فريق سكينديربيو الألباني تلاعب بنتائج المباريات كما لم يحدث من قبل

سعى إلى جني مبالغ طائلة عبر مكاتب المراهنات

جماهير سكينديربيو تتظاهر لمساندة الفريق الذي يواجه عقوبة الإيقاف 10 سنوات
جماهير سكينديربيو تتظاهر لمساندة الفريق الذي يواجه عقوبة الإيقاف 10 سنوات
TT

فريق سكينديربيو الألباني تلاعب بنتائج المباريات كما لم يحدث من قبل

جماهير سكينديربيو تتظاهر لمساندة الفريق الذي يواجه عقوبة الإيقاف 10 سنوات
جماهير سكينديربيو تتظاهر لمساندة الفريق الذي يواجه عقوبة الإيقاف 10 سنوات

يعشق سكان بلدية كورتشي نادي كرة القدم الخاص بالمنطقة بدرجة لافتة. ولهذا، احتشد الآلاف من سكان المدينة الألبانية الشهر الماضي في الشوارع لينشدوا أغاني في حب فريق سكينديربيو الألباني، وامتدت المسيرة على امتداد الشارع الرئيس بالمدينة، وحمل المحتشدون لافتات وأعلاماً تعبر عن حبهم لناديهم، وكان مجمل الرسالة التي تحملها هذه الاحتفالية برمتها واضحاً: «لا تقتلوا حلمنا».
اليوم، يقف كل ما حققه فريق سكينديربيو في مسيرته من قبل على شفا الانهيار بسبب تحقيق استثنائي من نوعه حول التلاعب في نتائج المباريات. وقد أوصى تقرير مسرب عن اتحاد الكرة الأوروبي (يويفا) بحرمان النادي الذي توج بطلاً لألبانيا 6 مرات، والذي أنجز دور المجموعات ببطولة الدوري الأوروبي هذا الموسم، لمدة 10 سنوات... فترة غير مسبوقة على مستوى العقوبات. وإذا ما وافق الكيان المسؤول عن الأخلاقيات والتأديب على هذه العقوبة، فإن هذا سيكتب نهاية مؤسفة لما يقارب عقداً من التقدم.
من جانبه، لم يعلن «يويفا» بعد عن التقرير الذي وضعه اثنان من المفتشين العاملين لديه، المعنيين بشؤون أخلاقيات كرة القدم والتأديب. ومع هذا، فقد جرى تداول التقرير على نطاق واسع داخل ألبانيا، واطلعت «الغارديان» على نسخة منه. ودفع ظهور التقرير سكان كورتشي إلى الخروج إلى الشوارع، خصوصاً أن محتوياته تضمنت إدانات خطيرة للنادي. وخلص التقرير إلى أن فريق سكينديربيو «عمد إلى التلاعب بنتائج المباريات على نحو غير مسبوق في تاريخ كرة القدم»، متهماً النادي بأنه عمل بصورة أساسية بمثابة أداة لتسهيل الجريمة المنظمة. كما سلط التقرير الضوء على التفاصيل الكامنة وراء تحقيقات أجراها «يويفا» حول التلاعب في نتائج مباريات. ومن جهته، لم يقر «يويفا» أو ينفي صحة الوثيقة.
جدير بالذكر في هذا الصدد أن سكينديربيو سبق أن تعرض للعقاب لتلاعبه في نتائج المباريات بالحرمان من المشاركة في أية بطولات أوروبية لمدة عام، وذلك خلال موسم 2016 - 2017. وقد أقرت هذه العقوبة محكمة التحكيم الرياضية (كاس)، وذلك باعتبار هذه العقوبة «إجراءً إدارياً»، في خضم عملية تتبع «يويفا»، يتألف من خطوتين. ويشكل التحقيق الجاري حالياً المرحلة الثانية من العملية، وجزءاً من «إجراء عقابي» أكثر صرامة.
وجاء قرار الإيقاف في أعقاب ضبط نظام رصد أعمال الاحتيال في المراهنات، المعروف اختصاراً باسم «بي إف دي إس»، 53 مباراة شارك بها سكينديربيو - تضم مجموعة من المباريات الودية، وأخرى محلية، ومباريات في بطولات أوروبية - من المفترض أن سكينديربيو تلاعب في نتائجها لأغراض تتعلق بالمراهنات، وذلك خلال الفترة بين نوفمبر (تشرين الثاني) 2010 وأبريل (نيسان) 2016 - وركزت القضية على 4 مباريات على وجه التحديد: اثنتين في دور التأهل لبطولة دوري أبطال أوروبا 2015 – 2016، واثنتين في دور المجموعات من بطولة الدوري الأوروبي من الموسم ذاته. وبناءً على نتائج «بي إف دي إس»، جرى فرض حظر على سكينديربيو.
ويضيف التقرير الجديد أدلة جديدة جرى الحصول عليها من لجنة من المدربين، في الوقت الذي جرت فيه الاستعانة بشركة خارجية لإعادة التأكيد على النتائج، في إطار جهود ترمي لتعزيز الحجة الداعية لتشديد العقوبة على النادي.
من ناحية أخرى، يواجه سكينديربيو اتهامات ببذله «محاولات تلاعب للحصول على أرباح من وراء عمليات المراهنة على مستوى عالمي يثير الصدمة»، وقد نجح النادي بالفعل في جني ملايين الدولارات من وراء ذلك. ويدعي التقرير أن النادي «لم يبد احتراماً لنزاهة رياضة كرة القدم»، وأنه تحول إلى ما يشبه كياناً شديد التنظيم يسعى وراء جني أموال طائلة عبر عمليات المراهنة.
ومن جانبه، نفى النادي هذه المزاعم، وأصدر بياناً عبر صفحته على «فيسبوك»، قال فيه: «يتابع قسم الشؤون القانونية في سكينديربيو الإجراءات الضرورية المتعلقة بالقضية محل الاهتمام، ويعرب عن ثقته في أنه سيجري إنجازها بنجاح». وقد جاء البيان في أعقاب تسريب تقرير «يويفا» على نطاق واسع.
ويشير التقرير إلى أن مباراتين في دور المجموعات: الأولى على استاد سبورتينغ لشبونة، والثانية على أرضه في مواجهة لوكوموتيف موسكو، تشكلان حالتين مثيرتين للاهتمام على نحو خاص. وقد خسر سكينديربيو في المباراتين بنتيجة 5 - 1 و3 - صفر على الترتيب، وتتبع نتائج المباراتين أنماطاً متصاعدة بسرعة في عمليات المراهنة على نحو شبه حرفي. وقد شهدت المباراة الأولى حمى من المراهنات «الغزيرة وغير المنطقية» على نتيجة 6 أهداف أو أكثر، مع ظهور نتيجة 4 - 0 لصالح سبورتينغ لشبونة في وقت متأخر. أما المباراة الثانية، فقد أصبحت محط شكوك عميقة، تبعاً لما أوضحه التقرير، عندما كان سكينديربيو مهزوماً بفارق هدف، مع وجود 5 دقائق فقط متبقية من عمر المباراة. إلا أن التقرير لم يتضمن تلميحاً إلى ارتكاب الفريق الخصم لسكينديربيو أي خطأ.
أما المباراة الأشهر التي أشار إليها التقرير، فجاءت في الدور الثاني للتأهل ببطولة دوري أبطال أوروبا، وكانت مباراة الإياب أمام فريق كروسيدرز المنتمي لآيرلندا الشمالية، وذلك في 21 يوليو (تموز) 2015. وكان سكينديربيو قد فاز بالمباراة التي جرت على أرضه بنتيجة 4 – 1، وتقدم بنتيجة 2 - 1 في مباراة الإياب. وأعقب ذلك ما وصفه التقرير بـ«بعض المراهنات الحية المثيرة للريبة على نحو صارخ»، التي بلغت في مجموعها «عدة مئات الآلاف من الدولارات على أدنى تقدير». وبعد تقدم كروسيدرز بهدفين مقابل هدف، بدا سكينديربيو وكأنه يود خسارة المباراة. وخلال الدقائق العشر الأخيرة من المباراة، اخترق هدفان شباك سكينديربيو، في الوقت الذي ألغى فيه الحكم هدفين آخرين سجلهما كروسيدرز. وكتب حارس مرمى كروسيدرز، سيان أونيل، تغريدة عبر موقع «تويتر» في أعقاب المباراة، قال فيها: «إذا لم يجر (يويفا) تحقيقاً بشأن المباراة التي خضناها الليلة، فإن هذا يعني أن ثمة أمراً مريباً»؛ وقد جرى تقديم هذه التغريدة بين الأدلة المتعلقة بالقضية.
جدير بالذكر أن نظام «بي إف دي إس» يستخدم نظاماً لوغاريتمياً ونماذج رياضية لتقييم حركات المراهنة بمختلف المباريات، التي تخضع لمزيد من التفحص إذا ما ظهرت بعض الأنماط المنحرفة. والملاحظ أن النظام أبدى حدوث انحرافات في نتائج سكينديربيو في عدد من المباريات، تبلغ ضعف أي ناد آخر منذ بدء العمل بهذا النظام عام 2009. وقد استعان «يويفا» بشركة بريطانية لإجراء تحليل للبيانات المتعلقة بـ10 من تلك المباريات. وحملت النتائج تشابهاً يكاد يبلغ حد التطابق مع تلك التي خلص إليها نظام «بي إف دي إس»، وتعتبر هذه النتائج جزءًا محورياً من النتيجة النهائية التي خلص إليها التقرير.
ويتمثل حجر زاوية آخر في النتائج التي ستخلص إليها «لجنة خبراء»، يتضمن أعضاؤها مساعد مدرب نادي ليستر سيتي، مايكل أبلتون. وقد جرى تكليف اللجنة بمراجعة أحداث من المباراة التي وصفت بـ«الصادمة» و«المثيرة للحرج» أمام كروسيدرز، وكذلك «بعض من اللحظات المريبة الأخرى» في مباراة أخرى ورد ذكرها بالتقرير، أمام دينامو زاغرب.
ويزعم التقرير أن مثل هذه المواقف المريبة بدأت في الظهور في أعقاب تعيين أغيم زيكو رئيساً لسكينديربيو في يناير (كانون الثاني) 2010. وفي تلك المرحلة، كان النادي يواجه خطر الهبوط، إلا أنه نجح في البقاء داخل الدوري الممتاز، وتمكن من الفوز ببطولة الدوري 5 مرات متتالية بعد ذلك.
ويكشف التقرير أن أولى المباريات التي جرى التلاعب بها جرت في نوفمبر 2010. وفي تصريحات لـ«الغارديان»، قال زيكو: «أنفي تماماً وبقوة حدوث أي تلاعب في نتائج المباريات خلال فترة عملي رئيساً لنادي سكينديربيو، وأقف اليوم على أتم استعداد لمواجهة مثل تلك المزاعم علانية، بما في ذلك داخل قاعات المحاكم إذا لزم الأمر».
من ناحية أخرى، تشير أقاويل إلى أن الرئيس الحالي للنادي، أرديان تاكاج، الذي خلف زيكو عام 2012، ووزير المالية الألباني السابق ريدفان بودي، كانا ضليعين في مخطط الاحتيال والتلاعب. وأشار التقرير إلى الأخير على وجه التحديد باعتباره أحد كبار المانحين للنادي، وذكر أنه يملك «النفوذ والاتصالات والمعرفة الضرورية للتأثير على نتائج مباريات سكينديربيو... وقد عمد إلى فعل ذلك على مدار سنوات».
أما تاكاج، فيواجه اتهامات باستهداف المباريات الودية تحديداً، في محاولة لجني مكاسب غير قانونية، واستغلال اتصالاته وعلاقاته مع لاعبين في صفوف سكينديربيو للتأثير على التحركات داخل أرض الملعب. وركز أحد أقسام التقرير على التعاملات التجارية لتاكاج، والصلات القائمة بين سكينديربيو وشركات مراهنة من المزعوم أنه شريك بها. ومن جانبهما، ينفي الرجلان تورطهما في أي تلاعب أو احتيال في نتائج المباريات. وقال بودي، في تصريحات لـ«الغارديان»، إنه لم يوفر دعماً مالياً قط لسكينديربيو، وأضاف أن المزاعم المثارة جرى إطلاقها «على نحو متهور»، موضحاً: «لم أكن يوماً شريكاً في أو على علم بأية محاولة للتأثير على نتيجة أية مباراة».
وقال تاكاج، في تصريحات لـ«الغارديان»، إن المزاعم المثارة حول مشاركته التجارية في النادي «مقتطعة من سياقها»، مضيفاً: «لم يسبق لي قط المشاركة، على نحو مباشر أو غير مباشر، في أية نشاطات ترمي للتلاعب في نتيجة مباراة، ولا أي من الأشخاص الذين تربطهم صلات بي».
من ناحية أخرى، لا يزال حارس المرمى أورغيس شيهي، 40 عاماً، الذي يتهمه التقرير بالتربح من وراء أعمال التلاعب في نتائج المباريات، جزءاً من الفريق حتى اليوم. وكذلك الحال مع المدافع تيفيك عثماني، الذي يواجه اتهامات مشابهة. وقد نفى الاثنان، في تصريحات لـ«الغارديان»، صحة الاتهامات المنسوبة إليهما.


مقالات ذات صلة

الألماني توبمولر مدرباً جديداً للنس

رياضة عالمية دينو توبمولر (رويترز)

الألماني توبمولر مدرباً جديداً للنس

عيّن نادي لنس لكرة القدم الألماني دينو توبمولر مدرباً جديداً له بعقد يمتد لعامين خلفاً لبيار ساج المنتقل إلى كريستال بالاس الإنجليزي.

«الشرق الأوسط» (ليل)
رياضة عربية هيرفي رينارد (أ.ف.ب)

رينارد... مهندس الإنجازات الأفريقية في واجهة المونديال من جديد

تراهن تونس على خبرة الفرنسي المخضرم هيرفي رينارد لإحياء آمالها في كأس العالم لكرة القدم، إذ يستعد المدرب لخوض غمار ​النهائيات العالمية مجدداً عبر بوابة المنتخب.

«الشرق الأوسط» (تونس)
رياضة عالمية ماغنوس كارلسن (أ.ف.ب)

أسطورة الشطرنج كارلسن: النرويج قادرة على بلوغ ربع نهائي المونديال

توقّع أسطورة الشطرنج والمشجع المتحمّس لكرة القدم ماغنوس كارلسن، الثلاثاء، أن «تسحق النرويج العراق» في عودتها إلى كأس العالم بعد 28 عاماً...

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
رياضة عالمية لامين يامال (أ.ف.ب)

مونديال 2026: إسبانيا لتبديد الشكوك سريعاً بعد التعثر المفاجئ

أن تكون من أبرز المنتخبات المرشحة للفوز باللقب، ثم تتعادل افتتاحاً مع المنتخب الذي يخوض النهائيات للمرة الأولى، فهذه صفعة لبطل أوروبا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك (الولايات المتحدة))
رياضة عالمية ميرتس يهدي ترمب قميصاً للمنتخب الألماني يحمل رقم «47» (إ.ب.أ)

ميرتس يهدي ترمب قميصاً للمنتخب الألماني يحمل رقم «47»

على هامش قمة «مجموعة السبع» في منتجع «إيفيان» الفرنسي، فاجأ المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بهدية بمناسبة عيد ميلاده...

«الشرق الأوسط» (إيفيان (شرق فرنسا))

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.