2016، وفي حال عدم تطبيق إجراءات للحد من هذه الفاتورة ستزيد الأجور إلى 15 في المائة من الناتج في 2018، وفقا للمؤسسة الدولية.
كما تستهدف تونس تطبيق زيادات ربع سنوية في أسعار الوقود للحد من تكلفة دعم الطاقة، ومثلت تكلفة التحويلات والدعم في 2016 نحو 4.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وفقاً لتقديرات الصندوق.
وتمثل ديون العملة الأجنبية العامة الجزء الأكبر من عبء الدين التونسي، فحسب بيان صندوق النقد، من المتوقع أن تمثل هذه الديون في 2018 نحو 70.6 في المائة من إجمالي الديون، في ظل ما تعانيه البلاد من استنزاف لاحتياطات النقد الأجنبي وتذبذب في قيمة العملة المحلية أمام الدولار.
ووصل حجم الدين الخارجي في نهاية سنة 2016 إلى نحو 28.7 مليار دولار، وهو ما يعني أنه تضاعف أكثر من مرة بالمقارنة مع سنة 2010، حين لم يتجاوز حدود 13.4 مليار دولار. وتفرض هذه الديون ضغوطاً قوية على الوضع الاقتصادي في البلاد، بسبب خدمة الديون الخارجية بالعملة الصعبة التي تعرف بدورها ارتفاعاً قياسياً خلال الفترة الماضية.
ويحذر الخبير الاقتصادي، رياض الزاوي، من تأثير ارتفاع المديونية على النمو الاقتصادي في البلاد فـ«ارتفاع نسبة الدين لا يؤثر على الاقتصاديات الصلبة بالضرورة، وقد تتجاوز الديون في بعض البلدان نسبة مائة في المائة من الناتج الإجمالي، في حين أن الاقتصاديات النامية تبقى مطالبة بالسيطرة على هذه النسبة فإذا تجاوزت 60 في المائة، فإن النموّ يتراجع بنقطة كاملة، لأن التداين له كلفة على الاقتصاد الوطني وعلى الموارد المالية الموجهة للتنمية والتشغيل».
بينما يدعو المنجي الرحوي، رئيس لجنة المالية في البرلمان التونسي، إلى مراجعة البلاد لـ«الديون الكريهة» التي حصل عليها النظام السابق لزين العابدين بن علي، ولم توجه لإفادة البلاد، مشيراً إلى أن البلاد تتجه للتوسع في ديون جديدة دون النظر في ميراث النظام السابق، معلقاً بأن «حجم ديون البلاد ما بين 2011 و2016 بلغ ضعف ما تم اقتراضه منذ الاستقلال (سنة 1956) إلى غاية 2010».
وتنازلت عدة بلدان أوروبية على غرار ألمانيا وفرنسا عن جزء من ديونها المالية المستحقة، وحولتها إلى مشاريع تنمية في تونس، ومع ذلك حافظت فرنسا على سبيل المثال على المرتبة الأولى كأكبر دائن لتونس.
- مصر... الدعم قضية حرجة
تواجه مصر أيضاً تحديات تفاقم الديون العامة، مع ارتفاع إجماليها إلى 103 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في العام المالي 2017، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.
ويأمل الصندوق الذي أبرم اتفاقاً مع البلاد على برنامج إصلاحي في 2016 أن تنخفض المديونية إلى 86.7 في المائة في العام المالي 2019، مع تطبيق إجراءات لكبح الإنفاق العام.
ويمثل الدعم والأجور أحد مصادر الإنفاق الرئيسية في مصر أيضاً، اللذان تستهدف الدولة الحد من الإنفاق عليهما لتقليل تكاليف الأجور.
وبحسب بيانات الصندوق، فإن الأجور مثلت نحو 6.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد خلال العام المالي 2017، بينما مثَّل الدعم 8 في المائة.
ويتركز الجزء الأكبر من تكاليف الدعم في دعم الطاقة الذي مثَّل في العام نفسه نحو 4.1 في المائة من الناتج الإجمالي، لذا فإن الدولة تستهدف منذ العالم المالي 2015 تحرير دعم الطاقة بشكل تدريجي.
ورغم هدوء الضغوط التضخمية في البلاد خلال الأشهر الأخيرة، بعد أن تصاعدت بقوة في أعقاب تحرير العملة في نوفمبر (تشرين الثاني) من 2016، لكن المحللين يقولون إن الحكومة عازمة على المضي في برنامج تحرير الدعم خلال الأشهر المقبلة للسيطرة على فاتورة الطاقة في موازنة العام المالي الجديد، الذي يبدأ في يوليو (تموز).
وكانت معدلات التضخم السنوية، العام والأساسي، قد تراجعت في فبراير (شباط) الماضي لتسجل 14.4 في المائة و11.9 في المائة، بعد أن بلغ التضخم ذروته في يوليو (تموز) 2017 مستوى 33 في المائة و35 في المائة علي الترتيب.
- الأردن... مشكلات متراكمة
على صعيد الأردن، فقد بلغ حجم الدين العام حتى نهاية شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، بحسب آخر نشرة لوزارة المالية الأردنية، نحو 95.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
وبحسب أحدث أرقام صادرة عن وزارة المالية الأردنية، فقد بلغت قيمة إجمالي الدين العام في نهاية الشهر الأول من العام الحالي 27.44 مليار دينار (ما يعادل 38.69 مليار دولار).
ويرى مراقبون أن هناك علاقة قوية بين القفزات الحاصلة في الدين العام الأردني، وبين الأوضاع السائدة في المنطقة، خصوصاً بعد الربيع العربي.
إضافة إلى تأثير تداعيات الأزمة المالية العالمية 2008، فقد زاد الدين العام، وفق الإحصاءات الرسمية، من 2008 ولغاية 2011، بنحو 7 مليارات دينار ليصل إلى 19 مليار دينار.
ويضيف المراقبون أن إغلاق الحدود السورية مع الأردن والحدود العراقية انعكس على حركة التجارة بين الأردن وبين دول الجوار، وانخفضت الصادرات بشكل ملموس، الأمر الذي ضغط على الاقتصاد، إضافة إلى الحرب الأهلية الدائرة في سوريا، وما نجم عنها من تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين إلى البلاد، وهو ما كان له الأثر السلبي الكبير على الاقتصاد الأردني، مع عدم ملاءمة مستويات الدعم المقدمة للأردن من الدول المانحة لهؤلاء اللاجئين.
ويلاحظ خلال الأعوام الست الماضية تزايد عدد السكان في الأردن لمستويات فاقت التوقعات، ما أدى إلى الضغط على الكثير من الخدمات والمرافق كالصحة والتعليم، خصوصاً مع تجاوز أعداد اللاجئين السوريين 1.3 لاجئ.
- إصلاح ضريبي مطلوب
تحتاج عدة بلدان عربية لتعزيز إيراداتها الضريبية كبديل عن الاستدانة لتوفير الموارد المالية للحكومة، وتبدو مصر من ضمن الأكثر احتياجاً لذلك بالنظر إلى تدني نسبة إيرادات الضرائب إلى الناتج الإجمالي، حيث وصلت في العام المالي 2017 لنحو 13.3 في المائة من الناتج وفقاً لتقديرات صندوق النقد.
وقد اعتمدت مصر بقوة خلال الفترة الأخيرة على تعزيز إيراداتها الضريبية عبر التوسع في ضرائب الاستهلاك من خلال إصدار قانون ضريبة القيمة المضافة في عام 2016، الذي رفع السعر العام للضريبة من 10 في المائة إلى 14 في المائة، لكن البلاد لا تزال تحتاج لتعزيز مصادرها الضريبية من ضرائب الدخل من خلال مكافحة التهرب الضريبي، والتوسع في إخضاع الثروات والدخول المرتفعة للضريبة، حتى يستفيد الاقتصاد من معدلات النمو القوية التي حققها مؤخراً، التي بلغت 5 في المائة خلال عام 2017، وهو الأعلى منذ 2010.
وتتفوق تونس على المتوسط العالمي لنسبة الضرائب من الناتج الإجمالي، حيث وصل في 2017 لنحو 22.2 في المائة، وفق تقديرات صندوق النقد، بينما يبلغ المتوسط العالمي وفق أحدث تقديرات موقع البنك الدولي 15 في المائة عن عام 2015.
وكانت حكومة رئيس الوزراء التونسي يوسف الشاهد استهدفت في موازنة 2018 زيادة ضريبة القيمة المضافة بنسبة واحد في المائة، ورفع الضريبة على عدة سلع مثل المشروبات الكحولية والعطور والمكالمات الهاتفية، إضافة إلى فرض ضريبة على الإقامة بالفنادق.
وتصل نسبة إيرادات الضرائب من الناتج الإجمالي في الأردن إلى نحو ما يقرب من 17 في المائة في 2016، وفق تقديرات صندوق النقد. وتقول المؤسسة الدولية إن نحو 95 في المائة من السكان لا يسددون ضرائب دخل، داعية البلاد إلى تطبيق إصلاحات ضريبية تعالج هذا الخلل.



لولا يحث ترمب على معاملة جميع الدول على قدم المساواة

ترمب ولولا خلال لقائهما على هامش قمة «رابطة دول جنوب شرق آسيا» في كوالالمبور... أكتوبر الماضي (رويترز)
ترمب ولولا خلال لقائهما على هامش قمة «رابطة دول جنوب شرق آسيا» في كوالالمبور... أكتوبر الماضي (رويترز)
TT

لولا يحث ترمب على معاملة جميع الدول على قدم المساواة

ترمب ولولا خلال لقائهما على هامش قمة «رابطة دول جنوب شرق آسيا» في كوالالمبور... أكتوبر الماضي (رويترز)
ترمب ولولا خلال لقائهما على هامش قمة «رابطة دول جنوب شرق آسيا» في كوالالمبور... أكتوبر الماضي (رويترز)

حثَّ الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يوم الأحد، على معاملة جميع الدول على قدم المساواة، وذلك بعد أن فرض الرئيس الأميركي تعريفةً جمركيةً بنسبة 15 في المائة على الواردات عقب قرار غير مواتٍ من المحكمة العليا.

وقال لولا للصحافيين في نيودلهي: «أريد أن أقول للرئيس الأميركي دونالد ترمب إننا لا نريد حرباً باردة جديدة. لا نريد تدخلاً في شؤون أي دولة أخرى، نريد أن تُعامل جميع الدول على قدم المساواة».

وقد قضت المحكمة العليا، ذات الأغلبية المحافظة، يوم الجمعة، بأغلبية 6 أصوات مقابل 3، بأن قانوناً صدر عام 1977، استند إليه ترمب لفرض رسوم جمركية مفاجئة على دول بعينها؛ مما أدى إلى اضطراب التجارة العالمية، «لا يُخوّل الرئيس فرض تعريفات جمركية».

وأضاف لولا أنه لا يرغب في التعليق على قرارات المحكمة العليا لدولة أخرى، لكنه أعرب عن أمله في أن «تعود العلاقات البرازيلية مع الولايات المتحدة إلى طبيعتها» قريباً.

ومن المتوقع أن يسافر الزعيم اليساري المخضرم إلى واشنطن الشهر المقبل للقاء ترمب.

وقال لولا، البالغ من العمر 80 عاماً: «أنا على يقين بأن العلاقات البرازيلية - الأميركية ستعود إلى طبيعتها بعد محادثاتنا»، مضيفاً أن البرازيل لا ترغب إلا في «العيش بسلام، وتوفير فرص العمل، وتحسين حياة شعبنا».

يختلف لولا وترمب، البالغ من العمر 79 عاماً، اختلافاً جذرياً في وجهات النظر حول قضايا مثل التعددية، والتجارة الدولية، ومكافحة تغير المناخ.

ومع ذلك، يبدو أن العلاقات بين البرازيل والولايات المتحدة في طريقها إلى التحسُّن بعد أشهر من التوتر بين واشنطن وبرازيليا.

ونتيجة لذلك، أعفت إدارة ترمب صادرات برازيلية رئيسية من الرسوم الجمركية البالغة 40 في المائة التي فُرضت على الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية العام الماضي.

تقارب

وقال لولا، الذي وصل إلى الهند يوم الأربعاء لحضور قمة حول الذكاء الاصطناعي ولقاء ثنائي مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي: «العالم لا يحتاج إلى مزيد من الاضطرابات، بل يحتاج إلى السلام».

تدهورت العلاقات بين واشنطن وبرازيليا في الأشهر الأخيرة، حيث أثارت غضب ترمب محاكمةُ وإدانةُ حليفه، الرئيس البرازيلي السابق اليميني المتطرف جايير بولسونارو.

وفرض ترمب عقوبات على عدد من كبار المسؤولين، من بينهم قاضٍ في المحكمة العليا، لمعاقبة البرازيل على ما وصفها بـ«حملة اضطهاد» ضد بولسونارو الذي حُكم عليه بالسجن 27 عاماً لدوره في محاولة انقلاب فاشلة بعد خسارته انتخابات عام 2022 أمام لولا.

وقال لولا، بوصفهما أكبر ديمقراطيتين في الأميركتين، إنه يتطلع إلى علاقة إيجابية مع الولايات المتحدة. وأضاف: «نحن رجلان في الثمانين من العمر، لذا لا يمكننا التهاون بالديمقراطية. علينا أن نأخذ هذا الأمر على محمل الجد. علينا أن نتصافح وجهاً لوجه، ونناقش ما هو الأفضل للولايات المتحدة والبرازيل».

كما أشاد لولا بمودي بعد أن اتفقت الهند والبرازيل على تعزيز التعاون في مجال المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، ووقَّعتا مجموعةً من الاتفاقات الأخرى يوم السبت. قال: «أكنّ كثيراً من المودة لرئيس الوزراء مودي».


لاغارد لترمب: أوروبا استيقظت... وسنمضي قدماً «بمَن حضر»

لاغارد خلال مشاركتها في منتدى دافوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)
لاغارد خلال مشاركتها في منتدى دافوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

لاغارد لترمب: أوروبا استيقظت... وسنمضي قدماً «بمَن حضر»

لاغارد خلال مشاركتها في منتدى دافوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)
لاغارد خلال مشاركتها في منتدى دافوس الشهر الماضي (أ.ف.ب)

لم يكن خروج رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، المفاجئ من مأدبة عشاء منتدى دافوس الشهر الماضي مجرد تعبير عن غضب عابر، بل كان رسالةً سياسيةً واضحةً تعكس الضيق الأوروبي من نبرة واشنطن الجديدة، وإعلاناً مبكراً عن ولادة نهج أوروبي جديد لا يقبل التوبيخ ولا ينتظر الإجماع. فبينما كان وزير التجارة الأميركي، هوارد لوتنيك، يشنُّ هجوماً حاداً على سياسات القارة العجوز وطاقتها، قرَّرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي أن «الصمت لم يعد خياراً»، فغادرت القاعة متبوعة بشخصيات قيادية أخرى، في مشهد اختصر حالة «الطلاق النفسي» والتوتر المتصاعد بين ضفتَي الأطلسي.

وفي مقابلة موسَّعة مع صحيفة «وول ستريت جورنال»، حوَّلت لاغارد ذلك الموقف الاحتجاجي إلى عقيدة عمل سياسية؛ مؤكدة أن القارة قد استيقظت بالفعل على وقع ضغوط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وقرَّرت «المضي قدماً بمَن حضر». ومن خلال تبني استراتيجية «تحالفات الراغبين»، تسعى لاغارد إلى تحرير القرار الأوروبي من قيود التبعية والبيروقراطية، لتعلن رسمياً أن أوروبا الجديدة ستبني مستقبلها بعيداً عن الوصاية، أو انتظار الموافقات الجماعية المعطلة.

ففي إطار سعيها لكسر الجمود الاقتصادي، حثت لاغارد الحكومات الأوروبية على الاعتماد على ما أسمتها «تحالفات الراغبين» لدفع الإصلاحات الاقتصادية المتعثرة منذ زمن طويل. وتتبنى لاغارد رؤيةً جريئةً ترى أن الاتحاد الأوروبي لا يحتاج بالضرورة إلى إجماع الدول الـ27 للمضي قدماً؛ بل يمكن لمجموعات أصغر من الدول أن تقود قاطرة التغيير في ملفات حيوية، مثل توحيد أسواق رأس المال.

واستشهدت رئيسة البنك المركزي بتجربة «منطقة اليورو» التي تضم 21 دولة فقط دليلاً قاطعاً على نجاح التكامل العميق دون الحاجة إلى الإجماع الشامل، قائلة بوضوح: «ليس لدينا الـ27 دولة حول الطاولة، ومع ذلك، فإن النظام يعمل بنجاح». وترى لاغارد أن هذا النموذج هو المَخرج الوحيد لتجاوز «عنق الزجاجة» السياسي في بروكسل.

وفي رسالة شديدة اللهجة وجَّهتها للقادة الأوروبيين هذا الشهر، حدَّدت لاغارد 5 إصلاحات عاجلة تحت عنوان «وقت العمل»، شملت توحيد التنظيمات الشركاتية، وتنسيق الإنفاق على البحث والتطوير، مؤكدة أن تنفيذ نصف هذه الإصلاحات فقط كفيل برفع إمكانات النمو الاقتصادي في أوروبا بشكل مذهل.

إرث التغيير

منذ توليها رئاسة البنك المركزي الأوروبي في 2019، خاضت لاغارد معارك داخلية لتغيير ثقافة المؤسسة؛ فكان أول قرار رمزي لها هو استبدال الطاولة البيضاوية لتحل محلها طاولة مستديرة لإلغاء التراتبية بين أعضاء المجلس الـ25. ورغم البدايات الصعبة التي اتسمت ببعض الارتباك في الأسواق، فإنها نجحت في قيادة البنك لخفض التضخم إلى مستويات أدنى من المستهدف البالغ 2 في المائة دون التسبب في أزمات ديون في دول هشة مثل إيطاليا.

وتطمح لاغارد في سنواتها الأخيرة بالمنصب إلى تحويل اليورو إلى «عملة عالمية حقيقية» قادرة على المنافسة بوصفها عملة احتياط دولية، خصوصاً مع ازياد التساؤلات حول دور الدولار في ظل سياسات ترمب. وتؤكد لاغارد أن هذا الأمر «لا يحدث بالخطابات، بل بالعمل الجاد»، مشيرة إلى توسيع مرافق «الريبو» لتشمل البنوك المركزية العالمية، في رسالة ضمان بأن «السيولة باليورو ستكون متاحة دائماً لمَن يتعامل بها».

سيادة رقمية

تعد «السيادة الرقمية» حجر زاوية آخر في إرث لاغارد المرتقب، حيث تدفع بقوة نحو إطلاق «اليورو الرقمي» العام المقبل. والهدف بالنسبة إليها ليس مجرد مواكبة التكنولوجيا، بل تقليل اعتماد أوروبا على الشركات الأميركية الكبرى مثل «فيزا» و«ماستر كارد» في معالجة المعاملات المالية الأوروبية، وضمان استقلالية النظام المالي للقارة.

ومع اقتراب نهاية ولايتها في أبريل (نيسان) 2027، تتردَّد تقارير حول إمكانية استقالتها المبكرة لمنح الرئيس إيمانويل ماكرون فرصة اختيار خليفتها قبل الانتخابات الفرنسية. ورغم رفضها التعليق المباشر، فإنها أكدت أن «مهمتها لم تنتهِ بعد»، مشيرة إلى رغبتها في تعزيز ما أنجزته ليكون «صلباً وموثوقاً». وبينما تلوح في الأفق خيارات مستقبلية مثل قيادة «منتدى الاقتصاد العالمي»، تظل لاغارد حالياً مركز الثقل الذي يراقب العالم من فرانكفورت، محاولةً حماية «قارتها» من رياح التغيير المقبلة من الغرب.


الولايات المتحدة واليابان تقودان تحركاً استراتيجياً لأمن الطاقة في المحيطين

زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)
زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)
TT

الولايات المتحدة واليابان تقودان تحركاً استراتيجياً لأمن الطاقة في المحيطين

زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)
زوار يلتقطون صوراً لأزهار البرقوق المتفتحة في ضريح يوشيما تينجين في طوكيو (أ.ف.ب)

حددت واشنطن يومي الرابع عشر والخامس عشر من مارس (آذار) المقبل موعداً لانعقاد «المنتدى الوزاري والتجاري لأمن الطاقة في منطقة المحيطين الهندي والهادي» (IPEM) في العاصمة اليابانية طوكيو.

ويأتي هذا الإعلان، الذي كشفت عنه السفارة الأميركية يوم الأحد، ليمهد الطريق لتعاون استراتيجي واسع بين واشنطن وحلفائها الإقليميين؛ حيث يسعى «المجلس الوطني للهيمنة على الطاقة» من خلال هذا الحدث إلى بناء جسور جديدة للتعاون في واحدة من أهم المناطق الاقتصادية في العالم.

وتهدف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من خلال هذه القمة إلى تعزيز أمن الطاقة عبر شراكات موثوقة ومستدامة، تضمن استقرار سلاسل التوريد، وتفتح آفاقاً رحبة للاستثمارات المشتركة، بما يواكب الطموحات الاقتصادية لدول المنطقة، ويؤسس لمستقبل طاقي أكثر أماناً وازدهاراً.

وأوضح بيان صادر عن السفارة الأميركية في طوكيو، أن الشهر المقبل سيشهد وصول وفد أميركي رفيع المستوى إلى طوكيو، يضم أركان «عقيدة الطاقة» في إدارة ترمب؛ حيث يترأس الوفد وزير الداخلية ورئيس المجلس الوطني للهيمنة على الطاقة، دوج بورغوم، ويرافقه وزير الطاقة ونائب رئيس المجلس كريس رايت، بالإضافة إلى مدير وكالة حماية البيئة لي زيلدين.

ومن المقرر أن يعقد هؤلاء المسؤولون لقاءات مكثفة مع ممثلي ما يقرب من 12 دولة من منطقة المحيطين الهندي والهادي، تتركز حول صياغة رؤية مشتركة لأمن الطاقة، تتوافق مع أهداف الأمن القومي الأميركي والحلفاء.

ويُعد هذا المنتدى ثمرة تعاون استراتيجي تشارك في استضافته وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة اليابانية (METI) والمجلس الوطني للهيمنة على الطاقة في الولايات المتحدة، وبدعم من وكالة التجارة والتنمية الأميركية، ووزارات «الخارجية» و«التجارة» و«الداخلية».

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي خلال مؤتمر صحافي في مكتب رئيس الوزراء في طوكيو (أ.ب)

برنامج المنتدى ومساراته الاستراتيجية

وتتمحور أجندة المنتدى حول دمج مفاهيم الأمن القومي بأمن الطاقة، من خلال جدول أعمال مكثف يمتد ليومين، يهدف إلى تحويل الحوارات السياسية إلى مشروعات استثمارية ملموسة.

وتنقسم الأجندة إلى مسارات متوازية تجمع بين القطاعين العام والخاص، مع التركيز على بناء سلاسل إمداد مرنة وموثوقة بعيداً عن الاعتماد على القوى المنافسة:

يركز المسار الأول من الأجندة على تأمين سلاسل التوريد وتقنيات الطاقة النظيفة، لضمان استمرارية تدفق موارد الطاقة والتقنيات الحيوية. ويهدف النقاش إلى استكشاف سُبل حماية المسارات البحرية والبرية للإمدادات، مع التركيز على «تقنيات الطاقة الموثوقة» التي تضمن للدول الحليفة استقلالاً ذاتياً، بما في ذلك تطوير الهيدروجين، والطاقة النووية المتقدمة، وتقنيات التقاط الكربون، بوصفها حلولاً تضمن أمن الطاقة والنمو الاقتصادي في آنٍ واحد.

وفي المسار الثاني المتعلق بفتح آفاق الاستثمار وتمويل البنية التحتية، تُخصص الأجندة مساحة واسعة لربط صناديق الاستثمار بمشروعات الطاقة الكبرى. والهدف هو إيجاد آليات تمويل مبتكرة تكسر حواجز المخاطر، ما يُشجع القطاع الخاص على ضخ رؤوس الأموال في مشروعات الربط الكهربائي ومحطات الغاز الطبيعي المسال، لتصبح المنطقة وجهة جاذبة للاستثمارات الأميركية واليابانية المباشرة.

أما الجلسات المغلقة، فستبحث التعاون الوزاري وتوحيد المعايير السيادية؛ حيث يجتمع الوزراء لصياغة معايير مشتركة لـ«حوكمة الطاقة» تتماشى مع «عقيدة الهيمنة» التي تروج لها واشنطن، بما يضمن منع استخدام الطاقة بوصفها أداة للابتزاز السياسي.

ولا تقتصر الأجندة على الموارد الطبيعية، بل تمتد لتشمل «رأس المال البشري». ويركز هذا المحور على برامج التدريب والتعاون التقني لنقل الخبرات من الولايات المتحدة واليابان إلى الدول النامية في المحيطين الهندي والهادي. ويهدف هذا التوجه إلى إيجاد جيل من المهندسين والخبراء القادرين على إدارة منشآت الطاقة الحديثة، ما يعزز الاستدامة طويلة الأمد للاتفاقيات الموقعة خلال المنتدى، ويضمن ولاءً تقنياً واقتصادياً للمحور الغربي.

وعلى الرغم من الطابع التعاوني للمنتدى، فإنه ينعقد وسط تحديات جيوسياسية واضحة وتدابير معقدة في سوق الطاقة، لعل أبرزها ملف الغاز الروسي. فمن المتوقع أن يلقي هذا الملف بظلاله على المحادثات، خصوصاً بعد أن كانت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي قد أبلغت ترمب في وقت سابق بصعوبة فرض حظر شامل على استيراد الغاز الطبيعي المسال الروسي، نظراً للاحتياجات الطاقية الملحة لليابان، وهو ما يجعل من قمة طوكيو المقبلة منصة حاسمة لمحاولة التوفيق بين متطلبات الهيمنة الأميركية على الطاقة والواقعية الاقتصادية للحلفاء الآسيويين.