استنطاق تاريخ الإيزيديين وتطويعه

رواية «حُب في ظلال طاووس مَلَك» تركز على الإنسان البسيط

تم العثور على مخطوطتين في صندوق سيدة إيزيدية خبأته في باطن أرضية غرفتها بوصفها حافظة للأسرار، وحامية للتراث الإيزيدي حينما رأت الدواعش يدمِّرون كل شيء
تم العثور على مخطوطتين في صندوق سيدة إيزيدية خبأته في باطن أرضية غرفتها بوصفها حافظة للأسرار، وحامية للتراث الإيزيدي حينما رأت الدواعش يدمِّرون كل شيء
TT

استنطاق تاريخ الإيزيديين وتطويعه

تم العثور على مخطوطتين في صندوق سيدة إيزيدية خبأته في باطن أرضية غرفتها بوصفها حافظة للأسرار، وحامية للتراث الإيزيدي حينما رأت الدواعش يدمِّرون كل شيء
تم العثور على مخطوطتين في صندوق سيدة إيزيدية خبأته في باطن أرضية غرفتها بوصفها حافظة للأسرار، وحامية للتراث الإيزيدي حينما رأت الدواعش يدمِّرون كل شيء

صدرت عن «بيت الكتاب السومري» ببغداد رواية «حُب في ظلال طاووس مَلَك» للقاص والروائي العراقي حمّودي عبد محسن، وهي روايته الخامسة بعد «الدفّان والغجريّة»، «المِزمار»، «حكاية من النجف»، «امرأة الحُلُم»، ويبدو أنه استمرأ تقنية الرواية التاريخية الحديثة التي لا يستنسخ كاتبُها أحداث التاريخ حرفياً وإنما يلتقط اللمسات الوجدانية المسكوت عنها أو التي غفلها المؤرخون أو تفادوها عمْداً. وبما أنّ الرواية كجنس أدبي حديث لا يتقبل الوقائع التاريخية القارّة فعلى الروائي المبدع أن يطوّعها، ويستدعي روحها، ويستنطق زمانها ومكانها النائيين، وأكثر من ذلك، أن يستجلب عبقها المخبأ بين طيّات السنين. وهذا ما فعله حمّودي في روايته الأخيرة التي حرّرها من سطوة التاريخ وألبسها حُلّة أدبيّة، مُطرِّزاً إياها ببعض القصص والحكايات الأسطورية التي تمزج الخيال بالواقع في محاولة جادة لترويضه واستساغة شطحاته الفنتازية بُغية إبقاء القارئ في الفضاء الروائي الآمن الذي تتماهى فيه الشخصيات بالأحداث وتُصبح جزءاً من نسيج الثيمة الروائية التي اشتغل عليها الكاتب منذ جملته الاستهلالية حتى خاتمة نصه الروائي.
لم يشأ حمّودي أن يكتب عن المجزرة الأخيرة التي ارتكبها الدواعش بحق الإيزيديين، وسبي نسائهم، وبيعهنَّ في سوق الرقيق الأبيض لأن الرواية تتحدث عن مجازر وإبادات جماعية عديدة وقعت على مرّ التاريخ وكانت آخرها مجزرة سنجار التي تحمل الرقم 73.
لم يقع الروائي أسيراً لهذه المجازر الوحشية خشية من السقوط في الجانب التقريري، فالرواية لا تؤرخ للأحداث، بل تكشف التاريخ، وتعرّيه، وتعيد صياغته من جديد على وفق الرؤية الإنسانية التي تتوهج في ذهن كاتبها الموضوعي والمُحايد في آنٍ معاً. وحتى الثيمة الرئيسة ذهبت أبعد من حدود المجازر الدموية لتركِّز على الإنسان الإيزيدي البسيط، وخصاله النبيلة التي تشبه خصال العاشق ميرزا، بطل الرواية الذي لم يفارقنا إلاّ في الصفحات الأخيرة من هذا السِفر الأدبي المؤثر الذي يلامس وجدان القارئ ويهزّ مشاعره الإنسانية الرقيقة.
تشكِّل قصة الحُب البريء، والطاهر بين ميرزا وهنار العمود الفقري لهذه الرواية، وقد أقسَمَ هذا العاشق الولهان مع نفسه بأنه سيظل يحبها، ويخلص لها حتى الموت، لكن القدر كان يقف لهما بالمرصاد إذ لسعتها نحلة ذهبية وماتت تاركة إيّاه يتخبط في محنته التي لن يتجاوزها بسهولة.
لم يكتفِ الكاتب بهذه الثيمة التي سينبثّ لهيبها في تضاعيف الرواية كلها، بل قفز منها إلى دائرة أوسع حينما تساءل مستفهماً: «أليس الإيزيدي في السومرية هو الإنسان السوي المستقيم، والروح الخيّرة غير الملوثة الذي يسير في الطريق الصحيح؟» (ص59). ونظراً لخبرة جده العميقة في الحياة فإنه ينصحه بالذهاب إلى معبد «لالش» والاعتكاف هناك عسى أن يصل بتأمله إلى قنديل العرش.. وبعد مرحلة طويلة من التعبّد ومُجاهدة النفس يصل ميرزا إلى مرتبة «الفقير» وهو أعلى مستوى يبلغه الكاهن الإيزيدي لكنه ما إن يعود إلى المقبرة ويحتضن قبر حبيبته هنار حتى يفارق الحياة بينما تغطي طيور السنونو سماء المقبرة قبل أن تتلاشى في المدى البعيد.
تعتمد الرواية على تعددية الأصوات فالجد كنجي يروي لحفيده ميرزا قصصاً مُعبِّرة لكنها لا تخلو من جوانب أسطورية ورمزية، وهو يروي هذه القصص إلى حبيبته هنار وهكذا دواليك حتى يتكشف لنا التاريخ بأوجهه المختلفة التي لم تسلم من الحذف، والإضافة، والطمس، والتحريف. سعى حمّودي إلى خلقِ نسقٍ موازٍ للقصة العاطفية التي يقوم عليها النص الروائي مُقدماً فيه عدداً كبيراً من القصص والحكايات التي لا نعرف حجم التغييرات التي أحدثها فيها لكن من المؤكد جداً أنه طوّعها وجعلها تنقاد بسهولة ويُسُر في أنساق الحبكة الروائية التي تُدين رموز الشر والجريمة سواء أكانوا حيوانات أم بشراً متوحشين مثل الدبّة، الذئب الأسود، كسرى، فريق باشا، الأمير الأعور، بدر الدين لؤلؤ وما إلى ذلك من شخصيات شرّيرة تحركت على مدار النص الروائي وتفاعلت بقوة مع حبكته التي تريد القول بلسان فصيح «لا أحد يُهلِك الشمس» (128). وكلنا يعرف سلفاً أهمية الشمس في الديانة الإيزيدية.
تبدو هذه الرواية وكأنها «قصة إطارية» بطلاها ميرزا وهنار لكنها تضم بين دفتيها عدداً كبيراً من القصص والحكايات مثل الغزالة البيضاء التي تظهر مرة واحدة كل مائة عام وتنثر المسك من سُرّتها، والمُستبصِر الذي يحطم الثلج ويلج في إحدى معاصر الزيتون كي يتخلص من حماة، وشجرة الزيتون التي جلبها الشيخ عادي من بعلبك إلى لالش، والشقائق التي ظهرت بعد قتل النعمان بن المنذر تحت أقدام فيلة كسرى، والقيصر الروماني الذي أحبّ الباشق الذي يصطاد الأرانب والغزلان، والحيّة التي أنقذت السفينة من الغرق، والأمير ئال الذي خطف الوردة الحمراء من شَعر الأميرة طاووس فمات في سجنه حتى نصل إلى خروج روح ميرزا من سجن الجسد وصعودها إلى السحابة الوردية التي جمعت الروحين النقيين الغارقين في المحبة الأبدية.
تتمثل الخبرة الفنية للروائي حمّودي عبد محسن في لي عُنُق هذه الرواية التي تشظّت خارج المساحة السردية المُخصصة لها ويبدو أنه انتبه في خاتمة الأمر لهذا التشظي فقرر إنهاء الرواية بحدثين مهمين استقاهما من مخطوطتي «الأمير الأعور» و«بدر الدين لؤلؤ» حيث ذهب الأول بقدميه إلى حتفه بعد أن قتل قرابة مائة ألف إيزيدي، فيما ذاق الثاني مرارة الذل والهوان على يد هولاكو الذي أوغل هو الآخر في دماء الإيزيديين قبل أن يواجه مصيره المحتوم غير مأسوف عليه من قِبل المواطنين الموصليين الذين سامَهم سوء العذاب.
تمّ العثور على هاتين المخطوطتين في صندوق سيدة إيزيدية جليلة خبأته في باطن أرضية غرفتها بوصفها حافظة للأسرار، وحامية للتراث الإيزيدي وحينما رأت الدواعش يدمِّرون كل شيء حتى قبري ميرزا وهنار قررت إنقاذ المخطوطتين اللتين تمّ استنساخهما إلى أعداد كبيرة وإرسالها إلى أبناء الأمة الإيزيدية التي تشردت في المنافي والأمصار.
على الرغم من الثيمة الجيدة، والحبكة القوية للرواية، فإن هناك إطناباً واضحاً في سرد الأحداث، وبناء الشخصيات الرئيسة التي خلع عليها الروائي كل الأوصاف الإيجابية التي لا يمكن أن تجتمع في كائن بشري واحد حتى وإن كان سوياً، وَرِعاً، دمث الأخلاق، فثمة غرائز كثيرة تحرّك الإنسان وتجعله عرضة لارتكاب الأخطاء والذنوب الصغيرة. وكنا نتمنى على الكاتب أن يقدّم لنا الشخصيات الإيزيدية كأناس مثل باقي البشر والطوائف التي تعيش حياتها اليومية، وتنغمس في الملذات الدنيوية شأنها شأن المِلل والنحل الأخرى التي نعرفها عن كثب.
مِثل عدد غير قليل من الأدباء المُكرّسين في الوسط الثقافي العربي يرتكب حمودي عبد محسن أخطاءً لغوية ونحوية لا يمكن غضّ الطرف عنها مثل همزة الوصل والقطع، والعدد والمعدود، والجموع، وعدم التفريق بين حرفي الضاد والظاء، والخطل في استعمال بعض الأفعال مثل (حدقت النظر) بدلاً من (دققت النظر) أو (متنكباً فرسه) عوضاً عن (ممتطياً فرسه) و(تسلخ الحيّة جلدها) بدلاً من (تنزع أو تنضو الحيّة جلدها) وأمثلة أخرى تضيق بها مساحة هذا المقال.



عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
TT

عبد الله الخطيب: كواليس إنتاج «وقائع زمن الحصار» كانت استثنائية

تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)
تم تصوير الفيلم بين الجزائر والأردن (إدارة المهرجان)

حصد فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب جائزة «أفضل عمل أول» في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الـ76 التي اختتمت مؤخراً، وهو الفيلم الذي أنتج بتمويل جزائري - فلسطيني - فرنسي، وتحدث مخرجه في حفل الختام رافعاً العلم الفلسطيني عن معاناة أبناء وطنه تحت وطأة الحصار والاحتلال.

يقول الخطيب لـ«الشرق الأوسط»، إنه بصفته مخرجاً فلسطينياً - سورياً، كان يدرك أن الطريق لن يكون سهلاً، لكن إيمانه بالمشروع دفعه للاستمرار، موضحاً أن المشاركة في «برلين» كانت بالنسبة إليه خطوة طبيعية لأي صانع أفلام يؤمن بعمله، لأن المهرجانات الكبرى ليست ترفاً، بل جزء من منظومة صناعة السينما، خصوصاً في العالم العربي، حيث يشكل حضور الفيلم في مهرجان دولي بوابة أساسية لانتشاره.

وعن توقعاته قبل إعلان النتائج، قال إنه كان يتوقع أن يذهب الفيلم بعيداً في المنافسة، لأن المخرج، إذا لم يؤمن بعمله، فلن يُقنع به لجنة التحكيم ولا الجمهور، مؤكداً أنه تمنى الفوز بالجائزة الكبرى، ليس فقط لقيمتها المعنوية، بل أيضاً لما تمثله من دعم مادي مهم في ظل الظروف الإنتاجية الصعبة التي أحاطت بالفيلم.

الفيلم عُرض للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (إدارة المهرجان)

وفي حديثه عن العمل نفسه، أوضح الخطيب أن «وقائع زمن الحصار» يتناول فكرة الحصار بوصفها حالة إنسانية متكررة في التاريخ الفلسطيني، وليس حدثاً مرتبطاً بمكان واحد أو زمن محدد، مشيراً إلى أن التصوير تم في الجزائر والأردن وفرنسا، بسبب تعذر العمل في مناطق النزاع المباشر، سواء في سوريا أو غزة.

وأضاف أنه اختار مواقع قريبة بصرياً من بيئة المخيمات المحاصرة، حتى لو لم تكن القصة تدور صراحة في مخيم اليرموك، لأن جوهر الحكاية مستمد من تجربة شخصية عاشها هناك، لافتاً إلى أن جزءاً كبيراً من الفيلم صُوّر في أماكن داخلية، ما سهّل العملية نسبياً، فيما أُنجزت المشاهد الخارجية في الجزائر والأردن.

وعن اختيار الممثلين، قال الخطيب إن «الفيلم يقوم على خمس حكايات تتقاطع، ويضم عشرة ممثلين رئيسيين، والاعتبارات الإنتاجية لعبت دوراً حاسماً في الاختيار، لأن الفيلم أُنجز بميزانية محدودة جداً، مع اعتماد كبير على استثمار شخصي من المنتج، إضافة إلى دعم أصدقاء وفريق عمل آمنوا بالمشروع واشتغل بعضهم بشكل تطوعي أو بأجور رمزية».

وأضاف أن «فريق التمثيل ضم فنانين فلسطينيين وأردنيين وسوريين وجزائريين، وحاول، خصوصاً في الجزائر، العمل على اللغة واللهجة بحيث تبدو قريبة من (الفلسطينية)، لتخدم وحدة العالم الدرامي»، مؤكداً أن الاختيارات، رغم ظروفها، جاءت موفقة فنياً، لأن الممثلين لم يكونوا مجرد مؤدين، بل شركاء حقيقيون في بناء الشخصيات.

وتحدث الخطيب بصراحة عن صعوبة إنجاز فيلم روائي طويل بلا تمويل مسبق، مشيراً إلى أن كل مرحلة من مراحل التصوير شهدت فريقاً مختلفاً تقريباً، باستثناء مدير التصوير الذي بقي ثابتاً، لافتاً إلى أن اختلاف الطواقم بين بلد وآخر فرض تحديات تقنية في ما بعد الإنتاج، سواء على مستوى توحيد اللون أو الصوت أو الإيقاع العام، لكنه رأى في الوقت نفسه أن هذا التنوع لم ينعكس سلباً على روح العمل، لأن الجميع اشتغل بحب وإيمان.

وأضاف أن الفيلم مثال عملي على ما يسمى بـ«السينما المستقلة»، لكنه انتقد في الوقت ذاته المفهوم الشائع للاستقلالية، موضحاً أن «كثيراً من المخرجين يكتبون نصوصهم وهم يفكرون مسبقاً في شروط صناديق الدعم، ما يحدّ من حريتهم الإبداعية. أما في حالته، فقد بدأ التصوير من دون أي تمويل، ولم يتقدم إلى الصناديق إلا بعد انتهاء التصوير، حين كان قد سيطر بالكامل على السرد والشكل النهائي للفيلم».

وعن عملية الكتابة، قال إنه لا يميل إلى النصوص المغلقة، بل يترك مساحة واسعة للتطور أثناء التصوير، موضحاً أن الحوارات وبعض التفاصيل بُنيت في موقع التصوير، لأن اعتماده على تجربة شخصية مع الحصار منحه مرونة لتعديل الأحداث وفق المعطيات المتاحة في كل بلد، من دون المساس بروح القصة.

وأكد الخطيب أن الممثلين أضافوا إلى الشخصيات أكثر مما كان يتوقع، وأن الفيلم نتاج عمل جماعي حقيقي، شارك فيه الجميع، من مدير التصوير إلى المنتج الذي لم يكتف بدوره الإداري، بل كان حاضراً في الموقع، يساهم في تجهيز الديكورات والملابس وحتى التفاصيل التقنية، بسبب محدودية الميزانية.

وفيما يتعلق بعلاقته بالمهرجانات، قال إن الحديث عن عدم الاكتراث بها ليس دقيقاً، لأن المهرجانات الكبرى تشكل منصة أساسية للعرض والتوزيع، مشيراً إلى أن كثيراً من المهرجانات العربية تختار أفلامها بناء على مشاركاتها الدولية، ما يجعل الوجود في مهرجانات مثل «برلين» خطوة استراتيجية لأي فيلم عربي مستقل.

Your Premium trial has ended


الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
TT

الإعلان عن موعد الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية

صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)
صالة الحجاج الغربية مقر بينالي الفنون الإسلامية بجدة (مؤسسة بينالي الدرعية)

يعود بينالي الفنون الإسلامية في دورته الثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2027 لصالة الحجاج الغربية في مدينة جدة، ليبني على النجاحات التي حقّقها في دورتيه الأولى والثانية.

وكانت الدورات السابقة من البينالي قد نجحت في خلق ظاهرة فنية عالمية مدعومةً بعدد من الشراكات الاستراتيجية مع مؤسسات ثقافية سعودية، من بينها الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، ومجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية، ومركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي (إثراء). وقد أسهمت هذه الشراكات في تقديم قطع أثرية وأعمال فنية للجمهور للمرة الأولى، أبرزها عرض كسوة الكعبة المشرفة كاملةً في الدورة الثانية عام 2025، فيما يؤكد التزام المؤسسة بإتاحة الأعمال النادرة ذات الأهمية الثقافية الاستثنائية للجميع.

جائزة المصلى تعود مع الدورة الجديدة لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

جائزة المصلى

كما شكّل البينالي منصةً لإطلاق مبادرات طموحة، من أبرزها جائزة المصلى، المسابقة المعمارية الدولية التي أطلقتها المؤسسة عام 2024، بهدف تطوير مقاربات مبتكرة في مجال تصميم أماكن العبادة، تعيد تصوّر مستقبل هذه الأماكن كمساحات مؤقتة ومتنقلة، قابلة للتفكيك وإعادة التركيب بسهولة، وقادرة على تجاوز حدود التصميم والتقنيات المستدامة.

المدار... منصة عالمية

ويحتل «المدار» أهمية محورية في هذا التوسّع، وهو مبادرة رائدة ابتكرتها مؤسسة بينالي الدرعية لتحويل البينالي من معرض دوري إلى منصة عالمية مستدامة للفنون الإسلامية، وتجسّد التزام المملكة بالتعاون الثقافي على المستوى الدولي وعبر مختلف التخصصات. أُطلق «المدار» مع الدورة الأولى للبينالي، ويعكس فهماً للتراث الإسلامي باعتباره مجالاً حياً ومتجدداً، حيث يعيد تصوّر آليات جمع كنوز الحضارة الإسلامية من مختلف العصور والجغرافيات ودراستها وتقديمها للجمهور للتفاعل معها.

وتشمل الخطط الجديدة تحويل «المدار» إلى مبادرة فاعلة على مدار العام، ترتكز على 4 محاور رئيسية، هي: «معرض المدار»، الذي يُقام في كل دورة من بينالي الفنون الإسلامية، وتصاحبه برامج ثقافية عامة، و«منصة المدار الرقمية»، التي توظف أحدث التقنيات في أعمال البحث والتبادل الثقافي وصياغة السرديات المتعلّقة بالفنون والثقافة الإسلامية، و«مبادرات المدار»، التي تُعنى بتنظيم الندوات وجلسات الحوار وورش عمل تدعم البحث وتطوير الممارسة الإبداعية، و«مجتمع المدار»، وهو شبكة متخصصة تجمع أهم المؤسسات الدولية بهدف تعزيز تبادل المعرفة وبحث فرص التعاون المشترك.

جانب من قسم «المدار» في بينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

الفريق الفني

وقد تم اختيار فريق تقييم فني دولي ليقود بينالي الفنون الإسلامية 2027 بعد عملية اختيار دقيقة، بدأتها المؤسسة بطرح دعوة مفتوحة لتقديم المقترحات، تلتها مراحل تقييم واختيار نهائي من قبل لجنة مختصة. وسيضم فريق القيمين الفنيين كلاً من البروفيسورة أزرا أكشاميا، وندى رضا، وويليام روبنسون بصفته القيّم الفني الرئيسي، ويجمع هذا الفريق خبرات تجمع بين الممارسات الفنية المعاصرة، والأبحاث التاريخية، والقيادة المؤسسية، ما يعزّز دور المؤسسة الريادي في حفظ ودراسة وعرض التراث الثقافي الإسلامي على المستوى الدولي.

جانب من جناح المدينة المنورة في الدورة الثانية لبينالي الفنون الإسلامية بجدة (الشرق الأوسط)

ومن المقرّر أن تقام الدورة الثالثة من بينالي الفنون الإسلامية، والدورات المقبلة من بينالي الدرعية للفن المعاصر في نهاية كل عام، ما يتيح للمؤسسة التركيز على تعميق الشراكات المؤسسية ومواءمة البيناليات مع التقويم الثقافي الأوسع للمملكة. وسيبني بينالي الفنون الإسلامية في نسخته المقبلة على ما حقّقته الدورتان الأولى والثانية من نجاح، نتج عنه عرض ما يزيد عن 500 قطعة أثرية من أكثر من 40 مؤسسة، تمثل أكثر من 20 دولة، حيث ضاعفت الدورة الثانية عدد المؤسسات المشاركة 3 مرات مقارنةً بالدورة الأولى.


«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
TT

«حي الجرادية»... دراما الانتقام من قلب المكان الشعبي

الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)
الممثلة السعودية نيرمين محسن في مشهد من المسلسل (شاهد)

تمتلك الأحياء الشعبية قدرة خاصة على احتضان الحكايات، وإعادة إنتاجها عبر الزمن، ومن هذا الفضاء ينطلق المسلسل السعودي «حي الجرادية»، الذي يتخذ اسمه من أحد أحياء العاصمة الرياض، حيث يتقدّم الماضي بوصفه عنصراً فاعلاً في تشكيل الحاضر، وتتقاطع مصائر الشخصيات على إيقاع ذاكرة جماعية مثقلة بالتجارب.

تتناول قصة العمل عودة رجل كبير بالسن (إبراهيم الحساوي) إلى الحي بعد سنوات طويلة، محملاً بشعور متراكم من الظلم وذاكرة تحتفظ بتفاصيل قاسية، وتتحوّل هذه العودة إلى مشروع انتقام من أهل الحي الذين يرى أنهم كانوا سبباً فيما آل إليه مصيره، وذلك بتنفيذ مباشر من ابنه (محمد القس)، وتعاونه في خططه أخته (نيرمين محسن).

إبراهيم الحساوي ومحمد القس في مشهد يجمع الأب وابنه لتنفيذ خطط الانتقام (شاهد)

خيار التحوّل الفني

وفي قلب المكان المليء بالمكائد، والخطط الإجرامية، تبرز شخصية «منيرة» التي تؤديها الممثلة نيرمين محسن بوصفها الابنة الصغرى للأب المظلوم، في دور يمثّل محطة مهمة في مسار نيرمين التي قدّمت خلال السنوات الماضية أدواراً تميل إلى الكوميديا، والأعمال الخفيفة، قبل أن تختار مؤخراً الانتقال إلى مساحة درامية أكثر كثافة، وتعقيداً.

وفي حديثها لـ«الشرق الأوسط»، تعبّر نيرمين عن سعادتها بهذه التجربة، وترى أن «حي الجرادية» منحها فرصة حقيقية لإظهار جانب آخر من أدواتها التمثيلية. وتوضح أن بداياتها في الكوميديا، وأعمال التقليد جعلت معظم العروض التي تصلها تدور في الإطار نفسه، وهو ما جعلها تنتظر النص الدرامي الذي يفتح أمامها خطاً مختلفاً في مسارها الفني.

من المسرح الجاد إلى الشاشة

تشير نيرمين إلى أنها اشتغلت على هذا النوع من الأداء سابقاً في المسرح الروائي الجاد، وحقّقت فيه حضوراً لافتاً، وكانت تتطلع إلى نقل هذه التجربة إلى الدراما التلفزيونية عبر نص يمنحها مساحة أوسع للتعبير. وتضيف أنها في موسم دراما رمضان قدّمت شخصيتين مختلفتين درامياً، «منيرة» في «حي الجرادية» و«عهود» في مسلسل «أنا ولا أنا»، وهو ما تعتبره خطوة مهمّة في مسيرتها، لأنه يوسّع خياراتها، ويضعها أمام تحديات تمثيلية جديدة.

وبالسؤال عن انجذابها إلى شخصية منيرة، توضّح أن ما لفتها هو طبيعة هذا التكوين النفسي المركّب، مبينة أن الشخصية تقوم على فكرة «شرّ مخفي» يظهر عبر التفاصيل الدقيقة أكثر مما يظهر عبر الملامح، أو السلوك المباشر، وينبع هذا الشر من صدمة طفولة، ومن رغبة دفينة في الانتقام، بينما تحافظ الشخصية في الظاهر على صورة هادئة، ومترددة. وتشرح أنها قرأت الشخصية أكثر من مرة، وحاولت أن تتعرّف عليها بعمق، وأن تفهم ردود فعلها، وأن تقترب منها بوصفها إنسانة تحمل صراعاً داخلياً بين جانب طيب حاضر في تكوينها، ودافع داخلي يدفعها إلى خيارات قاسية.

نيرمين محسن من قلب تصوير المسلسل (انستغرام الممثلة)

بناء المسار النفسي

كما تؤكد نيرمين أن التحضير للشخصية جاء ضمن عمل جماعي عبر بروفات الطاولة التي جمعت فريق العمل تحت إشراف المخرج منير الزعبي. وفي هذه الجلسات، جرى النقاش حول أبعاد الشخصية، وتفاصيلها النفسية، ومسارها داخل الحكاية، وهو ما ساعد على تثبيت ملامحها الداخلية، وضبط إيقاعها النفسي.

وعن أكثر الجوانب التي شكّلت تحدياً لها في تجسيد منيرة، توضّح نيرمين أن طبيعة الدوافع والانفعالات تمثّل المحور الأساسي لهذا التحدي، فالشخصية تعتمد في حركتها الدرامية على ما يجري في الداخل أكثر مما يظهر في الخارج، وذلك من خلال لغة جسد هادئة، ونبرة محسوبة، بينما الداخل مزدحم بالصراعات، والذكريات التي تواصل تأثيرها في قراراتها.

وينسجم حديث نيرمين محسن مع طبيعة «حي الجرادية»، إذ يقوم العمل على بناء توتّر تدريجي يتكشّف عبر الزمن، وتظهر الشخصيات طبقة بعد أخرى، لتتحوّل العلاقات اليومية إلى مساحات مشحونة بالقلق، والخوف، ما بين عالم تجّار المخدرات، وجرائم القتل، والابتزاز، دون أن يكون هناك حد رادع لهوس الانتقام، والرغبة في تدمير سكان الحي.

وبالسؤال عن التفاعل الجماهيري، تقول نيرمين إن الأصداء التي وصلتها تحمل طابعاً مشجّعاً، وتعبّر عن سعادتها برؤية هذا التفاعل مع العمل، ومع الشخصيات. وترى أن الجمهور السعودي اليوم يتمتّع بوعي فني، ونضج في تلقّي الأعمال الدرامية، ويقدّر الجهد حين يُقدَّم بصورة احترافية، وفي ختام حديثها، وجّهت حديثها للمشاهدين بالقول: «إن الأحداث المقبلة تحمل تصاعداً أكبر بكثير».