العالم يترقب ميلاد «سوبر أوبك» على يد السعودية وروسيا

التحالف المقبل طويل المدى من شأنه التحكم في نصف إنتاج العالم النفطي

وزير الطاقة السعودي خالد الفالح يتحدث خلال مؤتمر صحافي سابق مع نظيره الروسي الكسندر نوفاك في الرياض (أ.ف.ب)
وزير الطاقة السعودي خالد الفالح يتحدث خلال مؤتمر صحافي سابق مع نظيره الروسي الكسندر نوفاك في الرياض (أ.ف.ب)
TT

العالم يترقب ميلاد «سوبر أوبك» على يد السعودية وروسيا

وزير الطاقة السعودي خالد الفالح يتحدث خلال مؤتمر صحافي سابق مع نظيره الروسي الكسندر نوفاك في الرياض (أ.ف.ب)
وزير الطاقة السعودي خالد الفالح يتحدث خلال مؤتمر صحافي سابق مع نظيره الروسي الكسندر نوفاك في الرياض (أ.ف.ب)

للتحالف المكون من 24 دولة، الذي أنشأته منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) والدول خارجها في أواخر عام 2016 أسماء كثيرة في الصناعة... فهناك من يسمي التحالف «أوبك وحلفاءها» وهناك من يطلق عليه «أوبك+».
ولأن التحالف كان من المفترض أن يستمر لعام أو عامين على الأكثر عندما تم إنشاؤه، لم يكن هناك أي حاجة لأن يتم تأطيره بشكل مؤسساتي. ولكن نظراً للنتائج العظيمة التي حققها هذا التحالف الذي تقوده السعودية وروسيا أكبر بلدين منتجين للنفط الخام في العالم حتى العام الماضي، فإن الجميع الآن يسعى لاستمرار هذا التحالف.
وإذا ما استمر التحالف لمدة أطول باتفاقية جديدة إطارية طويلة المدى، فإن ذلك يعني مولد مؤسسة جديدة على مستوى العالم، ولن تكون تحت مظلة «أوبك»، لأنه من الواضح أن روسيا والكثير من المنتجين الآخرين لا يسعون للانضمام للمنظمة. هذه المؤسسة الجديدة سوف تكون «سوبر أوبك»، أي «أوبك» وكبار المنتجين في العالم.
وتتحكم «أوبك» في 40 في المائة من إنتاج النفط العالمي اليومي تقريباً، وإذا ما انضمت إليها روسيا وعمان وأذربيجان وكازاخستان، فإن التحالف في صورته المؤسساتية الجديدة قد يتحكم في نصف أو أكثر بقليل من نصف الإنتاج العالمي.
وتحدث كثير من الوزراء في «أوبك»، وحتى وزير الطاقة الروسي إلكسندر نوفاك، عن احتمالية تمديد الاتفاق الحالي لتخفيض الإنتاج العالمي، الذي من المفترض أن ينتهي في أواخر العام الحالي، لمدة أطول وبصورة مختلفة، لا تتضمن فقط خفض الإنتاج، بل التنسيق العام والمشترك. ولا توجد حتى الآن صورة نهائية لهذه المؤسسة الجديدة سوى ما أعلنه ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في حوار مع «رويترز»، قبل يومين، بأن السعودية تسعى لجعل التعاون مع روسيا و«أوبك» يستمر لمدة 10 إلى 20 عاماً، وأن هناك اتفاقاً حول الخطوط العريضة للتعاون طويل الأمد.
ولم تعلن روسيا عن أي تفاصيل سوى ما صرح به متحدث باسم الكرملين، أمس (الأربعاء) أن روسيا والسعودية تناقشان «مجموعة واسعة من الخيارات» بشأن التعاون في سوق النفط العالمية. وكان المتحدث ديمتري بيسكوف يعلق على تصريحات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.
وبالأمس، كذلك قال محمد باركيندو الأمين العام لمنظمة «أوبك» في مؤتمر نفطي في بغداد إن المنظمة تتطلع إلى التعاون «لأمد طويل جدّاً» مع مصدري النفط الآخرين. وكان باركيندو كذلك يعلق على تصريحات الأمير محمد بن سلمان بأن السعودية أكبر منتج في أوبك وروسيا غير العضو في المنظمة تعملان صوب اتفاق تاريخي طويل الأجل قد يمدد قيود إمدادات الخام العالمية التي وضعها كبار المصدرين لما يصل إلى 20 عاماً.
وتعاونت روسيا، أكبر منتج للنفط في العالم، مع «أوبك» التي تضم 14 عضواً من قبل لكبح الإمدادات وتعزيز الأسعار في فترات شهدت تخمة في معروض الخام، لكن إذا توصل الجانبان إلى اتفاق مدته بين عشرة أعوام و20 عاماً فسيكون أمراً غير مسبوق.
واتفقت الدول الأعضاء في «أوبك» وروسيا وغيرها من المنتجين خارج المنظمة على خفض الإمدادات منذ يناير (كانون الثاني) 2017، لإعادة توازن السوق النفطية وخفض المخزونات، وإعادتها لمستوياتها الطبيعية حسب متوسط الخمس سنوات الماضية. وأسهم ذلك في رفع أسعار النفط التي هوت من فوق 110 دولارات للبرميل في 2014 إلى ما دون 30 دولاراً للبرميل في 2016.
وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جرى تمديد الاتفاق الأصلي، وهو ما رفع الأسعار إلى نحو 70 دولاراً للبرميل. ومن المقرر أن تستمر تخفيضات الإنتاج الحالية حتى نهاية عام 2018.
ويرى مازن السديري، رئيس الأبحاث في «الراجحي كابيتال» - الذراع الاستثمارية لـ«مصرف الراجحي السعودي» - أن وجود روسيا في التحالف بصورته المؤسساتية الجديدة طويلة الأمد أمر مهم بالنسبة للسوق وللسعودية ولروسيا.
فبالنسبة للسوق، فإنها ستضمن وجود جهة تقوم على تنظيمها متى ما احتاج الأمر لذلك. وبالنسبة للسعودية، فإن الأمر مهم لها إذ إنها تتحمل دوماً العبء الأكبر في كل اتفاقية تخفيض للإنتاج، ووجود منتج ضخم آخر يتحمل معها العبء أمر مهم.
أما بالنسبة لروسيا، فيرى السديري أن روسيا هي المستفيد الأكبر، إذ إن هبوط أسعار النفط أثر كثيراً في اقتصادها وميزانيتها، ومع تدهور سعر الصرف للروبل الروسي تآكلت احتياطيات روسيا النقدية، وأصبح من المهم لها أن تحصل على نقد أكثر لدعم عملتها واقتصادها ونظامها المصرفي الذي كان قد دخل فترة صعبة بعد عام 2014 عندما انهارت أسعار النفط.
ولكن لا يزال هناك بعض المحللين يرون أن استمرار روسيا لفترة طويلة جداً أمر صعب. ويقول عبد الصمد العوضي أحد الممثلين الوطنيين السابقين لدولة الكويت في «أوبك»، إن روسيا لديها نظام يختلف عن نظام «أوبك» ويتم إنتاج النفط في البلاد على يد شركات مساهمة تمتلك فيها الدولة حصصاً كبيرة، ولكن هذه الشركات لا تزال تخضع لرغبات المساهمين حتى وإن كانت الكلمة الأخيرة في روسيا للرئيس فلاديمير بوتين.
وقال العوضي إن الضغوط التي تتعرض لها الشركات الروسية من قبل المساهمين تجعلها لا تفكر في الاستمرار في اتفاقيات لخفض الإنتاج لمدد طويلة.
وأضاف العوضي أن السعودية وروسيا لديهما الكثير من الاختلافات حول المواقف السياسية المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط، ولهذا فإن أي اختلافات كبيرة في المواقف السياسية قد لا تجعل التعاون طويل الأمد أمراً ممكناً.
ويبدو أن انخفاض أسعار النفط منذ عام 2014 كان له تأثير كبير على مداخيل روسيا حيث حققت البلاد مبيعات نفطية في عام 2014 قيمتها 154 مليار دولار انخفضت في عام 2015 مع انخفاض أسعار النفط بشكل كبير لتصل إلى 89.5 مليار دولار، بحسب الأرقام الرسمية الصادرة أخيراً.
وفي عام واحد، وهو 2017، حققت روسيا ما يقارب من 20 مليار دولار كدخل إضافي من صادراتها النفطية بعد أن باعت نفطاً بقيمة 93.3 مليار دولار ارتفاعاً من 73.7 مليار دولار في 2016، بعد التحسن الذي شهدته أسعار النفط نتيجة للاتفاق مع «أوبك».
وقال أمين منظمة «أوبك» محمد باركيندو: «بالإضافة إلى 24 دولة جاءت لتوقع إعلان التعاون في نوفمبر، لدينا ست دول أخرى منتجة جاءت لتبدي تضامنها».
وخلال مؤتمر أمس، قال وزير النفط العراقي جبار اللعيبي إن عدداً من الدول المصدرة اقترحت تمديد اتفاق تخفيضات الإنتاج ستة شهور، لكنه لم يحدد تلك الدول.
وفيما يتعلق بموارد العراق، ثاني أكبر منتج في «أوبك»، قال الوزير إن بلده ربما يملك احتياطيات نفطية تصل إلى مثلي التقديرات الحالية التي تبلغ نحو 150 مليار برميل.
وأضاف أن سوق الخام تتماسك وأن الأسعار «تحسنت»، مضيفاً أن اتخاذ قرار بشأن تمديد تخفيضات الإنتاج لما بعد 2018 سيعتمد على الاجتماعات التي سيعقدها المصدرون بحلول نهاية العام الحالي. وقال باركيندو إن «أوبك» تقيم تأثير اتفاق خفض الإمدادات لتحديد «الإجراء المناسب» الذي ينبغي اتخاذه عند انتهاء سريانه.
وعلاوة على ذلك، ذكر باركيندو أن الاستثمار في قطاع النفط يزيد مع تعافي أسعار النفط، لكنه لم يصل بعد للمستوى الذي كان عليه قبل هبوط الأسعار في 2014.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.